أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - مجيد الهيتي - لماذا ينسبون مظفر النواب لهم















المزيد.....



لماذا ينسبون مظفر النواب لهم


مجيد الهيتي

الحوار المتمدن-العدد: 7262 - 2022 / 5 / 28 - 19:05
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


لماذا ينسبون مظفر النواب لهم؟
هبة النعي الواسعة والعفوية وغير المسبوقة تعبيرا عن الأسى الحزن بفقدان الشاعر العراقي الكبير، مظفر النواب، والمصحوبة بتبجيل دوره الشعري والثوري في الحركة الوطنية العراقية والعربية، شملت الأغلبية الساحقة من العراقيين. وهذا أمر مفهوم وطبيعي لما تركه الشاعر من أثر كبير في نفوس العراقيين والعرب. فالنواب لم يكن شاعرا عذبا مرهف الحس فقط، بل إنه وظف الأغلب من شعره في إذكاء الحماس والثورة ومقارعة الطغاة والحكام والاصطفاف مع الفقراء والمسحوقين وفي فضح خيانة الأنظمة العربية لشعوبها ولقضية فلسطين.
وثمة من رأى في هبة مشاعر الأسى والفقدان باعتبارها حالة نادرة من الإجماع الوجداني لدى العراقيين على خسارة العراق والشعر العراقي، لشاعر فذ حمل مشاعر وهموم الناس وعبر عنها بصور جميلة وبنبرات شجاعة وحادة. ذلك صحيح ولكن من حيث الشكل فقط لأنه ينطوي من حيث المضمون على فهم قاصر للأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الإجماع الذي استحقه النواب عن جدارة. إذ لا يمكن لأول وهلة تفسير ذلك الإجماع الغريب بين أطراف مختلفة ولا يجمعها أي جامع ومتناقضة إلى حد العداء على عظمة مظفر النواب ودوره كشاعر ثائر وشجاع إلا إذا وقفنا على طبيعة وخصوصية حياة وشعر النواب.
أعتقد أن التفسير الأقرب إلى الواقع لهذا الإجماع هو أن الجميع تقريبا، وعلى مختلف الألوان والقناعات والافكار والانتماءات، يجد له نصيب في حياة وشعر النواب وأن له، من دون أي زعم أو ادعاء، "وصل بليلى"، من حيث أنه يرى في حياة وشعر النواب بعدا واحدا أو أكثر وموضوعا واحدا أو أكثر يعبر عن تطلعاته ومشاعرة ويثير احترامه للشاعر واعجابه به.
لنبدأ أولا بحياته:
النواب كان ثوريا مقداما ومتحمسا، آمن بأن "حروف التاريخ مزورة حين تكون (مكتوبة) بدون دماء"، ووقف بكل شجاعة ومروءة وإقدام ضد غالبية الحكام والأنظمة الدكتاتورية والرجعية العربية. هذه الخصيلة تكفي لأن يحظى بحب واحترام وتقدير الجماهير الواسعة التي تقارع الظلم والاستبداد والطغيان وتتطلع نحو الحرية والاشتراكية والازدهار.
النواب قضى جل حياته متحملا عذابات الابتعاد والغربة بعيدا عن العراق الذي أحبه وبقي يسري في شرايينه ودمائه حتى وفاته. وهذه الحقيقة كافية لأن ينال النواب اعجاب وتقدير جميع من يبجل قيم الالتزام والتمسك بالمبادئ وتحمل الصعاب في الدفاع عنها.
النواب كان نزيها وزاهدا، راضيا بأن يكون "نصيبه في الدنيا كنصيب الطير"، ليعيش عيشة بسيطة متبتلة في زهدها، رغم كل أنواع المغريات بحياة رغيدة. هذه الخصيلة لوحدها دلالة على الشرف الرفيع، خصوصا في زمن أصبح فيه الارتزاق والفساد والانحطاط القاعدة، والنزاهة والشرف والأمانة، استثناء نادر.
النواب دخل السجون ورفض بشدة مغريات الخروج منها مقابل التخلي عن المبادئ، معتبرا البراءة من المبادئ طعنا في الشرف. وهذا دليل آخر على ما يحمله النواب من خصائل الرجولة والشهامة والتحدي والصمود في التمسك بالمبادئ والشجاعة والإقدام والبسالة في النضال من أجلها والتضحية في سبيلها. وجميع هذه الخصائل رفيعة ومحترمة في أعراف وتقاليد المجتمع العراقي، والمجتمع العربي الإسلامي بشكل عام.
ثانيا شعره
مظفر النواب شاعر عظيم دخلت قصائده في عقول وقلوب محبي الشهر الشعبي العراقي والفصيح العربي ونال اعتراف واعجاب كبار الشعراء والادباء المعاصرين.
قصائد النواب في الغزل جميلة وسهلة وممتعة وتحمل صورا غاية في العذوبة والعمق والذكاء. ذلك لا شك ساهم في تشكيل جمهور واسع للنواب في أوساط عريضة من محبي الشعر العذب والجميل المعبر في صور ملونة في غاية الروعة والبساطة عن إحساس شفاف ومرهف وعميق. فعندما يتحدث النواب في إحدى قصائده المغناة إلى حبيبه بالقول " شفافك ولا أكولن ورد، عنابة معكودة عكد، لا هي دفو ولا هي برد"، معترفا بعجزه عن وصفه بشكل بما يليق به، فإنه يخاطب مشاعر وعواطف أجيال من الشباب المحب للجمال وللشعر الجميل. وقد تحولت العديد من تلك القصائد إلى أغاني وألحان خالدة على أيدي كبار الملحنين والمطربين. فمن ذا الذي لم يردد أو يستمع من بين العراقيين في الجلسات والأمسيات الجميلة أو حتى وبينه وبين نفسه وإلى الآن أغاني مثل "البنفسج" و "حن وآنه احن" و "روحي" و "الريل وحمد؟
ليس غريبا إذن أن تتدفق مشاعر الأسى والحزن والفقدان من جمهور واسع رأى في النواب شاعرا ذا عذوبة فريدة معبرا بأجمل وأصدق ما يكون عن عواطفهم وأحاسيسهم.
إضافة إلى قصائد الغزل الجميلة، كرس النواب جزءا كبيرا من شعره خلال الفترة الأولى من حياته حتى عام 1967 دفاعا عن الحزب الشيوعي العراقي وعن مبادئه وعن قضاياه من خلال الاصطفاف مع الفقراء من العمال والفلاحين ضد مضطهديهم ومستغليهم من الاقطاع والرجعيين. وإلى جانب قصيدة "صويحب" التي تتوعد بالثأر والانتقام من إقطاعي قتل فلاحا شيوعيا، لا تزال إلى الآن تتردد في أذهان وجلسات العديد من الشيوعيين قصيدة "البراءة" الشهيرة التي عبر فيها مظفر النواب وهو في السجن عن التزامه الذي لا يتزعزع بالحزب وبانتمائه إليه وعن أرفع قيم الثبات والصمود من أجل حمايته والحفاظ عليه.
ففي تلك القصيدة يصف النواب الحزب الشيوعي العراقي المنتمي إليه بجمل حميمية وقوية معتبرا إياه بأنه "أب وبيت" لكل طفل من أطفال الشهداء والسجناء الشيوعيين. ويرفض في نفس الوقت ويدين بكره شديد كل من تسول له نفسه بأن يخون انتمائه ويتخلى عن الحزب بتوقيع البراءة منه. وقد ظهرت هذه القصيدة، التي تلقفها الشيوعيون بكل فخر واعتزاز وانتشرت بين أوساطهم كالنار في الهشيم، في وقت أتاحت السلطة الحاكمة في الستينات لبعض السجناء من الشيوعيين فرصة العفو والخروج من السجن شرط أن يوقعوا بيانا يعلن كل واحد منهم فيه "براءته" من الحزب وخروجه من تنظيمه.
فقد اعتبر تلك الخيانة، وعلى لسان أم لأحد السجناء، بأنها انتهاك أو "ثلم" لشرف وسمعة الخائن وعائلته. إذ تأتي هذه الأم إلى السجن رغم ضعف بصرها لا لترى وتواجه ابنها بل لكي تحذره من العار الذي سيلحق بها وبعائلتها إن هو اختار التوقيع على بيان البراءة، وتنذره بأنها ستفضل ويكون سهلا عليها أن "يرضع أبن الكلب من حليبها" على أن يوقع هو على شهادة البراءة من الحزب.
ويذهب النواب أبعد في إدانة البراءة بأن يعبر عن مشاعر أخت لأحد المتبرئين فضلت لو أنها ارتكبت عارا وغسل أخوها عارها بذبح جنينها وهو في بطنها على أن يأتي إليها وهو "متبركع ببراءة عار"، لتنهي مخاطبتها لأخيها بالإعلان على الملأ وأمام الشعب بأن هذا الخائن المتبرئ من الحزب الشيوعي "موش إبنا"، أي ليس أبنا لنا. لقد اختار النواب في هذه القصيدة رمزي الأم والأخت في تعبيره عن رفضه لخيانة الحزب لكي يمعن في التأكيد على أن تلك الخيانة ليست موقفا سياسيا أو شخصيا بل هي طعن في الشرف وعار يفوق أي عار آخر. لهذه الدرجة كان النواب مخلصا وأمينا في انتمائه إلى الحزب الشيوعي حتى وقت الفراق والانشقاق في عام 1967.
إذن لدى الحزب الشيوعي العراقي الحق في أن ينسب مظفر النواب وجزءا كبيرا من حياته أشعاره له. فالنواب قد نشأ وترعرع فكريا وأدبيا وتنظيميا في صفوف الحزب، وقصائده الملهمة الثورية بحق الحزب وقضاياه لا تزال حية في الأذهان ويرددها الشيوعيون ويتغنون في العديد منها.
لذلك لم يكن غريبا أن يصدر الحزب الشيوعي العراقي بيانا في تأبين وتمجيد مظفر النواب، عبر فيه عن الأسى العميق لرحيل "الشاعر الكبير والمكافح الجليل" مشيدا بحياته الزاهدة ودوره باعتباره "رمزا في الشعر والنضال" وبأثر قصائده التي "أضحت سلاحا بيد الثائرين". كما خصصت جريدة الحزب وغيرها من الاصدارات الاخيرة حيزا واسعا من صفحاتها لتبجيل حياة الشاعر الثائر ونشر وتحليل عدد من قصائده.
غير أن اللافت في هذا الأمر هو الموقف الجديد للحزب الشيوعي من النواب، وهو موقف يظهر أن الاختلاف والافتراق بين الحزب والنواب لم يعد على ما يبدو "يفسد للود قضية"، مثلما كان الحال في السابق، وخصوصا وأن عقودا عديدة قد مرت على هذا الاختلاف والافتراق. كما أن تطور الأوضاع في العراق وما آلت إليه من تدهور وانحسار في تأثير اليسار قد ساهم في غض الطرف عن، وتهميش أهمية ومغزى، الكثير من الخلافات والهموم بل وحتى الأفكار والمعتقدات والمواقف السابقة.
واعتقد إن في ذلك تطور إيجابي ونقلة ملحوظة في نظر وموقف الحزب نحو الشعر والشاعر، إذا علمنا أنه قد جرى تعتيم شامل على مظفر النواب وحياته وأشعاره في أدبيات وتنظيمات الحزب الشيوعي منذ عالم 1967. كما جرى غياب تام لتداول أشعار النواب، وخصوصا العروبية منها، داخل تنظيمات الحزب وحتى بين أصدقائه.
ومما يلفت أيضا في هذا التطور الإيجابي إن السيد فخري كريم، المسؤول نفسه عن أدبيات ومنشورات الحزب الشيوعي خلال سنوات السبعينات والثمانينات، وهي فترة التعتيم الشامل على مظفر النواب وأشعاره، قد سارع هو الآخر إلى كتابة مقال نعي إنشائي، حاول من خلاله أن يعبر عما يمثله بالنسبة له موت النواب "المنزه من كل عيب في سيرته وابداعه وحسه بالعدالة"، مشيدا بنزاهة الشاعر الثائر ومبجلا تشبثه بحب الوطن طوال حياته. ولكن وفي معرض إشادته بنزاهة وحياة النواب، لم يفوت كاتب المقال الفرصة للهجوم على بعض المناوئين السياسيين ممن أسماهم بـ "لصوص المال العام" و "اشباه رجالات الدولة" الذين سعوا إلى تقديم "هبات رخيصة" إلى النواب قوبلت برفضه الأبي القاطع وبازدراء واحتقار لهم.
وللإنصاف فإن التعتيم الذي فرضه الحزب الشيوعي على النواب كان رد فعل طبيعيا في الحياة السياسية العراقية، بعد أن كرر النواب في تلميحات عديدة داخل قصائده العروبية إدانته للحزب ولسياسته والسخرية منها. إذ وصف في إحدى قصائده موقف الحزب، في تحالفه مع حزب البعث في جبهة وطنية، بذلك الذي "يخوزق" نفسه بنفسه "لا إكراه ولا بطيخ". وأرجع في قصيدة أخرى انفصاله عن الحزب "والطلاق" منه إلى أن وجه الحزب "لم يبق وجه الناس" كما كان في السابق. كما لمح بقدر كبير من الشتائم والسخرية إلى الحياة المزدوجة لبعض قادة الحزب، ممن كانوا يعيشون في بيروت خلال السبعينات، متهما إياهم بالفسق والفجور.
مهما تكن طبيعة العلاقة بين النواب والحزب وما حفلت به من قطيعة واضطراب، يبقى من حق الحزب أن يفتخر بأن "رفيق الدرب (أبو عادل) قضى سنوات مديدة من عمره في صفوف حزبنا"، كما جاء في بيان النعي الصادر عن قيادة الحزب.
يحق أيضا للقوميين العرب أن يفتخروا بمظفر النواب وأن ينسبوا إليهم وإلى قضيتهم المركزية الجزء الأكبر من أشعار مظفر النواب "العروبية" التي أصدرها وألقاها في النصف الثاني من السبعينات والتي عبر فيها عن اعتزازه بانتمائه القومي إلى "إمة" العرب وبلغته العربية ومناصرته لجميع القضايا العربية وعلى رأسها القضية المركزية المتمثلة في تحرير فلسطين.
فهو يصف نفسه في إحدى قصائده بأنه "حصان بدوي ورث الجبهة من معركة اليرموك"، وهي المعركة التي تزعم الرواية التاريخية الإسلامية أنها وقعت في عام 15 للهجرة بين المسلمين والروم والتي مهدت للانتصار الساحق للمسلمين على أعدائهم. ويصف النواب جسده في تلك القصيدة بأنه "وتد عربي للثورة" على الحكام والأنظمة المستبدة والرجعية. وفي زمن شيوع الخيانة والتخاذل العربي حيال قضية فلسطين وهزائم "الأمة" العربية، لا يتردد النواب في النيل من عروبة وأصالة العرب جميعا وبلا استثناء، صارخا في وجههم "هل عرب أنتم؟"، ومشككا في كونهم عربا حقيقيين.
ولا تتجلى عروبة النواب فقط في اعتباره "أمة" العرب واحدة وخالدة، بل وأيضا في اعتبارها منطقة جغرافية واحدة "تمتد من البحر إلى البحر" لكنها تشكو تكالب الأعداء من حولها على نهبها وسلب أراضيها بعد أن "أكل الأتراك من الكتف اليمنى منها والفرس من اليسرى... وحتى الأحباش (الأثيوبيين) سرقوا جزرا" منها.
ليس هناك أكثر من يجد في أشعار مظفر النواب ما يصبو إليه وما يطرب له من المناصرين والمؤيدين للقضية الفلسطينية والمدافعين عن حقوق الشعب العربي الفلسطيني في صراعه الطويل والمرير مع العدو الإسرائيلي. فالقدس عند النواب ليست فقط مدينة مقدسة عند العرب والمسلمين (لاعتقادهم بأن النبي محمد قد عرج إلى السماء من المسجد الأقصى الواقع هذه المدينة، لذا وجب دينيا وقوميا تحريرها من احتلال اليهود)، بل هي، وبسبب هذا الاعتقاد، "عروس عروبة" العرب جميعا، في قصيدة، وأن أي "بوصلة لا تشير الى القدس" قهي بالضرورة "مشبوهة"، في قصيدة أخرى. وقد جاء ذلك في صرخة عاطفية للنواب لا تزال اصداؤها تتردد إلى الآن. وطبقا للنواب أيضا، فإن العرب جميعا، وخصوصا حكامهم، هم من خانوا فلسطين والقدس، وهم من أشرفوا على انتهاك شرفها وعذريتها كما ينتهك شرف الفتاة المغتصبة. ذلك كله بسبب خيانة "عرب الصمت" و "عرب اللعنة" المتخاذلين والجبناء والخاضعين والقابلين بالذل والهوان تمسكا بالحكم والسلطة.
الذين يرون أن العرب إمة تكالبت عليها الأمم وأن الغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص هم أعداء أزليون همهم محو تاريخ هذه الأمة المجيد ونهب ثرواتها من النفط والغاز وإخضاعها عن طريق دعم الفتنة وإشاعة النزاع والصراع فيما بين وداخل البلدان العربية، سيجدون ما لذ وما طاب في أشعار مظفر النواب مما يبرر مواقفهم وأفكارهم ويعززها.
سيجدون أن مظفر النواب يرى مثلهم في أن ثروة النفط ما هي إلا وبال ونقمة حلت على العرب وحولت "الوطن" العربي إلى "ناقلة للنفط مدهنة بسقام الأحزان وأعلام الدول الكبرى". سيتفقون معه ويؤيدونه بتفاصيل دقيقة عن مؤامرات وخطط لا تحصى في قوله إن الغرب يتلذذ في ذبح العرب وأنه "بكل تفاضله وتكامله الذريين على النفط يجمعنا (نحن العرب) وعلى النفط يذبحنا". سيجدون في شعر مظفر النواب العروبي أيضا ما يعزز قناعتهم بأن عداء الغرب وأمريكا للعرب هو عداء أزلي ويسري في كل زمان ومكان منذ الحروب الصليبية إلى يومنا هذا، وأن الغرب لا يرى في العرب أكثر من "نجس شرقي" لا يستحق حتى الاهتمام به أو الاكتراث لقضاياه.
قد يغالي النواب ويذهب أبعد قليلا في تصويره كيف أن الغرب لا يكتفي بكراهية وقتل العرب بل ويحتفي ويبتهج كثيرا برؤية أكبر عدد من أشلاء الضحايا العرب حتى وإن كانت على أشكال عظام وأعمدة فقرية وجماجم. ففي أحد قصائده يعرض النواب "بضاعته" من تلك العظام والترقوات (جمع ترقوة) والجماجم "قدام كنيسة روما" مناشدا "سواح المعمورة" المتجمهرين أمام كنيسة الفاتيكان بأن يشتروا منه بعضا من هذه الجماجم مغريا اياهم بأن يصنعوا منها "قناديل (لأعياد) الميلاد وأجمل أيقونات عرفت" لكي يقتنوها في مساكنهم وكنائسهم. وإذا كان النواب قد غالى بعض الشيء في التعبير عن حقد الغرب على "أمة" العرب من خلال تقديم صور رهيبة ومثيرة في سرياليتها، إلا أن أي قومي عروبي وعلى اختلاف وتباين الأفكار والانتماءات، قد وجد ولا يزال يجد في شعر مظفر النواب ما يعبر عن قناعاته العميقة ويدعم أفكاره بشأن علاقة العرب بالعالم وبالغرب.
هناك من القوميين العرب والمناصرين بقوة للقضية الفلسطينية ممن يكنون عداء متأصلا ومزمنا لعدد من الأنظمة العربية. وإذا تفاوت هذا العدد من فترة إلى أخرى وبين مجموعة وأخرى، حسب مواقف هذه الأنظمة من القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وحسب بعض التباين في الآراء والمواقف، فأن أنظمة دول الخليج العربي احتلت منذ عقود طويلة ولا تزال رأس قائمة تلك الأنظمة الخائنة العميلة المستبدة والمتخلفة، في حسابات العديد من المدافعين عن قضايا "الأمة" العربية.
ومن المؤكد بأن المعادين الأشداء لتلك الأنظمة التي يرونها "عميلة" و "خائنة" و "رجعية" و "متواطئة" مع الغرب وأمريكا وإسرائيل، قد ترسخت في أذهانهم، إن لم يحفظوا إلى يومنا هذا، مقاطع عديدة ومتنوعة من أشعار النواب التي تفضح وتدين حكام تلك الأنظمة وتكيل أنوعا من السب والشتائم المقذعة والنابية لهم والسخرية منهم ومن أشكالهم وطرق حياتهم وحتى لباسهم. فمؤتمرات القمة التي يعقدها هؤلاء الحكام أشبه، بالنسبة إلى النواب، بتجمعات لـ "لوطيين بمحض أرادتهم"، في قصيدة، وقطعان من "الماعز والغنم"، في قصيدة أخرى، وهي لا تعدو أن تكون سوى مناسبات يوقع فيها المؤتمرون على عهود خياناتهم وخضوعهم للأجنبي.
وفي هذا السياق يصف النواب في إحدى قصائده العروبية حكام الخليج باعتبارهم خونة وعملاء أذلاء لشاه إيران والغرب وأمريكا، حيث يراهم في إحدى الصور وكأنهم يحملون "ذيولا أرفع من ذيل الفأر" تظهر قليلا من تحت عباءاتهم عندما "يخرون سجودا للشاه". وهو ولا يرى في هؤلاء الحكام إلا "شيوخا" متخلفين يبنون قصورهم على الرمال القاحلة ويبددون أموال وموارد دولهم أو "مشيخاتهم" على ملذاتهم وحياتهم العبثية التافهة.
قصائد النواب العروبية تلقى إذن قبولا واسعا لدى جمهور عريض، وتذكي الحماس لدى المؤمنين بالثورة على الحكام وعلى الأنظمة المسؤولة عن ضياع فلسطين ونهب ثروات العرب. كما تلهم هذه القصائد وتذكي حماسة واعجاب كل من هو مؤمن بعداء الغرب المزمن والذي لا يتزعزع للعرب ولتاريخهم ولحضارتهم، وبأن أمريكا والدول الكبرى قد دعمت ولا تزال الأنظمة الرجعية والمتخاذلة في تنفيذ المخططات والمؤامرات والدسائس الرامية إلى إضعاف وتقسيم "أمة" العرب وإثارة الفتن والنزاعات والحروب في أوساطهم بغية إذلالهم ونهب ثرواتهم.
هناك جمهور شعبي وغير شعبي واسع في مجتمعاتنا ممن يستعيض عن وصف انحطاط وتدهور وبؤس الأحوال بالشتيمة والسب للمتسبب في رأيهم عن هذا الانحطاط والبؤس. فعلى سبيل المثال، بدلا من تحمل أعباء شرح تفاصيل النهب والفساد في العراق على أيدي الأحزاب الحاكمة، يميل البعض إلى اختزال تلك التفاصيل بشتيمة سهلة وممتنعة، كأن يسمي القوى المتنفذة باللصوص أو الحرامية. وبدلا من ذكر تفاصيل الارتباط بين الميليشيات الإسلامية المسلحة بولاية الفقيه في إيران وخضوعها له وائتمارها بأوامره، يسمي الغالبية من الناس قادة وعناصر تلك الميليشيات بالذيول، أو حتى بكلمات نابية أشد وقعا من التفاصيل في التعبير عن المواقف والآراء. الشتيمة، وهي تعبير مختزل ومكثف عن موقف، تجد استخدامات واسعة في حياة العراقيين اليومية والعادية. وأمام تعفف عموم الشعراء والكتاب والأدباء وامتناعهم عن استخدام الشتائم حتى في أكثر القصائد هجاء، فإن ظهور شتائم نابية وحتى خادشة للحياء في شعر عربي جزل وبليغ ومن شاعر ثائر محبوب ومعروف، يلقى شئنا أم أبينا، استقبالا منقطع النظير من أوساط شعبية وغير شعبية واسعة وعريضة. حتى أن بعض قصائد النواب باتت تعرف عند جمهور واسع بالشتيمة التي احتوت، كأن يسمي البعض قصيدة "وتريات ليلية" بقصيدة "أولاد القحبة" وقصيدة "تل الزعتر" بقصيدة "ملك السفلس" أو "ملك الغازات".
لست بصدد إصدار حكم بحق النواب حول ماذا كان قد أخطأ أو أصاب في استخدام الشتيمة في الشعر لأن ذلك ليس من شأني أو اهتمامي، لكني أستطيع أن أقول إنه لا يوجد شعر عربي معاصر أو غير معاصر سواء في العراق أم في سواه من الدول العربية، احتوى على ذلك القدر من الشتائم بقدر ما احتوى عليه شعر النواب من الشتائم النابية والسباب المقذعة بل والخادشة للحياء، بحق الحكام العرب، والملوك منهم على وجه الخصوص، وبحق الأنظمة العربية وبحق حتى الجماهير العربية.
استخدام الشتيمة النابية، وبصرف النظر عن صحته أو خطئه، وفر هو الآخر جمهورا عريضا أحب عن صدق النواب وشعره وأدخله في قلوبهم لأنه شاركهم في شتائمهم اليومية العادية وعبر بذلك عن رغباتهم وأحاسيسهم. فقد وصف لهم النواب حكام العرب بأنهم "مهزومون" و "أولاد قحبة" و "قردة" وأكثر وساخة حتى من "فضلات القردة". حكام مهزومون ولكن أيضا قذرون حتى أن "حضيرة خنزير أطهر من أطهرهم". كل ذلك لأنهم ساوموا على فلسطين ورضوا بكل خنوع انتهاك عذرية القدس العربية باحتلالها من قبل اليهود الإسرائيليين.
لذلك سيجد من يفضل استخدام شتيمة الحكام في حياته اليومية العامة أن شاعرا كبيرا قد حكى في قصيدة شهيرة على لسانه وبلهجته وعبر عن مشاعره الحقيقية عندما لم يستثن النواب حاكما عربيا إلا ووصفه بأقذع الأوصاف المثيرة للضحك والسخرية. فملك السعودية "ماموث نجدي" و" ملك النفط" و "ملك الغازات". أما ملك المغرب "حسون الثاني" فهو "ملك السفلس"، وهو، في قصيدة أخرى، "ملك يستأنس بالخازوق". أما حافظ الأسد وصدام حسين فهما "ديوث للشام" و "قاضي لبغداد" على التوالي. رئيس السودان في السبعينات، جعفر النميري، ليس أكثر من جرذ متضخم للأوساخ، والحبيب بورقيبة "معوج من ساقيه إلى الرقبة". أمير دبي لم يحظى بشتيمة نابية، لكن وظيفته، طبقا للنواب، لا تتعدى أكثر من الجلوس في قصر بناه على شكل مربع فوق رمال إمارته. وقد استثنى النواب من اتهامات الخيانة حاكم رأس الخيمة، الذي يتصف بـ "شفة سفلى هابطة" (كشفة بعير) لأنه كان وقت وقوع مذبحة تل الزعتر في بيروت عام 1976 نائما وغارقا في أحلامه. هذا النوع من الشعر السياسي لقي جمهورا كبيرا لأسباب عديد أحدها هو تفرده وتميزه عن غيره باحتوائه لأوصاف مقذعة وشتائم نابية بحق الحكام.
هل يحق للإسلامين من الطائفة الشيعية على وجه الخصوص، وأقصد بهم رجال الدين والأحزاب والميليشيات الإسلامية الطائفية المسلحة، أن يحتفوا هم الآخرون بمظفر النواب وأن يمجدوه وأن ينسبوه إليهم؟ الجواب نعم بالتأكيد لأنه لا يوجد أي ما يمنعهم من ذلك، بل وعلى العكس سيجدون أيضا في العديد من قصائد مظفر النواب ما يتطابق مع الكثير من معتقداتهم الدينية وقناعاتهم حول الصراع بين المسلمين وانقسامهم وما انطوى عليه من حروب ونزاعات.
سيجد الإسلاميون، بمن فيهم الأكثر تمسكا بالمذهبية، في شعر مظفر أن الصراع المبكر في الإسلام كان صراعا بين الحق والباطل وإن آل البيت هم من أهل الحق وهم أتباع النبي محمد الحقيقيين، وإن من ناوئهم وحاربهم وناصبهم العداء من بني أمية ما هم إلا طغاة ومستبدون استخدموا دين الإسلام زيفا ورياء من أجل سلطتهم وقتلوا أشرف خلق الله وابن بنت رسول الله، الحسين بن علي بن أبي طالب. فعلي ابن أبي طالب كان مقاتلا شجاعا "يتوضأ بالسيف قبيل صلاة الفجر" تحت راية الإسلام وفي سبيل إحقاق الحق والدفاع عن الفقراء والمستضعفين المسلمين.
أما الحسين بن علي بن أبي طالب، "بن فاطمة وعلي"، والذي تعلم منه "الثبات" و "قوة الحزن"، فهو عند النواب "إمام الشهادة"، ورأسه "المحمول في طبق في قصر يزيد" هو "رأس الثورة" على ظلم وطغيان الحكام الأمويين. هو أيضا، وبدون مبالغة حسبما يؤكد النواب، أكثر من بشر وأهم حتى من النبي محمد لأنه "وحي تواصل بعد الرسول"، وهو الذي "بكى الله" فيه على ما أصابه وأسرته على أيدي القتلة الأمويين، كما جاء في القصيدة الشهيرة والواسعة الانتشار (في الوقوف بين السماوات ورأس الإمام الحسين).
من جهة أخرى، يظهر أعداء علي والحسين وآل بالبيت في قصائد النواب بصور وأشكال للقتلة المستبدين والكذابين والمنافقين. فأبو سفيان ذو اللحية الصفراء، كما تصوره الشاعر، "يؤلب بين الناس العصبيات القبلية"، وعثمان بن عفان ليس أكثر من زعيم لمجلس شورى التجار الجشعين، أما عمرو بن العاص، صاحب العورة الشهيرة وحيلة رفع المصاحف، فلا تزال عورته "تقبح وجه التاريخ".
ويذهب النواب أبعد وإلى حد التطابق مع عتاة المذهبيين والطائفيين المعاصرين في إيمانه وتصوره بأن هؤلاء الأعداء ما زالوا موجودين بيننا إلى يومنا هذا. فأبو سفيان، أو ممثله، ما يزال موجودا ومثله مجلس شورى التجار القريشيين، وكذلك عورة عمر بن العاص التي "ما زالت تقبح وجه التاريخ". أما يزيد بن معاوية، قاتل الحسين، فهو الآخر موجود في الوقت الحاضر ونحن الآن "في زمان يزيد" كما يقول النواب في قصيدة "رأس الحسين". كما ظهر يزيد في إحدى قصائد النواب متلبسا هيئة سلطان عمان، قابوس بن سعيد، وهو يجلس في شرفة قصره "يستعرض أعراض عرايا" وضحايا العرب. وفي قصيدة ثانية يظهر يزيد مرة أخرى في القصيدة المشار إليها وهو "يطوف في البلاد" حاملا هذه المرة "رأس العراق وأوصاله" أمام عدم اكتراث العرب وغضهم الطرف عنه وعما يحمله. ويجد النواب، في قصيدة ثالثة، يزيدا في الشام وهو "ثمل" رغم أن "جيش الروم في حلب".
من الطبيعي أن يجد الإسلاميون وبضمنهم أقحاح الطائفيين حصة لا بأس به لهم في قصائد النواب لأنها عبرت، من خلال استخدامها للرموز والشخصيات الدينية التاريخية، عن إيمانهم واعتقاداتهم حول الانشقاق داخل الإسلام وما صاحبه وأعقبه من نزاعات وحروب. لذلك وجدوا في قصائد النواب بوحا فنيا لما يؤمنون به.
من الطبيعي إذن أن يسارع العديد من قادة الأحزاب والميليشيات الإسلامية إلى حضور تشييع النواب إلى مثواه الأخير في مدينة النجف الأشرف، أو إلى إصدار بيانات نعي وتأبين تمجد حياة ودور ونضال الشاعر الثائر. فقد وصف هادي العامري، زعيم ميليشيا بدر الشيعية الطائفية، النواب بأنه الشاعر "الذي اختلط بدمائه حب الوطن وحلم الحرية". أما قيس الخزعلي، زعيم ميليشيا عصائب الحق السيئة الصيت، فقد كتب في تغريدة له نشرتها وسائل الإعلام أن النواب "كتب للعراق وللمقاومة أجمل الأبيات وكانت قصائد الهجاء تنزل مدوية على رؤوس الطغاة والمستبدين". كما أصدرت هيئة الحشد الشعبي في العراق بيان نعي عبرت فيه هي الأخرى عن الحزن والأسى لوفاة النواب "بعد مسيرة إبداعية حافلة بالنضال ضد الدكتاتورية ومناصرة قضايا شعبه وأمته". من جهته، حرص نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق والمعروف بتعصبه الطائفي، على أن يحضر بنفسه مراسيم تشييع النواب لكنه قوبل بهتافات تدينه وتدين أفعاله مما أجبره على مغادرة التشييع مطرودا، كما ذكرت الأخبار. ربما لم يجد المالكي في النواب وشعره ما يعجبه عدا أنه وجد الشاعر يشاركه في يقينه الراسخ بأن يزيد بن معاوية ما يزال موجودا بيننا حيا يرزق.
ذلك كله يقودنا إلى سؤال خطير. هل كان مظفر النواب طائفيا أو حتى إسلاميا؟ الجواب وبكل تأكيد كلا وحاشا الشاعر الكبير والإنسان الشفاف والمناضل الثوري من تهم الطائفية الرخيصة والخاوية. فقد نشأ النواب وترعرع، كما قلنا، في صفوف الحزب الشيوعي، أي في حزب وطني حقيقي وعابر في تنظيماته وفي أفكاره وممارساته للانقسامات والصراعات القومية والدينية والمذهبية والقبلية. ومن ينشأ في الحزب الشيوعي ويؤمن عن حق بنظريته وبأفكاره، مثل النواب، لا يمكن له أن يكون طائفيا إلا أذا تنكر لقيم ومبادئ الحزب الوطنية والأممية والإنسانية وتخلى عن هدفه في بناء "وطن حر وشعب سعيد". وإذا كان النواب قد خرج من الحزب واختلف معه فإنه بالتأكيد لم يتخلى عن القيم والمبادئ الشيوعية والإنسانية والثورية التي تربى عليه، ولم يتزعزع إيمانه وموقفه الداعي إلى نبذ وإدانة العنصرية والشوفينية والتعصب الديني والمذهبي وإلى التعايش السلمي والانسجام بين ما أصبح يسمى الآن مكونات الشعب إلى جانب فصل الدين عن الدولة والتداول السلمي للسلطة.
ولكي نكون منصفين وحتى نسخف اتهامات الطائفية والتعصب الشيعي لآل البيت ومناصريهم والتي يحاول البعض الصاقها بالنواب، علينا أن نشير إلى أن هبة التعبير عن الحزن والأسى لفقدان الشاعر كان لها أن تشمل أيضا بعضا من غلاة الطائفيين الإسلاميين السنة إن هم قرأوا قصيدة "الأساطيل". ففي تلك القصيدة مجد النواب حدثا خطيرا يمكن اعتباره بعد أن تكشفت طبيعته بأنه واحد من بواكير وارهاصات الإرهاب الإسلامي الحديث، أو ولادة مجهضة لتنظيم داعش، قادها السعودي جهيمان بن محمد الصقري الحافي الروقي العتيبي ومعه أكثر من سبعين من رفاقه المجاهدين الأشداء للاستيلاء على الحرم المكي في عام 1979، كنقطة انطلاق لإعلان الثورة أو الخلافة الإسلامية. ولمرارته من فشل حركة جهيمان التي أسفرت عن قطع رؤوس أكثر من سبعين إرهابيا على "قبلة أمريكا"، وجه النواب لوما قاسيا إلى "اليسار الغبي" وبصق حرفيا في وجهه لأنه خذل جهيمان العتيبي وفرقته الانتحارية ولم يناصره.
كيف لنا إذن أن نفسر هذه المعضلة المتمثلة في أن إسلاميين طائفيين يؤمنون بأبدية الصراع المذهبي ولا زالوا يعيشون في معمعة هذا الصراع الحقيقي والمتخيل يجدون في النواب الشاعر الثوري والإنساني والنزيه وكأنه "مؤيد ومناصر" لاعتقاداتهم ومواقفهم. وهل كان النواب واعيا ومدركا لهذه المفارقة المحيرة؟
أظن أن الجواب على مثل هذه الأسئلة يتطلب الوقوف بشكل أقرب على أفكار وقناعات النواب. وفي هذا الصدد يمكن القول إن النواب قارئ نهم للتاريخ الإسلامي ومطلع على أحداث الصراع الدموي المرير الذي أعقب وفاة النبي محمد والانقسام المذهبي الذي أعقبه. من جهة أخرى، وشأنه في ذلك شأن العديد من الشعراء العراقيين والعرب المعاصرين، يميل النواب إلى استلهام التاريخ وأحداثه وشخصياته ورموزه وتوظيفها في خدمة القصيدة وإلى استعارة الأحداث والشخصيات التاريخية للدلالة على أحداث ومآسي الحاضر.
الأهم من ذلك، هو أن النواب مؤمن، وعلى ما يظهر من أشعاره، إيمانيا يقينيا وبدون أي تمحيص، شأنه في ذلك شأن الغالبية من المثقفين، بصحة وتاريخية الأحداث التاريخية بحذافيرها وكما جاءت في السردية الإسلامية. ذلك على الرغم مما تحتويه تلك السردية من ثقوب عديدة، ليس أقلها إنها تم تدوينها بعد نحو 200 سنة من الأحداث المزعومة فيها، وأنها تحتوي على خرافات وأساطير ومبالغات وشخصيات وهمية لا يقبل بصحتها أي مؤرخ ينتهج أدوات البحث التاريخي العلمي ويعتمد على الأدلة والبراهين الملموسة، من آثار ومخطوطات وكتابات ومسكوكات، بدلا عن الروايات المحكية. على سبيل المثال، نجد أن النواب يستلهم أحداث وقصص الصراع بين على بن أبي طالب ومعاوية كما وردت في الرواية الإسلامية، بما فيها قصة "عورة عمر بن العاص" و "رفع المصاحف" رغم كون هذه القصة تنافي الحقائق التاريخية المعروفة حول كتابة وجمع القرآن والتي تظهر استحالة وجود "مصاحف" يتم رفعها على رؤوس الرماح في ذلك الوقت، وخصوصا إذا عرفنا أن أقدم مخطوطة معروفة للقرآن يرجع تاريخها إلى عام 80 للهجرة.
لسنا بصدد توجيه نقد للنواب لأنه آمن بصحة الرواية الإسلامية حول نشوء وانتشار الإسلام، إلا أنه بات واضحا لدى أوساط واسعة من المؤرخين المعاصرين أن الرواية الإسلامية للتاريخ الإسلامي تعتريها الكثير من الفجوات والثقوب والغموض وتحتوي على العديد من الأحداث والمعارك والشخصيات الوهمية التي لا تؤيد وجودها الأدلة والأبحاث التاريخية العلمية.
من جهة أخرى، نشأ النواب كما رأينا شيوعيا وماركسيا مؤمنا، على أرجح تقدير، بالفلسفة المادية والتاريخية لكارل ماركس. وطبقا للنظرية الماركسية، فإن التاريخ البشري هو تاريخ للصراع الطبقي بين الطبقات المستغٍلة والمستغًلة. وهذا الصراع هو المحرك الرئيسي لانتقال المجتمع من مرحلة إلى مرحلة متقدمة من المراحل الخمسة لتطور المجتمعات البشرية.
إذن وبالنسبة إلى أي شيوعي أو ماركسي فهم واستوعب النظرية الماركسية على هذا الأساس، فإن الصراع المبكر داخل الإسلام وما صاحبه من مؤامرات ودسائس وحروب ومنازعات، وما أفضى إليه من انقسام شيعي سني لا يزال قائما ومتفاقما إلى يومنا هذا، هو الآخر تعبير عن صراع طبقي جرى في منطقة الجزيرة العربية وصحرائها.
وحسب هذا الفهم، فإن الانقسام داخل الإسلام هو انقسام بين طبقتين رئيسيتين تتمثل الأولى بأغنياء وتجار مكة والثانية بفقرائها من المستضعفين والفقراء "والكادحين"، وأن لكل طبقة من هاتين الطبقتين ممثلين عنها. ففي حين مثل أبو سفيان وأبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، ومن بعدهم، معاوية ويزيد، طبقة الأغنياء فإن علي ابن أبي طالب ومن معه، وأولاده من بعده، قد مثلوا طبقة الفقراء والضعفاء والمسحوقين. وفي حين وظف ممثلو التجار والأغنياء دين الإسلام أبشع توظيف وحرفوا تعاليمه واتبعوا أخس وأحط الدسائس والمؤامرات لخدمة مصالحهم وتحقيق هدفهم الأساسي بالاستيلاء على السلطة والثروة، فإن ممثلي الفقراء والمظلومين ساروا على طريق الحق وعلى طريق الإسلام الصحيح وتمسكوا بجميع القيم الرفيعة بشأن العدالة ورد الحق للمظلومين في صراعهم مع سلطة التجار والمنافقين.
مثل هذا الفهم للتاريخ وما يتبعه من مواقف حيال الأحداث والشخوص التاريخية المتخيلة والحقيقية، لا يزال وللأسف سائدا في أوساط "اليسار الذكي". ومن الطبيعي إذن أن يشترك النواب مع غيره من الماركسيين العراقيين في هذا الفهم مثلما أن من الطبيعي له وبدافع حسه الإنساني والثوري وتربيته الشيوعية أن يصطف مع طبقة الفقراء والمظلومين وأن يمجد رموزها ويتماهى مع أبطالها، وأن يفضح أعداءها من الطغاة والحكام وممثلي طبقة التجار والأغنياء وأن يدين رموزها وشخوصها.
قد لا نجافي الحقيقة في القول إن هذا الفهم، واستنادا إلى التاريخ العلمي والأكاديمي، يناقض الحقائق التاريخية العلمية حول طبيعة الصراع السياسي في صدر الإسلام. هذه الحقائق باتت تؤكد بما لا يقبل الشك على أن الانقسام والنزاع وما تمخض عنه، حتى وإن افترضنا جدلا أنه كان صراعا حقيقيا وغير متخيل في الجزء الأكبر، كان انقساما ونزاعا قبليا محضا على السلطة والثروة، انعكاسا لطبيعة المجتمعات الصحراوية، ولكن أضيفت إليه أساطير وقصص ومعارك وهمية مليئة بالفجوات والثقوب الموجودة في عموم الرواية الإسلامية. فمثل هذا الفهم يفتقر إلى دراسة التاريخ بشكل علمي ويمثل اقحاما متعسفا للنظرية ولمفهوم الصراع الطبقي واسقاطا سطحيا لأفكار الحاضر على مجتمعات قبلية صحراوية تسودها الحروب والغزوات القبلية كانت تعيش قبل أكثر من 1400 في الجزيرة العربية، ولم تكن تعرف من الطبقات وصراعها، حسب المفهوم المادي والديالكتيكي، شيئا.
بطبيعة الحال لا يمكن توجيه اللوم إلى النواب على فهمه الماركسي للتاريخ الإسلامي والذي جعله يرى حتى في القرامطة حركة شيوعية تدعو إلى "مشاعة الأرض ومشاعة السلاح" وإلى أن يعتبر نفسه "قرمطيا" في القرن العشرين. فهو كما ذكرنا لا ينفرد بمثل هذا الفهم بل يشاركه فيها الخاصة والعامة من الناس.
ولكن هذا الفهم نفسه يبرأ النواب من التهم التي يلحقها به بعض الطائفيين والجهلة. إذ أن وقوفه مع علي والحسين لم ينبع من دفاعه عن المذهب الشيعي أو عن الشيعة بل من وقوفه مع الحق ومع الفقراء والضعفاء والمستغَلين، مثلما أن فضحه ووقوفه ضد أبي سفيان وعمره بن العاص ويزيد لم ينبع من خلاف مع المذهب السني أو مع السنة بل من إيمانه بالنظرية الماركسية التي تعزز حسه الثوري والإنساني بما يدفعه إلى إدانة الطغاة والحكام والمستبدين وفضح مؤامراتهم وجرائمهم.
الخلاصة، أن مظفر النواب شاعر وثوري عراقي بامتياز يجد كل عراقي قرأ وأعجب بشعره، وعلى اختلاف الانتماء المذهبي والقناعات الفكرية، أن له حصة في حياة وشعر النواب وأن من حقه أن يتماهى ويندمج معها، وأن يحس بألم فقدان ورحيل الشاعر الكبير.



#مجيد_الهيتي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295


المزيد.....




- جائزة نوبل للآداب لعام 2022 تكرّم الروائية الفرنسية آني إيرن ...
- جدل على زيارة عثمان الخميس إلى السعودية.. كيف جاءت التعليقات ...
- هكذا تدق كل ساعة.. CNN داخل برج -بيغ بن- أحد أبرز معالم لندن ...
- جدل على زيارة عثمان الخميس إلى السعودية.. كيف جاءت التعليقات ...
- تحرير بلدة زايتسيفو في دونيتسك
- الدفاع الروسية تنشر فيديو إعادة تأهيل جنود الاحتياط لطواقم م ...
- اغتيال السادات: حادث المنصة حال دون وقوع حدث غير مسبوق في تا ...
- الدفاع الروسية تعلن تحرير بلدة جديدة في أراضي دونيتسك
- روغوف: مدير زابوروجيه الكهروذرية السابق أبلغ أوكرانيا بقدرة ...
- باستثناء سامراء.. الصدر يجمد الفصائل المسلحة التابعة له ويطا ...


المزيد.....

- في العنف: نظرات في أوجه العنف وأشكاله في سورية خلال عقد / ياسين الحاج صالح
- حزب العمل الشيوعي في سوريا: تاريخ سياسي حافل (1 من 2) / جوزيف ضاهر
- بوصلة الصراع في سورية السلطة- الشارع- المعارضة القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- تشظي الهوية السورية بين ثالوث الاستبداد والفساد والعنف الهمج ... / محمد شيخ أحمد
- في المنفى، وفي الوطن والعالم، والكتابة / ياسين الحاج صالح
- مقالات إلى سميرة (8) في المسألة الإسلامية / ياسين الحاج صالح
- ثلاث مشكلات في مفهوم الدولة / ياسين الحاج صالح
- العرب التعليم الديني والمستقبل / منذر علي
- الدين والتجربة الشخصية: شهادة / ياسين الحاج صالح
- المناضلون الأوفياء للوطن والمحترفون ل (اللا وطنية) من أجل ال ... / محمد الحنفي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - مجيد الهيتي - لماذا ينسبون مظفر النواب لهم