أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قادري أحمد حيدر - في صواب مصطلح الهاشمية السياسية 1-5 مقاربة أخرى















المزيد.....


في صواب مصطلح الهاشمية السياسية 1-5 مقاربة أخرى


قادري أحمد حيدر

الحوار المتمدن-العدد: 7340 - 2022 / 8 / 14 - 20:51
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


قادري أحمد حيدر




في صواب مصطلح "الهاشمية السياسية"
(مقاربة أخرى)


(5 - 1)


١: تمهيد سياسي تاريخي:


أول الكتابة تبدأ بتفكيك النص المنقود، بالتركيز على الفكرة المحورية فيه، وملامسة بعضها الآخر ذي الصلة بالفكرة المطلوب بحثها أو نقدها، أو تطوير بعض جوانبها الملتبسة أو الجدلية، وهذا ما حاولت في هذه القراءة ان اجعلها تجمع بين الانطباعية والتاريخية والتحليل. على أنني وجدت نفسي أمام ومع نص الأستاذ الباحث/ عيبان السامعي في غنى عن التحليل في جوانب معينة بما قدمه في بحثه أو موضوعه من رؤى تحليلية. ولذلك لم يبق أمامي سوى أن أملأ صفحات قراءتي هذه بالانطباعية والتاريخية، حين يكون ذلك مفيداً وضرورياً، بمعنى آخر ما أحاوله في هذه القراءة هو الإتكاء على الجهد المفتاحي، والشغل الفكري والسياسي والتحليلي الذي قام به عيبان في مطالعته لمصطلح "الهاشمية السياسية" بصرف النظر عن رأيه في خطأ المصطلح كما ذهب إلى ذلك.

إن التحليل الذي قدمه عيبان علمي وواقعي ارتكز على المنهج العلمي الجدلي المادي التاريخي في اطاره العام.

الاتفاق والاختلاف حول خطأ، مصطلح "الهاشمية السياسية" هو ما أقدم حوله مقاربة أخرى، مغايرة، مع اتفاقي على المنهج العلمي النقدي التحليلي الذي اشتغل عليه.

لم أكن لأقدم على هذه القراءة لولا أنني وجدت نفسي أمام موضوع فيه فكر وبحث يستحقان التناول والحوار معهما، وما أقل الكتابات الفكرية والثقافية والسياسية الجادة، والمحفزة للقراءة وللبحث فيها، والحوار معها، في واقع هيمنة وسيادة الكتابات الرثة، المتعبة للعقل، والمرهقة للروح، كتابات هي إلى الزبد والغث أقرب.. كتابات تحاصرنا وتطوق مثل قيود السجن أفواهنا عن الكلام والكتابة، هي انعكاس لبؤس الواقع في أسوأ مظاهر انحطاطه وتعبيره تجسيداً لبؤس الفلسفة السياسية السائدة. فالواقع الذي يضج بالغرائبية واللامعقول (الفنتازيا) في جميع تفاصيله، قطعاً لا يفرز من الكتابة سوى ما يشبهه في الشكل والمعنى، كتابات معجونة بالتمذهب السياسي، وا لطائفية السياسية، وبالقبلية السياسية، والمناطقية والجهوية، وهي التي تغطي وجه حياتنا الفكرية والسياسية والثقافية منذ أكثر من سبع سنوات، وأكثرها كتابات لا تقدم معرفة مضافة، ولا نقداً موضوعياً عقلانياً للواقع، وللفكر السائد، قدر ما تعيد انتاجه، وهو ما أشار إليه عيبان من استخلاص ونتائج في بداية المقال، وفي خاتمة جملته/ مقالته، تحت عنوان "صفوة القول"، حول الموضوع المبحوث الذي يدور حول الدور المدمر والخطير للتمذهب السياسي والطائفية السياسية، وهو ما أتفق معه حوله. على أنني وجدت نفسي مختلفاً معه فيما ذهب إليه من قول حول خطأ مصطلح "الهاشمية السياسية".

فعلاً، إن من يتابع المنتج الفكري والسياسي والثقافي في بلادنا وتحديداً خلال الثماني سنوات المنصرمة، سيجد علائم ومظاهر العودة للخلف في كل شيء: غياب الإنتاج المعرفي، بل تراجعه بالمطلق عما كان؛ ضعف في حضور الفكر في الخطاب السياسي، هشاشة وضحالة في بنية الخطاب الثقافي العام، تراجع في صورة وروحية النقد، على الأقل في ما وصل إلي من كتابات، هي إلى الضحالة السياسية أقرب، وكأنها تشير إلى حالة التماثل إن لم أقل التطابق بين بؤس الواقع، وبؤس وانحطاط الفكر المعبر عن ذلك الواقع، وإذا ما تواصل استمرار هكذا سياسات في إدارة السلطة والدولة، ومعها استمرار مثل هذه الكتابات وتكرست البنية والبيئة المساعدة على انتاج تلك الكتابات، إلى جانب الشرط السياسي البائس الذي نعيشه على مستوى سلطات الأمر الواقع القائمة في كل البلاد، فإن ذلك كفيل باستكمال انتقالنا مما تبقى لنا من عقل ومن عقلانية، إلى الخرافة، في صورة هيمنة الجهل المسلح السائد في البلاد اليوم، وانتقالنا مما تبقى لنا من الدولة، إلى اللادولة، دويلات العصبيات المذهبية والطائفية والقبلية والمناطقية والجهوية، وشيئا من هذا القبيل نراه يجد سبيله إلى التحقيق وبدعم من جهات اقليمية تحديداً، ودولية، وعلينا أن نتدارك أنفسنا بالعمل المشترك للحفاظ على ما تبقى لنا من النظام، ومن الدولة ولوقف هذا الانحدار الانحطاطي إلى قعر هاوية الصراعات والحروب المذهبية والطائفية والقبلية والمناطقية.

إن الحاصل هو أننا ننتقل بصورة مشهدية تراجوكوميوية، من الدولة إلى اللادولة، وإلى المليشيات، ومن العقل الى اللاعقلانية في كل شيء!!

إن المنطقة العربية كلها – بدرجات متفاوتة – تعيش حالة أزمة انفجارية غير مسبوقة: أزمة سياسية، وأزمة ديمقراطية، وغياب للحريات الخاصة والعامة، و أزمة نظام حكم، أزمة اقتصادية واجتماعية. على أن ما نعيشه في اليمن اليوم هو الأسوأ والأكثر بشاعة دون منازع، ذلك أن أزماتنا – مع الأسف – في الغالب منها لا تعيدنا فحسب إلى بحث قضايا كنا نعتقد أننا تجاوزنها من عقود طويلة، فإذا بنا نجد أنفسنا نعود لمعايشة وبحث قضايا تعود لقرون خلت. والحقيقة أننا لا نعود فقط لبحثها فكرياً وسياسياً، وإنما لتحل ضيفاً ثقيلاً علينا يدخل إلى بيوت عقولنا وإلى تفاصيل حياتنا اليومية في البيت والمدرسة والجامعة، حتى إدارة الشأن العائلي والمجتمعي والسياسي السلطوي، وهي قمة المأساة التي لا يشاركنا فيها أحد كما أتصور، أو كما يبدو لي من ظاهر ومظاهر ما نعيشه وما نتداوله في حياتنا الخاصة والعامة (الصغيرة والكبيرة)، من فكر مأزوم، وسياسة بدائية، وهو قطعاً ما يستدعي أكثر من إعمال للعقل النقدي البحثي لقراءة ما يجري في بلادنا.

حين نعود للتاريخ، إنما نعود إليه لأمرين أثنين: الأول، لأخذ العبرة والاستفادة من دورس التاريخ، وللبحث في ضوئه - على سبيل المثال - لماذا قال الأستاذ شاعر اليمن الكبير، عبدالله البردوني: "لماذا الذي كان مازال يأتي لأن الذي سوف يأتي ذهب"، أي لنقف أمام هذا السؤال المعرفي التاريخي (الاستنكاري)، الذي تتجلى فيه الشعرية، بقدر ما يتعملق فيه سؤال الفكر، والتاريخ، التاريخ في علاقته بالمجتمع وبالناس والدولة، أي أننا حين نعود للتاريخ، إنما نعود لبحث اشكالياته في ما يدفعنا للإمام، وليس بما يجعلنا نعيد انتاج الفكرة والواقع من ذات النقطة التي بدأ فيها التاريخ قبل قرون، والأهم أن نقترب من فهم الإجابة على السؤال الاستنكار للشاعر عبدالله البردوني، لماذا ما يزال الذي كان يتكرر حضوره في حياتنا، في صورة المذهبية السياسية، والطائفية السياسية والقبلية السياسية، وهو ما نطالعه مع بعض الكتابات التي استثارت الحفيظة الذهنية والعقلية والفكرية للصديق/ عيبان، فأشار محقاً إلى أن بعض ما ينتج ضد المذهبية والطائفية والقبلية والجهوية إنما ينطلق من ذات المنطلق المضاد، كتابة ذاتية طائفية مضادة، لا تضيف جديداً، ولا تساهم في تقديم خطاب معرفي وفكري وسياسي بديل للسائد العفن، قدر ما تكرسه. والأمر الثاني الذي يجعلنا نعود للتاريخ، هو نقد ما يستوجب النقد، بعيداً عن العقلية العدمية بالقطيعة مع المعرفة التاريخية (التاريخ في صيرورته). ففي التاريخ ما يستحق تطويره والاضافة إليه وتجاوز ما يعوق حركتنا للإمام.

الإنطلاق إلى المستقبل لا يكون إلا من حاضر معاش، وكذلك من واقع كان، (ذاكرة تاريخية).

إن التاريخ مدرسة قدمت فيه الأجيال ومن خلاله حلولاً لمشاكلها، هي قطعاً لا تصلح لنا، معرفة مكتسبة، وخبرة معرفية وحياتيه ثمينة، تجعل من حاضرنا منطلقا سهلاً للمستقبل.

إن قيمة التاريخ بجميع مكوناته المعرفية والاجتماعية والمادية، أنه قد تحول إلى ذاكرة تاريخية لنا، لا يمكننا الانطلاق للإمام بسهولة ويسر دون مشاكل، بدون تلك الذاكرة التاريخية، ولا يمكننا الانطلاق للأمام دون فعل دور تلك الذاكرة فينا اليوم وغداً.. هي حاضرة فينا ليس كأجوبة جاهزة نرد بها على أسئلة الراهن والمستقبل، بل كخبرة ذاتية معرفية وفكرية ونفسية ووجدانية؛ ذلك أن الانطلاق للمستقبل لا يكون إلا من أرضية حاضر صلبة، حاضر يتكئ على ذاكرة تاريخية عميقة الغور في العقل والوجدان العام لنا.

إن خطاب التأسلم السياسي، والتمذهب السياسي والطائفية وحتى القبلية والمناطقية والجهوية، جميعاً ظواهر فكرية/ ثقافية وسياسية عرفها التاريخ القديم والإسلامي، وتاريخنا الحديث والمعاصر، ليست حكراً على مرحلة أو فترة زمنية تاريخية دون أخرى أو على دين دون أخر، تاريخ سياسي أيديولوجي صراعي حاضر من قبل تاريخ السنة والشيعة "النواصب والروافض"، علماً أن أول من تحدث وأطلق صفة وتسمية "الروافض" هو الإمام زيد بن علي رضي الله عنه، في مواجهة الخوارج، ومن كانوا يريدون منه تفسيق وتكفير الشيخين (أبوبكر وعمر)، ورفض ذلك رغم أنه بحاجه ماسة لهم في حربه ضد الأمويين.

إن خطاب الأصولية المذهبية والطائفية حاضر في المسيحية كما في اليهودية وفي الإسلام، وفي العديد من الأديان غير السماوية، "حرب الثلاثين سنة (1618-1648م)، بين البروتستانت والكاثوليك، حيث كانت ألمانيا مسرحها، والتي انتهت بصلح وستفاليا سنة 1648م، و"حرب المئة سنة (1337-1453م) بين انجلترا وفرنسا"؛ حروب أخذت أوصاف وتسميات اصطلاحية دينية، وتقف خلفها مطامع سياسية واقتصادية، كان المصطلح المذهبي والديني فيها أداة فحسب، لشرعنة الحروب السياسية والاقتصادية. وحول ذلك يقدم ماركس مطالعات نقدية وافية في بعض كتاباته. ألم تسمي الكتابات البحثية والأيديولوجية الاستشراقية والاستعمارية، حروبها الاستعمارية ضد منطقتنا العربية بــِ"الحروب الصليبية" واسمتها الكتابات البحثية العربية بـــ"حروب الفرنجة"، لكشف الطابع اللاديني لها، وايضاح العمق السياسي الاقتصادي الاستعماري لها كغايات!!

وبهذا المعنى والدرس من البحث لا أقرأ ولا أفهم الصراع إلا باعتباره صراعاً على السلطة والثروة (الملك)، في أي مكان كان، سواء كانت صراعات بين الاصوليات الدينية، أو داخل بنية كل دين ومذهب. أي إن الدين كدين ومحتوى نصي ديني سماوي لا صلة له بالصراع؛ فالنصوص الدينية للأديان جميعاً، والقرآن منها، كلها حمالات أوجه، ومن هنا كانت القراءات التأويلية للنصوص الدينية، قراءة سياسية اجتماعية بشرية (فكر تاريخي ديني/ وفقه)، والاختلاف الذي يجري هو بين القوى السياسية الاجتماعية (الطبقية) والفكرية التي تقف خلف تلك القراءات والتأويلات.. الصراع يجري في الأرض على المصالح المادية المباشرة (السلطة والثروة)، وليس على ومع خالق النصوص الدينية. على أنه حين تناقض المصلحة المعرفة تنتج الخرافة حول كل شيء، ونجد الاصطفافات السياسية والاجتماعية على الأرض، وفي العديد من الحالات، تتخذ المنحى الخطأ، حيث تقف بعض اقسام ومجاميع من فئات وطبقات وشرائح المجتمع ضد مصالحها التاريخية، انطلاقاً من جذر وخلفية ذلك التناقض بين المصلحة والمعرفة، وهو ما نشاهده في الكثير في الحالات وتحديداً في صورة ما يجري من صراع سياسي في بلادنا، منذ سبع سنوات، بل وحتى ما قبل ذلك التاريخ.

إن التاريخ الاجتماعي لا تحركه الأهواء والأمزجة والرغبات، بل المصالح الاقتصادية، وينتظم ذلك منطق مادي موضوعي أساسه وجوهره الصراع الإجتماعي (الطبقي، الفئوي، الشرائحي إلخ..).

والدكتور عبدالرحمن البيضاني في خطابه السياسي والأيديولوجي – وغيره – وهو الذي اشار إليه/عيبان، كان يدرك مصلحته الخاصة وجماعته من المنظور الأيديولوجي/ الطبقي الذي قرأ فيه السياسة والاجتماع، ولكن هناك كثيرون من قطاعات المجتمع خاصة في المنطقة الشمالية القبلية (الهضبة)، كانوا يقفون لأسباب عديدة يطول شرحها ضداً على مصالحهم التاريخية في التقدم الاجتماعي، لأسباب الأمية وانعدام الحد الأدنى من التعليم، وبسبب الأيديولوجية والثقافة المذهبية والدينية والقبلية التاريخية المهيمنة على منطق تفكيرهم، وبسبب مستوى التطور السياسي والاقتصادي المتدني للبلاد في ذلك الحين، وعزلة الداخل الاجتماعي، عن بعضه البعض، والذي ما يزال متواصلاً ومستمراً حتى اليوم بدرجات مختلفة بين المناطق المختلفة في البلاد، إلى جانب ظاهرة تحول السلاح في هذه المناطق إلى أداة إنتاج/ووسيلة للرزق.

كان عبدالرحمن البيضاني (يرحمه الله)، يبحث عن "التوازن الطائفي"/ بين الزيدية والشافعية، للوصول للتوازن السياسي في قمة السلطة، مع ترك المجتمع نهباً للحروب وللتخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي العام. وقدم الأستاذ/ الشهيد محمد أحمد نعمان في أكثر من قراءة وتحديداً له في كتيبه "الأطراف المعنية"، مطارحته حول هذه المسألة على طريق "عقد اجتماعي" جديد، وهي كتابة لا صلة لها بالطائفية والمناطقية، مع أنها اتهمت بذلك من قبل بعض الطائفيين؛ هي محاولة أولى لتقديم قراءة منصفة للتاريخ السياسي والاجتماعي، محاولة لإعادة قراءة وصياغة السياسة والسلطة، بما يكرس ويحقق قدراً من التوازن السياسي الوطني، وليس "التوازن الطائفي"، في صورة حق النخب الاجتماعية والسياسية والفكرية في جميع المناطق اليمنية المحرومة من ذلك الحق في المشاركة السياسية في السلطة. وهناك العديد من هذه الكتابات.. ومن يعود لقراءة كيف كان بعض السياسيين والكتاب والباحثين يقدمون صياغاتهم للتركيب الاجتماعي الطبقي للمجتمع في اليمن في المرحلة الإمامية، وحتى إلى ما بعد قيام الثورة، فسيجد أنهم كانوا يصوغون ترتيب التركيبة الهرمية للمجتمع بالصياغة والتركيبة التالية:
- السادة، القضاة، المشايخ، القبائل، التجار، الفلاحين، الفئات المسحوقة والمهمشة الأخرى، وبعد ثورة 26 سبتمبر 1992م، استبدل ترتيب الإمامة، بالمشايخ!! تعبيراً عن وراثتهم للسلطة والثروة في مرحلة من تاريخ السياسة والاجتماع في بلادنا، وصولاً لإنتاج صيغة أو معادلة (رئيس الشيخ/ وشيخ الرئيس)، في مرحلة لاحقه، في صورة كتابات كرست إعادة انتاج القراءة التقليدية في صياغة التركيب الاجتماعي، ليس عن وضوح في القناعة الفكرية، ولكن تحت تأثير هيمنة المفاهيم والأفكار التقليدية في الكتابة، نتيجة عدم امتلاك الجديد الفكري والسياسي لأدواته المعرفية واصطلاحاته العلمية الخاصة به. وهذا الأمر سنجده حاضراً في كتابات أكاديمية معاصرة، د. محمد سعيد العطار، وإلى حد ما الأستاذ/ سلطان أحمد عمر (رحمهما الله)، وغيرها من الكتابات الأكاديمية، ناهيك عن تأثير كتابات عربية، واستشراقية، وهي اجتهادات مبكرة، كانت واقعة تحت ضغوط فكرية ومنهجية مختلفة، متأثرة ببعض اتجاهات البحث السائدة في المنطقة العربية، والتي لا تولي ولا تعطي أي اعتبار للمعنى الاقتصادي، الطبقي في قراءة تركيبة المجتمع.

فالفكر والوعي الاجتماعي، انعكاس ابداعي جدلي للواقع الاجتماعي الاقتصادي، بهذه الدرجة أو تلك، أي أنه ليس انعكاساً ميكانيكياً، فوتوغرافيا. وأتصور أو أقدر أن كتابة الصديق الباحث/ عيبان جاءت من بعض النواحي، رد فعل لبعض اتجاهات هذه الكتابة، أقصد الكتابة المذهبية والطائفية، وتحت ضغطها، أو هي استجابة لتحديات مختلفة يفرزها الواقع المعقد، في تشعب مناحي صراعاته المتعددة، والمختلفة، والمتخلفة في الوقت نفسه، صراعات يتداخل فيه السياسي بالمذهبي بالطائفي، بالديني بالقبلي والمناطقي والجهوي، وبالفكر الوطني والتقدمي، في اشتباكاته المحلية والاقليمية والدولية، كما هو جار وحاصل في الحرب اليمنية الراهنة.

إن من يتابع ما تنتجه الآلة الإعلامية والسياسية والأيديولوجية والثقافية، من جميع اتجاهات السياسة والصراع، سيجد – كما سبقت الإشارة – أن الغث والزيف الفكري والسياسي والمذهبي والطائفي هو السائد، وهو الذي - مع الأسف – يظهر على السطح، وكأنه المنتج الوحيد الرائج والرابح والفعال، حيث وافق أو وجد الواقع البائس غطاءه الفكري والسياسي في صورة الضحالة النظرية والهشاشة الفكرية (وافق شن طبقه)، ومن هنا غابت المعرفة الحقيقية بالواقع وبالمجتمع وهربت من أيدينا الحلول لمشاكلنا الواقعية كما هي، ووجدنا أنفسنا نستنجد بأسوأ وأحقر وأبشع ما في الماضي، وهو الوجه الآخر لصورة استنجادنا بالآخر (الخارجي/ الأجنبي)، ولأن الأشياء بنقائضها (أضداها) الموضوعية والذاتية تعرف وتتقدم للإمام، ونحن ما نزال نمتح من معين الفكر التقليدي ومن المذهبية والطائفية والقبلية، ولذلك ما نزال نعيد تعريف أنفسنا وواقعنا في العديد من الحالات، بأسوأ ما كان في الماضي: سواء القائل بالمقولة المذهبية والطائفية والقبلية والمناطقية والجهوية، وحتى بعض ما يصدر عن بعض اتجاهات الفكر الوطني والقومي والتقدمي، ولذلك نجد أنفسنا ما نزال نتحرك في الدوائر الماضوية من التفكير، ومن هنا عدم امتلاكنا للقدرة على تقديم حلول واقعية لمشاكلنا الراهنة. ولذلك أتفق مع الباحث / عيبان من أنه "لا يحتاج المطلع على هذه الكتابات إلى عناء كبير لكي يلمس النزعة الطائفية الغامضة فيها، فهي لا تقدم معرفة حقيقية ولا نقداً علمياً للظاهرة الطائفية، بقدر ما تعمل على إثارة الضغائن واستثارة النوازع الغريزية". وأنا مع الباحث في هذا الاستنتاج والاستخلاص، باعتباره استنتاجاً واقعياً صادقاً في تصوير واقع الحال. فقط اعتراضي هو على حشر اصطلاح "الهاشمية السياسية" في الموضوع، وهو الاصطلاح الذي لو سحبناه أو رفعناه أو اخرجناه من بنية متن المادة التي قدمها واستبدلناه بما يعني ويشير إلى القول، بغثاء الكتابات الطائفية الرثة مثلاً، لما تغير شيئ بعد إزاحة مصطلح "الهاشمية السياسية" من بنية المقال/ البحث، وهو ما سأحاول تناوله بتوسع في الفقرة التالية من هذه التناولة. ومن يطلع على محتوى موضوعة/ بحث الأستاذ/ عيبان سيجد أن رفع مصطلح "الهاشمية السياسية"، من الموضوع واستبداله بالتسمية المطابقة له مما هو سائد في الكتابات المنشورة حول هذا الموضوع: المذهبية والطائفية والقبلية ...إلخ، سنرى أن لا اختلافا حقيقيا سيطرأ على بنية ومحتوى موضوعه الجميل والرصين، بل أن قراءة المصطلح "الهاشمية السياسية"، في متن وقلب السياق الذي أورده قد يخدمه أكثر ويوضح المعنى بصورة أعمق وأكثر صرامة ودقة، لأن المشكلة حقيقة ليست في المصطلح، بل في أزمة الفكر وأزمة الواقع الذي نعيشه معاً.

نحن لا نعيش فحسب في واقع سياسي مأزوم اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً، بل وحتى نفسياً ووجدانياً، لأننا قد وصلنا اليوم في بلادنا إلى ذروة وقمة تعبير الانحطاط السياسي والقيمي والاخلاقي عن نفسه.

إننا نعيش فعلاً في لحظة تاريخية هي الأكثر بؤساً ومأسوية في كل ما جرى لنا في التاريخ السياسي اليمني، إن لم أقل حتى في التاريخ العالمي المعاصر، وجميع هذا المعطيات قطعاً تترك آثارها علينا من جميع النواحي؛ فنحن لا نعيش في فراغ القول المجرد، بل في واقع متوتر مشحون بالصخب والعنف، واقع فنتازي يدخل في نطاق اللامعقول في السياسة والفكر وفي الاجتماع والاقتصاد، وفي وانع تحول العصبيات المليشوية إلى دويلات حاكمة بأمرها، تستنجد وتستقوي بأسوأ ما في الموروث من غث الكلام، بمثل ما نستنجد بالمحتل الأجنبي، وهنا تكون المفارقة السياسية قد وصلت إلى منتهاها.

ملاحظة ختامية لهذه الفقر ،اقول : كنت اتمنى أن تشمل القراءة، ويحتوي المنهج العلمي الذي اتبعه واستخدمه عيبان، رؤية شاملة في قراءة السياسة، والواقع، والتاريخ،فقد قفز على جملة من القضايا السياسية والواقعية الهامة مما أفقد المنهج رؤيته الشاملة،بدت معه القراءة من بعض جوانبها وكانها احادية في ملامسة بعض القضايا السياسة الجوهرية، والراهن السياسي في صورة ما يجري في البلاد اليوم .



#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- بالفيديو.. إنزال برمائي خلال تدريبات عسكرية فلبينية أمريكية ...
- بوشيلين: مقاتلو الشيشان يبثون الرعب في قلوب العدو بساحات الق ...
- قمة -المجموعة السياسية الأوروبية-.. اتفاق على دعم أوكرانيا و ...
- عمرهما 14 و17 عاما.. مقتل صبييْن فلسطينييْن برصاص الجيش الإس ...
- تقارير عن انقطاع الاتصالات في أجهزة للجيش الأوكراني تعمل بنظ ...
- أمريكي سافر إلى نيويورك قادما من كندا وبداخل سرواله.. ثلاثة ...
- وفق أسوأ السيناريوهات.. خطة دعم الكهرباء للأسر البريطانية قد ...
- زاخاروفا: زيلينسكي مهرّج
- ماسك يرفض التعليق على تقارير تعطل نظام اتصالاته الفضائي في م ...
- إصابات بانفجار في محطة للوقود بإيرلندا


المزيد.....

- كيف نمنع الحرب العالمية الثالثة ، نعوم تشومسكي / محمد عبد الكريم يوسف
- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - قادري أحمد حيدر - في صواب مصطلح الهاشمية السياسية 1-5 مقاربة أخرى