أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين معزة - تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر لا يحتاج إلى قانون















المزيد.....

تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر لا يحتاج إلى قانون


عزالدين معزة
كاتب

(Maza Azzeddine)


الحوار المتمدن-العدد: 7198 - 2022 / 3 / 22 - 11:41
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


صرح السيد "عبد المجيد شيخي"، مستشار الرئيس الجزائري المكلف بشؤون الذاكرة خلال الفترة الاستعمارية "1830-1962" بما يلي: "إن تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر لا يحتاج إلى نص قانوني، لأن الشعب الجزائري جرمه منذ زمن". ومضيفا: "بالنسبة إليّ كمسؤول يشرف على ملف الذاكرة، هذا الأمر ليس بأولوية"، ثم استدرك قائلا: "مهمتنا الأساسية هي إبراز نضالات الشعب الجزائري ضد الاستعمار ووضعها في متناول الجميع".
قضية تجريم الاستعمار الفرنسي الاستيطاني للجزائر من 1830 إلى 1962، طُرحت بشكل سيء خلال العشر سنوات الأخيرة، ففي فيفري 2010، قدّم 125 نائبا في المجلس الشعبي الوطني مشروع قانون يجرّم الاستعمار الفرنسي للجزائر، إلاّ أن تلك المبادرة تلاشت، ودفنها الرئيس المخلوع "عبد العزيز بوتفليقة".
الاستعمار في حد ذاته جريمة ضد الإنسانية، وعليه تقديم الاعتذار والتعويضات المادية، وما يطالب به الشعب الجزائري فرنسا هو الاعتراف بجرائمها في الجزائر طيلة 132 سنة، والاعتذار عما ارتكبته في الجزائر من جرائم ودفع التعويضات.
هل يكفي حسب تصريح "عبد المجيد شيخي" أنّ الشعب الجزائري قد جَرّم فرنسا منذ زمن أن يدفع فرنسا بناء على ذلك إلى الاعتراف والاعتذار وتقديم التعويضات للشعب الجزائري؟
كل المؤرخين بما فيهم مؤرخو فرنسا النزهاء يؤكدون على ارتكاب الاستعمار الفرنسي في الجزائر من 1830 إلى 1962 جرائم ضد الإنسانية، وعلى سبيل المثال لا الحصر سوف أركز على مؤرخة فرنسية اهتمت بالتوثيق لجرائم فرنسا في الجزائر خلال الثورة التحريرية من 1954 إلى 1962، ففي سنة 2000، ناقشت المؤرخة "رافائيل برانش" أطروحة دكتوراه في التاريخ المعاصر الموسومة بـ "الجيش الفرنسي والتعذيب أثناء الحرب الجزائرية 1954-1962".
تطرقت بأدلة موثقة إلى فضح السياسة الفرنسية في الجزائر وركزت في أطروحتها على سياسة التعذيب التي مارسها الجيش الفرنسي على الجزائريين المدنيين بمختلف الوسائل، وشرحت أساليب التعذيب بالماء، كرسي الاعتراف، مخلب القط، قناع العار، التعذيب بأداة التثبيت الخشبية، وتؤكد بأنها أساليب تعذيب ممنهجة مارسها الجيش الفرنسي في الجزائر.
لكن هذه المؤرخة لم تذكر أن عشر ملايين جزائري كانوا كلهم في سجن كبير محاصر بأسلاك شائكة مكهربة على الحدود الجزائرية المغربية والحدود الجزائرية التونسية مع تهجير 3 ملايين جزائري ووضعهم في معسكرات شبيهة بالمعسكرات التي وضع فيها النازيون اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وربما أسوء منها بكثير وتهديم أكثر من 300 قرية جزائرية، وإقامة مناطق محرمة في عدة جهات من الوطن مع تجويع السكان وتقنين الطعام ومنع حركة التنقل داخل الوطن إلاّ بعد رخصة تمنحها فرق الإدارة المختصة مع سكوت منظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة على استعمال الجيش الفرنسي لأسلحة محرمة دوليا (النابالم وإجراء تجارب نووية فوق التراب الجزائري).
في شهر جوان 2000، خصصت جريدة "لوموند" الفرنسية ملفا كاملا عن جرائم فرنسا في الجزائر ووضعت عنوان "التعذيب وذاكرة الفرنسيين"، صدر هذا الملف في عدة صفحات بالوثائق والصور والملفات والشهادات الحية، أَذكر بعضها:
شهادة "لويزة إغيل أحريز" التي شاركت في معركة الجزائر، وألقي القبض عليها في سبتمبر 1957، وتعرضت لتعذيب جهنمي لمدة ثلاثة أشهر كاملة متهمة الجنرال "ماسو" والجنرال "بيجار". شهادتها هاته أثارت عاطفة السفاح "بيجار" الذي هدد بمحاكمة الجريدة واصفا تصريحات "لويزة" بأنها "نسيج أكاذيب"، على عكس الجنرال السفاح "ماسو" الذي اعترف صراحة بممارسة التعذيب أثناء ثورة التحرير قائلا: " عندما أفكر في الجزائر أشعر بالحزن .. كان بإمكاننا القيام بغير ذلك".
أما المؤرخ "بيار فيدال ناكيه" فقد عبر بقوله: "لم أتصور أنني سأرى هذا في حياتي"، هذا الأخير قد وثق بالأدلة ما كان يرتكبه المكتب الثاني للجيش الفرنسي من أساليب تعذيب ممنهجة، التي استمدها من "غيستابو" النازية.
أما الجنرال المجرم "بول أوساريس" فقد اعترف صراحة لجريدة "لوموند" بإعدامه لـ "علي بومنجل" بإلقائه من الطابق السادس يوم 23 مارس 1957، واغتياله "للعربي بن مهدي" شنقا بيديه. هذه الاعترافات التي توثق لجرائم ضد الإنسانية من بعض جنرالات وأطروحات المؤرخين الفرنسيين والجزائريين أقلقت السياسيين الفرنسيين واليمين المتطرف، حيث لجأ الرئيس الفرنسي "جاك شيراك" إلى سحب وسام جوقة الشرف من الجنرال "بول أوساريس" وعندما سأل صحفيو جريدة "لوموند" هذا الأخير عن ذلك أجابهم قائلا: "لقد عوقبت على ما قلته، وليس على ما فعلته"، ومضيفا: "أن ما قمت به في الجزائر من أعمال غير قانونية كانت بأمر من الحكومة الفرنسية وما أنا إلا عسكري أطبق الأوامر".
جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر لم تبدأ مع ثورة التحرير أو كما يريد بعض المؤرخين الفرنسيين أن يؤكدوه بأن جرائم فرنسا ضد الإنسانية في الجزائر، بدأت مع معركة الجزائر التي قادها الجنرال "ماسو" سنة 1957، بل هي سلسلة متواصلة من الجرائم ضد الإنسانية في الجزائر منذ 1830 إلى تاريخ خروج فرنسا من الجزائر، بل إن كلمة استعمار في حد ذاتها جريمة ضد الإنسانية، ومن الخطأ جدا أن نركز فقط على جرائم القتل والإبادة وإحصاء عدد شهدائنا الأبرار وما تلك الجرائم ضد الإنسانية إلا جزء من جرائم أخرى ارتكبها الاستعمار الفرنسي الاستيطاني في وطننا، منذ نزوله في سيدي فرج يوم 14 جوان 1830، وهو يرتكب جرائم في حق شعبنا، حارب مقوماتنا من تاريخ ولغة وعادات ودين، صادر الأراضي، هجّر السكان قسرا مع تفقير وتجهيل الشعب الجزائري وكل هذه الجرائم راسخة في ذاكرة كل جزائري. فالشعب الجزائري جرب الاستعمار منذ 1830 فهل يكفي ذلك حسب تصريح "عبد المجيد شيخي" لأن تعترف فرنسا بجرائمها وتعتذر للشعب الجزائري وتعوضه عما عاناه من فقر وجهل وتقتيل وإبادة ونهب لثروات بلاده؟
من الممكن أن نقول إننا لسنا في وضع يسمح لنا بالضغط على فرنسا للاعتراف بجرائمها ضد الإنسانية في الجزائر، وتهرب المسؤولين الجزائريين من سنّ قانون يجرم فرنسا.
فحراك 22 فيفري 2019 طالب فيه الشعب الجزائري بمقاطعة فرنسا سياسيا وثقافيا واستبدال اللغة الفرنسية باللغة الإنجليزية بل وحمّلوا فرنسا كل ما آلت إليه الأوضاع في الجزائر منذ 1962.
من المؤكد أن السياسة الاستعمارية في الجزائر كلها بنيت على إهانة الشعب الجزائري وسلب حقوقه وأرزاقه ومعاملته كمعاملة العبيد، فليس الجيش الفرنسي وحده من ارتكب جرائم ضد الإنسانية في الجزائر ولكن النظام الإداري كله كان مجرما ومتعسفا وظالما.
فلماذا لا نفتح نقاشا عاما حول جرائم فرنسا الاستعمارية ضد الإنسانية، وننقل بذلك تاريخنا كما هو بلا انتقائية ولا أدلجة للأجيال التي ولدت بعد 1962؟ أم أن الأمر دُبِّر بليل؟ فمعظم مراكز التعذيب التي كانت منتشرة عبر التراب الوطني قد أزيلت وطمست آثارها، ومناهج تدريس تاريخ ثورتنا التحريرية لأولادنا لا يركز بصفة عقلانية ومنطقية على ما قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر.
لماذا استطاع اليهود أن يفرضوا على عدد كبير من الدول الأوروبية وغيرها قوانين تحرم إنكار المحرقة ومعاداة السامية؟ هل الشعب اليهودي هو الذي فرض على الدول ذلك القانون؟ أم أن حكومة الكيان الصهيوني هي التي ضغطت على الدول بقوانين تحرّم معاداة السامية وإنكار المحرقة؟ وهل تأسيس محكمة "نورينبيرغ" كانت بسبب تجريم شعوب الحلفاء للنازية أم أن قادة الحلفاء هم الذين أسسوها لمحاكمة النازيين الذين ارتكبوا فضائع بحق الإنسانية؟
هل نطالب بتجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر أم ندعو إلى تجريم الاستعمار الفرنسي في كل من إفريقيا وآسيا؟
الأحرى بدعاة إصدار قانون يجرم الاستعمار الفرنسي في الجزائر أن يتعاونوا وينسقوا مع كل الدول التي استعمرتها فرنسا وتقديم شكوى موثقة بكل الدلائل لمحكمة الجنايات الدولية والضغط على فرنسا لدفعها للاعتراف بجرائمها ضد الإنسانية التي ارتكبتها خلال مرحلة استعمارها لتلك الدول.



#عزالدين_معزة (هاشتاغ)       Maza_Azzeddine#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ايجابيات وعيوب اتفاقية ايفيان - باختصار -
- ما وراء فتح أرشيف الجزائربفرنسا ؟
- الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي إلى أين؟
- الكتابة التاريخية في الجزائر بين ضغوط التقديس ونزعات التسيس ...
- الفساد السياسي يُعمّق الظلم الاجتماعي ويقلل فرص التنمية
- سلطة التراث والسياسة وانعكاساتهما على العقل العربي المعاصر
- هل أزمتنا في جسم الأمة العربية العملاقة أم في رأسها السياسي ...
- اركان بناء الدولة المدنية العصرية
- من ثورات الربيع العربي إلى عودة شتاء العرب؟
- الجزائر وفيتنام جمعتهما ثورتان كبيرتان وفرقتهما التنمية وسوء ...
- إشكالية العقل النقدي وفقه العصور الوسطى في الفكر العربي المع ...
- مفهوم الدولة في العالم العربي
- الديمقراطية وانظمة الحكم في الوطن العربي
- الانظمة العربية والتلاعب بعقول شعوبها
- سيكولوجية التلاعب بالعقول والتحكم في القطيع
- الأنظمة العربية من المحيط إلى الخليج سادية ومستبدة
- لماذا لم تنهض الجزائر ونهضت ماليزيا
- لماذا لم تنهض الجزائر ونهضت ماليزيا
- واقع المسلمين بين التشبث بأمجاد الماضي وبؤس الحاضر وفوبيا ال ...
- جدلية الدين والحاكم والمحكوم


المزيد.....




- بيلاروسيا: نقل زعيمة المعارضة ماريا كوليسنيكوفا إلى المستشفى ...
- مجلس النواب التشيكي يوافق على تدريب العسكريين الأوكرانيين في ...
- أوليانوف: أوروبا فقدت روسيا كأكبر مورد للطاقة
- بريطانيا تعتقل مشتبها في كارثة غرق 27 مهاجرا
- تركيا تنتهي من التحضير لعملية برية شمالي سوريا ومصدر يشير لا ...
- فرنسا تتعهد بعدم اختبار صواريخ مضادة للأقمار
- شاهد: حفرة بقطر 10 أمتار في حقل بمحافظة سيواس التركية
- روسيا وأوكرانيا: الناتو يتعهد بتوفير المزيد من الأسلحة وإصلا ...
- مصادر إعلامية: المرحلة الأولى من العملية هدفها السيطرة على ث ...
- الخارجية الأمريكية توافق على بيع معدات عسكرية لقطر بقيمة ملي ...


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين معزة - تجريم الاستعمار الفرنسي في الجزائر لا يحتاج إلى قانون