أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=770339

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الفضل شلق - الأرض مشروع مؤقت للرأسمالية















المزيد.....

الأرض مشروع مؤقت للرأسمالية


الفضل شلق

الحوار المتمدن-العدد: 7390 - 2022 / 10 / 3 - 16:05
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



الأرض مستديرة محدودة الحجم والمساحة، ما يعني أنها محدودة الموارد. تراكم الثروة غير محدود، ذلك أن جشع الرأسمالية غير محدود. تعتبر الرأسمالية وجودها مهدداً عندما تتوقف الثروة عن النمو، مهما بلغ قدرها. هناك تناقض أساسي بين الرأسمالية من جهة، وبين البيئة ومواردها من جهة أخرى. البيئة هي الطبيعة أو الكرة الأرضية بما فيها الإنسان. فهل البيئة معرضة للاستنزاف، وبالتالي الدمار في وقت ما من الزمن القريب أو البعيد؟ ويكون ذلك مهدداً للحياة البشرية. فالحياة البشرية مرتبطة بسلامة البيئة ولا حياة بدونها.

نظريات التنمية معنية بإدارة الموارد الطبيعية والبشرية. ربما كان الاهتمام ببناء الجنس البشري نابعاً من ميل نفسي أبوكاليبتي (عن يوم القيامة). والأرجح أن الرأسمالية غير معنية بالبيئة والبشر إلا كأدوات استغلال واستهلاك. في الثقافة الدينية الله هو الذي يخلق ويميت. لذلك يميل المتدينون الى الاتجاه اليميني لصالح الرأسمالية. إذ يميلون الى موقف متراخٍ حيال الطبيعة والكون، مما يريح الرأسمالية الممعنة في استغلال الموارد على حساب الطبيعة والبشر. وإلقاء التبعة (أو الملامة) على الله يفيدها في تنصلها من كل مسؤولياتها الإنسانية. في ثلاثية الله والرأسمالية والبيئة، يتحالف أصحاب الإيمان بالله مع الرأسمالية، ضد البيئة بما فيها المصير الإنساني. إذ أن المصير الإنساني يقرره الله في السماء، لا ما يجري على الأرض. ما دام الأمر كذلك، فالرأسمالية لا تتحمّل مسؤولية تدمير البيئة وتعطيل إمكانية الحياة البشرية. في ذلك كلفة لا تريدها. ربما اهتمّ أصحاب الدين ببعض المسائل الدينية هنا وهناك لأسباب تتعلّق بالسياسة والموقف من السلطة، لكن مسألة الوجود البشري خارج عن اهتمامهم، وإلا اعتبروا أن لديهم مشكلة مع الخالق الذي هو وحده يمسك بالقرار حول هذا الوجود.

نشهد في هذه الأيام فوضى مناخية، إذ تتغيّر الفصول، وتتكاثر السيول في غير أوانها وأماكنها المعتادة والمتوقعة. وتتحوّل شوارع المدن الى أنهار. في مناطق لم تعرف هذه الظاهرة من قبل. تذوب ثلوج أعالي الجبال، فتنصب الى مناطق أدنى كسيول. وتتلاشى جبال الجليد بسبب ارتفاع الحرارة، أو ما يسمى الاحتباس الحراري. ويذوب الجليد في المناطق القطبية، مما يؤدي الى ارتفاع مستوى البحار والمحيطات، مما يهدد الكثير من المناطق الوطيئة والمدن الساحلية. وتصاب مناطق بالجفاف بحيث تتدنى كميات المياه الجارية في الأنهار التي كانت صالحة للملاحة ولم تعد كذلك. المعروف أن أكثر المناطق تعرضاً للجفاف هي منطقتنا العربية الممتدة من المحيط الهندي الى الأطلسي، وإن كانت بعض بقعها الصحراوية قد بدأت تشهد تجمعات مائية، كما في الربع الخالي. لكن التصحّر مشكلة ليست جديدة في منطقتنا. فالصحراء تزحف نحو السواحل مما يهدد، باستمرار ومنذ زمن، بتقلّص الأرض الزراعية، وما يجر إليه ذلك من مجاعة، وعلى الأقل الاعتماد على بلاد الغير للتزوّد بالمواد الغذائية، من أجل إطعام سكان مناطق كانت هي ذاتها تزوّد الامبراطوريات القديمة بالحبوب والماشية.

الفوضى المناخية هي من صنع الإنسان (الرأسمالية)، إذ أن الانبعاثات الكاربونية تؤثر بالغلاف الجوي المحيط بالأرض، والذي لم يعد قادراً على الانتظام بفعل تسرّب اشعاعات غير معتادة الأرض عليها، مما يتسبب بالاحتباس الحراري، الذي يشكل خطراً ليس فقط على البيئة وتوازنها، بل على الوجود البشري وبقائه. الفوضى المناخية وما تسببه من فيضانات، وموجات جفاف، وعواصف، ومجاعات، وأسباب تقود الى الحرب (إذ أن ندرة الموارد ونضوبها يستدعي التنافس من أجلها والتقاتل حولها)، إضافة الى الفقر والإفقار (تعميم الفقر)، وإبقاء البشري (معظم البشر) على حافة الشبع أو الجوع.

المهم أن يبقى الإنسان على حافة الهاوية. وهذه تعني حافة الاستسلام. هذا المعذّب الذي تلاحقه الخطيئة منذ اليوم الأوّل لوجوده ولا يستطيع آن ينهي حياته طوعاً، لأن ذلك كفر، وعليه أن يعيش وسيف الرأسمالية مسلطاً على رقبته. فعليه أن يخضع؛ والفرق ليس كبيراً بين العبودية لخالقه والانصياع لنظام الكون الذي دمرت توازنه الرأسمالية وجعلت العيش فيه مسألة نضال من أجل البقاء. تفتقت عبقرية أباطرة الرأسمالية، الذي تعد ثروة كل واحد منهم بمئات المليارات من الدولارات، عن اختراع غريب لما يوحي بلا محدودية البيئة أو الطبيعة أو ما هو على الأرض. فاقتحم بعضهم الفضاء الكوني، أي خارج محيط الارض. فأطلقوا شركات سفر الى الفضاء، ومحطات للعيش فيها، وأوهموا المستثمرين أن هناك “موارد طبيعية” في الكواكب الأخرى. وهذه يمكن الاستفادة منها حتى لو نضبت موارد الأرض. بالطبع شكلوا شركات لهذا الغرض وسموه “غزو الفضاء”. بالطبع أيضاً أفلست هذه الشركات. كلما أفلست موجة من الشركات، تأسست أخرى. المحاولات تتكرر. كل ذلك للإيهام بأن الموارد غير محدودة، ولا لزوم للأسى أو التاسي بشأن مصير الأرض، المنتشر فيها سلاح الدمار الشامل. والآن يجري التهديد باستخدام السلاح النووي في أوكرانيا. وكأن المقصود بمفاوضات النووي في ايران أن لا تنتهي كي يبقى الشعور بالفناء متعمقاً في الوعي البشري.

المشكلة ليست في كون الموارد الطبيعية المتاحة كافية أو غير كافية. بل هي في عدم توازن الاستهلاك الرأسمالي الفاقد التوازن والذي يضع هدفاً له مهما كانت التكاليف لا حاجات البشر، والتي يجب أن تتلاءم مع معطيات الطبيعة، لو كان هناك حد أدنى من التوازن بين الحاجات الإنسانية والطبيعة، وبين أشياء الطبيعة ذاتها. لكن دافع الربح بغض النظر عن مصلحة البشر وتوازن الطبيعة ذو أولوية كاملة. وهو الذي يهدد الطبيعة والإنسان. لا تقتصر التهديدات حول طريقة استخدام الرأسمالية للطبيعة والتوازن فيها، ولا استخدامها لمصلحة الإنسان العامل ولبقائه. تعمل الرأسمالية على تدمير الأرض، وتبحث عن مخرج وهمي. بعد كل مرة تحاول مرة أخرى استقدام مواد أولويّة من الكواكب الأخرى. فكانها تعلل البشري بأن نصيبه بل حظه ليس على الأرض بل في السماء، كما كانت الكنيسة تبيع صكوك الغفران في السماء الجنة.

يزدهر النظام الرأسمالي في العالم بالأوهام. يعيش على الأوهام. ما هو غير وهمي في هذا النظام يقبض عليه قلة من أصحاب الرأسمال والمال. وبقية البشرية يعيشون حياة فقر أم على حافة الفقر، أو هم مهددون دائماً بالفقر. والآن تتسبب فوضى المناخ بالجوع وفقدان كل ضروريات الحياة، والملبس، والمأوى، وحتى الشرف (لا ندري كيف تذهب النساء الى بيت الخلاء في مدينة يبلغ عدد سكانها حوالي عشرين مليون نسمة ،ليس في بيوتها منافع المراحيض، ولا حتى تتوفر فيها إمكانية مياه الشرب). يستطيع إنسان في النظام الرأسمالي أن يصير غنياً أو غير فقير. لكن الواقع غير ذلك. ما زالت “حقوق الإنسان” قاصرة عن توفير الحقوق للناس. ما تعطيك اياه الرأسمالية في الوهم تسلبه منك في الواقع. وهي على أتم الاستعداد، كما في لبنان، أن تسلب منك ما لديك، وتدعي التعاطف معك لاستعادة أموال المودعين، كما تقول إعلانات المصارف، وكل ذلك بدعم، وربما بتوجيه، من النظام السياسي. وهو على كل حال مسؤول عما يجري في البلد، مباشرة أو غير مباشرة.

ما لا تقر به الرأسمالية أن موارد الأرض محدودة، أو على الأقل ما هو منها معروف هو محدود، وأن تدمير البيئة أو الفوضى المناخية صنع رأسمالي. ووسائل الإعلام والتواصل تقول أنه صنع بشري. فكأن المصانع والمؤسسات التي يتصاعد منها الدواخين لبث الانبعاثات هي ملك للبشر لا الرأسمالية.

تدمير البيئة على الأرض هو مشروع رأسمالي. وما يقال عن أن الفوضى المناخية صنع بشري هو للإيهام بعدم حصر المسؤولية بالرأسمالية، بالأحرى النظام الذي يتحكم بالكرة الأرضية. الضحية دائماً هو الجنس البشري.

الخلاص من البشرية، أو على الأقل من جزء منها، هو المشروع الأساس للرأسمالية، عن وعي وسابق تصميم. بالطبع تبقى الحاجة للخدم والكتبة والمحاسبين. لكن المسنين، وكل من لا يساهم، أو لا يقدر على أن يساهم، في عمل مفيد، ما عاد لازماً. لا ترى الرأسمالية في البشر إلا منتجين للقيمة، التي يتزايد الاعتماد على الأتمتة وأجهزة الروبوت من أجلها، للاستغناء عنهم. وسياسات الإفقار بحد ذاتها وسيلة لتيئيس البشر من حياتهم ودفعهم لشراء الموت.

ربما لم تكن الرأسمالية حين نشأتها قبل خمسة قرون مشروعاً واعياً، بل كانت سيستام ولو تدريجياً من رحم النظام الاجتماعي السابق. مع مرور القرون وتقدم التكنولوجيا وتراكم الثروات، أصيبت الرأسمالية بداء الكبرياء حتى على البشر أنفسهم. ما كان قاعدة للنمو، أي البشر، أصبحوا لزوم ما لا يلزم. الرأسمال المالي يجني من مضاربات البورصة أكثر بكثير من أرباح الشركات الصناعية والخدماتية. الرأسمال المالي سيستام قائم بذاته ولذاته. الرأسمال ما قبل المالي كان محتاجاً للبشر، وإن كان الأمر مع استغلال.

والآن يقود الكبر بعد تدمير الأرض الى اعتبار الفضاء الكوني هو المجال الذي يجب على الإنسان التطلّع إليه. صناعة الأوهام تدر الكثير من الثروات. واقع الأرض يدر كثيراً من الموت. الله يستر من حرب أوكرانيا ونتائجها التي ربما ستكون نووية.



#الفضل_شلق (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قارب الموت والحياة: عهر الوجود
- المياسون روح جديدة في الثقافة العربية
- ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
- المصارف اللبنانية وخيانتها لنفسها ولمجتمعها
- افتراق السلطة والشعب: ثقافتان وخطابان
- بيان المؤتمر القومي الإسلامي – تعبير بائس
- للأنظمة العربية الديكتاتورية بنية فكرية
- ضرورة الحرب من أجل السلام
- الإرهاب الامبراطوري غذائي وأمني وثقافي
- الاقتصاد السياسي للبترول
- الاقتصاد السياسي للمال في لبنان
- مشكلة حزب الله في المواجهة مع الولايات المتحدة
- التحليل الطبقي وتحليل التشكيلات الاجتماعية
- الانتخابات في شرح قصيدة دريد بن الصمة
- دعوية الحزب الديني تميزه عن الحزب الطائفي
- الحزب الشيوعي اللبناني: أوهام جديدة بخطاب قديم
- الإرادة فعل ومعرفة
- المؤتمر الخامس للمنظمة الشيوعية سابقاً اليسارية حالياً نقد و ...
- كسب الحرب وخسارة النتائج السياسية
- هستيريا الحرب بعد الكورونا


المزيد.....




- السودان.. اتفاق بين جنرالات الجيش والمدنيين لإنهاء الجمود ال ...
- السودان.. اتفاق بين جنرالات الجيش والمدنيين لإنهاء الجمود ال ...
- ارتفاع نسبة التضخم في النمسا إلى 11%
- موسكو تنفي إجراء أي مفاوضات مع كييف حول منطقة آمنة بمحطة زاب ...
- توقيع على الاتفاق الإطاري لإنهاء الأزمة في السودان
- بالفيديو.. النيابة العامة بأبو ظبي توضح طبيعة العقوبة الضخمة ...
- واشنطن ترفض التعليق على محاولة قوات كييف ضرب مطارين عسكريين ...
- شبّه لبنان بـ-التيتانيك-.. مسؤول استخباراتي إسرائيلي: مشروع ...
- ما وراء نفي ماكرون سعي الغرب لتدمير روسيا؟
- -الثورة مستمرة-... المتظاهرون الإيرانيون يكذبون مزاعم -حلّ- ...


المزيد.....

- أسرار الكلمات / محمد عبد الكريم يوسف
- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الفضل شلق - الأرض مشروع مؤقت للرأسمالية