أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إدريس الخلوفي - مدرسة العلاقات الإنسانية: من الإنسان الآلة إلى إنسان العواطف















المزيد.....



مدرسة العلاقات الإنسانية: من الإنسان الآلة إلى إنسان العواطف


إدريس الخلوفي
أستاذ باحث

(Lakhloufi Driss)


الحوار المتمدن-العدد: 7274 - 2022 / 6 / 9 - 09:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


د. إدريس الخلوفي

مدرسة العلاقات الإنسانية: من الإنسان الآلة إلى إنسان المشاعر


ملخص:
يتناول هذا المقال مدرسة العلاقات الإنسانية، باعتبارها محطة أساسية في تاريخ السوسيولوجيا التي اهتمت بالشغل، فبعد أن كان ينظر إلى الإنسان كامتداد للآلة مع المدرسة التايلورية، جاءت مدرسة العلاقات الإنسانية لتعلن أن الإنسان ليس مجرد كثلة من العضلات، بل هو أيضا مزيج من المشاعر والعواطف، يحب أن ينظر إليه كإنسان، ويكافئ من احترم إنسانيته، فالنفس بطبيعتها تميل إلى من أحسن إليها. لقد كان اكتشاف مدرسة العلاقات الإنسانية باهرا، عندما وجد فريق العلماء أن مردودية العمال لم تتحسن بفضل تحسين ظروف العمل، بل بفضل إحساسهم بكرامتهم وإنسانيتهم، ومقالنا هذا يتناول أهم المقومات الفكرية التي أسست لتصور مدرسة العلاقات الإنسانية، بدءا بالمقاربة النفسية الاجتماعية، وصولا إلى نظرية الحافزية باعتبارها امتدادا لتصور العلاقات الإنسانية.

Résumé :
Cet article traite de l école des relations humaines, comme étape fondamentale de l histoire de la sociologie qui s est intéressée au travail. Il préfère être considéré comme un être humain, et récompense ceux qui respectent son humanité, car l âme par sa nature tend à ceux qui y sont bons. La découverte de l école des relations humaines a été brillante, lorsque l équipe de chercheurs a constaté que la productivité des travailleurs ne s améliorait pas grâce à l amélioration des conditions de travail, mais plutôt grâce à leur sens de leur dignité et de leur humanité. Perception des relations humaines. Notre article traite des éléments intellectuels les plus importants qui ont établi la conception de l école des relations humaines, en commençant par l approche psychologique sociale, conduisant à la théorie des motivations comme une extension de la conception des relations humaines.
Abstract:
This article deals with the school of human relations, as a fundamental step in the history of sociology that concerned itself with work. He likes to be seen as a human being, and rewards those who respect his humanity, as the soul by its nature tends to those who are good to it. The discovery of the school of human relations was brilliant, when the team of scholars found that the productivity of workers did not improve thanks to the improvement of working conditions, but rather thanks to their sense of their dignity and humanity. As an extension of the perception of human relations. Our article deals with the most important intellectual elements that established the conception of the school of human relations, starting with the social psychological approach, leading to the motivational theory as an extension of the conception of human relations.


تمهيد:
"على الرغم من نجاحاته البينة في الفضاء الرأسمالي خلال القرن الماضي، لم يصمد الطريق المثالي الأوحد والتنظيم العلمي للعمل طويلا على محك الامتحان والمساءلة، فنظرية فريدريك تايلور تمكنت من خلق تيار كبير يعرف بالتايلورية، لكن هذا التيار لم يتمكن من أن يخفي طابع الممارسة والوصفة العملية في التسيير والأداء، ولم يصمد طويلا أمام المشاكل الكثيرة التي ظهرت في الميدان والتي كانت كافية لوحدها لدحض المزاعم والأوهام العلمية من خلال التعامل مع المقاولة كنسق عقلاني مغلق، وهي نظرة طالما روج لها ودافع عنها المتشبعون بهذا النوع من التفكير".
لهذا السبب كان لا بد من ظهور مدرسة فكرية جديدة لتجاوز محدودية التصور التايلوري، فجاءت مدرسة العلاقات الإنسانية لإدراك هذه المحدودية.
إن اسم هذه المدرسة "العلاقات الإنسانية"، ينم بشكل كبير عن جوهرها، فهي تتكون من مكونين اثنين:
- العلاقات، في إشارة إلى عنصر التفاعل المتبادل بين الأفراد، وما يرتبط بهذا التفاعل من تبادل للمشاعر والعواطف والمشاحنات والصراعات.
- الإنسانية: هي توضيح وتحديد لطبيعة هذه العلاقات، التي ينبغي أن تكون مبنية على أساس إنساني، أي على النظر إلى الفاعلين لا كأياد عاملة أو امتدادات للآلات، بل ككائنات إنسانية لها مشاعر، وأحاسيس.
إن مدرسة العلاقات الإنسانية هي في مجملها، مساهمة من علم النفس، في المجال التنظيمي للعمل، اتخذ معها النظر إلى الحياة التنظيمية بعدا جديدا (بعد تايلوري)؛ أي متجاوزا للتايلورية.
وقد وضع اللبنات الأولى لهذه المدرسة "إلتون مايو"، لتستمر في التطور والنمو مع كل من "ماسلوف" ونظريته في الحافزية، و"ماك غريغور" بعده في محاولة لتطوير نظرية الحافزية، ثم "فريدريك هيرزبرغ". وسنتعرف في هذا المحور على تصور كل منهم على حدة.
1- إلتون مايو والمقاربة النفسية الاجتماعية
إذا كانت المدرسة التايلورية قد جعلت من مسألة القرار، أمرا مقتصرا على المديرين والرؤساء داخل المكاتب، وارتكزت القرارات في جوهرها على محوري: "التنظيم العلمي للعمل" " OST" و"التنظيم الإداري للعمل" "OAT"، فإن القرار مع العلاقات الإنسانية سيعرف تصورا آخر. فعلى عكس التيار التبسيطي والميكانيكي للتايلورية، وخصوصا ضد فكرة "الإنسان الاقتصادي"، نشأ تيار العلاقات الإنسانية، لقد كانت نقطة انطلاق هذا التيار مع البحث المشهور، الذي أجري في أواخر العشرينات من القرن العشرين بأحد المعامل التابعة لشركة أمريكية، مختصة في التجهيز الكهربائي، وقد كانت هذه الدراسة تريد الاختبار الامبريقي للمسلمة التايلورية؛ التي تجعل الإنتاجية تتحدد بالشروط المادية للعمل، في هذا الإطار اهتم الباحثون بتغيير مجموعة من العوامل المتعلقة بشروط العمل، كالحرارة، والإنارة، ومدد الاستراحة بالنسبة لعدد من العمال تم عزلهم ضمن عينة تجريبية، في حين تم الاحتفاظ بعينة ضابطة، لتكون المرجع الذي يلاحظون من خلاله الفرق. وبتحسن هذه الشروط تمت ملاحظة ارتفاع منتظم للإنتاج، ولكن عند الرجوع إلى الوضعية الأولى لشروط العمل، فإن الإنتاج استمر في الارتفاع، وهذا ما لم يكن قابلا للفهم ضمن منطق التفسير التايلوري.
لقد كشفت نتائج البحث، أن تطور الإنتاجية يجري باستقلال عن التغيرات التي شملت الشروط المادية للعمل، وفي تفسير هذا، استدعى الباحثون عوامل أخرى غير الدوافع الاقتصادية. فمن خلال ملاحظة التحسن العام، والمستمر لمعنويات العمال، ورضاهم في الشغل، والمنصب، ومواكبة هذا لارتفاع الإنتاج، بدت التبعية المتبادلة بين هذين العنصرين واضحة، لذا توجه الباحثون نحو تحليل دقيق للشروط الاجتماعية، والإنسانية، التي أجري فيها البحث. وعلى العموم فقد تبين للباحثين أن الإجراءات التي اتخذوها لإنجاز وإنجاح بحثهم قد أحدثت دون علم منهم تحولات عميقة في العلاقات الشخصية بين العمال من تواصل، وتعارف، وتعاون، وإعطاء قيمة للعمل، كما أن نمط المراقبة الذي وضعه الباحثون والقائم على الثقة والتسامح ترك للعمال حرية أكبر. هذه التحولات في العلاقات الإنسانية والجو الذي ساد العمل عند المجموعة المختبرة هو ما يفسر تطور معنويات العمال وبالتالي إنتاجيتهم. بهذا تم اكتشاف أهمية العوامل العاطفية، والسيكولوجية في فهم السلوك الإنساني داخل التنظيمات، فالفرد لا يستجيب للشروط المادية للمحيط كما هي، بل كما يحسها .
لقد تبين "لمايو" وفريق بحثه، أن العمال لا يحتاجون فقط لشروط عمل مريحة، بل هم أحوج إلى من يحترمهم ككائنات بشرية لها مشاعر وأحاسيس، فالعامل يمكن أن يضاعف من مجهوده إذا أحس أن هناك من يهتم به، وذلك في محاولة قد تكون واعية وقد تكون غير واعية، لرد الجميل لمن أحسن إليه واحترمه.
ضمن هذا المنظور الجديد أصبح السلوك البشري ظاهرة أكثر تعقيدا من الاختزال التايلوري، فليس للفرد دوافع اقتصادية فقط، بل إن له أيضا دوافع عاطفية، وحاجات نفسية يبحث عن إشباعها من خلال العلاقات التي يربطها في عمله مع زملائه، ورؤسائه أو مرؤوسيه. وعليه، فالتنظيم ليس مجالا تقنيا حصرا، ولكنه أيضا وأساسا مجموعة إنسانية، تتحدد فيها تصرفات الفرد بحسب تصرفات الآخرين. فإلى جانب البنية الشكلية للتنظيم من هيكل تنظيمي وتحديد للمناصب وغيرها، يوجد عامل مواز، إنه "البنية غير الرسمية"، والتي تتشكل من مشاعر معقدة لها منطقها الخاص الذي يفرض متطلباته على متطلبات الإنتاج، ووظيفتها هي تعويض نقص البنية الرسمية التي لا تسمح بإشباع هذه الحاجات السيكولوجية، إنها تعبر بشكل ما عن مقاومة "العامل الإنساني" لمتطلبات الإنتاج العقلانية والتقنية .
إن النتائج التي خلصت إليها العلاقات الإنسانية بقيادة "التون مايو" (1880-1949) تمركزت حول اكتشاف مفاده أن تركيز القرار بالمكاتب، والاهتمام بالتنظيم العلمي للعمل أو التنظيم الإداري للعمل، لا يؤدي بالضرورة إلى رفع نسبة التحكم في المردودية، بل إن الاهتمام بالعمال باعتبارهم كائنات إنسانية لها إحساس، هو الذي أدى إلى عملهم بحيوية ونشاط، إن قرارات إنسانية، كمشاركة العمال في شأنهم اليومي، ومقاسمة ظروفهم، كان أهم بكثير من قرارات تستهدف ضبطهم والتحكم فيهم. وهنا نلاحظ النقلة النوعية التي عرفتها علوم التدبير، حيث سيتم الانتقال من الاهتمام بالإنسان كعضلة، إلى الاهتمام به كقلب ومشاعر .
2- العلاقات الإنسانية والحافزية
إن التمييز الأساسي للعلاقات الإنسانية، هو بين التنظيم الرسمي، والتنظيم غير الرسمي، فالتنظيم الرسمي هو أنماط التفاعل بين التنظيم الإنساني، والتنظيم التقني، والتي تحددها القواعد والسياسات الصريحة للتنظيم/ المقاولة، بهدف تأمين التعاون الضروري لإنجاز أهدافها الاقتصادية. أما التنظيم غير الرسمي، فهو يحيل على العلاقات البين- فردية الموجودة واقعيا بين أعضاء التنظيم، والتي لا يأخذها التنظيم الرسمي بالحسبان، يقابل هذه التنظيمات أنساق أفكار ومعتقدات خاصة، كما أن لكل منها منطق متميز، فمنطق الربح والفعالية، هو الذي يحكم التنظيم الرسمي، بينما يحكم التنظيم غير الرسمي، منطق المشاعر؛ أي نسق الأفكار والمعتقدات التي تعبر عن القيم الخاصة بالعلاقات الإنسانية لمختلف الجماعات داخل التنظيم .
ولعل هذا ما عبر عنه الدكتور عبد الكريم القنبعي، عندما قال في كتابه سوسيولوجيا التدبير المقاولاتي: "لا يمكن اعتبار العنصر البشري / المورد البشري آلة كما ساد في النظريات الكلاسيكية، بل إن الإنسان والتعامل معه لا بد أن يخضع للمنطق الإنساني، أي اتخاذ طبيعته الخاصة رهانا يتوجب جعله ضمن أولويات جعله محبا لما يقوم به، لأنه وبكل بساطة لا يشبه الآلة في شيء، إن الإنسان هو نسق معقد من الأحاسيس والمشاعر، والعمل الذي يقدم على إنجازه يجب أن يرتبط بهذه المشاعر والأحاسيس، فإذا كان الارتباط حسنا كان إنجاز العمل حسنا، والمنتوج خاضعا للمواصفات المطلوبة، وإذا كان العكس، يظهر ذلك من خلال المنتوج، أو من طرق التعامل سواء مع الأدوات، أو الآلات من جهة، أو في عملية التفاعل مع الزملاء في العمل من جهة أخرى، وفي هذا المضمار كان فن التعامل مع العاملين من العناصر المهمة في أجندة مدير التنظيم / المؤسسة، لأنه يعتبر المفتاح السحري لإخراج أفضل ما لدى الفاعل اتجاه المهمة المنوطة به عن طريق تحفيزه، وبالتالي يصبح التحفيز خطوة فعالة، ومهمة، وضرورية للرفع من جودة المنتوج، ولبعث الارتياح والإحساس بالانتماء في نفس الفاعل"
لقد بدا الإنسان مع هذا الاتجاه أكثر حرية، غير أن موقف "الطبيعة الإنسانية " الذي ألهمه، حال دون تجاوز النظرة الميكانيكية للسلوك البشري، فالقول بوجود حاجات كونية وقارة نسبيا لدى الأفراد، وهم يبحثون عن إتباعها من خلال العمل، يجعل المعرفة بهذه الحاجات تمكن من توقع سلوكهم وتوجيهه أيضا، وهذا ما تجلى بوضوح مع المقاربات السيكولوجية للتنظيمات التي انتهى إليها هذا التيار.
أ – ماسلو:
مع نظرية الدوافع عند ماسلو (A.H.Maslow) وامتداداتها اللاحقة خصوصا مع أبحاث أرغيري (C.Argyris)، يصبح هدف الفرد من المشاركة في التنظيم، هو إشباع مجموعة من الحاجات النفسية أو البيولوجية أو الاجتماعية.... والتي هي مرتبة هرميا بحسب مراحل النمو الفردي والاجتماعي، بحيث تلائم كل حاجة مرحلة معينة من مراحل النمو هذه، كما أنها تكون ثابتة نسبيا، وانعدام ملء وإشباع هذه الحاجات من قبل البنيات التنظيمية؛ هو ما يفسر الصعوبات والنزاعات داخل التنظيم، الشيء الذي حدا بكروزيي (M. Crozier) إلى القول بانتهاء المقاربات إلى طرح نموذج مثالي للصحة النفسية للفرد، والتنظيم على حد سواء .
وقد حدد ماسلو الحاجات الإنسانية وصنفها حسب الأولوية والضرورة بالنسبة للإنسان على الشكل الهرمي التالي:









هرم ماسلو لترتيب الحاجات الإنسانية، عن الدكتور عبد الكريم القنبعي من كتاب الثقافة المقاولاتية، ص 38.

لكن، تبقى مساهمة ماسلو جد ميكانيكية، وذات خصوصية اقتصادية لردود الفعل الإنساني إزاء العمل، حيث يرى أنه كلما أشبع الفرد حاجياته بشكل أكبر / أفضل، كلما كانت مردوديته أكثر، ورضاه عن التنظيم ودفاعه عنه أكبر.
لهذا فإن ما يمكن مؤاخذة ماسلو عليه، هو ترتيبه هذا للحاجات بتلك الهرمية والتراتبية، والتي لا يمكن أن تكون بالضرورة هي نفسها لدى الجميع. حيث يمكن لهذا الترتيب أن يتخذ شكلا مغايرا حسب اختلاف الأفراد، فتراتب الحاجات قد لا يكون نفسه عند كل الأفراد، لذلك فإن رضاهم عن التنظيم، أو عن وضعهم داخل التنظيم، قد لا يتحقق بنفس الكيفية.
إن مساهمة ماسلو هذه، وخصوصا قصور مساهمته وميكانيكيتها أو اختزاليتها للحاجات الإنسانية، فتحت المجال أمام ماك غريغور (Mc. Gregor) وهرزبيرغ Fr / Herzberg لتطوير هذه النظرية التي بنيت على أساس الحافزية.
ب- دوغلاس ماك غريغور :
يعتبر أحد أبرز ممثلي مدرسة الحافزية، كان يبحث عن تحسين عمل الإدارة والتسيير، وطريقة قيادة الأشخاص، وقد قام بمقارنة برامج تكوين المسيرين في العديد من الشركات الأمريكية الكبرى، وتقييم تأثيرها على المتكونين، وخلص إلى أن نتائج التكوين ليست إلا في حدود مستوى دون النتائج المنشودة، وقد كان ماك غريغور يتبين الفكرة التي ترى أن الإدارة هي التي تتكون من مهام المسيرين، وعلى المسيرين الجدد الذين هم في طور التكوين، تغيير عقلياتهم وسلوكاتهم، ليس حسب مضمون التكوين، ولكن حسب سياسة الإدارة، إلا أن هذه السياسة هي أساسا، حسب ماك غريغور، نتاج مجموعة من الفرضيات الضمنية حول طبيعة الإنسان من جهة، وحول السلوكات الفردية التي تنتمي إلى نظرية "التنظيم العلمي للعمل" OST "والتنظيم الإداري للعمل" OAT من جهة أخرى.
هذه الفرضيات هي:
- الفرد أداة تحمل عداء شديدا وغريزيا للشغل، ويعمل هذا الفرد كل جهده لتفادي الشغل.
- وبسبب هذا العداء الظاهر إزاء الشغل، يجب إكراه الأفراد ومراقبتهم وتسييرهم، وتهديدهم بالعقاب، من أجل استثارة الجهود الضرورية لديهم لتحقيق أهداف التنظيم.
- الفرد أداة تفضل أن تكون مسيرة (بالفتحة على الياء)، إنه يرفض المسؤولية، ونسبيا له طموح، ويبحث دائما عن الأمل قبل كل شيء.
هذه الفرضيات أساسية أثناء تكوين المسيرين، بحيث، انطلاقا منها يتم بناء سلوكات المسيرين الذين عليهم أن لا يأخذوا صورة واحدة يتم بها التعامل، بل يجب التعامل وفق طبيعة التنظيم والإدارة، اعتمادا على تلك الفرضيات الأساسية.
ومن جهة ثانية، اقترح ماك غريغور تصورا آخر مناقضا للأول تماما، وذلك انطلاقا من نظرية أخرى، إنها نظرية مدرسة العلاقات الإنسانية.
ترى هذه النظرية أن التكاليف وآثار المجهود العضلي أو الفكري أثناء العمل هي مسألة طبيعية لا تختلف عن تكاليف أو آثار اللعب، أو الاستراحة، وهنا يبدو التناقض الواضح مع النظرية الأولى.
إن أهمية أبحاث ماك غريغور تجلت في الكشف عن الإيديولوجيا الكائنة وراء ممارسة التسيير"La Management" لكن لم يستطع تفسير أسباب هذه الإيديولوجيا، لأنه لم يقاربها كممارسة معقلنة، فالنظرية الأولى تبرهن عن سلوكات فردانية وليست تشاركية، وعن مفهوم السلطة وممارساتها، وقد ظل ماك غريغور سجينا لنظرية الحاجات والحافزية .
والجدير بالذكر، أن ماك غريغور كان له الفضل الكبير في الخروج عن الطابع الرتيب الذي طبع عملية اتخاذ القرار، سواء مع التايلورية، أو مع من سبقه في العلاقات الإنسانية، وذلك بتأكيده على أهمية المشاركة في صنع القرار، وتأثيرها على تماسك التنظيم وهو يبرهن عن ذلك بالمثال التالي: "لنفترض أن مديرا اتخذ قرارا يخص مرؤوسيه، والظروف التي اتخذ فيها القرار لا تسمح له بإشراكهم في صنع هذا القرار، لكن بعد ذلك قام بجمعهم لشرح دواعي اتخاذه هذا القرار، والظروف التي اتخذ فيها، وقام بتقديم جميع الحجج التي يرى أنها كافية لإقناعهم. ولنفترض مديرا آخر قام بجمع مرؤوسيه قبل اتخاذ القرار، وإشراكهم في اقتراح القرار المناسب، ولنفترض أنه تم اتخاذ نفس القرار الذي اتخذ مع المدير الأول، في وضعيتين متشابهتين من حيث النتائج، مختلفتين من حيث طريقة الوصول إلى القرار. النتيجة هي أن الفريق الثاني يكون أكثر اقتناعا بالقرار، لأنه يشعر بارتباطه بالقرار وانتمائه إليه، وأنه نابع منه، في حين أن الفريق الأول يغيب عنه هذا الإحساس، ليحل محله الإحساس بتسلط المدير وسلطويته" .
نلاحظ أن ماك غريغور قد "اعتمد على نظرية ماسلو في تراتبية الحاجات التي مثلها على شكل مثلث، قاعدته تقوم على الحاجات الأولية والتي إذا تحقق فيها الإشباع لم تعد تكتسي الدافع الأساسي للفعل، أي لم تعد تحفزه".
ج- فريدريك هيرزبيرغ: FR. Herzberg إن تأثيره كان ذا أهمية كبرى في مجال الإدارة والتسيير، "تقوم الخاصية الأساسية لنظريته على أن الرضا في العمل أهم من عدم الرضا، وأن التحفيز لا يتأتى بإقصاء كل عوامل اللارضى، ولكن بتحسين العوامل التي من شأنها تحقيق الرضى، ولهذا فهو يؤكد على أن الحافزية لا تحصل إلا عن طريق تنمية وتطوير عوامل التحفيز" .
وقد طرح هيرزبيرغ في بحث قام به "سؤالين للعديد من الفاعلين يتولون مناصب أعمال مختلفة على مستويات مختلفة:
- ما هو الشيء الذي يمنحك إشباعا كبيرا في عملك؟
- ما هو الشيء الذي يمنحك عدم الإشباع في عملك؟".
استنتج هيرزبيرغ من بحثه هذا "أن نوعية العمل قد تكون في حد ذاتها عنصرا للإشباع أو عدم الإشباع في العمل. بالنسبة للمسير، الأمر جلي وسهل في نفس الوقت: يجب منح أكبر قدر من الاهتمام إلى نوعية المهام المطلوب إنجازها، وإذا كانت تتميز بالتكرار والرتابة، في هذه الحالة لا بد من وجود وسائل أحرى لتحفيز الفاعلين."
لقد استند هيرزبيرغ في تحليله هذا إلى مبدأين يستمد أصلهما من الدين هما: أسطورتي آدم وأبرهام وهما كالتالي:
- آدم خلق مع كل ملكات الكمال، لكن عندما أكل من ثمرة شجرة المعرفة تم طرده من الجنة، وهذا هو سبب إدانة الإله للبشرية التي ستقضي حياتها في الألم والعذاب تكفيرا عن زلة آدم.
- في حين أن أسطورة أبرهام متناقضة بشكل جذري مع الأولى: فالتعريف الثاني للإنسان يتلخص في كون الإنسان قد خلقه الله في الأرض لينمي الخيرات ويتمتع بها، ذلك لما له من فكر ومواهب، والخطاطتين التاليتين تقرباننا أكثر من الفكرتين:
آدم حيوان: هارب من اللعنة التي تلحقه ويكفر عن خطئه.
أبرهام إنسان: يطمع في التنمية ويطمح للتحسن والرقي عبر إنجازاته .
هذين العاملين مستقلين، لكن هرزبيرغ يرى أن كل إنسان هو آدم وأبرهام في نفس الوقت، حيث أن للإنسان نوعين من الحاجات، الأولى غريزية حيوانية، وهي التي تقوده إلى العذاب. والثانية إنسانية تتجلى في طموحه للسمو النفسي والروحي.
انطلاقا من هذا، قام هيرزبيرغ بالعديد من الأبحاث الميدانية التي سمحت له بتحديد خمسة عوامل للإشباع والرضى في العمل ينبغي مراعاتها أثناء القرار. وهي: - الإنجازات المتقنة؛ – الاعتراف بالفرد؛ – العمل الخالص؛ – المسؤولية؛ – النجاح والتقدم.
وهذه العوامل نادرا ما نجدها في حالات اللارضى "l’insatisfaction"، وعوامل اللارضى هي:
- سياسة إدارة التنظيم – الرئيس المتسلط – الأخطاء وغياب الجودة – ضعف المكافآت – العلاقات بين الأشخاص وظروف العمل.
إن هذه العوامل تخلق حالة من اللارضى مرتبطة بالعمل، وقد تتجاوزه إلى المحيط. وانطلاقا من نظرية الحافزية هذه، اقترح هيرزبيرغ تنظيما جيدا يبسط قنوات التواصل، يمكن من عدم تضييع المعلومات، والاختلال الوظيفي البيروقراطي، يقوم هذا التنظيم على ما يلي:
إن الإنسان يرتاح وينشرح وهو ينمي قدراته الخلاقة، أي أن العمل هو المكان المناسب للإحساس بالارتياح الإنساني بامتياز، وقد حاول هيرزبيرغ أن يبرهن على هذه المسلمة في أبحاثه، حيث حاول أن يبرهن كيف أن الإنسانية كقيمة يمكن أن تتحقق أثناء العمل.
إذا كانت صرامة العقلانية عند هيرزبيرغ لا تبدو واضحة، فإن حضورها يكمن في نقطتين:
أولا تعيد الاعتبار للمحفزات في العمل، والتي تم إبعادها في التايلورية، وفي نظرية العلاقات الإنسانية، ومنذ أعماله هاته بدأت إدارة المقاولة في قبول الفكرة التي مفادها أن الإنسان يستطيع أن يهتم بالعمل الذي ينجزه، إذا كان هذا العمل مرتبطا بتحقيق أهداف تخص الفرد ويطمح إلى نيلها أو الوصول إليها، وقد كان هذا الاكتشاف مهما مع أنه جاء متأخرا.
ثانيا: ساهمت أطروحة هيرزبيرغ في تعديل (جعله معتدلا) الإفراط في تقييم العمل والسلطة الكلية والمفرطة للمكاتب والمناهج، واعتبارها ليست هي الحلقة الأهم في التدبير الذي يتوخى الحصول على فعالية ومردودية أكبر.
هذه الاقتراحات التي جاء بها هيرزبيرغ كانت جديدة، وجاءت مغايرة لظروف العمل التي كانت سائدة تماما، أعادت وضع التنظيمات مرة أخرى موضع تساؤل، واعتبارها في حد ذاتها مسؤولة عن نتائجها، بمعنى أن إعادة النظر في كيفية عمل التنظيم واتخاذه لقراراته، هو في حد ذاته مدخل أساسي لتحقيق الفعالية والجودة.
إن نظرية التحفيزات تفضي إلى التقليل من أهمية تغيير ظروف العمل، وتعطي للمسيرين زيادة على ذلك القدرة على التنظيم، وهكذا تجعل السلطة في مكاتب وظيفية متمركزة مختصة بالمناهج والبرامج؛ لكن نظرية التحفيزات، نظرية محاطة بالغموض، وتبشر بتنظيم أكثر إنسانية، وضَد التايلورية، إلا أن هذا التغيير أدى في الغالب إلى تقوية السلطة العامة لإدارة التنظيم، يمكن أن تصل في بعض الحالات إلى إلغاء تأثير النقابة .
إن السؤال الأساسي في نظرية التحفيزات، ليس هو وضع الرجل المناسب في محور القرار، ولكن أن ننظم عمله بطريقة تمكن من تطوير كفاءاته، ويجب الانتباه إلى عدم الخلط بين الرضى "La satisfaction " وتحقيق الذات "Accomplissement de soi"، في إطار العلاقات الإنسانية، كما أن العلاقة الرابطة بين الرضى والإنتاجية تمت دراستها كثيرا لكن بدون جدوى. فأن يرضى العامل ويكون أيضا منتجا، هذا موضوع بحث فيه علماء النفس كثيرا، واعترفوا أنهم لم يصلوا إلى نتيجة كبيرة. إن هذه الأبحاث كلها لم تستطع إلا أن تثبت وجود نوع من الظروف، التي أثناءها يكون الرضى له علاقة بنتائج العمل، وأنه توجد حالات أخرى لا علاقة فيها بين الرضى ونتائج العمل.
إن العمل الذي يكون منجزا بطريقة جيدة، هو مصدر رضى لصاحبه عن نفسه وليس عن التنظيم، وهنا يمكن أن يكون الفرد ضد التنظيم لكن سلوكه يكون استراتيجيا، وغير معلن عنه رسميا، سواء تعلق الأمر بالفرد أو بالمجموعة.
وكخلاصة، فإن العلاقة التي تربط بين التنظيم والعامل في نظرية التحفيزات، تقوم على هذه الثنائية التي تقول "أنا التنظيم، أشبع حاجاتك، أوفر لك أفضل عمل. وأنت العامل تعطي إنتاجية أفضل، وتبتعد عن العدوانية وتتصرف تماما كما أريد" .
لكن على الرغم من النتائج الهامة التي حققها تيار العلاقات الإنسانية على المستوى العملي، فإنه سرعان ما أبان عن حدوده وعجزه، ففي نقده للمبدأ التايلوري حول الإنسان ذو البعد الواحد، لم يعمل سوى على إضافة منبهات عاطفية إلى جانب المنبهات الاقتصادية، ومع أن هذه الأخيرة هي أكثر غنى وتعقيدا، فإنها تظل مع ذلك خاضعة لمنطق الحل الأمثل الوحيد " One Best Way"، ذلك أن مسلمة "الطبيعة الإنسانية" التي حلت محل مسلمة "الإنسان الاقتصادي"، ليست سوى معطى خارجيا و محددا يمكن ضبطه باستعمال المنبهات الملائمة، الشيء الذي يتماثل مع دور الخبير في العلاقات الإنسانية، أو الخبير التايلوري.
لقد ركزت مدرسة العلاقات الإنسانية على دراسة الأشكال غير الرسمية للتنظيم، لكن بالمقابل أهملت الأشكال الرسمية. كما أنها وضعت قطيعة مع التصورات التسييرية التي كانت ترى العامل مجرد وسيلة، وهو بطبيعته كسول، ويفتقد الطموح، يكره المسؤولية، ويفضل أن يكون مسيرا (بالفتحة على الياء) بدل أن يكون مسيرا (بالكسرة)، ويقاوم التغيير، ويفضل التبعية للمسير الذي يراقبه و يوجهه.

بيبليوغرافيا
مراجع بالعربية:
- الدكتور عبد الكريم القنبعي الإدريسي، سوسيولوجيا التدبير المقاولاتي مدخل إلى الأنساق والأسس، منشورات قطب البحث، فاس،2016.
-عبد الكريم القنبعي الإدريسي، الثقافة المقاولاتية: من نظريات المدارس إلى آليات المقاربات، مقدمات في سوسيولوجيا التنظيمات". منشورات مقاربات.
مراجع بالفرنسية:
- B.Mottez , la sociologie industrielle, Coll. que sais – je, Paris, puf, 1975.
- Friedberg.E. « les organisations » in la sociologie et les sciences de la société sous la --dir--ection de jean Cazaneuve, les encyclopédies du savoir moderne, CEPL. Paris, 1975.
- Ph, Bernoux, la sociologie des organisations, Ed, Seuil, Paris ,1985.
- Crozier, M, et Friedberg, E, L’acteur et le système Ed , seuil, paris 1977.
https//ar.m.wikipedia.org.
- Ph, Bernoux, la sociologie des organisations , Ed , Seuil, Paris ,1985.
- P.Le maitre. La Décision, --dir--igée par patrice Stern collection formaction, 1981.
-Ph, Bernoux, la sociologie des organisations, Ed, Seuil, Paris ,1985.
- Ph, Bernoux, la sociologie des organisations, Ed, Seuil, Paris ,1985, p.82, P 87.
- Ph, Bernoux, la sociologie des organisations, Ed, Seuil, Paris ,1985.
-Francine séguin et jean François chanlat. L’analyse des organisations. Une anthologie sociologique. Tom 1. Ed Gaétam Morin janvier 1983.



#إدريس_الخلوفي (هاشتاغ)       Lakhloufi__Driss#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- بعد معاناتها من فيضانات كارثية.. باكستان تواجه تفشيًا جديدًا ...
- سفير ألمانيا بلندن: الكشف عن تسرب رابع بخط أنابيب نورد ستريم ...
- دواء للزهايمر يبطئ تطوّر التدهور المعرفي في التجارب السريرية ...
- ترامب يتوقع تصعيدا كبيرا وحربا
- بتهمة انتهاك قانون الأسرار الرسمية.. محكمة في ميانمار تحكم ...
- رصد تسرب جديد ـ سيناريوهات محتملة لعملية -التخريب- في -نورد ...
- الهند تزود أرمينيا بأسلحة وذخائر قيمتها أكثر من 244 مليون دو ...
- صحيفة صينية تلمح إلى -من ضغط على الزر- في حادثة السيل الشمال ...
- -أليس تطير-.. أول طائرة ركاب كهربائية تنجح في التحليق لمدة س ...
- العراق.. أنصار الصدر ينسحبون من مناطق الاحتجاج والكاظمي يدعو ...


المزيد.....

- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إدريس الخلوفي - مدرسة العلاقات الإنسانية: من الإنسان الآلة إلى إنسان العواطف