أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - عبدالله كلّم : خيط الدّم ، الأفق المُدمّى














المزيد.....

عبدالله كلّم : خيط الدّم ، الأفق المُدمّى


محمود كلّم
(Mahmoud Kallam)


الحوار المتمدن-العدد: 6870 - 2021 / 4 / 15 - 20:30
المحور: القضية الفلسطينية
    


مثل معظم قرى الجليل المسروقة من وطنه، تمتد قرية جالين على السفح الغربي لجبل الجرمق الذي يشكّل مع سلسلة جبال لبنان الغربية الحدود الفاصلة بين لبنان والأرض الفلسطينية المحتلة، يحتضنها نهر القرن وتنام على ذراعه في دعةٍ وطمأنينة.
درجت أقدامه في مرابعها ومروجها، وزرع سيقانه في تربتها كعود الريحان صبيّاً. وشبّت قامته مع أشجار الزيتون فيها ينافسها التجذر والطول، وارتوى جسده من خرير نهر القرن، وفي مائه اغتسلت طفولته وصباه. مع عصافير الجليل زقزق وغرّد ومن ثم مات. ومع السنونو العائد إلى أوطانه حلّق في فضاءات الله الرحبة. وفي لياليها المقمرة كان في المغيب يترصّد الأقمار، ويرصفها علامات في دربه المجهول.
كان يحدّق في ليالي جالين المظلمة وهو صبيّ فيشعر برجفة خوف في أوصاله لا يعرف أسبابها ومصدرها. كان الافق الممتد أمامه ذراع غولٍ يحاول الإطباق عليه فيهرب منها بروحه، بينما تظل أقدامه مسمّرة في الأرض. كان كل ما في جالين يقتات من جسده. إنه عِشْق الإنسان للأرض؛ عشق من النوع القاتل المميت من دون رحمة.
حين تنطفئُ فوانيسُ الليل وتُطبقُ العتمةُ على الروح، يظلُّ وجهه دليل السائرين في ظلمته وروحه أغنيةً تخترق ستار الليل كمزامير الرعاةِ.
عبدالله محمود كلّم المولود في قرية جالين قضاء عكا، فلسطين عام 1928، فيها عاش ولم يفارقها إلا حين ووري جسده في التراب. عاش فيها «غريب» كامو، وكان «قحط بن جداب» عند مظفر النواب عارياً لا يملك شيئاً، ولا حتى حفنةً من تراب قريته. عرف الحزن صديقاً له وتعرّف إليه وهو في سن مبكرة، فعقد معه حلفاً أبديّاً، ظلّ وفياً لهذا الحلف حتى لحظات موته حين أحسّ به، هذا الزائر غير المرغوب بزيارته يصرخ في أذنيه، يدقّ الباب عليه، فأخبر مَن حوله بالزيارة غير المعلنة وغير المرّحب بها. افترش سجادته الصغيرة واستدار بوسادته صوب القبلة، وأغمض عينيه الإغماضة الأخيرة.
بكى عبدالله محمود حسن صالح كلّم أمَّه عليا في سن مبكرة، وذرف الدموع عليها، فعاش يتيماً مع شقيقه الأكبر فهد ووالده الذي بقي وفيّاً لزوجته؛ فلم يتزوج بأخرى حتى رحيله.
لم يمضِ وقت طويل حتى نعى شقيقه فهد الذي اغتالته قوات الاحتلال البريطاني عام 1945 فبكاه مرّ البكاء.
لم تستطع الأزمات ولا المحن أن تثني قامته؛ فظلّ منتصب القامة عالي الهمّة، ولا النوائب أن تنال من روحه وعزيمته، أو كبريائه، أو تبدّل في سلوكه وفي أخلاقه، بل ظلّ كما عرفه أهل قريته، رقيق الحواشي، زاخراً بالعاطفة، ليّناً ومتسامحاً، سهل العريكة، حلو الحديث، دمث الأخلاق، ليّن المشاعر رغم الحزن والخراب الذي في داخله.
كان يرى المستقبل سراباً أمامه كمن يقرأ الغيب، فيضرب كفاً بأخرى ندماً وخيبة بقيادة الثورة الفلسطينية التي رأى أنها ليست سوى تاجر يحمل وطناً للبيع في حقيبته، فلم تعد أهلاً للأمانة ولا جديرة بالمسؤولية، مسؤولية شعب تشتّت في جهات الأرض.
كانت أرض فلسطين وترابها هاجسه، وأغنيته التي صاغ لحنها بنفسه. كانت نقطة الضوء في ليله الحالك، يسعى نحوها حثيث الخطى. لم يستطع العيش بعيداً منها، من حدود دولته الحالم بغدها؛ فلسطين الشمالية؛فلم يغادر قضاء مدينة صور في جنوب لبنان طوال حياته. وإليها - أرض فلسطين- تعود أسباب تعلّمه القراءة والكتابة على يد تاجر ثياب أردني، حين زار أرضه مرة، من عدة مرات، متسلّلاً، فألقت الأجهزة الأمنية اللبنانية القبض عليه، فاستضافه مرحّبا به سجن الرمل في مدينة صور ليقضي فيه ثمانية عشر شهراً بتهمة وجريمة لم يرتكبها ولم يعرف عنها وعن أصولها شيئاً.
ظلّ حلم العودة طيفاً يراوده في الصحو وفي النوم، وحنيناً يكابده، ونشيجاً يقطّع أوصاله، وعطشاً ليس من ريٍ له، فرحل رحلته الأخيرة (26-2-2012) وترك وراءه هذا الكمّ القاتل من الحنين المشتعل والعودة التي لم تتحقّق.
أبا علي وداعاً!!






أضواء على تاريخ ومكانة الحركة العمالية واليسارية في العراق،حوار مع الكاتب اليساري د.عبد جاسم الساعدي
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عشيرة عرب العرامشة: صمود وتشبث بالأرض
- الأوديةُ والينابيعُ في أرضِ عشيرةِ عربِ السَّمنيّة
- المُغتصبات الصُّهيونيَّة على أراضي عشيرة عرب السَّمنيّة
- ستيفانو كياريني : الإيطالي الذي أحيا ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا
- راوية شاتيلا.. دموع لا تجف
- أنيس صايغ... الغائب الحاضر
- فلسطينيو مخيمات لبنان... ذاكرةُ الألم !!!
- سليمان الشيخ - عناقٌ خلفَ أسلاك المخيم !!
- رنا بشارة : فتاة الصبّار الفلسطيني
- فلسطينيو المخيمات... ذاكرةُ الألم !!!
- أمير الشعراء والبدوية ريحانة مزعل
- مواقع مهمة في أرض عشائر قضاء عكا - فلسطين
- اللاجئون من سورية إلى أوروبا.. رحلة الموت لاكتشاف المجهول!!!
- المستوطنات الصهيونية التي أُقيمت في قضاء عكا قبل وبعد نكبة 1 ...
- مشاهدٌ من مجزرة عرب المواسي في عيلبون
- عن وداع( أبو ذياب ) من بعيد - خطفه الموت باكراً -
- من التراث الشعبي البدوي.. ثقافة القهوة التي نشربها
- ذاكرةُ الثّلجِ : أوراق من على رصيف الذاكرة!
- الشهيد مرعي حسن الحسين: أول شهيد فلسطيني من مخيمات جنوب لبنا ...
- ناجي العلي: عن أقدم لوحة معروفة!


المزيد.....




- اكتشاف مرعب يؤدي إلى غلق جسر في تينيسي.. وحظر مرور السيارات ...
- نتنياهو يزور القبة الحديدية: الأمر سيطول.. هاجمنا نحو ألف هد ...
- نتنياهو يزور القبة الحديدية: الأمر سيطول.. هاجمنا نحو ألف هد ...
- روسيا تحتفل بعيد الفطر
- إصابات إثر إطلاق صاروخ من غزة على منزل في سديروت
- الجناح العسكري لـ-الجهاد الإسلامي- يعلن قصفه منصة لـ-القبة ا ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف 4 غرف عمليات لـ-حماس- في غزة
- روسيا تكشف عن قطار مسيّر يعمل بالوسادة المغناطيسية
- فيديو: مسلمو العالم من القاهرة إلى بكين يؤدون صلاة عيد الفطر ...
- التصعيد الإسرائيلي الفلسطيني: كيف يعيش فلسطينيو الداخل في ظل ...


المزيد.....

- الإنتخابات الفلسطينية.. إلى أين؟ / فهد سليمان
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب العام 1948: صياغة تاريخ أنثروب ... / محمود الصباغ
- مواقف الحزب الشيوعي العراقي إزاء القضية الفلسطينية / كاظم حبيب
- ثورة 1936م-1939م مقدمات ونتائج / محمود فنون
- حول القضية الفلسطينية / احمد المغربي
- إسهام فى الموقف الماركسي من دولة الاستعمار الاستيطانى اسرائي ... / سعيد العليمى
- بصدد الصھيونية و الدولة الإسرائيلية: النشأة والتطور / جمال الدين العمارتي
-   كتاب :  عواصف الحرب وعواصف السلام  [1] / غازي الصوراني
- كتاب :الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية / غازي الصوراني
- كلام في السياسة / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود كلّم - عبدالله كلّم : خيط الدّم ، الأفق المُدمّى