أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد عمارة تقي الدين - نحو فضائية دينية عالمية















المزيد.....

نحو فضائية دينية عالمية


محمد عمارة تقي الدين

الحوار المتمدن-العدد: 7117 - 2021 / 12 / 25 - 13:32
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


دكتور محمد عمارة تقي الدين
السؤال الذي يطل برأسه من وحي هذا العنوان: هل نحن حقاً بحاجة لمنصة إعلامية ذات محتوى ديني متخصص، رغم هذا الكم الهائل من القنوات الدينية التي تسبح في الفضاء الإعلامي؟
الإجابة قولاً واحداً: نعم، فما نريده هو قناة إعلامية دينية على أن يجري بث إصدار منها باللغة الإنجليزية، تلك اللغة الأكثر انتشاراً، لتبصير الآخر بمخزون التراحم والتسامح والتعايش النائم في عمق النسق الديني كبديل للصورة المشوهة التي ترسخت في الذهن والوجدان الغربي.
إذ رغم هذا الكم الهائل من المنصات الدينية الإعلامية، إلا أنها لم تؤدي الوظيفة المرجوة منها، بل ما حدث هو العكس تماماً، فقد عمد أغلبها سواء عن قصد أو عن غير قصد إلى تشويه الصورة الحقيقة للدين عبر كثير من الممارسات الخاطئة، لعل أهمها: التوظيف الأيديولوجى للدين إذ أصبحت لسان حال جماعات العنف والتطرف، كما أن كثير من المنصات الإعلامية الدينية أغلبها يُحسب على التيار الديني التقليدي الذي ينحاز لأيديولوجيته فقط في حين يقوم بتشويه الآخرين، كذلك لجوءها للخطاب التخويفي مثل الحديث المتواصل عن عذاب القبر وهو الخطاب الذي لم يعد مجدياً وحده في عصر تغيرت ملامحه.
كما تصاعدت ظاهرة المفتين الجدد حيث تقديم الفتاوى الدينية المتسرعة على الهواء دون دراسة معمقة، ومن ثم صدرت فتاوى تعِجُّ بالعوار والمتناقضات، كذلك ضعف المحتوى الإعلامي وتكراره في ظل غياب كوادر إعلامية لديها القدرة على إدارة المشهد عبر وضع استراتيجية إعلامية شاملة لهذا الإعلام.
لقد تحول الفضاء الإعلامي بشقه الديني من ساحة للتواصل والتسامح إلى منصة للاختلاف والصراع، وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، والتحريض الطائفى في محاولة لفرض تحيزاته الطائفية الدينية والمذهبية فضلاً عن السياسية.
وتورطه في قضايا هامشية ومن ثم استهلاك وقت المشاهدين في أمور ثانوية وإبعاده عن همومه وقضاياه المركزية، كما جرى خلط ما هو ديني بما هو سياسي بشكل كبير، حيث تحوّله لخطاب أيديولوجي سياسي مغلق متناسياً رسالته القيمية في رحابتها وإنسانيتها.
كما سعى إلى تعظيم الذات وتنزيهها عن كل نقص في مقابل تشويه الآخر وصولاً لتكفيره، وكما يؤكد أحد المتخصصين فقد:" تحولت الفضائيات الدينية إلى ساحة حرب بين الإسلاميين والليبراليين، والشيعة والسنة، والصوفية والسلفية، والمسلمين والمسيحيين"، بل وأوشكت المجتمعات على أن تصبح جزراً منعزلة فاقدة لتلاحمها المجتمعي.
ناهيك عن إشكالية غياب المهنية في الإعلام الديني، وممارسة الدعاية السوداء وطرح الرؤى الظلامية دون أدنى محاولة لبث الأمل في نفوس المتابعين، والتنكر لمبادئ الديمقراطية والمواطنة وحقوق المرأة ومهاجمة الفنون بأنواعها اعتماداً على فقه قديم تجاوزه الزمن، فضلاً عن المصادرة على الآخرين، فها هي إحدى القنوات وقد رفعت شعار (قناة تأخذك إلى الجنة) وكأنها صكوك غفران تمتلكها القناة وحدها.
ومن ثم ساهمت في إنتاج واقع مُفعَّم بالمادية النفعية والصراع، دون أن يعبأ بما حدث من تآكل للقيم المجتمعية ومحاولة ترميمها بقيم دينية ذات نزعة إنسانية، وها هي قنوات الرقية والسحر وغيرها وقد غزت فضاءات العالم العربي.
وبالمجمل فقد تم عبر هذا الإعلام حقن شرايين المجتمع بجرعات عالية من الكراهية وتغذية الصراعات الطائفية والمذهبية، وهو ما قاد الكثيرين إلى النفور منه، ومن ثم أضحت مقولة توفيق الحكيم: "المسئول عن انهيار مملكة السماء هم رجال الدين أنفسهم" أكثر تعبيراً عن هذا الواقع.
إن تحليل لغة الخطاب الديني الذي تبثه تلك الوسائل الإعلامية، هو أمر من شأنه أن يقودنا لنتيجة مفادها: أنه متطور بعض الشيء على مستوى الشكل غير أنه متخلف ورجعي على مستوى المضمون.
كل هذه السلبيات قادت إلى تراجع تأثير الإعلام الديني، وأفول سريع له، فهو حقاً إعلام الفرص الضائعة، فقد كانت لديه فرصة كبيرة بعد ثورة يناير في بلورة ملامح رؤية حضارية للإسلام إلا أن ما حدث هو العكس، حيث تصاعد خطاب الكراهية والتفرقة وتأجيج الصراعات السياسية والدينية والمذهبية.
أقول أن كل هذه السلبيات حدثت من أغلب المنصات الإعلامية الدينية وليس جميعها، إذ أن هناك البعض منها وقد قدم رسالة جيدة، ونعتقد أنها الآن في طور عملية التصحيح الذاتي عبر تراكم الخبرة.
من هنا أتت الحاجة لمنصة دينية إعلامية ذات كفاءة وجودة عالية وذات محتوى إنساني قيمي، فالإعلام هو صناعة ثقيلة بكل ما تحمله الكلمة من مضمون، كما أن لديه المقدرة على أن يحمل مشروعاً حضارياً ذو مرجعية دينية قيمية إنسانية لهذا العالم إذا ما حسن توظيفه، أي أن تكون غايته هي بناء الإنسان الذي هو فرد الحضارة، من هذا المنطلق فإن أي إعلام إنساني أو قيمي هو إعلام ديني بالضرورة.
ولتكن البداية بالشروع في بلورة استراتيجية ورؤية شاملة حول موقعنا من العالم والتحديات التي نواجهها، وسبل الاشتباك معها وكذلك بلورة رؤية للذات وللآخر في آن.
وفي يقيني أن تلك المنصة الإعلامية يجب أن تتحرك على مستويات ثلاثة، على أن تصب جُلَّ اهتمامها على المستوى الأخير:
المستوى الميتافيزيقي: مواجهة الإلحاد فكرياً مع ضمان احترام حرية المعتقد.
مستوى العبادات: أي كيفية أداء الطقوس الدينية مع التيسير لا التعسير مع إظهار الفلسفة الإنسانية العامة الكامنة داخل هذه الطقوس.
مستوى المعاملات: تأكيد قيم التعايش والتسامح والمواطنة وعمران الأرض وقبول الآخر واحترام حرية الضمير وغيرها.
يرى أحد المتخصصين أن القواعد التي يجب أن يتبعها أي إعلام ديني هي:" التيسير لا التعسير، والاهتمام بالحقيقة والجوهر دون الشكل والمظهر، والانتقال من الكلام والجدل إلى العطاء والعمل، ومن العاطفية والغوغائية إلى العقلانية والعلمية، ومن الجمود والتقليد إلى الاجتهاد والتجديد، ومن التعصب والانغلاق إلى التسامح والانطلاق".
وهي أمور تتطلب الشروع في وضع ميثاق شرف إعلامي للإعلام الدينى ليحدد الأطر العامة التي عليه اتباعها على أن يتسامى قيمياً بما يتفق وما تطرحه الأديان.
كما أن عليها الحفاظ على مستوى راق للخطاب الدينى، والإلتزام بالدقة فى انتقاء اللفظ وكذلك أسلوب المناقشة، والشروع في إنتاج مادة دينية هادفة وجذابة يتم تقديمها للطفل والشاب والأسرة، وبخاصة الدراما الدينية وتحديداً التي تستهدف الأطفال، تاهيك عن الدراما التي سيجرى تقديمها للكبار والتي لا يُشترط أن تكون دينية بحتة، بل يُحبذ إنتاج أعمال درامية ذات إشكاليات اجتماعية وحياتية عميقة على أن يجري معالجتها قيمياً من وحي النسق الديني ومخزونه القيمي.
كذلك حتمية تطوير لغة الخطاب الديني الذي ستستخدمه تلك المنصة الإعلامية بما يتفق وتطورات العصر، وما فرضته الحداثة من مستجدات، والاضطلاع بدورها في تعزيز وإقرار السلم الأهلي داخل الأوطان، والدعوة لإحداث تعاون وتلاحم حضاري عالمي ومن ثم دور الدين في ذلك، كمضاد موضوعي لأطروحة صراع الحضارات، واتباع منهج الموعظة الحسنة والجدل بالتي هي أحسن، ومواجهة النزوع العالمي نحو الفلسفات المادية، واستشراء النزعة الاستهلاكية، والنفعية الفردية وغيرها.
على أن يجري مخاطبة ملكة النقد والتفكير الحر والتساؤل، دون التلقين الذي لم يعد مُجدياً في هذا العصر، كذلك تجاوز الخطاب العاطفي إلى خطاب عقلاني واقعي(للمزيد بهذا الشأن، راجع : محمد عمارة تقي الدين: الإعلام ومعركة الوعي، تفكيك آليات الخداع الجماهيري، مركز الأهرام للترجمة والنشر،القاهرة، 2018م).
كما أنه على القائمين عليها توظيف عناصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في تلك المنصة الإعلامية، ومن ثم إيجاد ظهير لها على مواقع التواصل الاجتماعي واتباع استراتيجية المبادرة بالفعل، حيث نشر رؤى التسامح الديني وما يمتلكه الدين من مخزون تراحمي دون أن نقبع في موقف المدافع دائماً وأبداً.

ولتكن البداية بالدعوة لمؤتمر عام يشارك فيه كل المهتمين والأكاديميين والمتخصصين في صناعة الإعلام وتطوير المحتوى بخاصة الديني القيمي منه، لوضع ملامح استراتيجية إعلامية شاملة واقتراح شكل الخريطة البرامجية وآليات التنفيذ ومن ثم المتابعة والتقييم.
وفي التحليل الأخير، فإننا بحاجة ماسة لمنصة إعلامية دينية ذات كفاءة عالية ومحتوى متميز يتسم بالجاذبية والإبهار، لتقع على عاتقها تبعة إعادة إنتاج صورة ذهنية جديدة لدى الآخر حول الأديان بصفة عامة والإسلام بصفة خاصة، كبديل للصورة المشوهة التي ترسخت في الوجدان البشري، صورة من شأنها تأكيد المقاصد الحقيقية لتلك الأديان كما أرادها الله، وهو ما يتطلب التدريب الجيد والمتواصل للقائمين على تلك المنصة الإعلامية من أجل الأخذ بمقتضيات الحداثة وروح الانفتاح على الآخر، والدعوة لخير البشرية جمعاء.
على أن يجري تحري سلامة ونظافة الوسائل التي يتبعها القائم بالاتصال، منطلقًا من رؤية الأديان وفرضيتها الأساسية كما في إصدارها الأول, بأن الغاية لا تبرر الوسيلة وأنه لا يجب بأية حال التضحية بالوسائل على مذبح الغايات.
فالمستقبل هو للأديان ذات الصبغة الأخلاقية، إذ هكذا يرى الفيلسوف الألماني ألبرت إشفايتزر مؤكداً إنّ الأديان التي سيكُتب لها التمدد والانتشار ستكون تلك التي تُظهر نزوعاً وانحيازاً حقيقياً لحقوق الإنسان وتأكيد حريته، فالطريق أمامها مُعبَّد بقوة، في حين أن كل دين ينزع نزوعاً مضادّا للقيم الأخلاقية سيكون منحدراً نحو الخفوت ومن ثم العدم.
ذلك النموذج الديني القيمي ذو النزعة التراحمية هو المرشح بقوة لأن يؤدي دوراّ مركزياّ في إرساء قيم التعايش والتراحم الإنساني في المستقبل.



#محمد_عمارة_تقي_الدين (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلام الديني : جدل الواقع والمِثال
- الإعلام السياسي بين الواقع والمأمول
- في ذكرى انتفاضة الحجارة: قال الحجر للرصاصة
- وسائل الإعلام : كيف نحمي أطفالنا من مخاطرها؟
- الإعلام وحروب الجيل الخامس
- المسيحية الصهيونية والدعم المطلق لإسرائيل
- الأديان كقاطرة للتراحم الإنساني
- التربية الإعلامية: نحو استعادة الوعي في عالم مُعقَّد
- الإعلام وسلوك القطيع: فن قيادة الخِراف إلى المذبح
- مركز ماسبيرو للدراسات الإعلامية
- الإعلام ونظرية المؤامرة
- العقل الجدلي والإعلام الجديد
- الإعلاميون كجماعة وظيفية
- مجاهد... فيلسوف الجمال وأمير الاغتراب
- حركة كاخ الإرهابية: داعش إسرائيل
- الصهيونية المسيحية والمشروع الصهيوني
- نفتالي بينيت واستراتيجية التمدد والانكماش
- موسوعة الصراع العربي الصهيوني
- التسامح الديني كضرورة حتمية
- جابوتنسكي : عرَّاب العنف الصهيوني


المزيد.....




- السلطات المغربية تفتح تحقيقا بحق سائح فرنسي للاشتباه بقتله و ...
- سوناك: يجب اتخاذ موقف براغماتي للتصدي للتحديات من قبل روسيا ...
- أكراد سوريا يطلبون من روسيا المساعدة في حماية أراضيهم شمال ش ...
- البيت الأبيض: ستواصل واشنطن إمداد تايوان بالأسلحة
- بالفيديو..أردوغان يرتل القرآن الكريم بصوت جميل وعذب على ضريح ...
- الرئيس الألماني: دعوات وقف إطلاق النار في أوكرانيا غير مجدية ...
- ليبيا.. النيابة العامة تثبت وجود برومات البوتاسيوم في 27 عين ...
- جمارك مطار القاهرة تحبط تهريب 12 هاتف آيفون مخبأة تحت ملابس ...
- اليونسكو: يجب إدراج الحاجز المرجاني العظيم ضمن المواقع المهد ...
- فوتشيتش: أعمال الجيش الروسي في أوكرانيا أصبحت أكثر نجاحا


المزيد.....

- فريدريك إنجلس . باحثا وثوريا / دلير زنكنة
- ماركسيتان / دلير زنكنة
- عملية البناء الاشتراكي والوطني في كازاخستان وآسيا الوسطى. ال ... / دلير زنكنة
- ما هو المشترك بين زيوغانوف وتروتسكي؟ -اشتراكية السوق- بين ال ... / دلير زنكنة
- الانتفاضة في سريلانكا / كاديرغامار
- الاتحاد السوفيتي. رأسمالية دولة أم اشتراكية حصار / دلير زنكنة
- كيف تلقي بإله في الجحيم. تقرير خروتشوف / دلير زنكنة
- اليسار المناهض للشيوعية - مايكل بارينتي / دلير زنكنة
- العنصرية والإسلام : هل النجمة الصفراء نازية ألمانية أم أن أص ... / سائس ابراهيم
- كلمة اﻷمين العام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اليونا ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد عمارة تقي الدين - نحو فضائية دينية عالمية