أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الفضل شلق - الاقتصاد السياسي للوباء















المزيد.....

الاقتصاد السياسي للوباء


الفضل شلق

الحوار المتمدن-العدد: 6795 - 2021 / 1 / 22 - 09:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



وباء يصيب البشرية. لا دواء له. هناك لقاح. ابتدأت الشركات الصانعة للقاح بتوزيعه. الشركات الصانعة قليلة العدد. طرائق الصنع ونقل اللقاح وتأديته معقدة. ليس للقاح سوق تبحث عنه الشركات من أجل التنافس. السوق هي البشرية جمعاء. قلة عدد الشركات الصانعة تجعل السوق احتكارية. الاحتكار طبيعي. لا تنافس، لأن السوق مفتوحة ومتاحة دون تنافس. لا نعرف بنية الأسعار. نعرف شيئاً واحدا هو أن الأرباح ستكون عالية جداً، ولو كان ثمن المبيع للجرعة الواحدة بضعة دولارات. كل البشرية بحاجة الى اللقاح. الهلع الذي يصاب به العالم يدفع كل الناس الى أخذ اللقاح.

الشركات الصانعة مصانة أو محمية بأمرين مهمين. أولهما السرية. ثانيهما حقوق الملكية الفكرية؛ على الأقل لمدة 15 عاماً. تزعم الشركات أنها تنفق الكثير على البحث والتطوير، وبالتالي يحق لها وضع أسعار عالية. الناس والحكومات مضطرون للشراء. الصانعون قليلو العدد والبشرية بأكملها سوق ضرورية، عندما تتحكم شركة واحدة أو عدة شركات، سواء قامت بالتنسيق سراً أو علانية. فهي كارتل يتحكم بالسوق. بيع اللقاح لا يكون بالتنافس. الناس مضطرون بسبب الخوف المفرط على حياتهم للشراء. ليس أمام المستهلك خيار. ليس هناك سوق تنافسية. الصانع يملي الثمن. وهذا معنى الاحتكار الطبيعي.

يشبه تدفق اللقاحات الى بلاد قبل بلادنا تدفق الاستثمارات المالية في العقود الماضية. أرسلوا إلينا المال، بالأحرى فوائض مالية كانوا بحاجة الى “استثمارها”. تدفق إليهم مال بكميات أكبر مما بعثوا إلينا. كانوا يضغطون على بلدان العالم الثالث من أجل الاستدانة. لم تكن المساعدات إحساناً. الإحسان لا مقابل له. بل هي أموال مشروطة بأن تسترد مع الفائدة. الفائدة المركبة على مدار السنين تفوق أصل الدين. كان التدفق المالي بين الدول الدائنة (المتقدمة) والدول المستدينة (المتأخرة) هو دائماً لصالح الدائنين. بالطبع هناك محسّنات تأتي مع الديون، مثل القروض الميسرة، بمعنى أن تكون الفائدة أقل من المستوى العالمي، أو ما يسمى الفائدة التجارية. وهناك هبات صغيرة دون مقابل. ذلك من أجل تزييت الماكينة. آلية الدين الخاص والعام هي دائماً لصالح الدائنين. الفرق بين مديون ومديون آخر، سواء كان أحدهما من القطاع الخاص أو العام، هو حسن استعمال القرض؛ في سبيل أشياء منتجة أو مجرد الاستهلاك. التمييز بين الريع والفائدة والربح كله مفتعل وايديولوجي يستخدم في سبيل التعمية. كله جزء من القيمة الزائدة. وهي ما يفوق على مسلتزمات البقاء لدى المديونين. كل جزء من عمل العامل الذي يُقتطع منه عنوة ليسمى ربحا أو فائدة أو ريعا شرعياً هو قيمة زائدة على ما يترتب للعامل من أجور. تتحول القيمة الزائدة الى ربح وفائدة وريع.

يشبه اللقاح المال في أنه قيمة عالمية. اللقاح تنتجه شركات الأدوية. المال تنتجه المصارف المركزية. لكن اللقاح يستخدم مرة واحدة في البيع والشراء. بينما المال يستخدم عدة مرات. الافتقار الى اللقاح يشبه الافتقار الى المال. هذا الافتقار يجلب الموت وذاك يقود الى الموت. كلاهما يحتاج الى الإحسان لإنقاذ بعض البشرية. مهمة القضاء على البشرية متروكة للفيروس. ندرة اللقاح تشبه ندرة المال في أنها وسيلة للقبض على البشرية وضبطها، وربما ضبط أعدادها المتزايدة. حتى الآن تحتكر الدولة بيع اللقاح. لا شك أن سوقاً سوداء، خارج الدولة، وربما داخلها، ستنتج عن سوء الإدارة. تخزينه مثل اكتناز المال بالعملة الصعبة سيؤدي بأصحابه الى امتلاك ثروات كبرى. ستتبارى الدول في إنتاجه كما تتبارى في إنتاج العملة الوطنية. سيكون هناك نوعاً واحداً أو أكثر متميزاً كما تتميّز العملة الصعبة، الدولار أو اليورو، عن بقية العملات. لا يحتاج اللقاح الى دعايات واعلانات من أجل التسويق. هلع الناس عظيم. وسائل الإعلام لم تقصّر. الناس بانتظاره بفارغ الصبر. لا يحتاج بلد الى الإعلان عن عملته والدعاية لها في الداخل.

جرت العادة أن يوقع العاملون في أقسام “البحث والتطوير” على عقود تمنح حقوق الملكية الفكرية للشركات التي يعملون فيها. وهي ليست لهم. براءة الاختراع تسجّل باسم الشركة لا باسم أيٍّ منهم. صار الفكر سلعة في هذا النظام الرأسمالي. أي اختراع في شركة تكون السلعة (الفكرية) ملكية للشركة. تحتفظ الشركات، تبعا لذلك، بآلاف البراءات المعنية بالسلعة الفكرية. ربما تستعملها أو لا تستعملها. لكنها، على أية حال تُخزّن وتُكتنز كالمال. هي شركات تبغي الربح لا غير. تحتفظ بسر صناعة سلعها الفكرية، كما كان مهنيو القرون الوسطى والقديمة يحتفظون “بسر المهنة”.
ما كانت البشرية أحوج الى التضامن مما هي عليه الآن. بقاء البشرية يعتمد على اللقاح. لكن بقاء البشرية ليس أولوية على المال وتراكم الثروات. أحسن من قال أن التناقض الرئيسي اليوم هو بين بقاء البشرية وبقاء الرأسمالية. أفلح النظام الرأسمالي في جعل الرأسمالية تبدو وكأنها طبيعة بشرية. تماماً، مثل الجينات أو الأعضاء البشرية. لكن المستحيل هو أن تصير الرأسمالية طبيعة بشرية. من فقد عضواً من أعضائه ليس كمن فقد ماله أو خسره. تعوّد الناس على اعتبار الرأسمالية طبيعة أخرى. وتعودوا نسيان أن الرأسمالية دخيلة على التكوين العضوي للبشر. هي كائن خارجي دخيل فُرِضَ على البشرية بالقهر والعنف وانقسام المجتمع الى طبقات. الطبقات العليا تستأثر بالقيمة الزائدة، التي هي جزء من عمل العاملين وحق إنساني لهم. لكن الاقتصاد الرأسمالي لا يهتم بالقيم الإنسانية. يهتم بقيمة واحدة هي الربح وما ينتج عنه من ثروة.

أممية الوباء تجعل المعالجة بالضرورة أممية. أممية تتخطى الحدود والدول والأديان والإثنيات. أمام الخطر الداهم لا يمكن البقاء للإنسانية دون التعاون. التعاون لا بد أن يكون أمميا يتجاوز الحدود والقوميات والإثنيات والهويات؛ يتطلّب هوية واحدة هي هدف البقاء. الكورونا وباء يفتك بالإنسان من جميع البلدان، مهما كانت تركيبتاتها الدينية والاجتماعية والقومية. الكورونا كائن بدائي، لكنه يدلنا على الطريق. أصم وأبكم، دون إحساس أو عقل. ليس له إلا مهمة واحدة، وهي أن ينمو. ينمو أمميا. بقاؤه مرهون بأمميته. كان على الإنسان أن يتعلم ذلك من الكوارث التي سبقت الكورونا والتي لا تزال موجودة وتهدد مصير الحضارة الإنسانية. الكوارث المحيقة، والتي بدأت قبل ظهور هذا الوباء، وسوف تستمر، تتعلق بالبيئة والسلاح النووي وغيره من أسلحة الدمار الشامل. والفقر الذي يزهق الملايين يومياً، والحقد، والكراهية، والاستبداد، والنظام الرأسمالي عامة. جاء من يشير إلينا بإشارة مأساوية وكارثية بأن طريق البقاء أممية كما طريق الفناء أممية.

غالب الإنسان إنسانيته، فاعتقد منذ القديم أن في أساس الخلق أخ يقتل أخاه. كل الايديولوجيات اللاحقة طبقية. هي في أساسها مبنية على مبادىء السيطرة والتحكم والسلطة والجيوش المتحاربة التي تقتل بعضها بعضاً. الى أن تم اكتشاف النووي الذي استخدم مرة واحدة فكانت النتائج مدمرة أكثر من أي وقت مضى. ما من دولة طورت السلاح النووي لديها من أجل الأغراض السلمية. ما من دولة تقتني النووي الا وتضمر الحرب. جائتنا الجائحة الكورونية تهمس في أذاننا: عليكم بالسلام بين بعضكم، مهما كنتم، إذا أردتم البقاء. ما لا تستطيع الكورونا قوله، وهي فيما عليه من البكم والصم، هو أن استمرار الجنس البشري مرهون بالتعاون (يسميه البعض كما اعتدنا أن نسميه اشتراكية أو شيوعية)، وأن التعاون شرطه الأساسي والوحيد هو القضاء على النظام الاجتماعي-السياسي-الاقتصادي، الذي هو خلاصة ما تعلمه البشر من تاريخ الحرب والقتل. حتى الديمقراطية لم تعد طريقاً للسلم الاجتماعي والقومي والديني، بل صارت مكاناً وزماناً لإخراج أسفل وأحقر وأحط ما في الإنسان من غرائز القتل والاستغلال والاستعباد والقهر. ألا يختصر ظهور الفاشية مجددا ذلك؟ وعن طريق الانتخابات. وهل الفاشية سوى سلاح دمار شامل؟
كما أن أسطورة الخلق، التي بنيت عليها كل الأنظمة الاجتماعية السياسات المتلاحقة، تعتمد مبدأ قتل الأخ لأخيه الإنسان واعتماد الحرب لإخضاع الآخرين. هناك أسطورة أخرى أكثر واقعية ومبنية على شواهد تاريخية؛ ومبنية على أن أصل الإنسان التعاون. أليس المجتمع مشاعياً في نظر الايديولوجيا الشيوعية؟ أسطورة الخلق الدينية أساس للفناء. أسطورة المشاعية الأولى أساس للبقاء. فأيهما نختار؟




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,225,634,716
- ماذا نناقش في الدين؟ لأنه سلطة حاكمة!
- التعريف بإسرائيل
- الصحوة الدينية – نصف قرن من الدمار والانهيار
- خواء العقل – الاستبداد السياسي والديني
- العقل البشري بين البقاء والدمار في ظل الرأسمالية
- آن للرأسمالية أن ترحل، صارت خطراً على الوجود البشري
- الكورونا تُعري شيخوخة النظام العالمي
- لبنان الى متاهات ألفية
- الدين المدني شرط الدولة المدنية
- الظاهر والكامن في القول بعدم الاختلاف الايديولوجي مع اسرائيل
- جريمة فرنسا ارتكبها وعي إسلامي
- التطبيع والثقافة
- كيف صودر زمننا وكيف شلت إرادتنا
- تحولات الهوية في لبنان – لا نحو قومية لبنانية ولا قومية عربي ...
- الطائفية وتداعياتها
- بيع فلسطين دون مقابل
- نهاية حروب التحرر الوطني ومعناها
- فلسطين في الوجدان العربي
- في معاقبة العاصمة بيروت الكوزموبوليتية
- الجائحة وقضيتها الأخلاقية


المزيد.....




- سوريا: إعطاء لقاح كورونا للعاملين في الخطوط الأمامية لمواجهة ...
- بحسب نتائج تقرير خاشقجي.. ما هي خيارات إدارة بايدن في التعام ...
- الخامس في المملكة.. البحرين تمنح موافقة الاستخدام الطارئ للق ...
- بحسب نتائج تقرير خاشقجي.. ما هي خيارات إدارة بايدن في التعام ...
- روسيا تختبر سفينة جديدة لسلاح البحرية
- قطر تتعهد بتمويل خط أنابيب لنقل الغاز الإسرائيلي إلى غزة
- فرنسا تتجه نحو تمديد عمر أقدم مفاعلاتها النووية
- مصر.. حبس مواطن قتل 14 شخصا بينهم أقارب له
- الأسطول الروسي يتعقب سفينتين للناتو دخلتا البحر الأسود
- رئيس وزراء ارمينيا يندد بمحاولة انقلاب والمعارضة تطالبه بالر ...


المزيد.....

- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين
- “الرأسمالية التقليدية تحتضر”: كوفيد-19 والركود وعودة الدولة ... / سيد صديق
- المسار- العدد 48 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- العلاقات العربية الأفريقية / ابراهيم محمد
- تاريخ الشرق الأوسط-تأليف بيتر مانسفيلد-ترجمة عبدالجواد سيد / عبدالجواد سيد
- كتاب أساطير الدين والسياسة / عبدالجواد سيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الفضل شلق - الاقتصاد السياسي للوباء