أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - حاتم بوبكر بن الهذيلي - قراءة نقدية في رواية: - طوفان من الحلوى في معبد الجماجم- لأم الزين بنشيخة















المزيد.....



قراءة نقدية في رواية: - طوفان من الحلوى في معبد الجماجم- لأم الزين بنشيخة


حاتم بوبكر بن الهذيلي

الحوار المتمدن-العدد: 7332 - 2022 / 8 / 6 - 01:03
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


قراءة نقدية في رواية:
طوفان من الحلوى في ... معبد الجماجم:
بقلم الأستاذ : حاتم بوبكر
تقديم الروائية:
رواية" طوفان من الحلوى ... في معبد الجماجم " للكاتبة " التونسية "أم الزّين بنشيخة المسكيني " متحصلة على الدكتورا في الفلسفة الحديثة من كلية العلوم الإنسانية 9 أفريل بتونس سنة 2000 ، تشغل خطة أستاذة تعليم عالي بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس بقسم الفلسفة. باحثة ضمن مخبر التنوير و الحداثة و التنوع الثقافي بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بجامعة المنار. من مؤلفاتها:
▪ الفن يخرج عن طوره، بيروت دار جداول، 2011.
▪ جرحى السّماء (رواية) بيروت، دار جداول.
▪ الثورات العربية، سيرة غير ذاتية مع فتحي المسكيني، بيروت دار جداول، 2013.
▪ هنا تباع الشعوب خلسة، تونس، دار الوسيط للنشر ،2013.
تحرير المقدس، بيروت منشورات ضفاف، 2014.
▪ لن تُجن وحيدا هذا اليوم(رواية) بيروت منشورات ضفاف، 2014.
▪كانط والحداثة الدينية، بيروت المركز الثقافي العربي،2015
▪ الفن في زمن الإرهاب، بيروت، منشورات ضفاف، 2016.
▪ ترجمة كتاب شارلي بودلير، كتابات في الفن (مع كاظم جهاد) ابو ظبي دائرة الثقافة و السياحة، 2019.
▪ الفن و المقدس، بيروت، مؤمنون بلا حدود للنشر، 2020.
تقديم رواية: "طوفان من الحلوى ... في معبد الجماجم".
رواية "طوفان من الحلوى طبعت سنة 2021 عن الدار التونسية للكتاب، ر.د.م.ك: 6- 73- 942- 9938- 978 و تمتد على 265 صفحة وتتوزع على خمسة مشاهد، تقديم الدكتور محمد الخبو و تعليق في آخر الرواية لحاتم التليلي.
القراءة:
على قارئ الرواية الحديثة أن يتخلص من النمطية النقدية و من طابعها السكوني ليعانق التجليات الفردية الحديثة تلك الشاذة عن النمطية التي عهدناها. عليه أن يمتلك أجنحة كثيرة مثنى و ثلاثى و رباعى، أن يكون مركبا و حاذقا لفعل التركيب و له ثقافة باذخة أو عليه أن يرتقي و ان يستعد لماَ لم يتعود عليه من الأشكال المألوفة ذلك ان الفعل الروائي بات خلقا و إفلاتا من القيود. لقد كان الأدب ثم كان النقد و ما لم يُستسغ اليوم قد يستساغ مستقبلا، الأدب طائر خيالي له أجنحة الفكر و اللغة و الجمال و الشعر و الفلسفة و التاريخ و الجغرافيا و الهوية... كالبحر ليس الكل يحذق قراءته و خاصة إذا جادل الناقد بحرا هادرا فائض المفردات ولم يعهد للوحاته مثيلا، حين يبحث عن منفذ ولا يجد مخرجا يتوه، حين تتراص القضايا و تتدافع الدلالة و اللغة و تصاحبها الشعرية قد يغرق القارئ فيقذفه البحر أو يقذف هو البحر و يُقسم على هجره.
هل علينا ان نلتزم في الإبداع باشراطات و ضوابط نقدية ألفها النقد و استأنست بها العقول طويلا ؟.
إن الأدب بما هو إفلات وانفلات من قبضة المألوف و السائد و الستاتيكية، بما هو فعالية ديناميكية تتحدى الحدود و تتخطى المعتاد يحتاج إلى تقنيات نقدية نراجع فيها المعايير النقدية الكلاسيكية و منطق الأجناسية. إننا نحتاج إلى تحول نقدي لا يقوم على القطع الكلي مع النقد الأدبي و إنما على تحويره بالزيادة لاستيعاب ما لم يألفه من التشكيلات الأدبية الراهنة أو "جنون الأنماط الأدبية و جنوحها" عن " الأدبيات المعقلنة " الخاضعة لسلطة النظام والعقل ذلك أننا نباشر اجتماع النظام و الفوضى، العقل والخيال... . يشكل البعد الموسوعي فيها سمة جلية حيث تتراصّ الأبعاد في سياقها السردي فيتعاضد الفلسفي و العلمي و الأدبي و الفني والجمالي والاجتماعي، و حقيقة الواقع الموضوعي وحقيقة الفنان الذاتية و حقيقة الفن ذاته. إن خطاب الرواية اليوم انفتح على شتى المعارف و استبطنها فبات تلازم الاختصاصات خاصيته وتضايف الأنساق المعرفية قرينه وتعاطف الأبعاد سمته ولا نبالغ إن قلنا إن الرواية اليوم مشبعة بثراء انطولوجي يؤهلها لأن تكون حاملا للمعارف بل أذهب إلى القول بأن الرواية اليوم باتت عرسا أدبيا ضيوفه الفلسفة و الفن و الدين و الجمال و الشعر ، عرسا تتجول فيه المفاهيم و تتوالد و تتناسل الدلالات و ترتدي أكسية جديدة لها من الثراء ما يجعلها مُكوثا في الواقع، وفاء له و إخلاف عهد معه عبر ما تقوله من حقيقة و ما تبذره من خيال و ما تعد به من تحدي و جمال و متعة تأويلية و جمالية و معرفية، عبر انعتاقها من الزمان والمكان الضيقين و ولوجها إلى كل المكان و السّفر في كل أبعاد الزمان. لقد أمسى الفعل الروائي مراوحة بين ما هو خاص هوُّوِي و ما هو كلي إنساني و هو ما أهله للخروج عن النسقية المعتادة . شكْلٌ روائي باشرته في بعض الروايات الحديثة و لنا في " طوفان من الحلوى ... في معبد الجماجم" للدكتورة أم الزين بنشيخة نموذجا لذلك، هذا الجنون انبثق من العنوان و طال الهندسة التشكيلية للرواية فكانت كما قيل "برأسين" ، أو روايتين في رواية واحدة.



في بنية الرواية:
الرواية تضمنت تقديما تحت عنوان: كيف يقتحم " طوفان من الحلوى " معبد الجماجم؟ بقلم الدكتور محمد الخبو امتدّ من الصفحة السابعة إلى الثالثة عشر. وزّعت الروائية روايتها على خمسة مشاهد و ختمتها بما بعد الرواية.... امتدت على صفحة واحدة. وردت الرواية في شكل شذرات تذكرني بمخطوط الفيلسوف الألماني "نيتشة" يُقيم فيها التمرّد على البنى الروائية المتعارف عليها. في بنية هندسية فريدة متفردة و جديدة تصاحبنا الروائية في خمسة مشاهد بدت مسرحية غير أنّها تتخذ من الفن التشكيلي و من اللغة الهاذية أرضية لبناء عالمها الروائي. قُسِّمت إلى أجزاء تتوالد فيها الأحداث من بعضها البعض. إنّك وانت تقرأ تتشظّى بين روايتين، تشظِّي دفع البعض إلى القول بأنها " رواية برأسين " كعنوانها ، طوفان من الحلوى يهيّأ له بعيدا عن الجبل و معبد جماجم في الجبل يدور فيه عرسا في الرّسم، حال في المدينة وحال في الجبل لا يتمايزان بل يلتقيان في كثير من التجليات. كانت المشاهد كالآتي:
1/ أصوات تزدحم في القاع: امتد من الصفحة 17 إلى الصفحة 29.
2 / في البحث عن الحكاية المفقودة: من 29إلى 61.
3 / قرية الرّؤوس المقطوعة: او المشهد الرئيسي من 61 إلى 92.
4/ طوفان من الحلوى: او الرواية بعد تسعة أعوام من 93 إلى 230.
5 / معبد الجماجم: من 231 إلى 263.
ما بعد الرواية: صفحة 265.
تميزت المشاهد ببنية هندسية غريبة مقارنة مع البنيات الروائية السائدة ذلك أن كلّ مشهد قُسّم إلى أجزاء، كل جزء يُعنى برأس من رأسي الرواية و هو ما استلزم منّي إعادة بنائها بتجميع أحداث كل شخصية على حدة و متابعة ما عرفته من أحداث و عُقد و تغيرات و انكسارات و انهزامات وما تحلّت به من عزيمة و رفض و عناد و انتصارات، و أحلام و أمال و أهداف و رهانات. اقتضى منّي تمثل الرواية متابعة بنيتها الهندسية الطريفة الخارجة عن النسقية المألوفة جهدا كبيرا في بداية الأمر سرعان ما تبدّد حين وجدت متعة في التنقل بين رأسي الرواية في الفصل الواحد. في روايتها تُفرد الروائية في كل المشاهد جزءا خاصا بالبطل الأول و ما يحدث في عالمه و تُتْبِعه بجزء يخص البطل الثاني و ما يحدث في عالمه وهكذا تباعا إلى آخر الرواية و لم تُدمجهما في جزء واحد إلا في المشهدين الأخيرين. بنية الرواية كانت مخصوصة و متفرّدة عمًا خُط من الروايات، فيها إعلان عن خصوصية و ذاتية متفردة و عن بناء ما بعد حداثوي يقطع مع التشكيلات الروائية المألوفة، فيها من التشظّي ما يثير رهبتك و أنت تقرءها و من المتعة ما يدعوك إلى السعي لفك شفراتها و تبيّن رهاناتها و مقاصدها و إلى متابعة عقدها و تطورات أحداثها و كيفية نجاح الروائية في أشكلة روايتها أو روايتيها ذات الرأسين - رواية بطلتها ميارى و أخرى بطلها كوشمار.
قول في العتبة
"طوفان من الحلوى ...في معبد الجماجم" .
العتبة هي كل ما يخرج عن النص الأصلي للرواية بمعنى كل ما يجاور العمل الروائي أو يصاحبه و يتعالق معه و العتبة عتبات داخلية تسبق النص الأصلي أو تليه و بعضها خارجية كصورة الغلاف و ألوانه و أبعاده الفنية و يشكل العنوان العتبة " الرأس" لما يحمله من ترميز و إحالات و تأثير استباقي يهيئ القارئ و يحفزه و يثير شهيته.
في العنوان.
انتشيت للفظم "الحلوى"، استنفرتني ذاكرتي و قالت قصة حبك و انتفاء عزلتك علتها الحلوى، حلوى جيبك ابتسمت لها فتاة كانت في أمس الحاجة إلى قطعة منها، ولجت يدي جيبي فالتقت بالحلوى، تساءلت هل انا طفل و غيري أطفال و كاتبتنا طفلة تشتاق إلى فيض من الحلوى ام أن حدودنا تشتاق إليها بل و كل العالم في حاجة إلى طوفان منها زمن انعدام الفرح و الانتشاء؟
العنوان لا أراه قائما على تناقض ظاهري أو باطني كما ذهب مقدم الرواية الدكتور محمد بن محمد الخبو بل أقرأ "طوفان من الحلوى - يسري في نقيضه - في معبد الجماجم "، طوفان من الحلوى يفيض في عالم الجماجم و يستوطن في الموت ليبعث الحياة. تحيل الحلوى هنا إلى الفرح والإنتشاء و الإمتلاء و المتعة و الطفولة، هي أنيس الطفولة المحبّبة إلى نفوسهم و أجسادهم، تُسكت صراخهم و تبعث فيهم التحرّر من معاناتهم و تلف بهم في عالم الخيال و تثير فيهم الرغبة في الأقبال و تنزع عنهم الميل إلى الإدبار و تحفزّ فيهم حبّ الحياة و الفعل، هي مولد الحركية و الفرح أما مفهوم المعبد في سياقه فيرتبط بالألم والعذاب و المعاناة و القتل و الموت فكيف لعالم الحياة و الفرح أن يفيض على عالم الموت و كأني بما هو ديناميكي يفعل في ما هو ستاتيكي، الفائض في التحت يفعل في الثابت ، و التجدد و الحياة و فائض الهواء يبعث العطر و اللذة و يزيد الهواء تكثرا مع كل دفعة و يزيل الاختناق. المعبد يسكنه شاب شبّ على عشق الفنّ بعد مغادرته الجامعة، فنان اعتلى جبل و بنى معبدا جعل فيه مرسما، فيه يحاول عبر الرسم إحياء موتاه في غفلة من قتلة محيطين بالجبل. مجازفة يسعي عبرها إلى ردّ الحياة و منح الجماجم الحق في الدفاع عن النفس و محاكمة قتلتها لكن ما أشكل هو كيف للطوفان ان يفيض في الأعلى و الجماجم أو الرؤوس المقطوعة أن تنتظره وتبتسم له؟ أنحن في حاجة إلى فيض من الحلوى و الفن لتخطي عبثية الوجود ؟ أحدودنا بل و العالم دون لذة ؟ هل بإمكان الفن و الحلوى إعادة بذخ الايروس إلى الوجود زمن هيمنة التناطوس؟ ألا تتبجح هنا أحلام الفلسفة و الفنّ و الأدبيات إقرارا من الكاتبة أنها الدواء لكل داء ، وأنها ربما طوفان الحلوى الذي تحتاجه حدودنا بل و عالمنا زمن تكثر الوضعيات المأزقية و هجرة المعنى و الحياة و الفن و سيادة اللاّمعنى؟ دفعة من الأسئلة نشطت في ذاتي و أنا أباشر عنوان الرواية و لعل مصافحة صفحاتها تروي الظمأ الذي أسرني.
علاقة العنوان بالنص:
طوفان من الحلوى مفقود تطلبه ميارى في عالم مقيت غادرته البهجة والحياة، تقيم فيه الشيوخ النهمة المولعة بالفتك و الاغتصاب و الربح و الشهرة و حب المال ، وطن و عالم كبير و صغير فُقدت منه الطفولة و الحلوى، حلوى نحتاجها لنوزعها على البشر علها تُولّد لديهم الرغبة في الحب و اللقاء و تُغير سجيتهم المحبة للقتل وللغلبة و المجد بسجية الطفل المحب للمرح العاشق للسعادة و الحلوى هي المانحة لهذه المتعة، عالم تحاول فيه .... صناعة الحلوى و توزيعها على البشر لتزرع فيهم أو توقظ فيهم بذور الحب. من الجهة المقابلة معبد تقيم فيه الجماجم أو رؤوس مقطوعة تمّ تجميعها، رؤوس لم تحظ بالرأفة و الحب و لم تهنأ بالحياة تمّ قطعها و لم ترافع عن نفسها عند القطع أو بعده، رؤوس فُصلت عن أجسادها و طالتها القسوة، لم تعرف الرحمة و لا العطف في معبد بُني بعيدا عن البشر سكنه بطل إحدى الروايات رأى فيه ملجأ يعيد فيه الحياة عبر الرسم لتلك الرؤوس أو الجماجم المقطوعة باسم الرب، فهل يمكن للحلوى و للرسم أن يمنحا الانتشاء؟. هل يمكن لهما أن يتعانقان فيعلنا عن موت نهاية و انبجاس بداية، عن انتصار الحياة على الموت و الحب على الرغبات اللاانسانية و الشفقة على المال و التلاقي على الفصل و الرغبة في العيش المشترك المّعِيّ على العيش في العزلة إيثارا لأمل العيش المشترك عوضا عن العيش وفق منطق الأنانية؟. هل يمكن للحلوى و للرسم أن يرُدّا للعالم معناه و أن يُنصفا المظلومين و البائسين و الحزانى و المحرومين و المساكين؟.
قراءة في الغلاف :
الغلاف كان بألوان تميل إلى القتامة تعبيرا عن الوضعيات القاتمة و القصية التي استوطنت الوطن و العالم، طغت عليه ألوان تحيل في مخيالنا الشعبي إلى سيادة منطق الموت و الحزن و الألم. الألوان القاتمة تجسد الحالة المأزقية التي يعيشها الوطن بل و العالم من قتامة بفعل هيمنة الموت تحت عناوين مخلتلفة. تتخلل هذه الألوان و تشقها ألوانا زاهية محتشمة أو محتجبة نوعا ما و لعلها المنشودة أو المطلب الذي تراهن عليه الروائية أن يتحقّق بالفعل و تمنّي النفس بتجليه أو أن تكون طوفانا يفيض على الوطن أو كالحلوى تفيض في الجبل و ما تحته ، أمل جسده لون العنوان الطفولي الحالم.
قراءة في الشذرات:
أفتح الرواية أباشر شذرات ثلاث أولى لجبران مضمونها "سأرفع في وادي ظلّ الموت تمثالا للحبّ وأعبده". شذرة حرفها الأوّل سين لو انتبه إليه النقاد لقالوا استعارت التسويف لكن أقول أن سينها تتقد أملا، تتضمن ضمنيا إعلانا عن المفقود و عن خلاء الوجود من الحب و بالتالي كشف عن العدمية الطاغية على العالم، مفعمة معتقة في الآن ذاته بمطلبية الحب و عبادة الإنساني في ظلال وادي الموت، وادي رُسم في صورة قصية صبغته الروائية بصبغة احيائية رغم كونه عالم الموت ذلك أن الجماجم تصرخ و تتحاور و تحاور البطل هناك.
الشذرة الثانية من سفر المزامير "إن سرت في وادي ظلّ الموت لا أخاف شرّا لأنك معي" فيها إقرار بأن التلاقي و الوجود المَعِيّ ، و السير مع الآخر و رفقته رغم ما يحكم الأنا و الآخر من تغاير و اختلاف يُشكّل رفقة و ضمانة للطمأنينة و السكينة الحب و أن الصداقة و حب الغير يؤسس للتلاقي و الإئتلاف رغم التّغاير في الفكر و القناعة و الدين و هذا تضمين للقول بأن الاختلاف لا يفرقنا بل يجمعنا و يقينا و يمنع عنا الشرور. في هذه الشذرة إعلاء من قيمة العيش المشترك و حاجة الانا إلى الغير و إلى إمكانية العيش في طمأنينة في حضور الغيرية.
الشذرة الثالثة آية قرأنية " إذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرّقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق ", صدق الله العظيم. ارتبكت حين قرأتها وتساءلت لم تم تضمين هذه الآية؟ ، هل كما يقال الفلاسفة يسخرون حتى من المقدسات و يخوضون خوض المتطفل الرافض لما هو مقدس؟ . قلت وراء الأمر علة و من واجبي تبين ذلك فالفطنة واجبة خاصة إذا كان الكاتب فيلسوفا أو فنانا فيلسوفا.
تساءلت أليست هذه الآية سلوكا يقتفيه الإرهابيون في ادعاءاتهم و شناعتهم فهل الله جوز لهم بمقتضى الآية الكريمة ما يصنعون و إذا كان كذلك فإنني سأجد تبريرا لفعلهم؟ لكن كيف للمقدس الحاثّ على الحب و الحياة و قبول الآخر و على الرحمة و التواصي بالخير أن يُبيح هدر الدماء و الشرور بآية و هو الكامل؟ . إذن وجدتني لأحوج الناس إلى فهم الآية. آية اعتمدها سكان الجبل الجدد لتبرير القتل و التشنيع و التنكيل بناء على فهم: " الكافر يقتل و تقطع رقبته" فما حقيقة الآية و ما الغاية من توظيفها؟
إن الإرهابيين يتبنون المعنى الظاهري للآية و هو ما أرادت قوله الأستاذة بنشيخة و يُعرضون عن الفهم الصحيح لها أو أن جهلهم منعهم من إدراك دلالتها الحقة فيتخذون الظاهر الوهم محل الباطن الحقيقة. الآية تحث على الفصل بين الجماعات، عبيد الحرب الذين وقعوا في الأسر اعتبارا إلى أن مفردة الرقاب تحيل إلى الأسرى و هو ما ورد في مواقع أخرى من القرآن الكريم و خاصة في آية الزكاة ، الفصل بين عبيد الحرب بين المصاب / العاجز و السليم أو المعافى الذي يقع شد وثاقه كي لا يهرب كما ان مفردة "أثخنتموهم" لا تحيل إلى التنكيل و القتل بل المقصود منها إقامة الحجة الدامغة في المباحثات. ما استخلصه هو أن الروائية تعمدت توظيف الآية لتبين ازدواجية الفهم، الفهم السيئ والاقتطاعي لسكان الجبل و الفهم الحق أو التأويل الحق للآية الذي يأخذ بعين الاعتبار المبادئ الكلية للقرآن، اذن توظيفها للآية فيه دعوة لتحرير العقول من الفهم المغالطي، دعوة إلى درء الظلمة التي ستر بها سكان الجبل الجدد المقدس لأن الأسير لا يقتل في الحرب و لا ينكل به فهذا الفعل لا يفعل سوى زيادة إذكاء الحرب كما أن هذه الأفعال تتنافى و القيم والمبادئ التي كان من أجلها الوحي من رحمة و حب و شفقة ... تنفست الصعداء و أزلت ما انتابني من غرابة.
الشذرات مختارة حوت فعلا تقصّديا فيه دعوة إلى مراجعة الذات و معارفها مراجعة نقدية لتجريدها من دغمائيتها أو من سطحية الفهم لأن الأستاذة تدرك جيدا أن التعصب أفيون ولا يمكن أن ينزاح إلا بمراجعة الذات فلسفيا و على النظر إلى الاختلاف على حقّ إنساني و إلى التغاير كمكسب و أن تراهن على التحرر من الدغمائية و الجهلوت بالتعويل على الفكر الفلسفي لما يحمله من تجليات نقدية شكّية لخلق ذات قادرة على الحكم الذاتي و على تأسيس قناعاتها مُعوّلة على العقل رافضة لمنطق القطيع و الإتباع و الوعي الأعمى . إن تحرير الذات و الآخر من كل أشكال التعصب و المصالح الذاتية لا دواء له غير الفلسفة و هو ما يقرّه فولتير قائلا " لا دواء لهذا التعصب إلا الفلسفة". شذرات، شفرات و مفاتيح تجمع بين فعلي المطلبية و النقد و التحرير مفعمة بالأمل و بالدعوة إلى قبول التغاير و الاختلاف وا لتباين و هذا لا يحصل إلا عبر تصفح الإنسانيات .
الإهداء:
إلى "دادا زعرة"
دادا مفردة تستعمل للتعبير عن نوع من الاحترام للكبار من النساء فنقول دادا فلانة أو داداك فلانة. يقول ابن خلدون عن كلمة دادا إنها بربرية . دادا حرف كناية عن غاية التعظيم بلغتهم- و دادا: لقب تشريف عند البربر . هذا المفهوم زال من المدن المتحضرة و لم يعد يقترن إلا بإمراة الحواشي و الهوامش لهذا أرى أن الإهداء فيه خصوصية و يتصف بالنسبية و لكنني حينما بحثت عن حقيقة هذه المفردة وجدتها قاسما مشتركا بين كل الجماعات اللغوية فهي داده، ودادا وDada و Dady وDad ... و هو ما يجعل الإهداء ينعتق من خصوصية مكانية محددة نحو الشمولية ، يتجاوز حدود "دادا زعرة" ساكنة جبل مغيلة ليعني امرأة العالم المهمّشة، ساكنة الحاشية و الطرّة. إن كاتبتنا تهدي إلى دادا زعرة هذه الرواية لتدخلها بعد أن كانت في الطرة إلى عمق الكتاب ، إلى عمق الإنسانية و تعلن عن صوتها عاليا زمن النسيان من قبل المؤسسات و الديمقراطيات و المنظمات النسائية لتقول إنّ في الحواشي نساء عظيمات تشكلن في الجبل بل في الوطن بل و في الإنسانية أساطير شذّت مخيالنا و واقعنا و أثارت الكتاب فذهبوا إليهن، أو ذهبت إليهن روائيتنا لتكتبهن وتقول مأساتهن... لتعلن الفلسفة في صورة الأدب أنها احتفالية و انهمام بدادا زعرة و مثيلاتها في الوطن المحدود و الوطن في اتساعه و العالم في كليته، شكرا أديبتنا لهذا الانغماس و الالتزام بامرأة الطرة و الحاشية.
الجانب الموضوعاتي للرواية:
تعالج الروائية وضعيات قصية مـأزقية عرفها الوطن "تونس" و بعض دول العالم العربي و أخرى تتعلّق بالعالم في كليته. تنطلق الروائية من قضايا خاصة تعيشها تونس منذ الثورة إلى اليوم و هي أزمات استفحلت و اشتدت وطأتها على الناس. أزمة تشظّت إلى قضايا مشكلية طالت كل المستويات: الاجتماعي و السياسي و الديني و الأخلاقي و الأمني و الاقتصادي و الفنّي. تستدعي الروائية قضايا راهنة يعيشها الوطن كالقتل و الإرهاب و الموت بفعل الإهمال و البطالة و الفقر و ما ترتب عنها من أزمات و تنفتح على العالم بأجمعه حيث تستحضر الوضعية المأزقية التي يمر بها العالم و هي وباء فيروس كورونا.
إذن الموضوعات التي تستدعيها الروائية راهنة و الاستدعاء لما هو راهني يؤكد انخراط الأدب في الواقع رغم ما يحمله من أبعاد و تجليات خيالية تنأى بك عن الواقع و تدعوك إلى العودة للفعل فيه وفق السّرد و الفن و الحلوى و الجمال و الحب لكنها بالمثل تستدعي موضوعات ممكنة كالسلام و الأمن و الحب و التّسامح و قبول الاختلاف و الفن و الجمال أي التجليات الإنسانية الايتيقية و الجمالية و الدينية و السياسية المُحفزّة على العيش المشترك في عالم الممكن و المحتمل حيث الإنسانيات .
الشخصيات:
تتميز الرواية بكثرة الأصوات و تعددها، بمعقوليتها و غرابتها. تجمع بين البشري و اللاّبشري.
▪ ياسمين " تلك الأمّ الكبرى التي انسحبت من قصة سابقة" تعود بعد عامين. الشخصية فيها تضمين للثورة و الهوية التونسية أو المكون الثقافي للشخصية التونسية. تقدم ياسمين وتفتك " المدى" وتعلن عن عودتها وهي "معطوبة". بقية الشخصيات تناسلت من رحمها "ياسمين تتأمل وطنها و تتابع ما يحدث في العالم و ما يجول في ذاتها. تعود ياسمين إلى وُجودٍ بات العدم أفضل منه بعد أن "نسيت قلبها في عالم انتهى منذ عامين" بعد ان نسيت أحلامها و آمالها و رهاناتها الكبرى تعود منهوكة لذا اختارت أن " تكون نسخة لياسمين لأي كان يمرّ من هنا". " ياسمين" تُجمّع أصوات التائهين الضائعين لتصنع منهم حكاية وهي تُعِدّ عجينة الحلوى و تَعِد بها.
▪ ميارى:
شخصية طيفية، " سقطت اعتباطا من "سدّ ما" ذات "سدّ " في مدينة من مدن الداخل، هي شخصية رئيسية في رواية المسعدي المعنونة بـ "السدّ". تقترن لغويا بجلب الرزق و بالعطاء و الخصوبة. ميارى تُحفّز على الفعل و تدفع إليه و تحرّض على المقاومة ( مقاومة صهباء آلهة القحط و الجفاف) و في رواية "بنشيخة" تدفع إلى مقاومة قوى الشر المتمثلة في قوى الإسلام السياسي و اللوبيات و رعاة الموت و الفقر و الجفاف و البطالة و زارعي الحزن و المآسي و الحيف الاقتصادي و الاجتماعي و سكان الجبل و جنونهم أو ادّعاءاتهم و التناطوس أو الموت بما تراهن عليه و ما تحمله من آمال و أحلام. ميارى هي احد الشخصيات الرئيسية في رواية "طوفان من الحلوى في معبد الجماجم" و الشخصية الرئيسية في روايتها الخاصة. ميارى سقطت من سدّ الأديب التونسي، من روايته السدّ في مدينة من مدن الداخل و جلست " تعجن السكّر" النشوة، الحب، الأمل... . تُصنّف ضمن الرواية الديستوبية بالشخصية اللاّمنتمية لأنها تأمل في الإخاء و التسامح و العيش المشترك و الحب شأنها شأن كوشمار.
▪ كوشمار:
كوشمار صديق ياسمين، يُحيل إسمه على معنى الكابوس او المجنون من عائلة الرعاة المذبوحة. اسمه في السّجل المدني "عبد الباقي" و هو كوشمار في الرواية و عماد عند الخازوق. كوشمار " لا يعرف وجهه و لا يعرف أي شيء يشبهه فهو لا يحب المرأة، همّه إحصاء عدد القتلى و العبور إلى الجبل لبناء "المعبد" أو لإعادة الحياة إلى الجماجم. هو من إحدى قرى سطح الجبل، من قرية السلاطنية. زاول تعليمه الجامعي في العاصمة، حصل على شهادته الجامعية ثم عاد إلى قريته، هناك شهد موت إخوته بل كان الشاهد الوحيد على موتهم، صعد إلى الجبل و بنى معبدا . كان يميل إلى الرسم، حاذقا، ملمّا بتاريخ الفنون التشكيلية و بفلسفة الفن المعاصر. جعل في المعبد مرسما قرّر أن يعيد فيه الحياة إلى الرؤوس المقطوعة في لوحاته التي كانت شغفه و مصدر امتلاء في العدم، هو شخصية رئيسية في الرواية الكبرى و الشخصية الرئيسية في روايته الخاصة أي الفاعل بامتياز و هو كذلك شخصية لا منتمية لما يحمله من ثقافة الحب و الفن و التسامح.
▪ الغريب ولد الدريدي: الشخصية المتسلّطة:
▪ الخازوق: طفل من أطفال قرية السلاطينية شبّ على تعلّم القرآن في الكتاب عند أحد الشيوخ ، تعرض إلى الاغتصاب من قبل هذا الشيخ ، لم يخبر أحدا بهذه الحادثة، بعد أن أكمل حفظ القرآن أُخِذ مباشرة إلى الجبل ليكون سلاحا قاتلا لا يعرف الرأفة تحت غطاء الواجب الديني.
مفردة الخازوق تحيل إلى وسيلة إعدام وحشية يقال أن الملك الفارسي هو أول من استخدمها حيث قام بإعدام 300 بابلي بواسطته عندما استولى على مدينة بابل كما ترجعني هذه المفردة إلى ما قامت به السلطات الفرنسية مع الطالب الحلبي الذي طعن "كلير". لقد وضعوا الفرنسيون "سليمان الحلبي" على الخازوق وقصّوا رأسه و أخذوه إلى فرنسا و وضعوه في متحف الانسان في جناح "باسي" . إسم خازوق يحيل إلى قطع الرؤوس بطريقة شنيعة دون رأفة و دون اعتبار لما هو انساني و في هذا إشارة إلى ما تقوم به الجماعات الارهابية من شنائع و أفاعيل في حقّ الإنسان. الخازوق استلم مهمة قطع الرؤوس. تمّ القبض عليه فأدخل السجن و قضى هناك عشرين سنة ثم ٱطلق سراحه و عاد إلى الجبل حيث التقى بكوشمار و بالارهابيين فكان قنبلة موقوتة او موظفا لدى الأرهابيين يُطيع الأوامر و يفعل ما يؤمر به عند الحاجة. هو نموذج للإرهابي المتمرّس على القتل، أخطر قتلة الدوّار غير انه في الأخير ٱولع بالرسم فطلب من كوشمار أن يعلمه ذلك وعندما أخبر الإرهابيين بذلك قطعوا رأسه و ألقوه أمام المعبد.
الشخصيات الثانوية:
▪ دادا شهيبة، دادا نجمة، حورية حبيبة العاتي، دادا حبيبة و هن نساء الحواشي ، ضحايا الفقر والتهميش و الإرهاب.
▪ الدكتور ثابت: مختص في علم الفيروسات و هو زوج ياسمين، اكتشف دواء للقضاء على كورونا فوقع الزج به في السجن لمدة طويلة عاد بعدها وقضى مدّة مع ميارى كانت تستلهم من حكاياته عن علم الفيروسات روايتها ، شجع ميارى على الزواج من شقيف.
▪شقيف : شخصية متسلطة : زوج ياسمين رجل مخادع و ثري، لوطي، خائن للوطن. من صائدي الجوائز استغل أوضاع الوطن و كون ثروة كبيرة.
▪الرؤوس المقطوعة أو الجماجم: ست جماجم و جمجمة أخ كوشمار الأصغر "العاتي".
▪ الأطياف و الزهاميل:
الشخصيات في الرواية تتناسل و تتوالد من خيال الروائية، لذا كان بعضها غرائبيا بالإضافة إلى شخصيات من الواقع تحكمها صراعات و تجمعها لقاءات تخييلية تصنعها الروائية ( حوار الرؤوس المقطوعة) عبر اللغة و الرّسم، تصنع معاناتها و أحلامها و رهاناتها بل و تهيئ لها أمكنة اللقاءات، أمكنة خارج العالم، خارج مجال الجاذبية، المدى المفتوح حيث يتحدى اللامتناهي المتناهي و الحياة الموت و الفرح الحزن و العدالة الظلم و هنا ينفتح عالم ميتافيزقي من صنيع الفلسفة و ما تحمله من إنسانيات.
المنظور الزماني والمكاني في الرواية:
في أزمنة السرد وأمكنته:
عتقت روائيتنا المكان و الزمان. تشظّى الزمان وتأرجح بين المحدود، الخاص، النسبي و المطلق، الكلي، و بين الذاتي و الموضوعي كما تنقّلت الروائية بين الأمكنة المغلقة و الأمكنة المفتوحة.
في المكان:
كلّ الأمكنة كانت إمكانات دسمة لتتنقّل فيها الروائية. المكان في الرواية محدود ضيق مغلق - جبل مغيلة، المدينة، المعبد، السجن، المستشفى و هي من سمات المكان في الرواية الديستوبية حيث الحدود و القيود و الانغلاق و العزلة و في الآن ذاته كان رحبا مطلقا و مفتوحا ( البلدان المجاورة، العالم، المدى و اللاّتناهي). هي تونس المدينة و أزقتها ومنازل الأغنياء ومستشفياتها و جبل المغيلة في الشعانبي، أعلى الجبل و سطحه أو القرى المتاخمة له، قرى البؤساء و الفقراء و الحزانى و المساكين و المهمّشين و البائسين و الحكومة و البرلمان و أماكن السيادة. يمتدّ المكان ليشمل تونس الوطن و البلدان العربية التي لحقها مدّ الخريف أو الرّبيع الكاذب و العالم في إطلاقيته، عالم يشكل وباء الكورونا و معاناتها كلية. قاسما مشتركا بين دوله. المكان يتراوح بين المحدود و اللاّمحدود و هذا هو منطق تشظّي المكان الذي حفلت به الرواية فكانت الروائية تنتقل من الخاص و الجزئي إلى الكلّي المطلق بسلاسة معتمدة في ذلك على اللغة السردية ":الهاذية "، لغة تحيك الأحداث و الخيال ، حوادث الموت و الإرهاب و القتل و الفقر و الوباء و تنقلات شخصياتها الخيالية أو الطيفية المنفلتة من حدود المكان.


في الزمان:
الرواية تنتمي إلى الروايات الديستوبية و هي رواية ابنة الزمان. الزمان في " طوفان من الحلوى... في معبد الجماجم " يمتد على فترة طويلة من سنة 2011 إلى سنة 2020 هذا على المستوى الموضوعي أو التأطير العام للرواية. في الرواية لم تكن الأزمنة خطية بل لا خطية قامت على علاقات سبق و حدوث و لحاق متداخلة متناسلة من بعضها البعض. على مستوى الشخصيات لم يكن الزمان كذلك خطّيا بل تداخلت لحظاته إذ حضر فيه الاسترداد و الاستشراف بل و حتى الإعداد اللاّراهني أو الخيالي للراهني أو للواقعي، تنقّلت الروائية في الزمن بسهولة و مزجت في الصراع بين عناصر روايتها بين ألوانه المختلفة فلم يكن يخضع إلى منطق الترتيب و التتالي بل كانت الروائية تستبق و ترتدّ و تعود إلى الحاضر، ممسكة بزمام الزمان تنتقل و تنقل شخصياتها فيه بسلاسة عبر فعالية التذكّر و التوقع و الفعل و السرد و عبر ما تُدمجه من أبعاد خيالية و ما تخلقه من شخصيات طيفية قادرة على تخطي حدود الزمان الموضوعي بكيفية غرائبية. بل إن الروائية تخلق أمكنة و أزمنة ممكنة خارج الفضاء المتعارف عليه و لعله الفضاء و الزمان الميتافيزقيان ليتصادى الفلسفي و الواقعي، اللاّراهني و الراهني ، الممكن أو المنشود حيث الحياة و الحب والفرح و الانتشاء و الفن و الخيال و تبجّح الإنساني أو الروحي و الواقعي المحدود من جهة ثانية حيث القتل و الاغتصاب و الموت والعنف و الوحشية و اللاانسانية. الرواية طغى عليها التشويه الزمني ذلك أن النصّ لم يكن خاضعا إلى تسلسل زمني بل إلى ما تقرره الروائية أو اللغة السردية و ما تقرّه الشذرات لذا انتشى اللاّنظام على النظام و أوكلت الراوية للقارئ مهمّة تنظيم اللاّمنظم و تجميع المشتّت و المتشظّي.
في تقنيات الرواية:
الرواية مشبعة غزيرة التقنيات، تجمع بين التليد والطريف، الطريف يكمن على مستوى البناء الهندسي كما أشرنا سابقا ذلك أن الرواية شذرات حرة أو بناء لا نمطي، لا يخضع إلى متتالية حدثية بل إلى التقطيع و التّشظية الحدثية كما أنّها تتأرجح بين الراهني و اللاّراهني. مشبعة بفضل ما التجأت إليه الروائية من أساليب فكان:
التناص:
في الرواية حضرت العديد من النصوص الغائبة بعضا منها كان واضحا و جليا و البعض الآخر كان مضمرا. فإذا سلّمنا جدلا بان النص المنتج حركة روحية تحدث في عالم الذات المبدعة و أنه نتاج قرائي لما اختزلته الذاكرة من جهة وما أضافته وخلقته الذات المبدعة من جهة أخرى فإننا لا مندوحة سندرك أثر النصوص السّابقة في صياغة النص أو العمل الروائي الماثل بين أيدينا و تفاعل النصوص مع بعضها البعض. هذا التفاعل لاح بيّنا في الرواية و تراوح بين الصريح الواعي و المضمر الخفي إذ تراصت نصوص عدة في تشكيل الرواية فكان الأدبي منها و الفلسفي والأسطوري و الفني و الديني و العلمي و التاريخي ويمكن أن نميّز بين ضربين من هذا التفاعل وهذا الجدل يجسّده التناص في بعديه الواعي و اللاواعي:
التناص الواعي:
التناص الواعي هو تفاعل متقصّد يوظفه الروائي عن وعي و يلجأ إليه المبدع بعد منحه رؤيته الخاصة و قد لاح جليا في رواية " طوفان من الحلوى" في مستوى الشخصية الرئيسية في الرواية "ميارى ". "ميارى" رأس الرواية الأول نتأت فجأة من "سدّ المسعدي" لتحضر كطيف أو كنسخة. ميارى "بنشيخة" تناص لميارى المسعدي، للأمل تجاه العبث الذي يعترض الإنسان لكنها تكتسي لدى روائيتنا بعدا يخترق العالم نحو " المدى" مما يؤهلها إلى معانقة التسامي و الخروج من بوتقة الحدود و هنا يزدحم الأمل و يصبح أكثر إلحاحا. تجلى التناص الواعي كذلك على مستوى المحيط أو البيئة ذلك أنها بيئة الرواية تتماهى و بيئة الأديب المسعدى في روايته " السد " فكوشمار بدا كغيلان المسعدي، غيلان يحاول بناء السد و تحدّي صهبّاء و صهبّاء تعمل على إعاقته. كوشمار يحاول إعادة الحياة إلى جماجمه في مكان شبيه بمكان غيلان، يجابه وضعا عبثيا و مأساويا عبر الفن و في النهاية يستطيع و لكنه يفقد لوحاته و هو ما حصل لغيلان الذي بنى السدّ و لكنه انهار. كما نصادف كثرة الأصوات و الأطياف و ذات الأمر نصادفه في رواية السدّ. إن الحضور الواعي للتناص الأدبي غايته التعبير عن التشابه في وضعية الشخصيات المأزقية بل و الذهاب أكثر للتأكيد على الوضعية الديستوبية التي يعيشها إنسان اليوم في خضم العالم و لترجمة انفجار الأزمة الإنسانية و الكشف عن بعدها المركب: الفكري و السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي و الديني و الجمالي...
نباشر في الرواية حضور التناص الفلسفي، اذ استدعت الروائية أنساقا فلسفية عدة و تخبرنا الروائية بذلك عبر ما توظفه من أنساق كنسق هيدقر و سارتر وهاربرت ماركيز أو عبر ما تلجا إليه من مفاهيم كمفهوم العدم، كما تحضر في الرواية البيئة الديستوبية حيث يبلغ الفساد حدّه القصي إذ يطال كلّ مناحي الحياة وكلّ أمكنة العالم أمّا على مستوى التناص الديني فهو بين على مستوى العنوان و ما حضور مفهوم " المعبد" إلا تأكيد لذلك، كما تحضر المشاهد المتّشحة بالأجواء الدينية كحوارات الجماجم و تساؤلها عن العدالة الإلهية. في الرواية يتقاطع التناص بشتى تمظهراته.
تناص الخفاء:
نلمح في الرواية حضور تناص الخفاء بما هو تفاعل بين النصوص بطريقة لاشعورية غير متقصّدة فالحور في الرواية يشبه الحوار الذي نصادفه في رواية السد للمسعدي. كما نجد عناصر تحيلك إلى عصر الانحطاط و سلطة المقدس الديني على الوضع العام و هيمنة الوحشية و الفزع و الخوف من الآخر المُغاير و من المكان و من العيش في العالم لأنه بات " براري موبوءة" و البرية بمعنى الفلاة و الامتداد الذي يفر منه الإنسان و هذه عودة بالذاكرة إلى الحالة الذي كنا فيها قبل القفزة النوعية التي عرفها الوطن و العالم كما تستعير من العالم لفظ "موبوءة" مبالغة منها في وصف الوضع العالم الذي يعيشه الإنسان بألف و لام التعريف والوضعيات المأزقية التي صارت كالمرض المعدي: الإرهاب، القتل، الضنك، فيروس كورونا المنتشي في العالم. هذه العينات و غيرها تؤكد الثقل المعرفي الذي انبث في كامل الرواية وسرى.
الرواية كانت مناسبة لالتقاء كل المجالات المعرفية إذ اشتركت في إنتاج زخمها العديد من النصوص و كان معظمها نتاج فعل تقصّدي بمعنى واع أي متعمّد من اختيار الروائية ذلك أن الكتابة لدى روائيتنا الفيلسوفة تقصدية تستمد قصديتها من الفينومينولوجيا، إن كل شذرة لديها و إن بدت " هذيانا انثويا" و كل شخصية إنما تم توظيفها توظيفا واعيا. فبيئة المسعدي تتسع لتصبح وضعية كلية مأزقية للشعوب و لإنسان العالم الذي لا يعاني أزمة واحدة بل أزمات عدة تتجاوز وضعه الوجودي لتتعلق بحياته أو بحق الحياة في كرامة، في كرامة المحاولة التي انتهكها الجهلوت و وأدها اللوبيون و ما ضج به العالم من وضعيات قصية كالموت و القتل و الاغتصاب و الآفات و الفساد و الحرمان و الجوع و الخصاصة. كما تجسد كذلك التناص على مستوى البناء إذ استلهمت روائيتنا كتابتها من الطريقة اللاّنسقية النيتشوية. إن التناص فتح إمكانات جديدة من التأويل و التحليل و الفضح و التعرية و الآمال و الأحلام. و سنعود لاحقا للنظر في دور الزخم المعرفي الذي تجلى في الرواية و البعد التركيبي الذي حفلت به في تكريس الاحتفالية السردية في الرواية.
الحبكة في الرواية:
رواية "طوفان من الحلوى ... في معبد الجماجم" لا تنطلق من شكل جاهز أو من مخطط ألفناه تترقّى فيه الأحداث في شكل تصاعدي حدّ الذروة فالانفراج أو تبدأ بالانفراج وتنتهي بالذروة بل هي شذرات تتناسل من بعضها البعض و منها تلد الأحداث و تتكاثر القصص و الروايات ضمن الرواية الأصلية ، إذن هي تكسير للنسقية الكلاسيكية ذلك أن الحدث ليس واحدا يتصاعد و يهبط و يبلغ عقدته بل إن أحداثها تشكل عجينة متداخلة. في هذه العجينة تلعب اللغة دورا هاما في تنظيم اللاّنظام الحدثي أو الفوضى الحدثية. إن شخصيات الرواية شخصيات منهكة لا تعاني من حدث بعينه و إنما مشوّشة تحمل هموم العالم و رغم أنها تحيا في العالم عبر اللغة و تسكن المدى إلا أنها تباشر أحداث العالم و تنخرط فيها رغم غرابتها - أطياف، زهاميل، جماجم ، مجانين ...- إنها تحمل ثقل أحداث الوطن الصغير و الوطن الكبير ( ليبيا، سوريا ، اليمن، العراق ) و العالم. ونحن نقرأ نرى الروائية تنتقل من حدث إلى آخر دون رابط يشد الأحداث إلى بعضها البعض فمرة تتحدث عن انقلاب سيارة و موت بعض العاملات، و أخرى عن قتل الإرهابيين لسبعة إخوة، و تارة عن لوبيات الفساد و صناعة الفقر و الأوبئة و طورا عن الحجر الصحي و عدمية المكان و وحشته كما تستدعي ما يحدث في بعض البلدان العربية من قتل و فاقة و تستحضر الوضعية المرضية التي اهتزّ لها العالم كما تستدعي أحداثا خاصة بأبطالها كقصة الحب التي نشأت بين ميارى و عبد الباقي أو كوشمار و التي لم تدم سوى سنة واحدة و هجرتها له و زواجها من شقيف و فراقها لزوجها و موت أمها و عودة عبد الباقي إلى القرية و صعوده إلى الجبل و استقراره في مرسمه و عودته إلى المدينة... أحداث عدة تكفّلت اللغة بالجمع بينها و تأثيث تآلفها في النسيج الكلي.
رغم كثرة الأحداث و عدم وجود نسق تصاعدي أو تنازلي لها و عدم انتظامها داخل منطق الحبكة الروائية فإننا لا نشعر بفوضاها بل إن فوضىاها و لانسقيتها تنتظم عبر تنسيق لغوي عظيم، تنسيق تتحول معه اللغة إلى شخصية في الرواية تتكفل بالسرد و تسمح لنا بتنظيم أحداث الروايتين داخل الرواية الكبرى لنصنع منها حبكة.
ياسمين التي سقطت من سد المسعدي زوجها الدكتور ثابت، عالم بيولوجي مختص في عالم الفيروسات ، صديقها كوشمار لها فتاة تدعى ميارى اهتمت بتربيتها ليلى التي ذكرت قصتها في الرواية. ميارى دخلت الجامعة هناك التقت بكوشمار الذي عشقها، دامت علاقتهما سنة انتهت بالفراق حيث غلّبت ميارى موقف أباها الذي يرى الحياة في الرفاهية و المال ملقية بعرض الحائط دعوة أمها المنتصرة إلى الحب. تزوجت ميارى شقيف فاكتشفت انه لوطي يدير أعمالا لاإنسانية، له شركة تسفير إلى سوريا و منخرط في أجندات أجنبية. تفطنت إليه أجهزة الدولة فغادر البلاد و أرسل إليها رسالة يطلب منها عدم ترقبه. في تلك الأثناء يحدث صراع بين ياسمين الأم و زوجها فتهجره . الدكتور ثابت خصص وقته للبحث عن دواء لوباء كورونا واكتشف الدواء و عندما أعلن عنه سيق إلى السجن بتهمة صناعة الاوبئة . بقيت ميارى في عزلة مقيتة تتصدى لها بقراءة الروايات بعد ان أغلقت مكتبها بسبب تفشي الكورونا. كانت تتنقل بين الروايات لتطرد اليأس.
أما عبد الباقي أو عماد أو كوشمار فإنه بمجرد أن غادر الجامعة و بلغ قرية الرؤوس المقطوعة كان شاهدا على قتل إخوته من قبل الإرهابيين لذا غادرها. صعد كوشمار إلى الجبل و بنى معبدا جعل فيه مرسما. جمّع الرؤوس المقطوعة و بدأ في رسم لوحاته التي باتت أنيسا يحاوره و يدعوه إلى العناية به. كانت لوحاته عملا مخصوصا و كيف لا و هو حاذق في الرسم ملمّ بتاريخ الفنون و بفلسفة الفن المعاصر. عشق كوشمار لوحاته و دأب على العناية بها في معبده منقطعا عن العالم السفلي، يجمّع الرؤوس المقطوعة. في هذا المكان المنعزل يأتيه ذات يوم زائر و هو الخازوق بعد قضاء عشرين سنة في سجن الرومي. يبيت معه ليلا و يخرج في الصباح يؤدي مهمته و هي قطع الرؤوس و يعود مقهقها. ذات يوم أراد تعلم الرسم فكان له ذلك. أعلم العناصر الإرهابية بانه حذق الرسم فقطعوا رأسه و تركوه أمام المعبد فخشي كوشمار على نفسه. حزم لوحاته و هرب من جبل مغيلة قاصدا العاصمة قاطعا البراري و الفيافي، في طريق العودة صدمته شاحنة، فقد لوحاته و حُمل إلى المستشفى في سيارة إسعاف هناك أجريت له عملية جراحية و عندما تحسنت وضعيته نقل إلى مستشفى الرازي لفقدانه لذاكرته .
ميارى فقدت أمها و لم تعلم بذلك إذ لم يخبرها أبوها. جاءتها ذات يوم رسالة منها تخبرها بأن العدوى أصابتها، ضمنت الرسالة رواية كانت دافعا لميارى لكتابة رواية عن عالم الفيروسات مستغلة تواجد أبيها الدكتور حيث مكنها من الكثير من المعلومات استغلتها في روايتها. ٱستدعي أبوها للمساعدة قبل ايام من حادثة كوشمار كما ٱستدعيت ميارى كذلك إلى المساعدة في معالجة المرضى النفسانيين لتفاقم العدد. ذات يوم تهاتفها الدكتورة منى و تخبرها بأنها تحتاجها في الغرفة 13 لتطبيب أحد المرضى. هناك تلتقي بمريضها فتشعر بارتفاع نبضها و بأشياء غريبة تستشعرها، في الزيارة الثانية رفعت اللباس عن يده فوجدت وشما في زنده كتب عليه اسمها فأدركت أنه ذلك الفتى الريفي عبد الباقي الذي عشقها و لكنه لم يعد عبد الباقي إذ بات فاقدا للذاكرة. قررت ان تأخذه لتعتني به في منزلها و استطاعت بما تملكه من معرفة حول فساد مستشفى الرازي أن تنتزعه من هناك . عبد الباقي كان هائما لا يتكلم رغم ان ميارى كانت تذكره بحبه لها لم يقل شيئا، سأل عن لوحاته قائلا " أين لوحاتي". كوشمار عاش سنينا طويلة مع ميارى و هي تحاول إعادة ذاكرته المفقودة و هو يأبى أن يستعيد ذاكرته "إذ لم يكن في خطّته أن يدخل معها في تضاريس حكاية انتهت منذ زمن" . ظلّ شاردا لمدة أربعين سنة لا يعرف من يكون و لا من هي و لا يهتم بتفاصيل الزمان و المكان. اكتفى كوشمار بمهارة التحديق في الفراغ، رحلت ميارى فجأة فوجد نفسه ثانية فوق قمة الجبل القاتلة.
لوحاته اشتراها أحد الرسّامين و قلّدها و حصل بها على جائزة... لم يكن كوشمار قد أحسّ بأي شيء لكن ابتسامة ارتسمت على شفتيه بصفة عفوية، "ربّما سمع جسده بفوز لوحاته في انتظار ان يلتحق نفسه بهذا الخبر السّار". سكان الجبل وقّعوا على خطّة خراب جديدة لذلك وقع ترحيلهم إلى ليبيا... . جاء صوت ميارى بعد شهرين من موتها و تكاثرت الأطياف و أصوات الضحايا و اكتظ المدى و تزعزع من ازدحام الأرواح... ركض كوشمار مذعورا حتى أدرك مرسمه هناك عثر هناك عثر على سكّانه - الرؤوس المقطوعة- و ذاكرته و إحدى لوحاته، خط عليها عنوانا جديدا "هنا معبد الجماجم" و استعاد صوته و انخرط في طوفان من اللغة تحوّل إلى دستور لفن الرسم، رسم أحلاما جديدة لرؤوس تستعد لاستقبال أجسادها، لمح رأسا مقطوعة جديدة التقطها على مهل و احتضنها بين يديه و عاد إلى شروده دون أن يدرك حقيقتها لكن ياسمين الأم الكبرى كانت تعرف انها لخازوق ، خازوق الذي تحوّل من خطة قاتل إلى مقتول إذ حدّث سكان الجبل برغبته في أن يصبح رساما فقتلوه وفق ما تقتضيه طقوس الذبح - كما ذكرنا سابقا - و قد أعادت ياسمين رأسه و ألقت به ليلا أمام باب معبد الجماجم في شكل انصاف لرؤوس الرعاة...
من وراء التلال بدأت الغزلان في الظهور ... و أبصر عبد الباقي أو عماد أو كوشمار طيف خديجة و شبح ميارى و هما يتجاذبان أطراف الحديث: "إنّه طوفان من الحلوى، سأظل أوزّعه على الجميع حتى يستعيدوا أجسامهم أمّا ياسمين فقد كان طيفها يضع الملمح الأخيرة للانقلاب الصيفي..." ركضت كل من ميار و خديجة ابنة عم كوشمار تجاهه فاحتار أيّهما يحتضن ، تمتم ثم قال:"سأعجن جسديهما في قطعة حلوى واحدة و سأدسّ ما تبقّى بين أفواه الجماجم " و في تلك اللحظة تناهت زغاريد أطياف النّساء إلى مسامعه... لابدّ أنه عرس إخوته هناك في زمن آخر و في قصّة أخرى.
رقص الثنائيات في الرواية:
تحتفل الثنائيات في الرواية و تتدافع، تتصادى العوالم و تتنافر، عالم فقير من الحياة رغم تكثر أحداثه و عالم موت ضجّ بالحياة، نشطت عليه المطلبية و المقاومة، عالم يُناقض عالم الموت سعي إلى ايجاد المعنى خارج " المدى " و الحدود و اشراطات المحدود و إلحاحات الغيرية المقيتة. رؤوس مقطوعة يحييّها الفن - الرسم - تسأل المعنى و استرداد العدالة من أرض العدم / الوجود أو من عالم " نيكس" الظلّيم الأظلم، ثائرة متمرّدة على عالم ساده معنى زائف بمعني المعنى الذي أراده القتلة و اللوبيون و سالبي الحياة أي ناشروا اللاّمعنى و الفوضى المُميتة في العالم ذات ربيع طويل أنكر هو ذاته حنينه إلى الأرض و وعده. ذات ذبول "ياسمين" عزف عنه حتّى الدوّارين. "ياسمين" أنكر القدور وازدرى الفرح والانتشاء, عجف وتغيّر لونه، لم يعد المجال يسعه. أدرك بعد عامين أنه غريب مثلما أدركت "ياسمين" رأس الرواية الأول ذلك. عادت منهكة مفككة لا تقوى على الاستقرار و المكوث.
لم يعد العالم الراهني مُستساغا و قِبلة البشر، بشر سكنته الانفعالات السلبية و تبجّحت فيه الظلمة و انكشف فيه قبح بعض النّفوس و استيطان اليأس في الأكثري منها. نفوس بدت محلاّة بحب الحياة و بامتلاء روحي. بدت ذات وجه مضيء بأقمار الوحي، تتحدثّ باسم الربّ حاملة اعتقاداتها محمل الجدّ، جدّ كشف في سيرورته عن وجهه المقيت المميت . أخذ هؤلاء نبوءاتهم مأخذ الجدّ وأفسدوا الأرض و النسل، شبّوا على قطع الرؤوس و التلذّذ بالدّماء ، كان نهمهم شديدا، صادقوا الأشواك و الضّباع و الثعالب و تجندوا بصفات حيوان جائع تُغريه رائحة الدّماء، يحملون آمالهم محمل الجدّ و أحلامهم على محمل الصدق. بيادق تحركّهم أسود سكنت الظلال و قد استقرّت أقدامهم في مرْبع الكراسي.
كوّن هؤلاء جنودهم في الصوامع بعد إذلالهم - الاغتصاب - و إخضاعهم و غسل أدمغتهم بفعل ما بثّوه فيهم من سموم مغالطة و فهم انتقائي مُوجّه للوحي. جعلوا لله صورة مشوّهة و اتخذوا من طاعته مطية للإفساد في الأرض بل و في العالم. لا يعرفون سوى حجة القوة: القتل و العنف و التنكيل. قتلتِهم أو بيادقهم من الحواشي المعطوبة، من الفقراء و المساكين و الحزانى و البؤساء و العاطلين عن العمل، سخّروهم للقتل، لقطع الرؤوس دون شفقة أو رأفة استخفافا بإنسانية الإنسان و إمعانا في إذلاله و إخضاعه لانتزاع الشرعية من البقية، بقية يقولون عنهم "طغاة" لا لشيء إلاّ لكونهم مختلفين عنهم أو لأنهم يحملون قناعات و مواقف مختلفة. ينئون عن الاختلاف، يكرّسون باسم الربّ الطّاعة العمياء و يفسدون الأرض و يسلبون الحياة، يتناسلون في الجبال كما تتناسل الثعالب و هم للمكر و للدماء عشّاق، يتنقلون في الاوطان حبّا في السّفك و السّحل و القتل، هم لا يعيشون بين البشر بل في الأمكنة المتعفّنة الفاسدة كنفوسهم الشّريرة. يُطوّعون المقدّس المتعالي خدمة لآمالهم. تركوا قرية السلاطنية " طاولة ممسوحة " من النّقاء و الكرم و الحب. شذّوا مزامير الرعاة و طمسوا مساحات الأمل و الحلم فيهم و جعلوا الأرض حصيدا، ثبّتوا فيها الألغام و افترشوا مكانا قصيا و ٱستتروا بأكسية سكّان كراسي تكفّلوا بإغداق الورق عليهم. شعارهم ٱقتل لتدرك حور العين و الجنان التي ليس كمثلها شيئ.
هذا الوجه للنفوس الوضعية التي سكنت الجبل لا يجب أن يحجب عنّا مثيله الذي سكن المدينة. فمع قدوم "ياسمين" نشط صائدوا الجوائز و حازوا الدّرر . في المدن نشطت ذئاب الأزمات ، ذئاب تعشق الظلمة و تعيش في مستنقعات الأزمات ( الفقر، الظلم و الاستغلال). نشط بائعوا الحلوى أو "الليكستا" أو " الاكستازا" و هي نوع من المخدرات يؤخذ في شكل إبر أو جرعات غير أنها باتت في شكل قطع من الحلوى تقدم للشباب على أنها مانحة للسعادة و الحال أنها أكثر أنواع المخدرات تأثيرا تنجر عنها الهلوسة و تؤدي إلى الموت وإلى أعمال فضيعة . بحثا عن المعنى بات الشباب يقتل نفسه بنفسه، يدمّر ذاته و ذات الآخر إذ قد تدفع إلى قتل الآخر و اغتصابه وإلى تبعات إجرامية. زج استهلاك "الحلوى" بالشباب في عالم العنف و الموت البطيء و اللامبالاة مطلوب الساسة الجدد الذين نشطوا في محفلهم البرلماني فغيروا قوانين الإدمان تكريسا لمبدأ التسامح مع المتعاطي و نظموا حفلة راقصة للتخفيض في أسعار القوارير كي "لا يحرموا الشباب من الحصول على المتعة و الرفاه" . تلاعبوا بأوامر المقدّس الحقيقية و أفقدوا القوانين الوضعية قيمتها، كانت الفوضى مطلبهم و تدمير الشعب و الدولة هدفهم لتهيّئة ما به يُستبدل الواقع أو المخطط له أو "الدولة الإسلامية و الإمارات". التقت أهداف سكان الجبل بأهداف صائدي الجوائز و أهداف سكان البرلمان الجدد في تهيئة هذا الوضع . فتدهورت الأوضاع الاجتماعية و الأمنية و استفحل الفقر و خاب ظن "ياسمين" و أدركت أنها مائتة أو ولدت لتموت يائسة حزينة و أنه لا سكن لها سوى " المدى" كما تراجعت أصوات و نداءات الياسمينيين، بحّت أصواتهم و لم تقدر عقيرتهم على مواصلة الصراخ و كان قطع " ثدي ياسمين الأيسر " السبب الرّئيس لترنّحها أمام العواصف و انكسارها و فقدانها أنوارها.
لقد نزل أهل الجبل إلى المدينة و فازوا بالذبيحة الأولى ببعض من الخديعة و الخيانة و قطعوا رأسها و كذلك فعلوا مع الذبيحة الثانية. بدأ ثدي ياسمينة الأيسر يتآكل في الداخل و يتفتت و يفقد القدرة على الصمود و تحدّي النوازل إلى أن قرّرت قطعه أو قرّر الأطباء الجدد قطعه فصار بلا حليب و لم يعد قادرا على جلب الرّفاق أو على توليد و ولادة المواليد الجدد. ساح القتلة في البلاد الكبرى، سبّبوا الفواجع و خلّفوا الثكالى و لم يسلم العالم في كليته من ملامح السوداوية و العبث، عبث كوني بالإنسان عوّض "عنصرية اللون". عبث أعمى لا يميّز بين الألوان رهانه " المليار الذهبي ". خرج فجاءة من أحد المخابر أو خرجت مؤامرة ضدّ ما بقي من الإنسانية بتعلّة أن ثروات الأرض لم تعد تكفي الكلّ و لابد من انتقاء "فيروسي" يبقي على من يصمد و يأتي على الضعفاء أو على العنصر الذي لا يستحق الحياة، فيروس تشظّى في ناحية من أنحاء العالم و ساح فيه. في بضع أيّام بات عدوى لا قدرة للبشر رغم أساليب الوقاية و غلق الحدود على الحدّ من انتشاره الواسع. فيروس شظّى العالم و فرّق بين الأحباب و الأحبة و الأمة الواحدة و بين الأمم و كرّس العداوة فكان الصراع من أجل أسباب الوقاية، من أجل الظفر بخرق و سوائل قيل عنها تقلّل العدوى و كان إعلان الحجر الصحّي. حجر ألبس العالم كساء السواد و الحزن و العزلة. انتشى ألم الفراق و ساد الحزن كل المنازل. طغت الأتراح و فُقدت الأفراح و اشتدت عزلة البشر، عزلة عظمت شدّتها و بلغت حدّا قصيا سبب الاكتئاب و اليأس ممّا هو إنساني، حلّ الرعب بل بات الغير الحميمي و البعيد عدوا نهرب منه و ننأى عنه. تغير نمط الحياة كلّيا حيث غاب اللقاء و المجالس الجماعية. ساد السّبات الأماكن العامّة بسبب الإغلاق و باتت الأوطان كالمقابر و الأنفاس تدخل و تخرج نكدا. عانت الحواشي و جاعت القدور و يئس الناس من الحياة، عاشرهم الحزن و غادرهم الضحك، استوطن بهم الألم و هجرتهم السكينة و قتلتهم عزلة مقيتة أصابت ميارى بالسأم. أمست كلّ العائلات " معطوبة، منهوكة " تعاني الفواجع و الفقر و الحاجة بسبب انسداد مصادر الرزق، بات الطّريق مقبرة للموتى، موتى يلقون في مقابر جماعية بعيدة عن المقابر، لا يُراعى في دفنهم ما هو إنساني. ضَحُل المعنى و قلّ الهامش الإنساني، ساد العبث الوطن الضيّق و دول العالم. سقط العالم في هيستيريا من الخوف و الرّعب و القلق و الملل . تكاثفت الأزمات في تأزيم وضعية وطن لم يعد سوى موطنا للموت إما بسبب سكان الجبل أو بسبب الفيروس أو بمقتضى الفقر و الجوع، صار الكلّ يكنّ للعالم الكراهية و يريد أن يثب فوقه بل إنّ الجماجم و الأطياف و الأجنّة عزفته و هجرته و باتت تطلب القصاص و العدالة و تفرّ منه إلى المدى.
مدى تكفّلت اللغة بإبداعه ذلك أن العالم لم يعد يسع للآمال و الأحلام و رتق الصّدع. عالم بات في نظر الرؤوس المقطوعة لا جدوى و لا نفع منه. تردّد فيه العبث و عمّه الظلام و لم يعد يحلو فيه المقام. لقد تكفّلت روائيتنا عبر اللغة بخلق عالم مجازي يتجاوز حدود السماء و الأرض أو عالم فوق الأرض، عالم مطلوب خارج حدود العالم المعطوب، عالم روائي غريب نشطت فيه الأصوات و الجماجم و الموتى تطالب بالقصاص و العدالة السماوية و جعلت من الحلوى فيضا و من الفن مطلبا بل و "تحدي" بلغة هابرت ماركيز ، بهما ابتدعت عالما خياليا أكثر واقعية من العالم الواقعي. فن الرسم أحيا الموتى و بثّ فيهم الحياة فانبجست الأصوات و انبعثت النداءات و استعاد فيه الموتى الحياة فطفقوا يسألون البشر عمّا فعلوه و عن المجازر التي ارتكبوها و عن الأزمات الخانقة التي نسجوها، عن عالم غيّروا معناه، عن بشر شوّهوا المقدسات و تلاعبوا بها فقتلوا الشفقة في قلوب البشر و تركوا الدّماء في الارض غدرانا. فهل تكون الحياة في فيض الحلوى في مطلوب الطفولة و في الفنّ موطن الجمال و الصدق و العدل و الحياة؟
كان همّ "ياسمين" كثرة المواليد، بل إنّها ٱلزِمت بمهمة تسجيل عدد المولودين الجدد، عدد ضحكاتهم و بسماتهم و من هنا نتبين أن معنى العالم رهين الطفولة أو رهين موت الكبار سبب المآسي، أن استقامة العالم و خلاصه رهين التخلص من الذكور الكبار و انبعاث جيل جديد بسجية طفولية يحمل البراءة و الحلم و التّسامح، جيلا محبّا للفن أو جيلا فنّانا يعي جيدا أن الفن إخلاص و صدق و خلق للمعنى بما هو ضرب من التحدي و الثورة. صحيح أن الحلوى و الرسم غير قادرين على تغيير العالم و لكنهما قادرين على تغيير روح الرجال والنساء و عقولهم و إذا تغيرت الروح و العقل أصبح بإمكان البشر تغيير العالم و أصبح بإمكان ياسمين أن تجد المعنى في العالم بعد أن فقدته و بإمكان الجماجم و الرؤوس المقطوعة أن تسكن و تنعم بالراحة و تكف عن أن تظل تائهة عن بقية الجسد أو عن حقيقتها و ذاكرتها و هويتها و بالتالي بإمكانها الظّفر بالمعنى .إن إحياء العالم رهين جيل من الأطفال لا يحمل في ذاته إلا ماهية الطفولة و نقاء السريرة مسكون بالحب و اللقاء و السلام و الجمال.
في تواشج المعارف في الرواية:
و أنا أقرأ الرواية ألفيت زخما معرفيا قليلا ما صادفته فيما قرأته من الروايات. لقد تشاكلت المعارف و تداخلت في عجينة مركّبة لتقدم لنا رواية من طينة جديدة اجتمع فيها الفلسفي و الديني و العلمي( علم النفس و البيولوجيا ) و الأسطوري والفنّي ( الرّسم ) و الأدبي و الجمالي و القيمي.
الرواية فلسفية يُناوئ فيها المحتمل و الممكن و الخيالي الواقع و يتعالى عنه عبر ميكانيزمات السخرية و الرفض و النقد و التأسيس. لقد نشط في الرواية ضرب من تقيّؤ الوجود بلغ حدّ الغثيان بلغة الوجودية، غثيان يتضمن رغبة الوثب فوق الواقع أو التعالي عنه فكانت فعالية " التحدّي " بمفردة "هاربرت ماركيز " السمة البارزة في الرواية، تحدّي للواقع او لعالم التناتوس، لعالم لا إنساني يكفر بالإنسان و يحط من كرامته، لعالم اللاّمعنى، للسوداوية الناشطة فيه. أوقدت روائيتنا جذوات الفنون و الخيال كآلية للتصدي الى بؤس الواقع و السأم و القلق الذي فاض فيه و انتشر فكانت الكتابة الروائية سبيلا استطاعت عبره ميارى الإفلات من قبضة " الحجْر " و السّأم و كانت "الحلوى" التي تصنعها ياسمين أملا ضامنا لفيض الطفولة بما يحمله من مرح و فرح و انتشاء و إقبال و شكّل الرسم مبعثا للحياة و إعادة لها لمن فقدها. أحيا الرّسم الجماجم و ردّ إليها أصواتها فتدافعت تتحاور و تطلب العدالة و تطالب بالحقّ و المعرفة.
ياسمين تجابه العالم عبر فنّ الكتابة، تكتب رواية علمية تُعنى فيها بالنظر في العالم الميكروسكوبي، عالم البكتيريا و الفيروسات ناهلة من عَالِمٍ بيولوجي قضى عمره في متابعة هذا العالم المنسي من قبل البشر، هنا لاح البذخ العلمي لروائيتنا، فيه دعوة إلى مزيد الاهتمام بهذا العالم من أجل البشر و اتخاذ إجراءات حمائية قبل استعماره للعالم أو للأرض، بذخا نلحظ مثله في المجال الفنّي فلقد بدت ملمّة بالفن و برهاناته و لذلك أوكلت الى كوشمار هذه المهمّة. إن الفن الحقّ هو الذي يعنى بالإنسان و ينهم و يهتمّ بمشاغله و يترجمها و ليس ذاك الذي يقدّم بلا روح كفن الصحافة المرئية المسموعة ـ زمن الثورة ـ تلك التي تتكفّل بالإخبار عن الأزمة. الفن لدى أم الزين بنشيخة خلق للحياة و إحياء للصّخب قادر على تحدّي الواقع و الفعل فيه عبر تغيير العقول. كما أدركتُ تملك الروائية لمعرفة بما هو ديني من خلال توظيفها لآية كريمة كعتبة و إستعادتها في آخر الرواية رهانها في ذلك تحرير المقدّس من التشويه و من الفهم الخاطئ مؤكدة أنه إقرار للتسامح و نبذ للغلو و أنه اعتراف بالآخر أو بالإنسان و حقوقه كحق الحياة و ما التعصب و القتل و التنكيل إلا أشياء مضافة إلى المقدّس من الخارج أي نتاج الفهم الظاهري لما جاء به المقدّس أو نتاج إرادة حمل المقدس على ما لا يحتمله.
تجلّى كذلك إلمام الروائية بالأسطورة اليونانية من خلال استدعائها للآلهة الأسطورية ضمنيا و ما عملية إحياء الموتى التي قام بها كوشمار أو عبد الباقي أو عماد إلا عملية استغفال لسيد الزمن أو لإله الزمن كرونوس الذي التهم أبنائه غير أن ابنه زوس أجبره على إعادتهم، كوشمار يستغفل الزمن و الموت و يعيد إحياء الرؤوس المقطوعة لذلك كانت العلاقات التي تحكم الزمن صراعية صدامية بين السبق و اللحاق و المضي كما نباشر فيها الخداع و الاستغفال و السلب و الإيجاب.
على المستوى الأدبي نلحظ تشبّع روائيتنا بالأدب إذ تستحضر صراحة العناوين الكبرى للروايات أو للإنسانيات و لأهم أدباء الأعصار المتعاقبة و نباشر فعليا هذا الزّخم الأدبي في روايتها الجامعة لمختلف أشكال الأدب كأدب السير و الشعر و أدب الرسائل و أدب الخيال العلمي و الملحمة و المسرح .. لهذا لم تكن الرواية لِتَقبل التصنيف، إنها تخرج من الأجناسية و تدخل اللاّأجناسية، تشذّ عن النّسقية لتكون لانسقية بمعنى عجينة مركبّة من أجناس عدّة و هنا تكمن طرافتها و جِدّتها و خصوبتها و إنفتاحاتها على المتعددّ و المتكثّر وهو ما يفتحها على إمكانات تأويلية عديدة و يمنحها بعدا استيطيقيا فريدا متفرّدا.
الرواية والشعر:
الرواية كُتبت بنفس شعري فلاح فيها الانزياح الدلالي باذخا و بشكل جليّ و طغت عليها المشهدية إذ تبدأ سرديتها بتعيين وضع أو حال غرائبي فيه تكثيف للمشهد فتقول بلغة منزاحة عن دلالتها المألوفة " ضباب يهمّ بشطب سماء قديمة و زوبعة تسرق الله من قلوبهم، غيمات تتجمّل من أجل استقبال ربيع آخر ". هذه الشذرة تعيّين للوضعية الوضعية المأزقية التي يعيشها الإنسان، لضبط حال تضمّن نقلة أو تحولا من إلى، من سماء و ما تحيل إليه السّماء من تعالي و سمو و شرف المقدس إلى سماء أخرى بملامح غريبة، تكفل الضباب بشطبها. يُحمل الضباب هنا على معنى ضياع البصر و البصيرة، على عدم القدرة على التمييز بين الحقّ و الباطل و على معنى عماء العقول و القلوب و تواصل قائلة " زوبعة تسرق الله من قلوبهم ". هنا تزج بك الروائية في التساؤل عن: قلوب من، قلوب سكان الجبل أم قلوب الشعوب؟ هل الضباب غيّر سجيتهم فاستبدل التسامح و العفو و الحب بما هو حيواني: القتل و العنف و التعصب فعوّض الغريزي الثقافي ( الديني )؟ و مِمّن تسرق الله و هل الله جلّ و علا يسرق ؟ هنا تنشط الاستعارة فما يُسرق هو الفهم الحق لنواهي و أوامر و وحي المقدس من قلوب هي الأقدر على فهمه و تضيف " غيمات تتجمل من أجل استقبال ربيع آخر " فهل الغيمات إعلان عن انقضاء الصفاء والنقاء أم هي إعلان عن استمرار ترقب الربيع و عن مكوث الحلم رغم الضباب؟.
إذن شذرة شعرية تضمنت استغراقا مشهديا غرائبيا يُثبّت الحيرة و القلق في النفوس و يثير السؤال في العقول.
تتواصل الصور الشعرية " جماجم على طول الطريق... سبعة و كبش العيد و أمهم ... يتم، دماء ... رؤوس مقطوعة". زخم من المشاهد دون روابط عدا السرّد تُثيرك وتستفزك لتتصور و تتخيل المشهد الغرائبي و فضاعة أبناء الربّ أو ما ترتب عن غياب السماء القديمة بفعل سترة الضباب و ظهور سماء جديدة، ظهورها انعكس على الأرض فبتنا لا نرى مشاهد الحب و الرأفة بل مشاهدا مرعبة وغريبة تكفلت اللغة الهاذية برسمها و قولها في قوالب شعرية. كما تضمّت الرواية في العديد من المشاهد مقاطع شعرية صريحة مُفعمة بالأمل و البحث عن المنشود ففي الصفحة 68 تقول:
"مساء من العنبر
و نجم يلوح في عيون أطفال
من السكّر
غيمات تراقص الغيمات
و السماء تكتظ شهوة إلى شتاء آخر
و الفجر يخلع الليل
عن جلده ويسكر.."
في الصفحة 218 : كانت تغني:
" رحيق من عسل السكر
و يصير الماء طفلا
و يصير الطفلة أغنية
و ترنيمة الورد في الأفق
و طوفان المولودين يهزم القحط
في رؤوس القتلة
اليوم يولد المستقبل من مكان آخر
أكثروا من الإنجاب...أكثروا من الإنجاب...
في الصفحة 213 تقول : كان عليه أن تنقذه من الموت بالحلم.. وانطلقت تغنّي:
عروس وتفاحة..
و الزبرجد ينحني
و سينبت حلمنا
أنا وأنت نراقص الزعتر الوحشي
و نبذّر الأقحوان على قلوب العاشقين
هدرا .. رحلنا...و هدرا حلمنا
و هدرا سيأتي النهار غدا."
و يتواصل حضور المقاطع الشعرية النثرية في الصفة 249 حيث تسوق لنا نشيد الراعي الأخير قائلة:
" نهار من الذاكرة التائهة
و الربيع يزحف ثانية نحو قلبك
و دمتة حب تسقط سهوا
حذو ورد وعدوه بالرحيل
إلى بلاد الأقحوان
لكنهم بدّدوا كل الوقت هدرا
قبل وصول الحكاية
ألف شهر سيسقط قتيلا بين يديك..
و معه سيعبر وطن من الحكايات.."
في هذه الأسطر الشعرية نلاحظ تقاطع الأحلام و الواقع، الأماني و الوضع، الانتصار و الانكسار، اشتهاء الربيع و انكسار الشهوة أمام الخريف و عودة ذاكرة محمّلة بآلام خاوية و سيرورة زمنية متعبة منهوكة و معطوبة كما تقول الروائية و رغم هذه السوداوية و مغادرة الورود للربيع و هجرة ياسمين إلى المدى و معانقتها اللاّتناهي يظل الأمل في الرسم و في طوفان الحلوى و في المواليد الجدد و كأني بروائيتنا هنا تقول لا حاجة لنا بمن هرم، عليه بالاستقالة لأن مكوث الربيع او عودته و استقرار الوطن الضيق و الوطن الواسع و العالم في كليته رهين أجيال تؤمن بالإنساني و تعول على الحب و التسامح و الضحك أي تتقن ثقافة الحرية ، هويتها الحرية و الحب و الفن و السلام و أنه ليس بالإمكان مقاومة هذا العلم الفاسد إلا باللغة و بالهيجان الانثوي، الأنثى بما هي رمز الحياة و العطاء و الخصوبة، الأنثى العاشقة، الأنثى العاطفة محبة الجمال و الفنّ و الحلوى.
في المشهد الأول:
شكّل هذ المشهد، مشهد إعداد للركح الرّوائي، لهندسة الرواية. فيه تحديد للمكان في لغة انزياحية ( ضباب يهمّ بشطب سماء قديمة و زوبعة ثكلى تسرق الله من قلوبهم ) و هي السماء، سماء بصدد التبدّل و السماء إحاله إلى ما هو ديني و ميتافيزيقي، سماء يعمل ضباب ما على إخفائها وسترها و بالتالي إخفاء الحقيقة الحقيقية تعضده زوبعة تجفّف بعض القلوب من تعاليم المقدس الحقّ و تغرس فيهم الوهم و الظنّ بديلا و في المقابل "غيمات تتجمل لاستقبال الربيع". المعني الثاوي لمفردة الربيع يرتبط هنا بما هو راهني، بربيع الثورات العربية بات موضع تساؤل أو بات خريفا قال بشأنه البعض ربيع مؤامرة و البعض اغتنم فرصة فقدان العقول و هرَّبها إلى تضاريس الشعانبي و إلى تضاريس بلدان أخرى، هذا التحديد يقودنا بالضرورة إلى ضبط المكان الروائي بما هو "جبل المغيلة في تونس الاخرى" بل و الوطن في كليته كما سنبين ذلك في قراءتنا للمكان الروائي.
إذن المشهد الأول هو مشهد تَبني فيه الروائية مقتضيات روايتها، فتولٌد " ياسمين"و الشخصيات و الأطياف و الأرواح و الزمن الخاص بهم كما تقوم "بخلق كائناتها" حلمها و هو أن تقف و تشاهد وطنها يغرق في " طوفان من الحلوى" تتراجع الروائية و تفتح المجال لشخصية "ياسمين" و تقول عنها أنها نُسجت من قصة سابقة. "الياسمين" مكون ثقافي للشخصية التونسية يعين هويتها، هو عنصر جمالي و حضاري مرتبط بالتاريخ و بالذاكرة الجماعية في تونس، تقليد حضاري قدم مع الأندلسيين الذين استقرّوا بالجزء الشمالي للبلاد التونسية منذ القرن الخامس عشر بعد سقوط غرناطة. الياسمين هوية تونسية الكل أتقنها حتى أنه ثمة سوقا له بحي الزهور بتونس العاصمة، هناك يُباع للدوّارين الذين يتكفلون ببيعه قلائد و مشاميم لتقديمها إلى ضيوف الوطن أو كهدايا للأحباء لكن بعد "ثورة الياسمين" فقد الياسمين لونه و بالتالي بات جافا ومنهكا، عرف كسادا في السوق كما نفر منه أهله و البعض كرهه لما استتبعه.
ياسمين بعد عامين من الثورة " كانت تسكنها رغبة جامحة في العودة مرّة أخرى ... لكنها نسيت قلبها في عالم انتهى منذ عامين" من قدومها منذ المرة الأولى لأنها لم تجد ذاتها و لا أحلامها و لا رهاناتها و أهدافها و لهذا ستحضر كنسخة، لقد اختارت " ...اختارت ان تكون نسخة لأيّ كان يمر من هنا"، في وطن يحاصره الموت و في أمكنة احتلّها القتلة و انسحبت منها الدولة، في أمكنة مثقلة بالتناتوس و الزمن فيها كسولا حتى الطبيعة باتت تشكو من هذه الوضعية المأزقية الإحرجية، احمرّت اوراق أشجارها و كثر الذباب و الأيام باتت تخرج خجولة. لقد بلغ الوضع حدّه القصي إذ ٱغتصب الأطفال و مات الرضع و تكاثرت الرؤوس المقطوعة بجبل المغيلة و نشط الفقر و زاد فيروس كورونا من شدة أزمة الوطن و هي في غفلة من أمرها يناديها صوت من قاع حفرة عميقة، يترجاها ان لا تتركه وحيدا. المكان عمّه الخراب و الملل و اليأس بل إن هذه المحددات طالت العالم في كليته، في هذا الإطار الزماني المأزقي والمكاني الإحراجي تلد رواية الدكتورة بنشيخة، بنشيخة توكل إلى ياسمين " المواظبة على تكديس طحين السنابل و على إضافة السكّر بمقادير مشطّة " لانجاز مهمّتها لتشكيل طوفان من الحلوى على مرأى صديقها " كوشمار" رأس الرواية الثانية الذي كان" مطالبا بتحويل كوابيسه إلى لوحات ديستوبيّة لأمكنة احتلها الخراب في شكل دوائر مربعة أشبه بقطع من الحلوى"(ص25). تواصل الروائية تهيّئتنا أو التخطيط لهندستها الروائية مؤكدة على أنها تتوالد و تتناسل من بعضها البعض و هو ما يوجب منا الحيطة لكي لا تُصيبنا عدوى "هيجانها الأنثوي البهيج" المبدّد للغة الذكور، هذيان الحب و الحياة و الايروس و العاطفة على لغة الذكور أي القتل و التناطوس و الإفساد وعلى الفقر و الفيروسات. إذن الرواية فيض قصص، فيض زمان، فيض مكان، فيض أحداث، فيض خيال، فيض واقع... ثنائيات تتزاحم و تتناسل القصص فيها
جمالية الرواية و طرافتها:
تكمن جمالية الرواية رغم المنحى الديستوبي الفائض فيها في لغتها بأساليبها الانزياحية و بصورها المشهدية و طابعها الغنائي و تكثر الأصوات داخلها و في سفرها المريح في الزمان و المكان و الأحداث و في تنقلها من شخصية إلى أخرى بشكل فوضوي و هنا علينا الحذر من هذا المفهوم فالفوضى لا تعني غياب النظام بل حضوره رغم عدم الالتزام بأية سلطة تنظيمية و هو ما نلاحظه في المروق الجميل في مستوى اللغة و في مستوى البناء. الرواية و إن بدت تتعلق بوضع بلد أي ضيّقة الحدود إلا أنّها تتجاوزه نحو الكونية من خلال استدعائها لقضية إنسانية مأزقية إحراجية و هي " وباء كورونا " بل و وضعية الإنسان في العالم، وضعية ارتقت بها الروائية إلى مستوى الوضعية المشكل أو المأزق أو القصية التي تحتاج إلى إعادة أشكلة لتبين حقيقتها. لقد شكّلت الرواية عرسا سرديا مميزا، فيه رقصت اللغة و تبدت في أجمل نحت، شذرات راقصة ملتاعة أعادت قدّ العالم و خلقه في احتفالية نشطت فيها الحروف و الصور الغرائبية و التعبيرات المجازية و زانها الخيال بما أغدقته المخيلة من أطياف و فجائية و هدم لترقّبات القارئ و من استباقات و استطرادات غير متوقعة فكنت و أنا أقرأ أقرأ مقطوعة موسيقية أو لوحة فنية صيغت من الحروف.
جلية هي معالم الطرافة في الرواية تجلّت من خلال البناء الهندسي الفريد الذي شكّلت به روائيتنا روايتها. بناء هندسيا تجسّدت فيه التشظية بكل أنواعها. لقد جُزِّأت الرواية إلى روايتين مقسمة إلى خمسة مشاهد، قسّم كلّ منها إلى أجزاء خصّت فيه الرّوائية كلّ شخصية بجزء. طالت التشظية الأشخاص فكوشمار هو عبد الباقي و هو كذلك عماد و هاهي ياسمين ترحل و تعود طيفا .
وجه الطرافة جلي في تعانق الخيالي و الواقعي، أو اللاّراهني و الرّاهني و في صراع الأضداد الذي غمر الرواية: الموت/ الحياة، الطفولة/ الشيخوخة، العزلة/ المعية، الحبّ/ العقل، الحب/ المال، العلم/ الجهل، الغباء/ الذكاء، الخاص/ الكلي، العدم/ الحياة، الانكسار/ الأمل.
الرواية تضمنت زخما معرفيا مكننا من التفطن إلى ثقافة الأديبة فحضر الفلسفي و العلمي و الديني و الأسطوري و الأدبي و الفني. الفن الذي عوّلت عليه الأديبة كمخرج من المأزق الوجودي الذي يعيشه البشر و اعتبرته ضربا من التحدي للعدم و خلق لعالم أكثر واقعية من العالم ذاته.
الفن مجال للقصاص و للدفاع عن المظلومين و المقتولين و المحرومين و لمحاسبة الظالمين و لوبيات الفساد كما عوّلت على الطفولة أو على الأجيال القادمة مؤكدة أنه بإمكانهم إنقاذ العالم من السقوط في العدم و العبيثية و بالتالي اعتبرت أنّ هذه الفئة العمرية لوحدها القادرة على خلق معنى جديدا للإنسان قائم على التّسامح و التعقّل و التفلسف منتصرا للفن محبا " للحلوى " بما هي انتشاء و رغبة او بما هي موطن الايروس.
بدت الرواية عجينة مركّبة من المعارف و الأحداث و الأزمنة و الأمكنة و الفنون تكفّلت اللغة في سردية عجيبة بخلق التوافق بينها و تشكيل عالم سردي لا يُدركه إلاّ من تعلم السياحة بين الدوال والمداليل.
قضايا الرواية:
تعالج الروائية وضع وطن مأزقي وإحراجي بعد ثورة قيل عنها " ثورة الياسمين " غير أنها لم تفرز سوى أزمات تكثّرت و تعقّدت شملت مستويات عدّة حوّلت الوطن إلى سكن للفساد و الخراب.
سياسيا:
تتناول الرواية الفساد السياسي و خيبة السياسيين الجدد و عدم قدرتهم على إدارة الشؤون المدنية للدولة نظرا لعدم تآلف النواب بفعل تكثر الأحزاب و صراعاتهم الايديولوجية الحادة و عدم النجاح في الاتّفاق على التوجّهات العامة للدولة و انتشاء البراڨماطية و كثرة الأطماع و لهاث النواب على ضمان مصالحهم و تحقيق أهدافهم الخاصة. إن التناحر الحزبي أفقد الدولة هيبتها وسلطتها كما أن وصول الإسلام السياسي إلى الحكم و رعايته للحركات الإسلامية السياسية نمّى الإرهاب.
الإرهاب:
عرفت سائر بلدان الثورات العربية بدء بتونس باعتبارها منطلقا لهذه الثورات ظهور حركات الإسلام السياسي و وصولها إلى الحكم، حال سرّع في ظهور أجنحتها الإرهابية كحركة عقبة ابن نافع وغيرها. بدأت هذه الحركات بإعداد مقاتليها في المساجد و في أمكنة يلتقون فيها في غفلة من الدولة أو بعلم منها، علّموا المقاتلين القرآن في الكتاب وارتكبوا في حقهم أبشع الجرائم - الاغتصاب - فأفقدوا الطفولة عذريتها و كرامتها و براءتها. لقنوا الأطفال فهمهم لتعاليم المقدّس فغسلوا أدمغتهم و شكلوا قناعاتهم ثم رحلوهم إلى الجبل و بدؤوا في تنفيذ مخططاتهم عن طريق ذئابهم المنفردة أو المجتمعة. قتلوا الرعاة الذين لا ذنب لهم، أرهبوا الناس و نكّلوا بالعائلات و قاموا بالاغتيالات السياسية . لقد اعتدوا على الطفولة و كرامتها واعتدوا على الذات الإلهية إذ وظفوا المقدّس لخدمة أهدافهم و رهاناتهم السياسية و سلبوا الإنسان حقّه في الحياة و هو ما سبّب الفزع و الخوف.
الفساد الاقتصادي:
إثر الثورة كثر صيادي الجوائز الذين لا يظهرون إلا في الأماكن العفنة ولا يتكاثرون إلا في الأزمات. نشأت شبكات لترويج " حلوى " المخدرات أو ما يسمى بالاكستازا بل و تمّ تحوير القوانين في مجلس النواب، حيث تم تخفيض العقوبة على مستهلك المخدّرات كما وقع السماح بفتح محال لبيع الكحول في الأماكن المفقودة منها وهذا حصل بفعل زواج الأحزاب السياسية. من جهة ثانية كثر التهريب، تهريب المنتوجات الضرورية من السوق الوطنية إلى الأسواق المجاورة و غزو السوق الوطنية بمنتوجات غير ضرورية مستوردة سببت العديد من الكوارث طالت حتى المجال الصحي - من قبل رجال أعمال فاسدين ( اللوالب القلبية الفاسدة ) - كانت تبعاتها كارثية ( العديد من الضحايا ). كثرت السرقات و طالت بعض البنوك فأفلست و أطرد العمال من المصانع التي ٱغلِقت بفعل تعطل العمل نتيجة كثرة الإضرابات و تعليقه في العديد من المناسبات. هذا الوضع جعل الفئة البروليتارية تعاني المجاعة و الفقر و الوعز و الحاجة و ممّا زاد الوضع تأزما ارتفاع الأسعار بل و تضاعفها مقابل ثبات الأجور.
الفساد الديني:
تصحّر العقول دينيا بفعل منع النهل من الدين و تجفيف المنابع جعل الكلّ متعطّشا إلى الارتواء الديني. وصول الحركات الإسلامية إلى الحكم سمح لأتباعها بفتح الكتاتيب دون الحصول على تراخيص، نشط هؤلاء في بلورة فهمهم الظاهري الاقتطاعي للآيات القرآنية فغرسوا مبادئ وقناعات معادية للفهم الصحيح، فيها إساءة للمقدس و استغلال له في اتّجاه القضاء على المختلف ممّا أدى إلى تنامي التعصّب، هذا الداء حوّل النفوس إلى نفوس عمياء لا ترى سوى قناعاتها و تأخذ رؤاها على محمل الجدّ، كانت تحمل استعدادا للقتل ، قتل الآخر و التضحية بالذات في سبيل إدّعاءاتها و مزاعمها. استغلت نأي الحواشي و بدأت بارتكاب أعمالها الإرهابية فيها و أمام تخاذل الدولة طالت العمليات الإرهابية العاصمة و ظهرت حركات التسفير إلى البلدان المجاورة. استغلّت فقر الشباب العاطل و معاناته و زجت بهم عبر إغراءات مالية في عمليات إرهابية متتالية قضت على العديد من المواطنين.
الفساد في المجال الصحي:
تطرح روائيتنا الفساد الذي طال المجال الصحي حيث بات التلاعب بالأنفس البشرية أمرا واقعا ذلك أن اللوبيات تلاعبت بصحة الأفراد إذ استغلت الأوضاع العامة للوطن و تورطت في إدخال حاويات النفايات إليه و استوردت مواد منتهية الصلوحية و تمّ تركيبها في أجساد المرضى و لم تكتف بذلك بل استغلت الأزمة الوبائية العالمية، أو المحرقة العالمية للبشر التي تم تصنيعها في المختبرات لتحقيق أرباحا طائلة عن طريق التحكم في السوق و في بيع وسائل الوقاية و هو ما ساهم في مزيد تفقير المواطن. لقد حيكت للبشرية مؤامرة عالمية أكدت ضياع الإنساني و بربرية رأس المال و انتهازية اللوبيات. هذا الوضع العام أفرز كارثة نفسية طالت العديد، باتوا يعانون من اليأس و القنوط الجماعي كما ازدادت حالات الانتحار و أمست الوحدة و العزلة هي الخيار الوحيد لاتّقاء شرّ هذا الوباء لذا امتلأت المستشفيات بالمرضى النفسانيين.
تستحضر الروائية قضية وطن مسألة المعنى زمن اللاّمعنى والعبث المُنفرج على الوجود عبر استدعائها لأزماته. أزمات أصابت الوطن بالفشل و العقم مما جعل البعض من الشباب يقرّر حرق نفسه تفاديا لهذا العدم أو الالتجاء الى"الحرقة" . إمتلأت المراكب بالمهاجرين بعضهم استطاع إدراك مطلوبه و الوصول إلى برّ الأمان و أكثرهم ابتعله البحر ثم قذفه على الشاطئ.عالميا تعالج الرواية أزمة إنسانية كلية طالت الإنسان في كليته حيث أمست العزلة رفيقا مقيتا للإنسان و حجيما ضروريا فعمّ البؤس و السأم و اليأس و بات الرعب و الفزع و الموت و اللامعنى و العبث موطن الإنسان.
التشظية في الرواية:
باشرت الفصل الأول من الرواية و افترض منّي قراءة شذراتها إعادتها مرّات للُبس الدلالة و اختفائها وراء الدوال تارة و طورا لتفكّك هذه الشذرات و عدم وجود رابط يشدّها إلى بعضها البعض غير أنني انتبهت إلى آلية التشظية التي استندت إليها الروائية و قد امتدّت على امتداد الرواية، لقد تعمّدت في الأكثري ممّا صاغته جعل الرّسالة اللغوية مستعصية عن الفهم، مبهمة المعنى غير جلية لا تعثر عليها منذ الوهلة الأولى لهذا افترضت مقاربة هذه المعاني جهدا مضاعفا. إن إجلاء المعنى في العديد من المواقع من الرواية و إزالة تعذر الفهم و احتجاب المعاني و المرامي و استخراج المعميات التي التبست بالقول في ظاهره و بالسرد المفكّك و الجمل اللاّمترابطة و انسداد أفق التواصل أمام المتلقي يقتضي جهدا تأويليا جادّا و ضربا من التحدّي . في بداية المشهد الأول تعلن عن رهانها إذ تقول بضرب من الانزياح:" لن أكتب لكم قصة تريدونها، سأكتب لغة الذكور بهيجاني البهيج... حتّى السواد عندي فرحة كبرى .. تمسكوا فوق الخراب و شيدوا مآتمكم.. لا احد سيغنّي وحيدا هذا اليوم.. لكن أطفالهم كانوا يكثرون من الضحك على ما لم يحدث بعد" مقطع أو شذرات حاملة لسمة تعجيزية تُحيّر القارئ و تُلقي به في إبهام متعمّد مستتر تحت عناوين الغموض و الانزياح و الرمز.
بدا خطابها موجّها إلى الرجال باعتبارها تعلن فيما بعد عن هيجان أنثوي يتحلّل من لغة الذكور و تكتب بصوت أنثوي، أنثى تتحلل من منطق الرجل: القوة و القتل و العنف و الشدة و التدمير و تكتب بروح أنثوية مقبلة على الحياة مُدرّة للخصوبة معطاء حتّى و لو استحال الكون إلى السواد، أنثى يستحيل لديها السواد إلى فرح لتؤكّد تمرّدها على منطق الرجل و بربريته مُعوّلة على الطفولة و هذا المقصد لن يتضح إلا في آخر الرسالة حيث ستُفوّض إلى ياسمين مهمة حساب عدد المولودين كل يوم، حساب ضحكاتهم كل يوم. تُعوّل الروائية على الأطفال و تجعلهم بديلا للرجال المتوحشين القتلة الفاسدين. إذن نحن أمام ضرب من الهيجان أو حالات من الهلوسة أو من الغرابة التي أعلنت من خلالها عن رهاناتها: التمرّد، المقاومة، خرق لغة الرجال، تأثيث عالم العطاء و التسامح و السلام و منع عالم الجفاف و التعصب و القتل.
تجلّت التشظية كذلك في مستوى الأسماء، أمر هزّ راحتي فكوشمار هو عبد الباقي و هو عماد فما المراد من هذه التشظية؟.
لم تشظت الشخصية و حملت أسماء عدّة و هل هذا الفعل إمعانا في الغرابة و في خلق ضرب من الإلتباس في ذهن القارئ؟.
إن هذا التلاعب بأسماء بطل الرواية الثانية إنما يفسّر وفق الموضع/ المكان و الحدث فنحن نعلم أن أهل الرّيف يطلقون على أبنائهم أكثر من اسم فهو لدى "دادا شهيبة" عماد، كما ينادونه أبناء قرية السلاطنية و اسمه في السجل القانوني " عبد الباقي" كما عُرف به في الكلية لكن ما مرّ به من كوابيس و معاناة و أُلفتِه للعالم الغريب عالم الرؤوس المقطوعة جعل الروائية تطلق عليه إسم يتناسب و المهمة التي أوكلته بها و الوضع الذي يوجد فيه فكان "كوشمار"، الكابوس ساكن معبد الجماجم بل هو تشظّي في عمق الشخصية ذاتها.
تواصلت تجليات التعتيم على امتداد الرواية حيث تصرح أن" المستقبل هو مجرد استعارة لغوية لا غير.. لا شيء غير الغُثاء... كل الشعوب تمر هذا اليوم من ثقب أسود.. ندوب الثورات ودماء الأحلام المهدورة على قارعة الطريق" و هنا تعلن عن انسداد الأفق أمام الشعوب الثائرة و عن اندثار أحلامها و طموحاتها و موت رهاناتها بفعل الفساد العام و الفوضى الشاملة التي زُجّت فيها. نموذج أخير تكشف فيه الروائية عن انتماء ياسمين إذ تقول أنها مرضت بمرض خبيث فقطع ثديها الأيسر، و يُحيل قطع الجزء الأيسر من الثدي الأيسر الى موت الأحزاب اليسارية . وهذا تأكيد على أن موت اليسار هو موت للثورة و ضياع لآلياتها الثورية فهو في نظرها حامي و مراقب و موجه لغيره من القوى .
هذه النماذج من الانزياح تبلور منطق اللاّنظام و الفوضى المبدّدة للنظام تأكيدا لتمرّد الروائية على منطق اللغة المعتاد. لقد كانت الرواية متتالية من الجمل و التراكيب الموغلة في التعقيد، محكمة الإغلاق في كثير من المواقع و كانت أبنيتها غير متماسكة لكنّها تضمّنت مفاتيحا تسمح للقارئ بإعادة انتاج الدلالة واكتناه المعميات أو المعاني الخفية المستترة.
في السرد:
اتّخذت " أم الزين بنشيخة " من اللغة عنصرا سرديا فنيا هاما للتعبير عن الأمكنة و الأزمنة فكانت اللغة فضاء يجمع بين الأمكنة الخيالية و الأمكنة الواقعية و قد لاح ذلك منذ البداية في تعيينها للزمان و المكان، و ملامح كل منهما فهي تتحدثّ عن سماء قديمة بصدد الشّطب، سماء حقيقية بصدد الاحتجاب و تعويضها بسماء جديدة غير أنها نقيض الأولى، أولى تحيل إلى الصفاء و النقاء و التسامي و الحقيقي في ذاته أو المقدس على حقيقته و في تجلّيه الحقيقي و رسالته على وجهها الأكمل و سماء بديلة ربما هي نسخة مشوهة للسماء الحقيقية تحتجب وراء الضباب و لعلّ سكان الجبل هم الضباب الذي أخفى الحقيقة و حجب الحقّ و غيّره حيث جعلوا من أوهامهم و زعمهم بدائل للتعاليم الحقيقية و هو ما جعل ثقة البشر في الله تتزعزع إذ كيف للكامل الداعي إلى التسامح أن يكون داعيا إلى القتل وقطع الرقاب . تواصل اللغة خلق المكان العام للرواية بما تصنعه من انزياحات. غرابة جزّت بنا منذ البدء في زاوية ديستوبية و تناقضات عدّة حيث تقول " غيمات تتجمل لاستقبال ربيع آخر .. جماجم منثورة على طول الطريق المؤدية إلى أطفالهم.. كانوا سبعة و كبش العيد وأمّهم.. كل المشهد يوحي بنوع من اليتم السعيد... لكن جبل مغيلة لا يزال يحتل الأفق و يسطو على أقدارهم ..." . إذن الزمان ربيع ثاني تتجمّل من أجله الغيمات ، غيوم لا تحمل المياه بل الدماء ذلك أنّ الربيع لم يكن حاملا للرّواء و العطاء و الحياة بل فيه تهيِّئة للموت و القتل و هنا يُدمج الزمن السردي الاستباقي . ان الروائية تخبرنا ضمنيا بما سيقع لعائلة من عوائل جبل مغيلة: قتل و يتم و فقر بل تخبر حتّى بما سيقع للكبش أو للحيوان و في ذلك تأكيد على انعدام ما هو أخلاقي بل و كذلك ما هو ديني لدى هؤلاء القتلة: يمارسون الإجرام و السرقة و يحتفلون. هذا المشهد السردي صاغته روائيتنا في سردية لغوية قامت على الانزياح و التناقض و المجاز و الاستعارة و الغرابة و هذه من السمات البارزة في الرواية . لقد كانت اللغة في الرواية النواة الداخلية المحرّكة للأزمنة و الأمكنة و للشخصيات ففي الصفحة 18 تقول روائيتنا " تفتك ياسمين ( تلك الأم الكبرى التي انسحبت من قصة سابقة) المدى و تهدد بتبديده هدرا و تضيف " و هي تلوك علكتها بأضراس فقدت ايقاعها منذ وقت طويل.." . في هذا المقطع السردي تخلق الروائية شخصيتها الأولى، تستدعيها بزخمها الثقافي الهوياتي، بمفردة لغوية تستدعي حدثا جللا حدث في تونس و في بعض البلدان العربية بل و تستحضر تقليدا تاريخيا قدم مع الأندلسيين، بالفعل " أم كبرى" انسحبت و عادت "بعد عامين" أو "بعد ربيع آخر" لكنها تعود منهكة و قد حفيت أضراسها أي صارت دامية بعد أن فقدت زخمها و فتوّتها غير أن ياسمين لا تستقرّ بين البشر في العالم أو في الوطن بل " تفتكّ المدى" لتُعلن عن عزوفها عن الواقع و عن العالم، عالم لم يعد مرغوبا فيه و مكانا لم يعد يُحتمل. تبدع الروائية عبر اللغة مكانا خارج العالم و خارج حدوده الضيقة او خارج العالم المغلق، في العالم المفتوح تأكيدا على استحالة العيش في العالم لفساده و عبثيته و غياب المعنى.
جمعت الرواية بين نمطين من السرد: السرد العليم حيث كانت الروائية خالقة للمكان و محددة للزمان و مدركة بما يجول في ذهن الشخصيات كما استندت إلى الأفعال الماضية "كانت تتمنى لو كان بوسعها..." "كانت تعرف صاحب الصوت..." " و في الخارج خارج روحها..." " و أشجار احمرّت أوراقها من شدة كرهها..." فالسارد هنا عالم بكل الأحداث و الشخصيات كسردها لقصة الحب التي جمعت بين ميارى و عبد الباقي أو كوشمار عبر عملية استرجاع للماضي في الحاضر و هي مفارقة زمنية باتجاه الماضي لاستعلام ما حدث فيه، إن الروائية في كثير من المواقع تترك حاضر السرد لتعود إلى الأحداث الماضية كحديثها عن زواج ميارى من شقيف و تتوقع أو تتخيل في بعض الاحيان ما يمكن أن يحدث و يحدث كلقائها بكوشمار و غيرها من الأحداث و هذا ما يسمى بالاستباق و هو توقع الحدث و انتظار ما سيقع و هو الاستشراف و هي مفارقة سردية تتجه إلى الأمام، استطلاع لأحداث لم تقع بعد أي بصيغة مستقبلية تكون خيالية و يوظف للتعبير عن ذلك أفعال المضارع . تكمن أهمية ذلك في دعوة القارئ إلى توقع ما سيحدث في المستقبل . بالإضافة إلى هذا الضرب من السرد نجد سردا ثاويا فحين وقف كوشمار أمام لوحة أخيه الأصغر "جالت بذاكرته مشاهد طفولة بعيدة عاشها معه " . الرواية جمعت بين أشكال سردية عدة و أصوات عدة بلغت حدّ النشاز تكفلت اللغة السردية بضمان انسجامها و رتق الفتوق بين الأحداث اللامنتظمة و بين الأزمنة و في التأليف بين الخيال و الواقع.
الواقعية السحرية: السريالية:
سبق وان قلنا أنّ الرواية تجمع بين الخيالي، اللاراهني والواقع أو الراهن . راهن تقدّمه الروائية في صورة غرائبية ونلحظ ذلك في رواية ميارى عن عالم الفيروسات و البكتيريا. هي تعنى بمقاربة هذا العالم و التمييز بين كائناته الميكروسكوبية اللامتناهية في الصغر التي تستوطن عالمنا وتقوم بدورين أحدهما إيجابي وضروري لتواصل الحياة وأحدهما تدميري ضارّ بالبشر والحيوان، هذه الثناىية التي يحمكها التضاد تنسحب على البشر فالبشر شبه الفيروسات فيها الضار المدمر و القاتل و المتسامح راعي الحياة كما أننا نباشر في النص أمورا غريبة كحوار الجماجم ونعيها لعالم البشر، ذاك الحوار هو ذاته حوار المعدومين و الفقراء و المساكين سكان الحواشي، حوار لا يغادر الكهف او لا يغادر منازلهم وألم مستبطن مستفحل بهم وأنين تقتله الجدران و تطمسه. نستنتج ان أسلوب روائيتنا جمع بين الغرابة و الواقع فكان أسلوبا واقعيا سحريا في بعض وجوهه تكفلت اللغة برتق المسافة القائمة بين الغرابة والواقعية.



#حاتم_بوبكر_بن_الهذيلي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة نقدية في رواية: - طوفان من الحلوى في معبد الجماجم- لأم ...


المزيد.....




- سائق طريق السويس: -مطاردة مثيرة- تطرح تساؤلات اجتماعية في مص ...
- الرضا والرفاهية.. كيف يمكن أن تقاس مثل هذه المفاهيم؟
- السجن 10 أعوام لمالك مجموعة النهار الإعلامية الجزائرية
- زيلينسكي: واشنطن تدعم ميزانيتنا بـ1.5 مليار دولار شهريا
- أمير قطر يعقد مباحثات مع شولتس في الدوحة
- تنبأ بموعد وفاة الملكة إليزابيث ومصير الملك.. كتاب المنجم ال ...
- صحيفة: أوروبا تواجه تهديدا وجوديا بانجرارها إلى أزمة أوكراني ...
- حريته حقه.. 12 مؤسسة محلية ودولية تطالب بعفو رئاسي عن محمد أ ...
- محامون: إخلاء سبيل دفعة جديدة من المحبوسين احتياطيا غدا.. وع ...
- مقتحمو المصارف في لبنان يثيرون جدلا بين الشعب والسلطات


المزيد.....

- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي
- آليات توجيه الرأي العام / زهير الخويلدي
- قراءة في كتاب إعادة التكوين لجورج چرچ بالإشتراك مع إدوار ريج ... / محمد الأزرقي
- فريديريك لوردون مع ثوماس بيكيتي وكتابه -رأس المال والآيديولو ... / طلال الربيعي
- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - حاتم بوبكر بن الهذيلي - قراءة نقدية في رواية: - طوفان من الحلوى في معبد الجماجم- لأم الزين بنشيخة