أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدنان إبراهيم - من علوم الإمام أبي العزائم | الطريق إلى الله تعالى | الجزء‏ الرابع















المزيد.....


من علوم الإمام أبي العزائم | الطريق إلى الله تعالى | الجزء‏ الرابع


عدنان إبراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 6813 - 2021 / 2 / 13 - 09:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أخذ العهد على المريدين
البيعة في الكتاب والسنة: ‏
‏ قال الله تعالى: (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) وقال تعالى (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا). وقال تعالى ‏‏(إن العهد كان مسئولا). وقال تعالى (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث ‏فإنما ينكث على نفسه ومن ‏أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) وقال تعالى (لقد رضي الله عن ‏المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): « بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا » الحديث. ‏
فالعهد أولا أخذه الله تعالى على رسله الكرام، بأن يكونوا أمة لحبيبه ومصطفاه إن أدرك زمانه أحدهم. وأخذت ‏الرسل صلوات الله وسلامه عليهم العهد لله على أممهم، وقام العلماء الربانيون بأخذ عهد الله تعالى بالنيابة عن ‏رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أهل عصرهم في كل زمان، بأن يبينوا لهم ما أوجبه الله تعالى عليهم، وما رغبهم فيه، وما ‏كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة الهدى، ثم يأخذون عليهم العهد أن يأتمروا بما أمرهم به الله والرسول، وينتهوا ‏عما نهى الله ورسوله عنه.(1)‏

الجنة وفاء من الله بعهده للمؤمنين: ‏
‏ قال تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) وكما أن الله أخذ عليهم العهد أن يقوموا ‏بالعمل بوصاياه سبحانه، فقد ضمن لهم - فضلا منه وكرما - أن يدخلهم الجنة، وبشرهم بأن يفى لهم بعهده ‏سبحانه، قال تعالى (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم) فتكون معاني الربوبية معالم بين عيني العبد، فلا يرى شيئا ‏إلا ويرى أنوار الربوبية قبله وفيه وبعده، وبذلك يكون ربانيا، يفقه عن الله، ويتلقى بسره عن رسول الله، ويكون ‏له وجود عينى بالله تعالى، ثابت بإثبات الله له، ظاهر بإظهار الله له، عامل في محاب الله ومراضيه بتوفيق الله ‏وهدايته، فيكون له من الله الفضل العظيم، وعليه الواجب المقدس، الذي هو معرفة حكمه إيجاده له سبحانه ‏وتعالى، وسر إمداده منه سبحانه وتعالى.‏
‏ ‏
كيفية أخذ العهد: ‏
‏ لما كان العلماء الربانيون ورثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكان لابد من تجديد عرى الإيمان، لأن الإيمان ‏يخرق كما يخرق الثوب، وتخفى معالمه، ولكن الله سبحانه وتعالى يجدده على ألسنة العارفين به. ‏
‏ ولما كان المرشد خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، في بيان شعب الإيمان وتفصيل ما أجمل من السنن، وتوضيح ما أبهم ‏منها، وبيان سبل الله، كان عليه بعد أن يعلم تلاميذه ما يجب عليهم: أن يعاهدهم بالنيابة عن رسول الله ‏‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويواثقهم له صلوات الله وسلامه عليه، مبينا لهم أن يده التي يضعها على أيديهم هي يد رسول الله ‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، حتى يكون صورة كاملة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). ‏
‏ فاصطلح أهل الطريق رضي الله عنهم أن يبتدئوا مع المريد بتعليم العلم الواجب عليه في الوقت، من علوم المعرفة والأخلاق ‏والعبادات والمعاملات، وآداب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم يواثقونه بعد ذلك على أن يعمل بما علم بقدر استطاعته، ‏وينتهي عما نهى عنه الله جملة واحدة إلا ما أكره عليه كما يبينونه له. ‏
فيبايعونه البيعة الكاملة على أن لا يشرك بالله شيئا، وأن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج ‏البيت إن استطاع إليه سبيلا، وأن يجتنب الكبائر والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأن يجاهد نفسه وهواه في ‏ذات الله، ويبينون له (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) هذا سر العهد عندهم، ولا ‏ينبغي أن يعاهد المريد إلا عارفا ربانيا، يصح أن يكون صورة كاملة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحسب زمانه، لا بحسب ‏المعاني المحمدية الكاملة. ‏
‏ ---‏
أصول الطريق
العقيدة

العقيدة هي أصل الأصول: ‏
‏ هي أصل الأصول التي عليها مدار العبادات والأخلاق والمعاملات، وبها نيل الرضوان الأكبر يوم لا ينفع مال ‏ولا بنون، قال سبحانه (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء‏) متى انعقد القلب على ‏العقيدة الحقة التي مأخذها الكتاب والسنة، وبيان الأئمة، أشرقت أنوارها على الجوارح، فسارعت إلى محاب الله ‏ومراضيه، وإنما تكون الاستقامة بقدر العقيدة الحقة، تجعل المتجمل بها حاضرا مع الله لا يغيب، عاملا له ‏سبحانه بالإخلاص لا يخالفه، مراقبا له جلاله في خلوته ومجتمعه، محاسبا نفسه على كل صغيرة وكبيرة، يرى ‏الجحيم حضورا أو استحضارا، وبعيشك: من رأى الجحيم بعين اليقين، كيف يخالف القوي القهار المتين ؟!‏

العقيدة في أقوال أئمة الطريق: ‏
‏ وإليك ما قاله أئمة الطريق فيما جملهم الله تعالى به من حسن العقيدة. ‏
‏ سئل أبو عثمان المغربي عن الخلق فقال: قوالب وأشباح، تجري عليهم أحكام القدرة. ‏
وقال أبو عثمان المغربي يوما لخادمه محمد: لو قال لك أحد: أين معبودك، فماذا تقول ؟ قال: أقول: لم يزل، ‏قال: فإن قال: أين كان في الأزل، فماذا تقول ؟ قال: أقول: حيث هو الآن. يعني أنه كما كان ولا مكان، ‏فهو الآن كما كان، قال: فسره منه ذلك، ونزع قميصه وأعطاه إياه. ‏
وقال الواسطي: لما كانت الأرواح والأجساد قامتا بالله وظهرتا بالله، لا بذواتها، كذلك قامت الخطرات والحركات ‏بالله، لا بذواتها، إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح.‏
وقال أبو سعيد الحزاز: ومن ظن أنه ببذل الجهد يصل إلى مطلوبه فمُتعنًّ، ومن ظن أنه بغير الجهد يصل ‏فمتمن. ‏
وجاء رجل إلى ذي النون المصري يقول: ادع الله لي، فقال له: إن كنت قد أيدت في علم الغيب بصدق ‏التوحيد فكم من دعوة مجابة سبقت لك، وإلا فإن النداء لا ينقذ الغرقى.‏
وسئل ابن شاهين الجنيدي عن معنى « مع » فقال: لها معنيان، مع الأنبياء بالنصرة والكلاءة، قال تعالى ‏‏(إنني معكما أسمع وأرى) ومع العامة بالعلم والإحاطة، قال تعالى (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) ‏
‏ . وقال الإمام جعفر الصادق: من زعم أن الله في كل شيء او من شيء أو على شيء فقد أشرك، إذ لو كان ‏في شيء لكان محصورا، أو كان من شيء لكان محدثا، أو لو كان على شيء لكان محمولا. ‏

المنكرون لأقوال أئمة الطريق: ‏
‏ هذه عبارات من سبقت لهم العناية، وإنما يذوق حلاوة معناها أهلها، ممن سبقت لهم من الله الحسنى (وكلا ‏نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك) وإن كان معنى الآية يشير إلى ماكان يحصل لرسول الله من ‏الحزن - عند إنكار قريش وتكذيبه - رحمة بهم. ولكن نذكرها هنا لإقامة الحجة، على أن تلك العبارات يزداد ‏بها أهل الإيمان الكامل يقينا، وينكرها من سجل عليهم القضاء البعد والقطيعة ‏
‏ وما تقول في عقيدة من يدعي الإسلام وهو يعتدي على أخيار الله، محتجا بكلام من لا حجة لهم ممن قال الله ‏فيهم (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا‏) وقال سبحانه (ما ‏أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا). ‏
‏ ما تقول في عقيدة من يقول: أنا أبحث بحثا علميا والدين والعلم مختلفان. وهو يجهل حقيقة العلم لأنه يجهل ‏روح الدين. الإسلام لا يعادي العلم، لأن الإسلام وضع الحكيم العليم، الذي بين الحقائق كما هي، وكل ما ‏يخالفه فهو جهل وضلال، وإن كان عند أهل النفوس اللقسة علما. ‏
‏ العلم هو تصور النفس رسوم المعلوم، ومتى تصورت النفس رسوم المعلوم، صار المعلوم معالم بين عيني العالم - ‏لانبلاج أنوار الغيب المصون وإشراقه على جوهر النفس - فبين لغيره بالعبارة معاني المعلوم، ليتمثلها خيال ‏السامع لا بقدر المعلوم، فإن كان السامع ممن منحهم الله نفسا نورانية، تقبّل العلم الحق واطمأن قلبه. وإن ‏كانت نفسه خبيثة، أنكر ومال إلى مجالسة أهل الكفر والضلال، فإن استدرجه الله تعالى بقوة أهل الباطل، ‏وضعف أهل الحق، جاهر بالضلال، وإن أظهر الله أهل الحق أظهر أنه من أتباعهم، وأخفى في نفسه ما الله ‏مبديه، وهو النفاق. ‏

العقيدة هي الحجة: ‏
بينت لك الأصل الأول الذي هو العقيدة، وهو أصل الأصول، بل هو رأس مال المؤمن، وما زاد عليه فهو ‏ربحه، قال الله (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) والعقيدة الحقة مأخوذة من الكتاب ‏والسنة وبيان الأئمة، وقد أوردت ما قاله أئمة الطريق رضى الله عنهم في العقيدة، وفيه الكفاية لمن جعل الله لهم ‏نورا في قلوبهم. ومن طلب تحصيل العقيدة بالبراهين المنطقية والأدلة العقلية، حرم الإيمان الحق، لأن الله تعالى ‏على عظيم، لا تدركه الأبصار الباحثة. (2) وقد أخبرنا سبحانه وتعالى عن نفسه في آيات من القرآن كثيرة، ‏وأقام الحجة البالغة بما بينه سبحانه في خلق السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، مما شاهدته العقول، ‏واطمأنت به القلوب. على أن كل شيء خلقه الله للإنسان مما أحاط به من أفلاك وأملاك، وأجواء وأرجاء، ‏ومعادن ونباتات وحيوانات، وهذه هي الحجة التي أسجدت القلوب لعلام الغيوب، وبقيت المحجة وهي الأصل ‏الثاني الذي هو العبادة التي تربط العبد بربه، قال تعالى(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وتتمثل في الطريقة ‏المستقيمة. ‏

الطريقة المستقيمة
الطريقة هي الحجة: ‏
‏ هي أقرب طريقة توصل إلى المطلوب، وكل الطرق الأخرى منحرفة أو معوجة أو منقطعة لا توصل السالك ‏عليها، وتلك الطريقة المستقيمة محصورة في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعمله وإقراراته، وقد بينها أئمة الهدى بالقول ‏والعمل والحال. ‏
‏ وطالب الله تعالى يجب عليه أن يبحث عن مرشد يصحبه، هو أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد أن يظفر ‏به يجب عليه أن يسلم له فيما علم أنه لا يخالف كتابا ولا سنة فإن الحرام بين والحلال بين، ومن حجب ممن ‏يتعدى حدود الله ويخالف أحكامه، ووصاياه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فارق السنة، ومال عن الطريقة المستقيمة، ولا ‏حجة له. قال الله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ‏
‏ والواجب علينا أن نتمسك بالسنة، تمسكا يمنحنا ربنا الفوز به، والوصول إليه، ونيل ما وعدنا سبحانه عنده، ‏قال سبحانه (أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا).‏

بم تصلح الطريقة؟
أولا: تلقي عقيدة التوحيد
‏ تلقى عقيدة التوحيد من الكتاب والسنة والسماع من المرشدين الكاملين، لا من أهل الجدل والمعارضة ‏والإنكار، الآخذين بأصول اليونان - التي هي الأشكال المنطقية ونتائجها - وما لم يكن عليه السلف الصالح، ‏بل يترك الجدل مرة واحدة، قال تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون).‏

ثانيا: امتثال الأوامر واجتناب النواهي ‏
‏ المسارعة إلى عمل ما أمر الله بقدر الطاقة، والبعد عما نهى الله عنه جملة، فإن الطاعة مقيدة بالطاقة، قال ‏تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ‏‎ ‎وكل تكليف ملاحظ فيه الاستطاعة، وأما ما نهى الله عنه فيترك جملة واحدة، ‏فإن الله ما نهى إلا عن كل قبيح لا خير فيه.‏

ثالثا: أن يكون لكل فرد في المجتمع حق عليه ‏
‏ أن ينزل الناس من قلبه بقدر ما أنزلتهم الشريعة، فترى معلم الخير والوالدين في أرقى المقامات من قلبك، ‏تعظيما وإقتداء ومحافظة على الاتباع وبرا. ‏
‏ وترى إخوتك من والديك أحب الناس إليك، ويليهم إخوتك من والدك أو والدتك، ثم ترحم أبناءك وتجتهد ‏في تربيتهم تربية تصلح بها حالهم في الدنيا والآخرة، ثم تحسن صحبة زوجتك، وخصوصا إذا تزوجت أكثر من ‏واحدة. ‏
‏ ثم تنزل الناس بحسب منازلهم، من جار أو قريب أو شريك أو عامل عندك، من الرحمة وحفظ العهد ورعاية ‏جانب الله تعالى، حتى يكون المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد، لكل فرد منه حق عليك بقدره شرعا. ‏

رابعا: أن يؤدي ما عليه لغيره ‏
‏ وهنا ملاحظة أحب أن يكون السالك عليها، وهي أن يسارع في تأدية ما عليه لغيره، ولا يطالب الناس أن ‏يقوموا بما عليهم له، طمعا فيما يناله من الأجر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من آتى الله بقلب سليم. ‏
‏ وفى هذا المقام تتفاوت المقامات، فإن الله سبحانه عندما أثنى على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يثن عليه لأنه كثير ‏الصيام، أو القيام، وإنما أثنى عليه بالأخلاق الكريمة، قال تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) بغير تنوين القاف، ‏أى: على خُلُقِ الله، وبالتنوين في رواية حفص يعنى على خلق موصوف بالعظمة عند الله تعالى، وهو أكمل ‏جمال للأخلاق.‏
ولا تسوّ أيها المريد بالأخلاق شيئا، فإن الأخلاق هي رعاية جانب الله تعالى، وقهر دواعى البشرية من الحظ ‏والهوى والطمع، وبذلك يكون المريد أشبه بالملائكة المقربين، بل أفضل منهم، لأنه مجاهد، والملائكة أرواح ‏نورانية ليست فيهم عناصر تقتضي المجاهدة، قال تعالى (وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما) ‏

الشريعة والحقيقة طريق واحد

أدعياء الطريق وتأويلاتهم
‏ إن الأصول الشرعية يجب على السالك في طريق الله أن يرعاها حق رعايتها، فلا يحيد عنها قيد شعرة، ‏والسلوك إلى الله تعالى لا يمكن أن يكون من غير الطريق الشرعي، ولما كانت هذه النقطة من أدق النقاط ‏وأصعبها فهما على عقول العامة، خصوصا في هذا الزمان المظلم الذي تفشت فيه البدع، واشتدت وطأة ‏المضلين والجاهلين. ‏
‏ فقد رأينا أن نعرض للكلام فيها، ونفصل ما خفى منها حتى تستبين الحجة فيها، وتتضح المحجة وينجلي ذلك ‏الستار الموهوم الذي أسدله أدعياء المتصوفة وقاطعوا طريق الله تعالى على أنفسهم، لتضليل البسطاء وإغواء ‏الأبرياء، والتحايل على العيش من وراء هذا الافتراء والبهتان. ‏
يحاول أولئك القوم أن يفهموا السذج من الناس أن الشريعة والحقيقة مختلفتان، متناقضتان في لفظهما ‏وجوهرهما، وأنهما طريقان متباينان، لكل طريق منهما أصول وقوانين، وأن كلا منهما انفردت بأهلها ومعتنقيها ‏عن الأخرى، ولذلك يُحَتّمون على من سار في طريق الحقيقة أن يترك كل ما يتعلق بالشريعة، لأنه يسير بزعمهم ‏في طريق أعلى وأسمى من تلك الطريق، ولا يجمل بمن رقى أن يتنزل، ولا بمن تغلغل في بطن الدار وجالس أهلها ‏؛ أن يعود للوقوف على بابها. ‏

الرد على هذه التأويلات: ‏
وجهل أولئك المغرورون أن الشريعة والحقيقة طريق واحد، بدايته الأولى ونهايته الثانية. ‏
وأن الحقيقة من الشريعة، كالقصر المشيد العالي من الأساس المتمكن في أعماق الأرض، فلو لم يبق هذا ‏الأساس ويحكم بناؤه لما قام ذلك القصر، ولما دام بقاؤه. ‏
وإنه وإن كانت الحقيقة بيتا والشريعة بابه، فإن البيوت لا تؤتى من غير أبوابها، وإن الذي يدخل البيت ‏من غير الباب إنما هو لص مريب، لا ينظر إليه بعين الثقة ولا الاحترام. ‏
‏ ولقد بين العلماء العارفون بالله وهَنَ تلك الدعاوى الباطلة، التي يضلل بها أولئك الأدعياء عقول الناس، ‏يقذفون بهم في هوة مخالفة الشريعة والخروج على أوامرها، حتى إذا ما انقضت تلك الحياة الدنيا - وسرعان ما ‏تنقضي - وجاء يوم الحساب والعقاب (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب ‏وقال الذين ‏اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما ‏هم ‏بخارجين من النار) ‏

مكائد أدعياء الطريق وحيلهم: ‏
‏ وإليك بعضا من مكائدهم وحيلهم التي ينصبون شراكها لإيقاع البسطاء: ‏
‏ أول ما يبدو لك من أحوالهم جرأة على الشريعة، وسوء أدب مع الله تعالى، وأمن واستهتار ينبئك بأن نفوسهم ‏لقسة لم تتطهر من رجس الشهوات، ولم يوجد فيها القابل الذي يقبل الحقائق ويرضخ لها، وإذا ما أنكر عليهم ‏منكر بعض أمورهم المخالفة للشرع الشريف، قالوا كذبا: (إن حرمة ذلك في العلم الظاهر، وإنا أصحاب العلم ‏الباطن، وهو في علمنا حلال، وإن الناس يأخذون من الكتاب والسنة، أما نحن فنتلقى من صاحبها محمد ‏‏(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن أشكل علينا ما نتلقاه منه رجعنا إلى الله تعالى بالذات. وإنا بالخلوة، وهمة شيخنا نصل إلى الله، ‏فتكشف لنا العلوم، فلا نحتاج إلى كتاب وسنة، إن الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا برفض العلم الظاهر ‏والشرعي، وإنا لو كنا على الباطل ما حصلت لنا تلك الكرامات العلية، والأحوال السنية، من مشاهد الأنوار، ‏وكشف الأسرار). ‏

الرد على هذه المكائد والحيل: ‏
‏ كل ذلك ونحوه أكاذيب وترهات، بل هو إلحاد وضلال إذ فيه ازدراء بالشريعة السمحاء، وإبطال لحكمة ‏تشريعها، وإن الشيطان لم ينل من المسلمين ما ناله الفساق من المدعين التصوف بالباطل، فإن الله تعالى يقول ‏‏(واتقوا الله ويعلمكم الله) والتقوى هي العمل بعلم الشريعة.‏
لأن الأخذ بالعزيمة من شأن الأتقياء، ومن خالف الشريعة صار غويا لا تقيا، ومثله يعلمه الشيطان الطمع في ‏الأموال، وإباحة الأعراض، والكيد لمخالفيه والمنكرين عليه.‏

الذين يحصلون علم الشريعة ولا يعملون به: ‏
‏ كما أن الذين يحصلون علم الشريعة ولا يعملون به هم شر الخلق، لأن العالم إذا استعان بعلمه على نيل الدنيا ‏من الملوك والأمراء، بل ومن المتسلطين من غير المسلمين، بأن يواليهم ويودهم ويتردد عليهم، سلب الله منه بركة ‏العلم، وكان العلم حجة عليه يوم القيامة. ‏
روى الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر الأندلسي بسنده في كتابه: (جامع بيان العلم) عن أبي هريرة ‏ ‏قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: « أولُ الناس يُقْضى فيه يوم القيامة ثلاثةٌ: رجل استُشهد في سبيل الله ‏فأتى به ربُّه فعرّفه نعمه فعرفها، فقال: فما عملت فيها ؟ قال: قاتلت فيك حتى استُشهدْتُ، قال: كذبت، ‏ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل: ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم ‏وعلمه وقرأ القرآن. فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال تعلمتُ فيك العلم وعلمتُه وقرأتُ ‏القرآن، قال: كذبت، ولكن ليقال: هو قارىء، وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ‏ورجل أوسع اللهُ عليه وأعطاه من أصناف المال، فأتى به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها ؟ قال: ما ‏تركتُ من سبيل تحبُّ أن أُنفق فيه إلاّ أنفقتُ فيه، قال: كذبت ولكن ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به ‏فسُحب على وجهه حتى ألقي في النار‎«‎‏. ‏
‏ وهذا الحديث فيمن لم يرد بعلمه ولا عمله وجه الله. وقد قيل في الرياء: إنه الشرك الأصغر. ‏


‏__________________‏
‏(1)‏ ‏ هذا العهد ليس أمراً مجازياً ولكنه عهد حقيقي له نص وصيغة معينة، بقيت آثاره في الطرق الصوفية حتى يومنا هذا.‏
‏(2) يتحدث الإمام عن علم الكلام والمباحث المنطقية التي أخذها المسلمون عن اليونان في استدلالهم على وجود الله تعالى، بينما براهين القرآن ‏فيها كفاية لمن كان له قلب. وأشد من هؤلاء ضلالاً من بحث عن الله من خلال العلم التجريبي اعتماداً على الحواس من سمع وبصر ولمس وشم ‏وتذوق، وممن استفاض في نقض هذا المنهج المعوج العلامة آلان كاردك في كتاب الأرواح. والله يقول (لا تدركه الأبصار) ولكن تدركه العقول، ‏ولذلك كثيراً ما خاطب أولوا الألباب.‏






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من علوم الإمام أبي العزائم | الطريق إلى الله تعالى | الجزء‏ ...
- من علوم الإمام أبي العزائم | الطريق إلى الله تعالى | الجزء ا ...
- من علوم الإمام أبي العزائم | الطريق إلى الله تعالى | الجزء ا ...
- دين الإنسان ودين السلطان


المزيد.....




- عبير موسي: تونس تدعم الأمن المائي المصري.. وهدف -الإخوان- هد ...
- مصر.. رد دعوى إسقاط الجنسية عن قيادات في -الإخوان- وشخصيات أ ...
- مئات الفلسطينيين يجهزون المسجد الأقصى لاستقبال شهر رمضان (في ...
- مسؤول فلسطيني: نرحب بموقف الكنائس الأميركية من أجل السلام
- مصر.. إلغاء موكب الطرق الصوفية التزاما بقيود كورونا
- السعودية: 70 كاميرا على أبواب المسجد الحرام لرصد درجات الحرا ...
- لقاءات تتدارس إغلاق المساجد خلال صلاتَي العشاء والفجر
- في حوار مع الجزيرة نت.. عبد الإله سطي: الحركة الإسلامية بالم ...
- الحكومة الفلسطينية تسمح بأداء صلاة التراويح في شهر رمضان داخ ...
- البحرين.. إطلاق سراح عشرات السجناء بينهم نشطاء سياسيون ورجل ...


المزيد.....

- الطاعون قراءة في فكر الإرهاب المتأسلم / طارق حجي
-  عصر التنوير – العقل والتقدم / غازي الصوراني
- صفحات من التاريخ الديني والسياسي للتشيع / علي شريعتي
- أوهام أسلمة الغرب عند المسلمين / هوازن خداج
- جدل الدنيوية العقلانية والعلمانية الإلحادية / مصعب قاسم عزاوي
- كتاب النصر ( الكتاب كاملا ) / أحمد صبحى منصور
- الماركسية والدين / ميكائيل لووي
- الجيتو الاسلامى والخروج للنهار / هشام حتاته
- الكتاب كاملا :( مسلسل الحُمق في ذرية : علىّ بن أبى طالب ) / أحمد صبحى منصور
- خَلْق الكون في مقاربته القرآنية! / جواد البشيتي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عدنان إبراهيم - من علوم الإمام أبي العزائم | الطريق إلى الله تعالى | الجزء‏ الرابع