أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - آلان م نوري - عن الوعي الكردي المضطرب بين اسرائيل و فلسطين















المزيد.....



عن الوعي الكردي المضطرب بين اسرائيل و فلسطين


آلان م نوري
(Alan M Noory)


الحوار المتمدن-العدد: 6928 - 2021 / 6 / 14 - 12:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شهد العالم جولة جديدة من حرب الصواريخ الفلسطينية و القصف الأسرائيلي الجوي و البري و البحري من و على قطاع غزة، استمرت 11 يوما، لتنتهي يوم الجمعة 5/21 بوقف متبادل و غير مشروط للقصف بين الطرفين. و توالت في الـ 11 يوما مشاهد قصف صاروخي لا يمكن أن يوصف إلا بالوحشي لعدم قدرته على التمييز، قابله استهداف انتقامي غير متوازن و موغل في الوحشية المقصودة و بأضعاف مضاعفة من الطرف الآخر.
تفاعل الكرد كغيرهم في منصات التواصل الإجتماعي مع الحدث و انقسموا ايديولوجيا إلى خطاب معاد للفلسطينيين يقابله خطاب معاد لإسرائيل، فتراشق الطرفان بصواريخهما الخطابية في حرب أيديولوجية لم تهدأ بعد رغم وقف اطلاق النار بين طرفي الحرب الحقيقيين.
تسائل تيار معين من القوميين الكرد عن جدوى الحب من طرف واحد للفلسطينيين "الذين لا يبادلوننا هذا الحب"، و أفرد شهادات تاريخية عن مشاركة مشاهير من البيشمركة الكرد في الدفاع عن فلسطين، فـ"لم يقابلوا إلا بالجحود"، و وسع دائرة الأتهام للعرب الذين صمتوا ازاء المذابح التي ارتكبت ضد الكرد، في حين "تعاطفت معنا اسرائيل في محنتنا"...الخ. و فضل تيار آخر ترديد الثنائيات المعروفة: الديمقراطية/الإستبداد و التقدم/التخلف و اللبرالية/هيمنة الأغلال الدينية، فقدموا اسرائيل على انها ديمقراطية متقدمة و لبرالية على الإطلاق، يقابلهم العرب، كل العرب، بمجتمعاتهم الإستبدادية المتخلفة و الرازحة تحت الهيمنة الخانقة للدين المسيّس.
وعلى النقيض من هؤلاء وقف تيار الإسلام السياسي، ليعرّف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كصراع ديني، مقدس، و فرض عين على كل المسلمين لتحرير اولى القبلتين و ثالث الحرمين. و ذكّر الكرد بمآثر جدهم الأكبر صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس و حثهم على تسلم راية جدهم في عصرنا هذا.
و بما أن أجيالا من الكرد، بلغت سن الرشد السياسي معزولة عن تاريخ الـ 80 عاما الماضية من الصراع العربي (الفلسطيني)/الإسرائيلي، بات من السهل تشويه وعيها من قبل الطرفين الأيديولوجيين. فلا مناص إذا من اعادة ترتيب سردية الصراع و بديهيات تاريخه انصافا للعقلانية و العدالة غير المجزأة في وعي الكرد بهذا الصراع. ولكن قبل الرجوع إلى التاريخ، لابد أن نتوقف عند حرب الصواريخ الأخيرة و نسأل: في جولة الحرب هذه، إلى ماذا كان يهدف الطرفين؟ كيف حدد كل منهما ما يعنيه له "النصر"؟ و ماذا حققا؟

نتنياهو، القطة بسبعة ارواح
بنيامين نتنياهو هو رئيس وزراء حكومة تصريف أعمال حاليا في اسرائيل. فرغم أن حزبه حصل على الأغلبية النسبية في الإنتخابات الإسرائيلية الأخيرة، إلا انه فشل خلال فترة تكليفه القانونية في تشكيل حكومة تحظى بموافقة الكنيست الإسرائيلي المنتخب. دفع فشله رئيس الدولة إلى تكليف زعيم كتلة أخرى بتشكيل الحكومة. يُعزى فشل نتنياهو قبل شيء إلى عدم ثقة الأحزاب السياسية في اسرائيل فيه شخصيا. و مصير نتنياهو السياسي والشخصي مربوط بقدرته على البقاء في السلطة. فهو الآن تحت التحقيق بتهم فساد، قد تؤدي به في حال اثباتها إلى السجن، كما حصل لـ ايهود المرت، رئيس الوزراء الأسبق، و شريك نتنياهو في الرؤية و الأخلاق السياسيين.
ازاحة نتنياهو من المسرح السياسي، يمكن أن يكون بداية لتحولات طويلة الأمد تؤدي إلى انعتاق المجتمع الإسرائيلي من سطوة اليمين المتشدد الإستعماري المتمترس في المستوطنات غير الشرعية في الأراضي المحتلة. كما يمكن لهذه التحولات أن تؤدي إلى مشاركة القوى الديمقراطية العربية في الحكومة الإسرائيلية لأول مرة في تاريخ هذه الدولة.
لكن منذ أن قررت حماس أن تقصف القدس برشقة صاروخية لـ "انقاذها"، بُعث في نتنياهو روح جديدة لإستغلال القصف الصاروخي في شن حرب جديدة بهدف توحيد صفوف اليمين الإسرائيلي وراءه بأسم "الوحدة الوطنية"، لتقوية حظوظه في إعادة تكليفه بتشكيل الحكومة، فينجو بذلك من السجن و التهميش السياسي.
استطلاعات الرأي و موقف منافسو نتنياهو أثناء حربه على غزة، كانت تؤشر إلى نجاحه في استغلال طوق النجاة الذي رمته له حماس. ولكن مع توقف الحرب بالشكل الذي تم، وبدون تحقيق نتنياهو للأهداف المعلنة من قصفه الوحشي لسكان غزة، فإن الخارطة السياسية في اسرائيل بدأت تتغير ، ليس بعيدا عن اليمين الإستيطاني بالضرورة، بل بعيدا عنه هو. والعالم سيكون مكانا أفضل و أأمن إذا أدت الحرب على غزة إلى انهاء نتنياهو سياسيا.

تجارة الموت في بحر البطالة
كتجربة الإسلام السياسي في الجزائر، و الإخوان في مصر، استفادت حماس من عملية سياسية دون الإلتزام بشروطها، ففازت في انتخابات عام 2005 في قطاع غزة و الجغرافيا مقطعة الأوصال للضفة الغربية وكانت ستحكم هذه المناطق في اطار تفاهمات و نظام سياسي اسسه اتفاق اوسلو الذي طرفه الآخر كان اسرائيل. وحيث أن حماس كانت تصرح بعدم قبولها لأي شكل من اشكال السلام مع اسرائيل من حيث المبدأ، تدهورت الأوضاع السياسية في مناطق شبه السلطة الفلسطينية، تحت وطأة تضييق اسرائيلي و دولي، نتج عنه اقتتال داخلي، اخرجت حماس على اثره فتح من قطاع غزة، و أخرجت فتح حماس من الضفة الغربية مقطعة الأوصال عام 2007. منذئذ استفردت حماس بـ "السلطة" و مؤسساتها في قطاع غزة إلى اليوم.
و قطاع غزة شريط ضيق يسكن فيه نازحو ثلاث موجات من التهجير القسري منذ الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى، وصار البقعة الجغرافية الأكثر كثافة بالسكان في العالم. ثم حوله حصار مزدوج من اسرائيل و مصر إلى اكبر سجن مفتوح في العالم. وجذبت عقيدة "حكام"ها السياسية قوى مسلحة أخرى تشارك حماس منظومة افكارها التي لازالت تدعو إلى "رمي اليهود في البحر و تحرير فلسطين، كل فلسطين" و تهدد اليهود، كل اليهود، في عالمنا اليوم بمصير خيبر على يد جيش محمد! وهي اشارة إلى غزو المسلمين لقلاع خيبر اليهودية شمال يثرب عام 7 للهجرة، وسبيهم لأطفال و نساء قتلى اليهود، حسب تقاليد الحرب آنذاك. حينها خيّر النبي محمد احداهن في دخول الإسلام و اتخاذها زوجة، فصارت احدى امهات المؤمنين. بما أن خطاب حماس هذا هو تهديد ليس فقط لإسرائيل، بل ليهود العالم، كونهم يهود، بخيبر جديدة، فمن المنطقي ايضا أن لا تتوقع من المجتمع الدولي اعتبارها شريكا حقيقيا في أي مبادرة دولية تؤدي إلى احقاق الحقوق الفلسطينية في اطار ما تعارف عليه القانون الدولي.
حماس التي انفردت بإدارة غزة خلال 13 عاما من حصار اقتصادي قاس، و يُتوقع منها أن تدير الحياة الإقتصادية و الإجتماعية للبقعة الأكثر اكتضاضا بالسكان في العالم، تدرك أن أغلب النشاط الإقتصادي و معاش اهل غزة يعتمد على المساعدات التي تصلها من المجتمع الدولي. اما الأموال التي تصل إلى حماس و المنظمات المشابهة، و هي أموال ليست قليلة، من مختلف الجهات و الدول، فتذهب إلى تصنيع و تخزين الصواريخ و منظومة الأنفاق اللازمة لها، لا إلى ملاجئ مدنية معرفة من قبل المجتمع الدولي لتحمي اهالي غزة من القصف الوحشي الإسرائيلي المتكرر على مدى السنين.
و بينما اظهرت المعركة الأخيرة تطورا ملحوظا للقدرات الصاروخية لحماس و شبيهاتها، إلا ان العالم شاهد بحسرة لجوء الأهالي إلى مدارس الأونروا، كحالهم دائما مع كل جولة قصف جديدة، حيث ليس لديهم أي بديل آخر. وكما هي الحال في كردستان العراق التي تشظت السلطة السياسية فيها إلى منطقتي نفوذ اخضرستان (نسبة إلى لون علم الإتحاد الوطني الكردستاني) و اصفرستان (نسبة إلى لون علم الحزب الديمقراطي الكردستاني)، احتكرت العائلات المتنفذة داخل حماس في حماسستان، كما داخل فتح في فتحستان، اغلب النشاط الإقتصادي في غزة. و تظهر البيانات الإقتصادية أن المواطن الغزاوي غير المرتبط بالعائلات المتنفذة هو الأكثر فقرا و مرضا و بطالة و يأسا من أي مكان آخر في الشرق الأوسط. و إذ تقع المسؤولية الأولي في هذا الوضع المزري في غزة على الإحتلال الإسرائيلي، فإن حماس ايضا اظهرت انها لا ترى في ادائها الإداري أي حاجة لتحسين اوضاع سكان القطاع، فبؤسهم يدفعهم إلى مؤسسات حماس العسكرية، و لا يلوح في الأفق أي انتخابات ديمقراطية حقيقية تتيح لسكان غزة التعبير الحر عن تقييمهم للتجربة الإدارية لحماس. و الحال كذا، تبقى صناعة الموت التي تتيحها حماس المهرب الوحيد من البطالة لنصف القوى العاملة العاطلة عن العمل في قطاع غزة و تبقى صواريخ حماس وسيلتها الوحيدة المتاحة في مقاومة التهميش السياسي الدولي.
مع توقف الأعمال القتالية و العدوان الوحشي الإسرائيلي، ستتوجه أموال كثيرة إلى غزة؛ ما سيصل حماس سيذهب حتما إلى اعادة تأهيل قوتها الصاروخية… و ما يذهب للإعمار سوف يدر خيرا على شركات حماس. لذلك فلا ضير على حماس التي سترسل بين الحين و الآخر رشقة جديدة من صورايخها، فإن اصابت حصدت خيرا، و إن لم تصب فخيرا ايضا!
لكن مع وقف الأعمال القتالية و الإنتهاء من "احتفالات النصر"، سيرى جمهور حماس انها أن استمرت بنفس النهج فلن يراها المجتمع الدولي إلا كتاجرة موت لا تصلح للحوكمة!
بإختصار، فإن نتنياهو و حماس يعتبران نفسيهما المستفيدين الأساسيين من جولة السباق على قتل المدنيين هذه، إذ يعتقدان أن الحرب هي اداتهما المفضلة في السعي لتغيير الخارطة السياسية، ولكن المؤشرات توحي بالعكس مما ينتظران.

و ما شأننا نحن الكرد بكل هذا؟
يسأل الكردي: ما شأني بما جرى؟ ما شأني بمصير اطفال فلسطين أو اسرائيل؟
لعل أكثر الأصوات صدقا في التعبير عن تشوه وعي الإنسان الكردي كان لسيدة كردية كتبت على منصة للتفاعل الإجتماعي انها ككردية ما بقي عندها دموع لتذرفها على الفلسطينيين. و اوضحت أن معاناة الكرد هي اكبر من معاناة الفلسطينيين و أن من احتكت بهم من الفلسطينيين في أوروبا ما اكترثوا بآلام شعبها الكردي بل و انكروا عليها مآسيها، لذا ما عاد عندها دموع تذرفها عليهم!
لن اهين تجربة هذه السيدة بسرد معاناة الشعب الفلسطيني للكردي، و افترض معها اننا من موقع التعاطف الإنساني ما بقي عندنا دموع لنذرفها على الفلسطينيين، فأسأل من جديد؛ ما شأننا نحن الكرد بما جرى؟ لم نتعاطف، خارج حدود التعاطف الإنساني البحت، مع ضحايا صراع دام 80 عاما؟ ما شأن الكردي بأخذ موقف من هذا الصراع؟ ثم اين التعاطف الإنساني معنا نحن الكرد؟ اليست قضيتنا مشابهة من حيث الجوهر مع قضية الشعب الفلسطيني؟

محنة وعينا الكردي: سرد لابد منه للتاريخ
يعاني الوعي الكردي الجماعي، بضمنه، بل و في مقدمته، وعي "النخب" السياسية، من تمترس الزمن الإدراكي عندهم عند الحرب العالمية الأولى و السنوات ما بين الحربين العالميتين. فلازال الكرد ينظرون للعالم بمنظار عصر الإمبراطوريات الذي كانت حدود الدول فيه عبارة عن استراحة مؤقتة في انتظار فرصة سانحة، قادمة لا محالة، لنسفها و اعادة رسمها.
إلا أن زمن العالم من حولنا لم يتوقف عن الحراك. فقد ظهرت الفاشية و جرّت العالم إلى حرب ثانية تجاوزت الأولى في وحشيتها و استهلاكها لأرواح البشر.و افهمت سحابة الفطر فوق هيروشيما و ناكازاكي الجميع أن تكنولوجيا الحرب و الدمار الشامل باتت قادرة على ابادة الكرة الأرضية بأكملها إن انجررنا إلى حرب عالمية ثالثة. القوى الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية اضطرت إلى تأسيس نظام عالمي جديد عماده تثبيت الحدود الدولية و نبذ الكولونيالية المباشرة. فبات تغيير الحدود الجغرافية للدول شأنا داخليا نادر الحدوث لدول ذات سيادة. و إن حدث فإنه يتطلب توافقا نادرا بين القوى الكبرى في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية.
تقسيم وطن الكرد بين العراق و إيران و تركيا و سوريا و الإتحاد السوفيتي السابق، هو حدث عاشه الكرد في اعقاب الحرب العالمية الأولى، و بتثبيت الحدود بعد الحرب الثانية اصبح واقعا مثبتا. وقد عنى ذلك، بغض النظر عن مشاعر الكرد، أن مستقبل نضالهم السياسي الديمقراطي، بل و حتى تطلعهم للتحرر و الإستقلال، مرهون بمدى مشاركتهم في تحقيق الديمقراطية في البلدان التي اُلحقوا بها.
اما فلسطين، فكانت بلدا واحدا، حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. اكتسبت جغرافيتها بإنهيار الدولة العثمانية و خضعت للإنتداب البريطاني. التجأ اليها مئات الآلاف من يهود أوروبا الشرقية الذين اقتلعهم من اوطانهم جحيم الفاشية، فركبوا البحر بدعم من الحركة الصهيونية الدولية و نزلوا شواطئ فلسطين. رغم أن هذه كانت موجة التهجير القسري الثالثة لليهود من أوروبا إلى البلاد الإسلامية، إلا أن هذه الموجة جائت و في جعبتها آمال و وعود بوطن لليهود. نشب الإقتتال بين الفلسطينيين و اليهود المهاجرين و سلطات الإنتداب البريطاني، كل مع الآخر، إلى أن اعلنت بريطانيا انها ستنهي الإنتداب و تخرج من فلسطين و تترك مصيرها لمنظمة الأمم المتحدة الناشئة لتقرر هي مصير الأطراف المتنازعة بعد فشل مشروع "دولة لشعبين" و "حكم ذاتي يهودي داخل دولة فلسطينية موحدة" لرفضهما من قبل الطرفين. فكان حل الأمم المتحدة "دولتان لشعبين"، دولة اسرائيل و دولة فلسطين و عاصمتها القدس التاريخية (القدس الشرقية). تأسست اسرائيل و اُعلنت و حضيت بالإعتراف الدولي عام 1948. اما دولة فلسطين فقد سحقها اجتياح الجيوش العربية الذاهبة لحرب اسرائيل الوليدة بعد اشهر قليلة. فكانت اولى الحروب العربية الإسرائيلية.
ملك الأردن، وهو من عائلة الأشراف الهاشميين التي كانت تسيطر على مكة و المدينة المقدستين عند المسلمين، و اتفقت مع البريطانيين على الثورة على الدولة العثمانية مقابل تمكينها من انشاء دولة عربية لهم، فتفاجئت بسماح البريطانيين بغزو جيوش الوهابيين من نجد للمدن المقدسة، فوجد في الحرب العربية الأسرائيلية فرصته في بسط سيطرته على المدينة المقدسة الثالثة في الإسلام؛ القدس، و ضمها إلى مملكته بعد مؤتمر اشرفت عليه لشخصيات من الضفة الغربية عام 1950.
اما الإحتلال الإسرائيلي للقدس و معها كامل اراضي ما اتفق العالم على تسميته بفلسطين (وهي فلسطين التاريخية عدا مساحة اسرائيل كما اعترف العالم بحدودها بعد حرب 1948) و أجزاء شاسعة من الدول العربية الأخرى، فقد حصل بعد الحرب الثالثة بين العرب و اسرائيل عام 1967.
منذ 1967, و إلى اليوم، يعتبر العالم، و معه كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، الضفة الغربية لنهر الأردن و معها القدس الشرقية و قطاع غزة أراض فلسطين المحتلة، الدولة المنشودة التي رسم حدودها قرار الأمم المتحدة نفسه الذي رسم حدود دولة اسرائيل. و بناءا على هذا التوصيف بالإحتلال، تعتبر الدول الكبرى، و معها العالم، كل المستوطنات التي بنتها اسرائيل في الأراضي التي احتلتها منذ 1967، استعمارا استيطانيا غير مشروع، و ترفض ادعاء اسرائيل أن مستوطناتها و القدس الشرقية هي جزء من اسرائيل و لا تسري القوانين الدولية بشأن الإحتلال عليها، بل على ما تبقى من الأراضي و التجمعات السكانية.
اما الفلسطينيون داخل اسرائيل، الذين تزيد نسبتهم حاليا عن 20% من السكان، فقد تعرضوا لإذلال العرب قبل الإسرائيليين، الذين طالبوهم بالرحيل و عدم قبول المواطنة في دولة اسرائيل. إلا انهم صمدوا و سعوا بأنفسهم، تعينهم قوى الديمقراطية و اليسار الإسرائيلي، للحصول على الجنسية الإسرائيلية. و انضموا إلى معركة المساواة و العدالة الإجتماعية في اسرائيل. وقد لا يعرف الكردي ان اغلب الأسماء الفلسطينية اللامعة ادبيا الذين يعرفهم، من توفيق زياد و ايميل توما و ايميل حبيبي إلى محمود درويش و سميح القاسم...الخ، كانوا مواطنين اسرائيليين خرجوا الينا بأدبهم و فكرهم من بوتقة هذا النضال.
يتبع هذا أن الفلسطيني هو فلسطينيان، احدهما يقاوم الإحتلال العسكري و يعتبر العالم كله الجغرافيا التي يسكنها (أو تشرد منها)، جغرافيا محتلة. و الآخر مواطن في دولة أخرى (أو تشرد منها) و يناضل من اجل المساواة و العدالة الإجتماعية. أي أن هناك انسانان فلسطينيان، برؤيتين مختلفتين من المجتمع الدولي، و شكلين مختلفين من النضال السياسي، و مصيرين مختلفين، على الأقل على المدى المنظور، يجمعهما احساس عميق بالإنتماء المتبادل و الوحدة. و هو احساس لن يسلبه منهما أي قانون دولي.
اسرائيل التي يشهد العالم كله انها دولة محتلة تمارس الفصل العنصري في فلسطين. تظهر كديمقراطية ليبرالية شكلية في الداخل، لكنها تمارس العنصرية و الإضطهاد فعلا و قانونا بحق أكثر من 20% من مواطنيها. مع ذلك تظل محمية من العقوبات الدولية لنجاحها في تصوير نفسها كدولة معاصرة مهددة بالابادة من قبل جاراتها، و تستخدم بذكاء الضجيج الإعلامي القومي الناصري سابقا و جعجعة المتأسلمين السياسيين حاليا الذين يهددون اليهود بالإلقاء بالبحر أو السبي كيهود خيبر. و بهذا الإستخدام استطاعت اسرائيل طوال عقود أن تبني جدارا منيعا من تعاطف الرأي العام العالمي و ساوت بنجاح بين دولة الإحتلال و الشعب المحتل و بين القامع و المقموع.

اوجه تشابه و إختلاف قضية الكرد و القضية الفلسطينية؟
التعقد سابق الذكر في القضية الفلسطينية، الذي يصعب على الكرد الإحاطة به، يجعلهم ينظرون إلى التعاطف الدولي مع أحزان و آمال الفلسطينين، كأنه نوع من التمييز الدولي ضدهم، أو على الأقل تقليلا من شأن أحزانهم و آمالهم هم. لكن حقيقة الأمر أن قضية الكرد في اغلب اوجهها (من وجهة نظر القانون الدولي) هي مشابهة لقضية فلسطينيي الداخل الإسرائيلي، وليس فلسطينيي ما يعرف الآن بفلسطين. وهذا الأمر ليس خاضعا لأهواء أو توصيفات هذه الجهة أو تلك من الكرد لقضيتهم. فلسنين عديدة صنف الإتحاد الوطني الكردستاني النظام العراقي بالإستعمار الإستيطاني، و صنف آخرون كردستان تركيا كمستوطنة دولية. إلا أن هذه التعابير و الأصطلاحات لم ترتق في رؤية المتلقي العالمي سوى إلى مصاف المجاز الشعري، غير القابل للتوظيف.
يصعب على غير المتتبع و المختص بشؤون فلسطينيي الداخل الإسرائيلي إختراق ضباب الديمقراطية الليبرالية الأسرائيلية ليرى أن الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي تعرضوا إلى التهجير و الإبادة الجماعية، و يتعرضون الى السلب المنظم للأرض و الإضطهاد الإقتصادي و الفصل الثقافي العنصري منذ عشرات السنين في ظل تعتيم اعلامي. أي انهم يشكون عين الإهمال الدولي الذي يشكو منه الكرد. كما أن هنالك كرد آخرون يعيشون تحت نير الإحتلال العسكري (بمقاييس القانون الدولي و ليس بحسب مشاعر الكرد وحدهم)، و هم كرد سري كاني:رأس العين، گرێ سپی: تل ابيض و عفرين في سوريا التي احتلتها تركيا في اجتياحها الأخير و كذلك سكان عشرات القرى بعمق 50 كيلومترا في إقليم كردستان العراق على طول الحدود مع تركيا التي يمكن اعتبارها محتلة من قبل الجيش التركي. اما لماذا الصمت الدولي ازاء الإحتلال التركي؟ فلأن الإحتلال التركي للمدن الكردية في سوريا، جرى بذريعة "الفراغ السياسي" الذي خلفته الحرب الأهلية السورية. و احتلالها لأراض بعمق 50 كيلومترا في كردستان العراق فتبرره تركيا بتفاهماتها مع السلطات العراقية منذ عهد الطاغية صدام حسين إلى اليوم، بضمنها و للأسف تفاهمات مع السلطات في إقليم كردستان العراق!
الكرد بما هم اثنية مضطهدة في الشرق الأوسط، من مصلحتهم أن يقفوا ضد الإحتلال و الإبادة الجماعية و نهب الأرض و سلب و مصادرة الهوية الثقافية اينما وجد في العالم، فإن التضامن اللاحكومي الدولي مع الشعوب التي تتعرض لهذه الإنتهاكات، هي الوسيلة الأكثر فاعلية في تطوير نظرة المجتمع الرسمي و القانون الدوليين ازاء محن و آمال هذه الشعوب، بضمنهم الكرد.

يهودية اسرائيل و ديمقراطيتها
احد اهم جوانب معاناة الفلسطينيين، هو محاولة تعريف اسرائيل كدولة يهودية، بخلاف واقعها كدولة متعددة القوميات و الثقافات. و مهما كان مستوى نضج الديمقراطية شكلا، فإن انكار شراكة القوميات و الثقافات المختلفة في الدولة شراكة متكافئة ينفي عن تلك الدولة صفة الديمقراطية جوهرا. تُعرّف اسرائيل نفسها دولة يهودية و تطالب العالم بالإعتراف بها كذلك، وهي بذلك تطلب تفويضا دوليا لمعاملة أكثر من 20% من سكانها كمواطنين من الدرجة الثانية لتمعن بلا رادع في تحجيم حقوقهم الأساسية بشكل ممنهج. إذ ما معنى الديمقراطية عندما تمنع الدولة مواطنا من حيفا الإسرائيلية هُجر قسرا و صار لاجئا في مخيم في لبنان يبعد مئة كيلومتر عن مدينته من العودة إلى داره فيها، بينما ترحب بيهودي روسي في اقصى روسيا على الحدود مع اليابان، مثلا، إن اراد أن يهاجر إلى حيفا، و ستوفر له الدولة السكن و مصدر الرزق؟ ...و إن سأل سائل ما شأن الكرد بهذا؟ فإن الكرد عاشوا هذه التجربة المريرة في كل الدول التي الحقت بها كردستان، وإن بدرجات متفاوتة. في كردستان العراق، على سبيل المثال، كانت الدولة تعتبر نفسها جزءا من الأمة العربية، و بهذه الكلمات البسيطة تحول الكرد و معهم كل القوميات و الثقافات غير العربية إلى مواطنين من الدرجة الثانية. و على الأرض، مارست الدولة العراقية سياسة تعريب التجمعات السكانية ذات الأغلبية الكردية(ولا نتحدث هنا عن جرائم تغييب البشر و سياسة الأرض المحروقة فقط)، ففي كركوك مثلا لم يكن يحق للمواطن الكردي الذي باع بيته فيها أن يشتري بيتا آخر هناك، بينما كان قانون الدولة يمنح أي عربي من أي بلد (مصر مثلا) حق شراء العقارات و السكن اينما اراد كونه من "الأمة العربية الواحدة". في تركيا المعاصرة، و إلى بضعة عقود خلت، كان مجرد الحديث بالكردية تهديدا للأمن القومي في دولة تعرف نفسها ببلد الترك.
الكردي الذي يريد أن يعيش في عالم لا يقبل فيه مثل هذه الإنتهاكات لحقوق المواطنة الأساسية، عليه هو ايضا أن يشارك احرار العالم ادانته لهذه الإنتهاكات في مكان كان. و من الأولى أن يدينها في إسرائيل!

من البيشمرگة من قاتل في إسرائيل
من مظاهر الجهل بالتاريخ الذي وظفه انصار إسرائيل بين الكرد، هو ذكر أن من البيشمرگه الكرد من قاتل مع الفلسطينيين، بينما "لم يبادلنا الفلسطينيون الوفاء". وهذا جهل مشين، إذ ان المقاتلين الكرد هؤلاء و هم بالمئات من كوادر البيشمرگە من كرد العراق و تركيا كانوا يتدربون على القتال في معسكرات المنظمات الفلسطينية اليسارية في لبنان، لا ليقاتلوا في فلسطين، بل لكي يرجعوا إلى جبال كردستان للقتال هناك! و حدث أن من كان من الكرد في معسكرات التدريب في لبنان عام 1982، ااضطر إلى القتال للتصدي للإجتياح الإسرائيلي الذي وصل إلى معسكراتهم دفاعا عن انفسهم قبل كل شيء. كما ان الفلسطيين لم يساعدوا النضال الكردي المسلح بالتدريب فقط، بل كانت مخازن اسلحتهم مفتوحة سرا و علانية للأحزاب الكردية المقاتلة، فيندر أن تجد منظمة كردية لم يصلها السلاح الفلسطيني.
و الفلسطينيون، كغيرهم من البشر، ليسوا على هوى واحد، ففيهم من حقد على الكرد و تغنى بأمثال صدام حسين و اوردوغان في اوج اجرامهم بحق الكرد. و لأسباب كثيرة، يملك هؤلاء غلبة عددية على اليسار و اصدقاء الكرد في فلسطين اليوم.
اما الكردي فقبل السؤال عما فعل الفلسطيني من اجله، عليه أن يعلم أنه، بينما تفرض الأسواق الأوروبية حظرا على منتجات المستوطنات الإسرائيلية و تصعد من فاعلية هذه المقاطعة الإقتصادية لمؤسسات الإحتلال الإسرائيلي، فإن باعة النفط في إقليم كردستان العراق يبيعون نفط الإقليم بأسعار مخفضة إلى إسرائيل علنا. فهي من بين كبار مشتري نفط الإقليم المسترخص!

يهود كردستان يحبوننا!
احد اهم منابع التعاطف الكردي مع إسرائيل هو وجود الآلاف من يهود كردستان في إسرائيل الذين هُجروا قسرا إلىها من كردستان العراق، و الذين حافظوا على تراثهم و على اللغة الكردية و يصرحون دوما بحبهم و حنينهم لجيرانهم الكرد و المجتمع الكردستاني الذي أُقتُلعوا منه. و هذا صحيح بالنسبة لأغلب يهود العراق و المنطقة الذين تم تهجيرهم إلى إسرائيل، و مشاعر الحنين و الوفاء لهم هي مشاعر إنسانية طبيعية ولكنها مشاعر منقوصة. فهؤلاء مهما عاند الزمن، هم مواطنو كردستان و العراق، و لن يسقط حقهم في العودة و التعويض بالتقادم.
حق العودة لا يمكن تجزئته و اعطاؤه لشعب دون آخر، فكما يحق ليهود كردستان و العراق العودة، يحق ذلك ايضا لملايين الفلسطينيين المشردين في البلدان المجاورة، بضمنها العراق.
الكرد الأوفياء لجيرانهم القدماء يجدر بهم أن يكونوا في طليعة المنادين بحق عودتهم أو تعويضهم عن تهجيرهم القسري إن اختاروا ذلك، بنفس حماسة المطالبة بحق الفلسطينيين بالعودة أو التعويض إن اختاروا ذلك.
موقع الكرد الفريد في الشرق الأوسط اتاح لهم تجربة معاناة و مأساة الشعبين الفلسطيني و اليهودي معا. وهذا يؤهلهم إن احسنوا قراءة تاريخهم و تاريخ المنطقة، أن يكونوا قوة دافعة بإتجاه غلبة العقل و العدل في الشرق الأوسط. ففي غلبة العقل و العدل احقاق لحقوق الكرد ايضا. لذلك لا يجب أن نكتفي نحن الكرد بالتعاطف الأنساني فقط، بل علينا، من اجل حياة افصل لأطفالنا، أن نملك من الدموع ما يكفي لاطفال فلسطين واليهود، كل بحجم مأساتهم و آمالهم في الحياة الكريمة.



#آلان_م_نوري (هاشتاغ)       Alan_M_Noory#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- برلمان ال (10%) أي موازنة انتج؟


المزيد.....




- أدى لحريق هائل.. سائقة تفقد السيطرة على سيارتها وتخترق جدار ...
- بتهمة القتل غير العمد.. السجن 5 سنوات لممثل مشهور
- موجة قطبية تاريخية تضرب الولايات المتحدة وكندا
- صحيفة: آمال زيلينسكي في استخدام الأسلحة الغربية ضد روسيا لن ...
- مراهقة كندية تربح 36 مليون دولار أمريكي بفضل أول تذكرة يانصي ...
- إثيوبيا: آبي أحمد ومسؤولون حكوميون يعقدون أول اجتماع مع قادة ...
- بسبب قلة المعاشات التقاعدية.. كبار السن في كوريا الجنوبية يض ...
- مقال بموقع إنترسبت: لا علاقة له بمعاداة السامية.. لماذا يكره ...
- العراق.. قرى بالسليمانية لم تصلها الكهرباء منذ عقود
- قنبلة قديمة تعطّل خطا رئيسيا للقطارات في ألمانيا


المزيد.....

- سيميائية الصورة في القصيدة العربية PDF / ياسر جابر الجمَّال
- طه حسين ونظرية التعلم / ياسر جابر الجمَّال
- الخديعة - منظمة الفساد الفلسيطينية / غسان ابو العلا
- قطرات النغم دراسة في موسيقى الشعر العربي / ياسر جابر الجمَّال
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية / ياسر جابر الجمَّال
- مُتابعات – نشرة أسبوعية العدد الأول 07 كانون الثاني/يناير 20 ... / الطاهر المعز
- مدار اللسان / عبد الباقي يوسف
- عوامل تبلور الهوية الفلسطينية(1919-1949م) / سعيد جميل تمراز
- الحد من انتشار الفساد المالي والأداري في مؤسسات الدولة / جعفر عبد الجبار مجيد السراي
- الدَّوْلَة كَحِزْب سِيَّاسِي سِرِّي / عبد الرحمان النوضة


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - آلان م نوري - عن الوعي الكردي المضطرب بين اسرائيل و فلسطين