أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري فوزي أبوحسين - لذة السرد في رواية كوتشينة للقاص نشأت المصري















المزيد.....

لذة السرد في رواية كوتشينة للقاص نشأت المصري


صبري فوزي أبوحسين

الحوار المتمدن-العدد: 7314 - 2022 / 7 / 19 - 10:31
المحور: الادب والفن
    


لذة السَّرد في رواية (كوتشينة) للكاتب نشأت المصري
أ.د،صبري فوزي أبوحسين
ما زال الأستاذ (نشأت المصري) الروائي المخضرم، والذي هو تاريخ من الإبداع الأدبي المتنامي مع الزمان والمكان والإنسان، وإن قلت: إنه مذكرة ثقافية مصرية حية، وعدسة فنية لاقطة كل عجيب وغريب في البشر، لم أكن مبالغًا! فكاتبنا في تجاربه الروائية يقصد إلى الإدهاش، وإلى كل مثير مفاجئ مغاير، فليس ساردًا عاديًّا، ولا يكرر نفسه، فضلاً عن أن يقلد غيره! إنه يتحفنا ويلذنا بجديد روائي طازج، وما زال الفن الروائي جاثما على روحه وقلمه! ينتج فيه كل عام من أعوامه القريبة عملا أو اثنين، يمتح مرة من التاريخ الفرعون العادي الشعبي(بلباي)، والتاريخ النسوي الفرعوني الملكي(نفرتيتي)، والتاريخ الملكي المحلي(تاوسرت)، ومرة من التاريخ العربي العباسي(دماء جائعة)، ومرة من أمراض العلاقات الاجتماعية في رواية (المهزوز)، ومرة من الواقع الأسري المأزوم في رواية(خاص جدًّا)،... ولكن أديبنا(نشأت) في كل هذا لا يلتزم مصدرًا واحدًا ينقل ويلتقط منه، فما التاريخ الفرعوني أو التراث العباسي، وما الواقع عنده إلا ظرف للأحداث ومكان للعلاقة بين الشخوص، بل إن كاتبنا يعمد عمدًا فنيًّا إلى أن يخرج على هذا الظرف، ويتجازوه، ويصدم المتلقي بين النقل منه تارة ثم الخروج منه تارة ثم الرجوع إليه تارة، فروايات كاتبنا لا يمكن أن تُصنَّف تصنيفًا صارمًا، فلم يلتزم فيها التاريخ، ولا التراث، ولا الواقع كل التزام! فإنك لواجد فيها من خيال المبدع مثل ما تجد من زمانه ومكانه ومصادر إبداعه أو أزيد، فخيال الروائي هنا وشخصيته العليمة المُسيِّرة للأحداث والشخصيات حاضرة ومؤثرة! إنه يقصد إلى التعبير بالتراث والتاريخ، بقصد الإسقاط الفني الجميل على واقعنا المريض، ولإيصال رسالة فكرية عميقة جريئة، وليس مقصوده من التراث أو التاريخ تسجيلهما ورصدهما، إننا في هذه التجارب أمام روائي مفكر، وليس مؤرخًا ولا صحفيًّا ولا مصورًا فوتوغرافيًّا!
وها هي ذي روايته(كوتشينة) الرواية الحادية عشرة، ذلكم العمل الإبداعي المطروح على بساط النقد الآن، والذي صارت تعقد له الندوات النقاشية في صالونات أدبية ونقدية بقاهرة المعز، في رابطة الأدب الإسلامي يوم الاثنين18/7/2022م، ومن المقرر أن تعقد لها ندوة نقدية في رحاب اتحاد الكتاب، وفي غيرهما، وقد نالت هذه الرواية حتى الآن غير مقال تعريفي ونقدي من عدد من كتابنا ومثقفينا مثل الأستاذ الروائي الدكتور صلاح شعير، والصحفي الأستاذ محمد هلال، والناقد والقاص الدكتور أحمد الباسوسي، وغيرهم...
وهذا العنوان الغريب(كوتشينة)، وهذا التلقي النقدي البارز لها يستدعي منا أن نقرأها قراءات كثيرة، لتحاول الإجابة عن أسئلة مثارة وتثار حولها/ مثل: ما بناء هذه الرواية، وما أيدلوجيتها؟ ومن شخوصها البارزون والمهمشون؟ وما دلالاتها الثقافية والحضارية؟ وما الطريف الجديد فيها شكلاً ومضمونًا؟...إلخ، أسئلة تطرح نفسها بقوة!

قرأت هذا العمل الأدبي على مدار أشهر، غير قراءة، وكل قراءة كانت تثير فيَّ انطباعات وسمات وتساؤلات، أحاول عرضها في المحطات الآتية:
1- التجنيس:
التجنيس في الأدب الحداثي معضلة كبرى، حيث التداخل الكبير بين الأجناس في العمل الواحد، وهذه سمة مهيمن على الكتاب الكبار المخضرمين الذين أبدعوا في جميع أو جل الأجناس الدبية: شعرًا ونثرًا وسردًا ودراما! كما في شيخصية مبدعنا (نشأت المصري).
إننا في (كوتشينة) أمام رواية (اجتماعية)، فيها قدر غير كبير من الخيال الأدبي للمبدع، وفيه سرد، وفيها وصف، وفيها شعرـ وفيها شعرية، وفيها شاعرية، وفيها وصف وتصوير وتعبير...إنها تعلن عن بعد خفي مطوي في العلاقات البشرية، وتدل على قدرة عجيبة في شخصية الأستاذ (نشأت) تتمثل في القدرة قراءة الأشخاص حوله وتتبع خط سير حياتهم، قراءة نفسية داخلية غريبة، وتدل على عقل جبار في تفرس الحَيَوات وتدبر حال الأحياء! إنه يلتقط من الواقع حوله هذه الخلطة الاجتماعية العجيبة في شخوصها وعلاقاتها وميولها ومعارفها، فيها مشاهد كثيرة كل مشهد له بطل خاص، يخالف ما قبله وبعده، تظهر متفرقة، ثم لا تلبث أن تجدها متأزمة، ويحدث لها بعض (تفنيط) وترتيب في خاتمتها عند متلقيها حق التلقي! ليعلن الكاتب عن (كوتشينة) مجتمعية غريبة، أمامنا كل وقت وحين لكننا لم نرصدها ولم نقف معها كما رصدها ووقف معها أديبنا الأستاذ(نشأت) فقد رصد لنا وأوقفنا على ما أدهشنا وأثارنا وأضاف إلينا مما نراه ونعيشه كل يوم، دخل بنا غرف النوم، والمطبخ، وفي الأندية، وفي العقول، وفي الشاتات والرسائل الخاصة، وفي المشاعر الخاصة جدًّا، لا سيما النسوية منها أو ما يتعلق بالمرأة منها! ومن ثم كان بهذا الطرح(نشأة) إبداعية خاصة!
2- جمالية العنوان الرئيس:
جاء العنوان الرئيس لفظة واحدة هي اسم(كوتشينة)، وقد وردت ست مرات في فصول الرواية في الغلاف عنوانًا رئيسًا وفي الصفحات: (128، و226، ومرتان في ص227، 234)، والكوتشينة في العرف الشعبي المصري لعبة تتكون من أوراق، يمكن أن يلعبها اثنان أو أكثر، وينبغي فيها أن تفنط الأوراق، وألا تترك بلا (تفنيط)، فيحدث في الأوراق تكرار وتشابه، يفقد اللعبة ميزتها وسحرها وأثرها!
ولعل قاصنا (نشأت) قصد إلى اختيار هذه اللفظة، مع وجود بدائل كثيرة أمامه؛ لعدة أسباب، هي:
-الدلالة على أن الرواية اجتماعية في المقام الأول!
وفي ص(227) توظيف للكوتشينة، وإنطاق تكوينها العددي رؤية فلسفية عميقة! تقول سماح: "تصوري يا أمي الكوتشينة كلها ليس فيها ر قم الصفر هذا الرقم الحيادي، وتبدأ من رقم واحد وكأنها صوت الحياة، فمن لا يجعل من نفسه رقما تنساه الحياة!". وكانت البطلة (سماح) في مرحلة إثبات الذات، بعيدًا عن زوجها الشهواني (خليل)!
في ص(233) وفي مشهد بين سماح وصفوت نجد القاص يسرد منطقًا الشخصية النسائية العفيفة ما لا تستطيع الجهر به والتصريح به: "على المنضدة المجاورة لسماح، ورق كوتشينة مبعثر، سحبته، عبثت به عرضت اللعب على صفوت رحب بالفكرة شمر قميصه كأنه سيبارز تناول الورق ومضى يعيد ترتيبه بعصبية. قالت: كثيرًا ما تفنط الأيام الورق بمنأى عن إرادتنا، وندعي أننا من نختار! هدأ قليلا ووضع الورق بين يديها قال: ها هو الورق طوع إرادتك، وهي تفرد الورق اقترحت أن يجددا اللعبة فيكشف كل منهما أوراقه للآخر..."
فهي رواية تدل على أن الحياة تحتاج إلى لعب مع الجميع: أولاد وشِيْب وبنات وأرقام!
-للدلالة على أن الحياة تحتاج إلى تفنيط وإعادة ترتيب مستمر!
وقراءة الأحداث وتفرس الحوارات في الرواية تدل على ذلك؛ ففي ص(128) على لسان(صفوت): " قفز إلى خاطري مشهد الروائي الأمريكي صاحب رواية العجوز والبحر، والحائز على نوبل، أرنست هيمنجواي، هل كان شخصا شجاعًا لأنه أعاد ترتيب كوتشينة الأيام، والحوادث بزواجه أربع مرات، وهل حقق بذلك توازنا أكثر؟" وهذا من الدلالات الكبرى والرئيسة في هذا العمل: الدعوة إلى إعادة تفنيط الحياة والعلاقات!
وفي ص(226) نجد القاص يسرد ما يدل على أن هذا التفنيط ضرورة حياتية بقوله: "جهزت سماح الكوتشينة، وتحلقن هي وأمها وأنيسة، حول منضدة حائلة اللهون وقد ارتضت أنيسة دور المتفرجة، وأطالت سماح تفنيط الكوتشينة لوحت أمها بيدها متعجبة، قالت سماح: كثرة التفنيط تقصر الطريق إلى العدل والسعادة"!
وفي ص(159) نجد مناجاة داخلية على لسان صفوت، نصها: "بعد قليل طرق بابي شاب وأعاد المحمول إلي مترقبًا كلمات الشكر، هل خرائط الحب بيني وبين سماح تتطلب المراجعة، وهل هناك وقت وقدرة لإعادة ترتيب أي شيء؟!
مما يدلنا على أن الرواية دعوة فنية آسرة لتفكيك الواقع حولنا وإعادة صياغته وإنتاجه، إن أردنا الاستمرار فيها والتمتع بها!
3- لذة العناوين الفرعية:
من يتدبر العنوان الرئيس في هذه الرواية يجده جاء بنية فنية مُوظّفة لتشكيل مشاهد الرواية؛ فقد صُبَّت الرواية من سبعة وعشرين فصلاً، وقد صيغت العناوين في جمل اسمية تبدأ بأداة الاستدراك (لكن)!
وهذا يستدعي سؤالاً: لماذا (لكن)؟
لعل الإجابة تتمثل في:
-لفت الانتباه والدعوة إلى إعمال العقل بقوة في تدبر الرواية!
-الدلالة على تحولات كثيرة في أحداث الرواية وشخوصها بدءًا ووسطًا وختامًا!
- الإشارة إلى أن الصورة في الحقيق على خلاف ما تبدو عليه من أصحاب النظرة العجلى! فظاهر الحقائق شيء وباطنها شيء آخر! إن لكن موظفة من الكاتب المثقف والشاعر للكشف والبيان والتفصيل بعد الإبهام والإجمال والغموض!
وقد تنوع مجيئ(لكن الاستدراكية) المتصلة بضمير والمجردة منه، أما المتصلة بضمير ففي عشرين فصلاً. وقد حضر الضمير المؤنث في سبعة، وأما (لكن) المجردة من الضمير ففي سبعة فصول، نصها(لكن قيثارة الماضي قد تندثر)، و(لكن سماح كالبحر)، و(لكن المبشرات خائفة)، و(لكن رولا غائبة)، و(لكن إلى أين أيها المعشوق)، و(لكن للأمس سطوة)، و(لكن العالم مجرد حجرة)، وأحيانًا يقترن العنوان باسم الشخصية الرئيسة في الفصل، في الفصول[2،3، 5، 6، 8، 9، 14، 15، 16، 18، 19، 20، 24] . وكانت هذه الشخوص الرئيسة من جيل الآباء، الرباعي المكون للرواية: (خليل، سماح، شيماء، صفوت)، وجيل الأبناء(رولا، مهند).
وقد قصد القاص في كل عنوان فرعي أن يدل دلالة أولى على مجرياته! ومن ثم كان بنية فنية موظفة، وليس عملاً تقليديًّا مباشرًا خطابيًّا!
4- سحر المدخل:
حرص القاص على صياغة مدخل لعمله الروائي، جاء في جملتين: الأولى: (لا تزال الشمس تعرفنا) والثانية (والناس طبعة ثانية معدلة).
وهما جملتان غامضتان: الأولى(لا تزال الشمس تعرفنا) لعلها تشير إلى ديمومة الحياة واستمرارية حركة الشمس فيها وإليها! وأن الأمل موجود، ودليل ذلك ما جاء على لسان(سماح): وأصبح الاعتياد قانونًا لا يعدل! أو أن الناس صاروا معلومين، تعرف أحوالهم وخلالهم ويتوقع منهم كل قول وكل حدث وكل علاقة!
والجملة الثانية(والناس طبعة ثانية معدلة) لعلها تشير إلى التغيير الحادث في الناس، وأن الناس حوله مروا بحالتين: حالة أولى صافية، وحالة ثانية معدلة، بفضل المجتمع، وبفعل العلاقات الاجتماعية! تحول الأشخاص في الرواية من حالة إلى أخرى! بسبب ما يحدث من حوار وجدال ونقد ومدح أو ذم! وهذه العبارة الاسمية(والناس طبعة ثانية معدلة) وردت على لسان صفوت، وهو شخصية مثقفة حكيمة! يقول في مونولوج استفهامي اندهاشي: "تُرى لو أنني تبددت من الوجود الآن هل تقوم حرب عالمية ثالثة، بل هل يغير هذا المجرى المائي مساره؟ إذن لم كل هذا العناء ومواصلة مسرحية انفض مشاهدوها، ونزعت خشبة المسرح من تحت أقدامنا؟ والناس طبعة ثانية معدلة!".
وبعد هذه الوقفة التحليلية مع محطات التجنيس والعنونة والمدخل، يمكنني أن أنتقل في مقالة قادة عن الشخوص والأحداث والحوارات والرؤى وفيها الكثير الذي يثير ويمتع ويدهش ويستحق الجدال والاختلاف فيه وحوله!



#صبري_فوزي_أبوحسين (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شخصية الانتهازي في السرد القصير عبده الوزير إزازة سابقا أنمو ...
- النسوية في القصة الشاعرة عند المؤسس محمد الشحات محمد
- النسوية في القصة الشاعرة عند المبدعة ربيحة الرفاعي


المزيد.....




- محمد جاويش: أكثر من 9 آلاف متخرج من أكبر منصة ثنائية اللغة ل ...
- الحدادة الفنية والنحت على المعادن.. فن تشكيلي صديق للبيئة يز ...
- حفل توقيع ومناقشة رواية -وجوه القمر الأربعة-
- مكتبة البوابة: تعرف على الكاتبة والشاعرة أليس ووكر
- الملكة اليزابيث الثانية: حظر دوق نورفولك الذي نظم جنازة المل ...
- الدور المُنتظر للثقافة في العلاقات الدوليّة
- فيلم -الدعوة عامة-.. تجربة إخراجية مميزة أهدرها السيناريو
- بالفيديو.. إلهام شاهين تعلن عن نيتها التبرع بأعضائها
- شارع الفراهيدي الثقافي في البصرة.. موطن جديد للكتاب والقراءة ...
- إعادة تعيين ميخائيل بيوتروفسكي مديرا لمتحف -الأرميتاج-


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري فوزي أبوحسين - لذة السرد في رواية كوتشينة للقاص نشأت المصري