أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أليسيا ساجرا - الأممية الثالثة: هوس لينين الكبير















المزيد.....


الأممية الثالثة: هوس لينين الكبير


أليسيا ساجرا

الحوار المتمدن-العدد: 6977 - 2021 / 8 / 3 - 22:24
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


في الذكرى المئوية للثورة الروسية الكبرى، من الضرورة دراسة واستخلاص كافة الدروس من إنجازها الرئيسي: بناء الأممية الثالثة – الأممية الشيوعية – بعد عام ونصف من الاستيلاء على السلطة. كانت هذه المحاولة الأكثر تقدمية لتشكيل قيادة ثورية أممية، وأول فهم لهذه القيادة كمنظمة مركزية ديمقراطية للأحزاب الثورية، من أجل تطوير الثورة الاشتراكية والاستيلاء على السلطة في كافة بلدان العالم.

أليسيا ساجرا
تأسيس الأممية الثالثة كان أحد مصادر قلق لينين المستمرة. تروتسكي كتب أنه في مؤتمر زيمروالد عام 1915 عندما اجتمع عدد قليل من الاشتراكيين المناهضين للحرب العالمية الأولى، كان لينين شديد القسوة على الإصلاحيين – رغم قبوله التوقيع على إعلان ضد الحرب معهم – لأن همه الرئيسي كان الحزب الأممي. تروتسكي أضاف أن لينين وضع حجر الأساس للأممية الثالثة في تلك اللحظة، وكان تعنته مع الإصلاحيين بسبب تصوره بأن على الثوريين تأسيس حزبهم الخاص بعيدا عن الإصلاحيين الذين، إذا رغبوا، يمكن أن يشكلوا حزبهم الخاص.

لماذا هذا الهوس بالحزب الأممي؟

كما كتب المثقف الماركسي جورج نوفاك، هذه ليست “دوغما”، ولا حتى حلما عاطفيا. الأممية تستند إلى الطابع العالمي للاقتصاد الرأسمالي. على عكس المجتمعات الإقطاعية، فإن المجتمع الرأسمالي ليس مجزأ ومعزولا. الرأسمالية منذ بدايتها تعمل على أساس عالمي، فقد وسّعت السوق العالمية وفرضت التقسيم الدولي للعمل. لا يمكن لأي بلد رأسمالي أن يعيش منعزلا عن العالم، حتى بعد ظهور الإمبريالية في أوائل القرن العشرين. وقد أدى ذلك إلى تدويل الصراع الطبقي وفرض حاجة كبيرة إلى منظمة دولية للعمال، لتكون قادرة على التقدم في مهام هزيمة الإمبريالية وبناء الاشتراكية في كافة أنحاء العالم.

الخطوة الكبرى الأولى
المحاولة الأولى لبناء حزب أممي كانت عام 1864، مع ظهور الأممية الأولى التي شارك فيها ماركس وإنجلز. كانت هذه الخطوة الأولى لتوحيد القوى العمالية ما وراء الحدود. كان من المهم للغاية تحدي سياسة البرجوازية الأوروبية، التي كانت تستخدم عمال بلد ما لكسر الإضرابات في بلد آخر. ومع ذلك، فقد كانت هشة بسبب درجة التنظيم الأولي للبروليتاريا، في ذلك الوقت لم تكن حزبا، بل جبهة موحدة من المنظمات العمالية والقادة.
كانت لها طبيعة طبقية واضحة، ولكن لم تكن لها أيديولوجية واضحة. كان أتباع ماركس وإنجلز، المدافعين عن الاشتراكية العلمية، جزءا منها، إضافة إلى قسمين من الأناركية التي عبر عنها برودون وباكونين. كانت الاختلافات النظرية_ البرامجية شديدة عندما كان على الأممية الأولى أن تواجه أول تحد ثوري كبير لها: كومونة باريس عام 1871.
الهزيمة الساحقة للكومونة تسببت بإحباط كبير في ذات الوقت الذي أكدت فيه موقف ماركس وإنجلز. دروس الكومونة جعلت تأثير مؤسسي الاشتراكية العلمية يتنامى، ما قاد، إلى جانب النشاط غير المخلص لباكونين، إلى حل الأممية الأولى عام 1872.

المحاولة الثانية
عام 1889 تأسست الأممية الثانية – الاشتراكية الأممية- لقد مثلت تقدما كبيرا لأنها لم تعد جبهة موحدة بل اتحادا للأحزاب الماركسية التي، وفقا لتروتسكي، كان لها فضل كبير في تعليم ملايين العمال الماركسية.
ومع ذلك، فقد تدمرت كأممية ثورية عام 1914، عندما قامت الأحزاب التابعة الرئيسية بدعم حكوماتها الإمبريالية في الحرب العالمية الأولى.

تداعيات الخيانة العظمى للعام 1914: دور الوسطية
بما أن الأمر لا يمكن أن يكون مختلفا، فإن تأثير الخيانة كان ساحقا. الأممية الاشتراكية، التي ثقفت الملايين في الأممية البروليتارية، كسرت مبادئها وصوتت لصالح رصيد الحرب لكل بلد إمبريالي. بعبارة أخرى، دعت العمال الألمان إلى قتل العمال الفرنسيين والإنجليز في الحرب والعكس بالعكس. كيف حدث هذا؟
النظام اللامركزي للأممية الثانية سمح بوجود ثلاثة أجنحة داخل حزبها الرئيسي، الجناح الألماني، وهو ذاته الذي كان موجودا في الأممية، والجناح اليميني الذي يمثله برنشتاين وفولمار، والمستند إلى الأرستقراطية العمالية (نتاج ظهور الإمبريالية)، وقادة الوسط الذين قادوا الحزب ككل: كاوتسكي وبيبل. وعلى اليسار كانت روز لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت وكلارا زيتكين.
خلال المؤتمرات المختلفة للحزب الألماني والأممية الثانية، اعتاد الوسط واليسار التصويت معا وهزم اليمين. وهكذا، في مؤتمر بازل عام 1912، أصدرت الأممية الثانية بيانا ضد الحرب، جاء فيه:
“إذا كانت الحرب تهدد باندلاعها، فمن واجب الطبقات العاملة وممثليها البرلمانيين في البلدان المعنية، وبدعم من النشاط التنسيقي للمكتب الاشتراكي الأممي، بذل كل جهد لمنع ذلك. يجب أن يستخدموا الوسائل التي يعتبرونها الأكثر فعالية، والتي تتعدد بطبيعة الحال وفقا لشحذ الصراع الطبقي والوضع السياسي العام. وفي حال كانت الحرب ستندلع بكل الأحوال، فمن واجبهم التدخل لإنهائها سريعا، والسعي بكل قواهم للاستفادة من الأزمة الاقتصادية والسياسية التي خلقتها الحرب، لاستنهاض الجماهير وبالتالي تسريع سقوط حكم الطبقة الرأسمالية”. (بيان مؤتمر بازل لعام 1912).
الأممية قامت بشن حملة تحريض واسعة في كافة البلدان، لكنها لم تتمكن من إيقاف الحرب. ثم تغيرت الأمور: الوسطيون انضموا إلى اليمين وصوتوا في كل بلد (باستثناء مشرف للأحزاب الروسية والصربية) لصالح اعتمادات الحرب. بعبارة أخرى، لصالح الوقوف إلى جانب حكوماتهم الإمبريالية في كل بلد.
الخيانة العظمى حدثت لأن اليمين حصل على دعم الوسطيين، وليس لأنه أصبح الأغلبية. وهذا يؤيد بشكل مأساوي تعريف لينين بأن الوسط أخطر من الإصلاحيين أنفسهم. لأن الأخيرين يقدمون أنفسهم كاشفين عن وجوههم، لذلك من السهل اعتراضهم.

الجدالات حول الأممية الثالثة
رغم فظاعتها، إلا أن خيانة الأممية الثانية لم تكن جلية لرتبها وصفوفها. على العكس، فقد اتبعت الأغلبية الواسعة زعاماتها وسقطت في الوطنية والدفاع عن بلادها في الحرب الامبريالية. هذا الواقع أثر على الأقلية غير المتجانسة من القادة الذين كانوا ضد الحرب.معظم هؤلاء القادة اعتقدوا أنه لا يمكن للمرء التخلي عن الأممية الثانية، بل الانتظار حتى انتهاء الحرب ليعود الوضع إلى طبيعته. كثير منهم، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الأحزاب الرئيسية، كانوا يخشون العزلة التي قد ينطوي عليها الانفصال عن الأممية الثانية.
كانت وجهة نظر الأقلية الثورية مختلفة. وكان من بينهم لينين وتروتسكي في روسيا، وروزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت في ألمانيا، وكريستيان راكوفسكي في رومانيا، وجون ماكلين في اسكتلندا. حول هذا القطاع كتب تروتسكي:
“نحن الاشتراكيون الثوريون لم نكن نريد الحرب. لكننا لا نخافها. نحن لا نستسلم لليأس حول حقيقة أن الحرب أدت إلى تفتيت الأممية. التاريخ تخلص بالفعل من الأممية. الحقبة الثورية ستخلق أشكالا جديدة من التنظيم من الموارد التي لا تنضب للاشتراكية البروليتارية، وأشكال جديدة ستكون بمستوى عظمة المهام الجديدة”[i].
ومع ذلك، فإن هذا الاتفاق بشأن الإفلاس الذي لا يمكن إلغاؤه للأممية الثانية لم يتضمن اتفاقا حول تأسيس الأممية الثالثة.
روزا لوكسمبورغ لم تكن تعتقد أن المهمة المركزية هي مناقشة برامج جديدة أو أممية جديدة يبنيها “عشرات الأشخاص”. بالنسبة لها المهمة المركزية ستأتي عبر “عمل ملايين العمال”. وهكذا، عارضت “الانهزامية الثورية” التي اقترحها لينين، ووقفت إلى جانب “النضال ضد الحرب” من أجل تطوير “الإرادة الواعية للجماهير”[ii].

لينين لم يكن لديه شك:
“الأممية الثانية ماتت، وتغلبت عليها الانتهازية. تسقط الانتهازية، وتحيا الأممية الثالثة، التي تم تطهيرها ليس فقط من “المرتدين”، بل ومن الانتهازيين أيضا”[iii].
إدراكا منه للصعوبات، فهم لينين أنه من أجل بناء حزب أممي جديد، كان من الضروري انتظار تطور رابطة سبارتاكوس بقيادة روزا لوكسمبورغ:
“من المفهوم تمامًا أنه لتحقيق منظمة ماركسية أممية، لا بد أن يكون هناك استعداد لتشكيل أحزاب ماركسية مستقلة في بلدان مختلفة. ألمانيا، كونها البلد الذي فيه أقدم وأقوى حراك للطبقة العاملة، لها أهمية حاسمة. المستقبل القريب سيبين ما إذا كانت الظروف قد نضجت بالفعل لتشكيل أممية ماركسية جديدة. إذا فعلوا ذلك، فإن حزبنا سينضم بكل سرور إلى مثل هذه الأممية الثالثة التي سيتم تطهيرها من الانتهازية والشوفينية. وإذا لم يفعلوا ذلك، فسيتبين أن هناك حاجة إلى تطور مطول إلى حد ما من أجل هذا التطهير. في هذه الحالة، سيكون حزبنا هو المعارضة المتطرفة داخل الأممية القديمة – حتى يتم تشكيل قاعدة في بلدان مختلفة لجمعية عمالية أممية تقوم على أساس الماركسية الثورية”[iv].
تروتسكي يقترب من لينين، رغم أنه لم يستجب لمطلب لينين بتبني سياسة “الانهزامية الثورية”.

مؤتمر زيمروالد للعام 1915
عقد اجتماع لثلة من قادة الأممية الثانية المناهضين للحرب الإمبريالية. تروتسكي وصفه بالقول: “صيف العام 1915، وصل إلى باريس المندوب الإيطالي مورجاري، سكرتير الفصيل الاشتراكي في برلمان روما، وهو انتقائي ساذج، جاء لتأمين مشاركة الاشتراكيين الفرنسيين والإنجليز في مؤتمر الأممية. تنظيم المؤتمر كان في يد القائد الاشتراكي في مدينة بيرن، جريم، والذي كان آنذاك يحاول بذل قصارى جهده لرفع نفسه فوق المستوى المنخفض لحزبه، والذي كان أيضا مستواه المتأصل. وقد رتب لعقد الاجتماع في قرية صغيرة تدعى زيمروالد، في أعالي الجبال وعلى بعد نحو عشرة كيلومترات من بيرن. المندوبون، الذين كانوا يملؤون أربعة عربات تجرها الخيول، شدوا الرحال إلى الجبال، ونظر المارة بفضول إلى هذا الموكب الغريب. المندوبون أنفسهم كانوا يتمازحون حول حقيقة أنه بعد مرور نصف قرن على تأسيس الأممية الأولى، كان لايزال من الممكن وضع كافة الممثلين الأمميين في أربعة عربات، لكنهم لم يكونوا متشككين، فغالبا ما ينكسر خيط التاريخ ومن ثم يكون لا بد من ربط عقدة جديدة. وهذا ما كنا نفعله في زيمروالد”.
أيام المؤتمر، التي امتدت من 5 إلى 8 أيلول، كانت عاصفة. الجناح الثوري بقيادة لينين، والجناح السلمي الذي كان يتألف من غالبية المندوبين، اتفقا بصعوبة على بيان مشترك كنت قد أعددت مسودته.
“المانفيستو” كان بعيدا عن قول كل ما كان ينبغي قوله، ولكن مع هذا، كان خطوة كبيرة إلى الأمام. لينين كان في أقصى اليسار بالمؤتمر. في كثير من المسائل كان وحده الأقلية، حتى داخل جناح زيمروالد اليساري، الذي لا أنتمي إليه رسميا، رغم أنني كنت قريبا منه في كافة المسائل المهمة.
في زيمروالد، كان لينين يشيد ربيع العمل الأممي المستقبلي. في قرية جبلية سويسرية، كان يضع حجر الزاوية للأممية الثورية.. ليبكنخت نفسه لم يكن في زيمروالد؛ كان قد سجن في جيش هوهنزولرن قبل أن يصبح أسيرا في السجن. ليبكنخت أرسل رسالة إلى المؤتمر أعلن فيها تحوله المفاجئ من السلمية إلى الثورة. اسمه كان قد ورد في مناسبات عديدة بالمؤتمر. لقد كانت بالفعل كلمة السر في النضال الذي كان يمزق الاشتراكية العالمية.
المؤتمر في زيمروالد منح تطور الحركة المناهضة للحرب في كثير من البلدان زخما قويا. في ألمانيا قام السبارتاكيون بتوسيع نشاطهم.. الاختلافات غير الهامة جوهريا، والتي كانت لاتزال تفصلني عن لينين في زيمروالد، تضاءلت إلى اللاشيء خلال الأشهر القليلة التالية[i].
خلال المؤتمر، طور لينين معركة عنيفة ضد الوسطيين، على الرغم من كونهم أقلية واضحة (8 من أصل 38 مندوبا). كان يعلم أن اقتراحه لا يمكن أن يفوز بالمؤتمر، لكنه أراد الفوز بأفضل كوادر الأممية الثانية لموقفه. وهكذا، يقول تروتسكي، “في زيمروالد، كان لينين يشيد ربيع العمل الأممي المستقبلي”. ووفقا لتصريحه، فقد تم اكتسابه أيضا، خلال الأشهر التالية، لمعظم مقترحات لينين.
ارتباطا بهذه السياسة، طالب لينين، إلى جانب البيان المشترك، بتقديم قرار من قبل راديك باسم “جناح زيمروالد اليساري”. لقد اقترح “رفض مخصصات الحرب، وفصل الوزراء الاشتراكيين عن الإدارات البرجوازية، والحاجة إلى كشف الطبيعة الإمبريالية لهذه الحرب في المنابر البرلمانية، وفي أعمدة الصحافة القانونية، وعند الضرورة، غير القانونية، وتنظيم مظاهرات ضد الحكومات، والدعاية في الخنادق لصالح التضامن الأممي، وحماية الإضرابات الاقتصادية في محاولة تحويلها إلى إضرابات سياسية وحرب أهلية، وليس سلاما اجتماعيا”.

انتصار الثورة الروسية واندلاع الثورة الألمانية
منذ العام 1915، بدأ الوضع يتغير، وبدأت التعبئة ضد الحرب في اسكتلندا وبرلين ورومانيا. تطور عمل البلاشفة وتروتسكي وراديك من أجل أممية جديدة. وتم بناء اتصالات في فرنسا والسويد والولايات المتحدة وسويسرا. ولكن القفزة الكبرى إلى الأمام حدثت بانتصار ثورة أوكتوبر للعام 1917. عندما بين البلاشفة أن سياساتهم قابلة للتطبيق. كما قالت روز لوكسمبورغ: “لقد تجرأوا”.
ومع ذلك، كان البلاشفة يعلمون أن هذه كانت مجرد الخطوة الأولى. دون تطور الثورة الأممية سيكونون تحت التهديد، وكان بناء الأممية الثالثة لايزال المهمة الأساسية. لذا، في خضم تحديات السلطة، وتوقيع السلام، والتقدم في معالجة مسألة الجوع، وإنهاء عدم المساواة والقمع، استمروا في إعطاء الأولوية لمهمة بناء الأممية الثالثة. قاموا بإرسال أفضل من يقوم بالدعاية إلى المناصب الدبلوماسية لتطوير هذا العمل في البلدان التي اعترفت بالدولة الثورية الجديدة. في ذات الوقت، كرسوا أنفسهم للقيام بعمل سياسي مكثف فيما يتعلق بأسرى الحرب في الجيش القيصري.
من هذا العمل، بقيادة الثوري البولندي كارل راديك، ظهرت المجموعات الشيوعية المجرية واليوغوسلافية والبلغارية والتشيكوسلوفاكية، وأصبحت جزءاً من الأقسام الأجنبية للحزب البلشفي. وشيئاً فشيئاً، عادت إلى بلدانها للبناء والمشاركة في الصيرورات الثورية المتفجرة في كافة أنحاء أوروبا.
رغم هذه التطورات، لم تكن الظروف، بالنسبة للينين، ناضجة بعد للقيام بالمهمة العظيمة المتمثلة في تأسيس الأممية الثالثة. كانت كل هذه المجموعات صغيرة جدا وتعتمد بشكل كبير على الحزب البلشفي.
اندلاع الثورة الألمانية في تشرين الثاني 1918 فتح الباب أمام هذه الظروف. في كانون الأول من نفس العام، انضمت رابطة سبارتاكوس بقيادة روزا لوكسمبورغ إلى الشيوعيين الأمميين في ألمانيا، لتأسيس الحزب الشيوعي الألماني. لينين كان ينتظر ذلك: “عندما أصبحت رابطة سبارتاكوس الحزب الشيوعي الألماني، بات تأسيس الأممية الثالثة، الأممية الشيوعية، الشيوعية حقا، والأممية حقا، واقعا. رسميا، لم يتم تتويج الأممية الثالثة بعد، لكن الأممية الثالثة تواجدت في الواقع منذ هذه اللحظة”. ما لم يعرفه لينين في ذلك الوقت هو أن تمرد الخامس من كانون الثاني كان قد وقع، وأن القائدين العظيمين للحزب الشيوعي، روز لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت، قد قتلا.
في الرابع والعشرين من كانون الثاني، نشرت صحيفة “برافدا” خبر الاغتيال، ودعت إلى مؤتمر اشتراكي أممي. تم التوقيع على الاستدعاء من قبل لينين وتروتسكي، والحزب الشيوعي الروسي، والحزب الشيوعي الألماني، والحزب الشيوعي الفنلندي، واتحاد البلقان الاشتراكي، وحزب العمال الاشتراكي لأمريكا الشمالية، والمكتب الأجنبي (في روسيا) للبولنديين، والهنغاريين، والأحزاب الشيوعية النمساوية واللاتفية.

تأسيس الأممية الثالثة لم يكن مهمة سهلة
في الثاني من آذار عام 1919، في خضم الحرب الأهلية، افتتح لينين المؤتمر الأممي لتكريم ذكرى روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت، “أفضل ممثلي الأممية الثالثة”. التعبير الأقصى عن أهمية هذا الاجتماع بالنسبة للبلاشفة هو أن تروتسكي ترك جبهة الحرب للمشاركة فيه.
كثير من المندوبين الأمميين لم يصلوا أو وصلوا متأخرين. جزء كبير من الوفود التي حضرت كان جزءاً من الأقسام الأجنبية للحزب الروسي. الأحزاب التي كان لها وجودها الخاص بها – الألمانية والبولندية والنمساوية والهنغارية – كانت صغيرة جدا مقارنة بالروسية، التي كانت تضم 500 ألف عضو في ذلك الوقت. من المفترض أن كل هذا جعل تأسيس الأممية الثالثة خطأ، لأنها لم تكن تمثيلية بما يكفي للقيام بذلك. ومع ذلك، فإننا نعتبر أن التاريخ بيّن أن العكس هو الصحيح.
في هذا المؤتمر، الذي استمر من 2 إلى 6 آذار، كان هناك تقرير عن الثورة الألمانية ووضع الدولة الروسية. تم تبني قرار لينين حول الديمقراطية البرجوازية وديكتاتورية البروليتاريا، لكن النقطة الرئيسية تمثلت بالنقاش حول ما إذا كان يجب تأسيس الأممية الثالثة أم لا، وقد كان نقاشا حادا.
الوفد الألماني أيد موقف روز لوكسمبورغ بأنه لم يحن الوقت بعد، وأنها (الأممية) ستكون ضعيفة للغاية، وأن الطرف الوحيد القوي هو الروسي. يمكن للمرء أن يتساءل عن تأثير رأي زعيمة عظيمة اغتيلت مؤخرا. زينوفييف، أحد دعاة البلاشفة الكبار، أجاب:
“لا ينبغي أن نعمل على افتراض أننا ضعفاء للغاية، عوضا عن ذلك دعونا نستلهم من الإحساس الكبير بالقوة ومن الاقتناع بأن المستقبل القريب هو للأممية الثالثة. إذا عملنا بهذه الروح، فسنتخذ هذه الخطوة الضرورية دون تردد، وبعد دراسة متأنية، لذا، يوصي حزبنا بالتشكيل الفوري للأممية الثالثة. سيظهر هذا للعالم كله أننا مسلحون نظريا وتنظيميا[ii].
في الرابع من آذار، ومع امتناع المندوب الألماني عن التصويت، تم تمرير المقترح، وتأسست الأممية الثالثة.
الواقع بيّن مدى صحة البلاشفة. بعد أيام، في 21 آذار، تم الاستيلاء على السلطة في المجر، ما يؤيد وجهة نظر لينين بشأن الصيرورة الثورية في أوروبا. قبل المؤتمر الثاني (1920)، انضم الحزب الاشتراكي الإيطالي وحزب العمال النرويجي والحزب الاشتراكي اليساري المجري إلى الأممية الثالثة.

أربعة مؤتمرات تركت أسس برنامجية عظيمة
المؤتمر الثاني (1920) عقد وسط تنامي كبير لتأثير الثورة الروسية. أحزاب من دول مختلفة انفصلت عن الأممية الثانية وانضمت إلى الأممية الثالثة. لقد فعلوا ذلك في الغالب بأمانة، لكن القادة الانتهازيين الذين لم يرغبوا في فقدان مراتبهم اتبعوا هذه الحركة. أجبر ذلك قادة الأممية الثالثة على “فصل القمح عن القشر”، واعتمد المؤتمر الثاني “21 شرطا للانضمام إلى الأممية الشيوعية”. كان التركيز على النضال ضد الإصلاحية والتأكيد على المركزية الديمقراطية.
معظم الأحزاب قبلت الشروط الـ 21، لكن البعض، كالإيطاليين، انشقوا، وبقيت الأقلية تابعة للأممية الثالثة. الحقيقة العظيمة هي أنه في ألمانيا، انضم معظم أعضاء الحزب الديمقراطي الاجتماعي المستقل إلى الأممية الثالثة، واندمجوا مع الحزب الشيوعي الألماني، ما أدى إلى نشوء حزب كبير، وهو الحزب الشيوعي الموحد لألمانيا.
خلال المؤتمرين الثالث والرابع، كانت المعركة ضد مواقف اليسار المتطرف، الذي رفض رؤية انتكاسة في وضع الصراع الطبقي. الصراع على السلطة لم يطرح في الأجندة، ولكن الصراع على قيادة الطبقة العاملة تم طرحه، وتم تبني تكتيك الجبهة العمالية الموحدة.
الخلاصة أنه خلال هذه السنوات الأربع، من 1919 إلى 1922، تم دمج أحزاب جديدة في الأممية الثالثة، وحقق العديد منها تأثيرا جماهيريا. خلال هذه السنوات الأربع، أقرت هذه المؤتمرات الأربعة قرارات تمثل مرجعية برامجية محافظة على صلاحيتها حتى أيامنا هذه: حول الديمقراطية البرجوازية ودور الثوريين في البرلمان، وحول المسألة الزراعية، والنقابات، وأساليب وهيكل وعمل الأحزاب الشيوعية، وحول اضطهاد المرأة، والمسألة الوطنية.
ومع ذلك، فإن هذا الإنجاز التنظيمي الأساسي للحركة العمالية العالمية تمّت خسارته. اجتماع هزيمة الثورة الألمانية، وتخلف روسيا، وموت لينين مهد الطريق لانتصار الثورة المضادة لستالين، الذي قاد الأممية الثالثة إلى الانحلال والتفكك عام 1943، تلبية لمطلب الإمبريالية البريطانية.

الحاجة إلى إعادة بناء الحزب الأممي
اليوم ، أصبح العالم أكثر ارتباطا من أي وقت مضى، عبر تنامي عولمة الاقتصاد، ووسائل الاتصال، والإنترنت، والشبكات الاجتماعية. ومع ذلك، فإن العمال ليس لديهم أي وحدة عضوية. إن نضالات الطبقة العاملة وشعوب العالم متوازية في أهدافها: ضد الجوع، وضد البطالة، والدفاع عن التعليم والصحة العامة، وضد القمع بكافة أنواعه، وضد الاضطهاد. وكل العمال يواجهون نفس الأعداء: الإمبرياليتين الأمريكية الشمالية والأوروبية، اللتين تمتلكان العالم، وعملائهما الحكومات الوطنية.

لكن هذه المعارك ليست منسقة. إنهم لا يحمون ولا يساعدون بعضهم البعض. اليوم، لا نملك هذه الأداة الأممية العظيمة التي بنيت في خضم الثورة الروسية.

من السهل تخيل تعزيز النضال الفلسطيني إذا كانت هناك أممية جماهيرية تنظم مقاطعة عالمية لإسرائيل. أو ما يمكن تحقيقه إذا ما تم تنسيق نضالات المعلمين والطلبة من كافة أنحاء أمريكا اللاتينية، أو ما يمكن أن تمثله بالنسبة للنضالات العمالية ضد الأزمة الرأسمالية، إذا تمكنت الأممية من إيقاف كافة شركات السيارات أو النفط متعددة الجنسيات عند حدها في كل مرة يقوم فيها أي منها بفصل عامل في أي بلد.
لا شك أن بناء حزب أممي ثوري لا يزال ضرورة محورية. لقد حقق العمال ذلك بالثورة الروسية، وخسرناه بالثورة الستالينية المضادة. تروتسكي حاول استعادته من خلال بناء الأممية الرابعة، لكن الأممية الرابعة مازالت ليست بقوة الأممية الثالثة. حول موضوع التقدم والنكسات، الانتصارات والهزائم، لدى تروتسكي عبارة جميلة توضح المسار:
الطبقة العاملة تصعد منقبة من تلقاء نفسها صخرة غرانيت. أحيانا تنزلق بضعة خطوات، وأحيانا يقوم العدو بتفجير الخطوات التي تم حفرها، وأحيانا تدفن نفسها لأن المادة رديئة. بعد كل سقوط يجب أن نقف، بعد كل كبوة يجب أن ننهض مرة أخرى، يجب استبدال كل خطوة تم تدميرها بخطوتين جديدتين”[iii].

ـــــــــــــــــــــــ

[i] تروتسكي، ليون، الحرب والأممية، الفصل الحادي عشر – الحقبة الثورية
https://www.marxists.org/archive/trotsky/1914/war/part3.htm#ch08

[ii] نقلا عن بيير برو، في الثورة الألمانية
[iii] لينين، فلاديمير، “موقف ومهام الأممية الاشتراكية”
https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1914/oct/x01.htm

[iv] لينين، فلاديمير، “الاشتراكية والحرب” ، الفصل الثالث – استعادة الأممية
https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1915/s-w/ch03.htm#v21fl70h-323-GUESS






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأممية الثالثة: هوس لينين الكبير


المزيد.....




- جمال أوزرار// متابعات
- حسن أحراث// معتقل سياسي سابق ومحنة التقاعد المُجحف..
- عمال «يونيفرسال» يدخلون المصنع بعد محاولة الإدارة استبدالهم ...
- دراسة: ازدياد الفجوة بين الفقراء والأغنياء يؤثر على العمر ال ...
- ريبورتاج: تراجع نسبة البطالة خلال فترة حكم ميركل لم يمنع من ...
- تيسير خالد : بايدن يبيع الفلسطينيين لشراء صمت الحكومة الاسرا ...
- حزب التجمع ببني سويف يكرم طلاب الثانوية العامة في “قاعة الشا ...
- النهج الديمقراطي بتازة يحيى الساكنة على مقاطعتها الواسعة لمه ...
- خبراء: اتساع الفجوة بين شريكي الحكم في السودان تفتح الباب أم ...
- رئيس مركزية الاشتراكي يعزي برحيل المناضل قائد الطيري


المزيد.....

- الرّئيس غونزالو: حرب الشّعب / حزب الكادحين
- كتاب لينين -المادية ومذهب النقد التجريبي- ونظرية المعرفة الم ... / مالك ابوعليا
- مقدمة كتاب تاريخ الفلسفة: منظور ماركسي / آلان وودز
- في عام الذكرى 150 لميلادها / أربعة محاور هامة في عمل روزا لو ... / رشيد غويلب
- حول استمرار الثورة في ظل دكتاتورية البروليتاريا / الشرارة
- - تصنيع - الإستغلال الجنسيّ و العولمة الإمبرياليّة و النزول ... / شادي الشماوي
- أفغانستان: نهاية الاحتلال / سيد صديق
- بعض جوانب دراسة التاريخ الاجتماعي (السيكولوجيا الاجتماعية ال ... / مالك ابوعليا
- الإمبريالية الكينزية الجديدة في زمن الوباء: فهم ومحاربة حكوم ... / تامر خرمه
- الاستقلال السياسي للطبقة العاملة: دروس من السنوات الأولى للح ... / طارق فوزي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أليسيا ساجرا - الأممية الثالثة: هوس لينين الكبير