أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أنس رحيمي - أسئلة متكررة عن الماركسية والاشتراكية













المزيد.....

أسئلة متكررة عن الماركسية والاشتراكية


أنس رحيمي

الحوار المتمدن-العدد: 6734 - 2020 / 11 / 16 - 09:47
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



تبدو الاشتراكية رائعة، لكن ماذا عن الطبيعة البشرية؟ أليس الناس بطبيعتهم جشعين وأنانيين؟
ألم تتم تجربة الاشتراكية وفشلت؟
لماذا نحتاج إلى الثورة؟ ألا يمكننا أن نكتفي بالإصلاح في طريقنا إلى الاشتراكية؟
أليست الرأسمالية أكثر كفاءة من الاقتصاد المخطط؟
لماذا يتحدث الماركسيون عن الثورة العالمية؟ أليس هذا مطمح بعيد؟ أليس من الأفضل أن نركز فقط على بناء الاشتراكية في بلد واحد؟
ألن يؤدي اختفاء دافع الربح إلى توقف الابتكار؟
هل يؤيد الماركسيون العنف؟
هل تتوافق الديمقراطية مع الاشتراكية؟
هل من الممكن أن تحدث ثورة في حين أن كل وسائل الإعلام السائدة تقف ضدنا؟
هل نحن بحاجة إلى حزب ثوري؟
هل يمكن تحقيق الاشتراكية دون تدمير الكوكب؟
هل كان ما حدث في أكتوبر 1917 ثورة أم انقلابا؟
ألن يصير الجميع كسالى إذا صرنا كلنا “نتقاضى نفس الأجر”؟
هل يريد الماركسيون منع الدين؟

تبدو الاشتراكية رائعة، لكن ماذا عن الطبيعة البشرية؟ أليس الناس بطبيعتهم جشعين وأنانيين؟
يبدو أن الكثير من الناس مستعدون لقبول فكرة أن الرأسمالية غير قادرة على حل مشاكل مثل البطالة والتشرد والجوع والحروب. ويتفق الكثيرون من الناحية النظرية على أنه إذا تم استخدام الموارد العالمية الهائلة بطريقة عقلانية من أجل تلبية الاحتياجات البشرية، بدلا من تحقيق أرباح بضعة مليارديرات، سيكون من الممكن ضمان مستوى معيشي لائق لكل إنسان على هذا الكوكب.


ومع ذلك فإنه من أجل الحفاظ على نظام يتحكم فيه ثمانية أفراد في ثروة تعادل ما يمتلكه نصف سكان العالم مجتمعين، تخبرنا الطبقة السائدة أن الوضع الحالي طبيعي، لأنه من “طبيعة” البشر أن يكونوا جشعين وأنانيين، وتعلمنا أن أي محاولة لتطبيق نظام أكثر مساواة، هي محاولة محكوم عليها بالفشل، لذا لا داعي للتفكير في الأمر!

ظاهريا قد يبدو هذا مقنعا، لا سيما إذا نظرنا إلى إخفاقات الستالينية خلال القرن العشرين. لكن ما هي “طبيعتنا البشرية” حقا؟ كلما نظرنا إلى الوراء في التاريخ، كلما أصبح من الصعب التحدث عن تشكيلة عامة من القيم تنطبق على جميع البشر في جميع الأوقات.

على سبيل المثال، هل من “طبيعتنا” تحويل الآخرين إلى عبيد؟ كانت الطبقات السائدة في روما القديمة واليونان القديمة ستؤكد ذلك، لكن من الواضح أن الحقيقة ليست كذلك.

في الواقع إن الإنسان الحديث موجود منذ حوالي 200.000 سنة، مع وجود مؤشرات على حياة للبشر تعود إلى ما بين 06 و07 ملايين سنة على الأقل. ويعود استخدام الأدوات إلى ما قبل ثلاثة ملايين سنة. وقد عاش أسلافنا، طيلة الجزء الأكبر من تاريخنا، في قبائل شيوعية بدائية، حيث لم يكن هناك أغنياء وفقراء، ولا طبقات مستغِلة ومستغَلة، ولا مال ولا شرطة ولا سجون. كانت أدوات وممتلكات القبيلة ملكا مشتركا لكل أعضائها. ونظرا لأن إنتاجية العمل كانت منخفضة جدا، فإنه كان من المستحيل على أي شخص أن يعيش من خلال استغلال عمل الآخرين. كان الناس يضعون القبيلة قبل أنفسهم.

لم تظهر المجتمعات الطبقية، أي الأنظمة القائمة على استغلال الأغلبية من قبل أقلية، سوى ما بين 6000 إلى 12000 سنة الماضية، مع تطوير الزراعة بدلا من أنشطة البستنة البسيطة. ظهر أول دليل واضح على تشكيل مجتمع طبقي كامل التكوين منذ حوالي 5500 عام فقط، مع الحضارة السومرية وبداية العصر البرونزي.

في ظل هذه المجتمعات الطبقية، صارت تلك الأقلية السائدة -طبقة المستغِلين- مدفوعة، بحكم موقعها، إلى التصرف بأنانية وجشع. فإذا لم يتصرفوا بقسوة ولمصلحتهم الخاصة، كانوا سيتوقفون عن التمتع بمواقعهم في السلطة، لأن أفرادا أكثر قسوة منهم سيتحدونهم وسيتنافسون معهم.

ولذلك فإنه في ظل الرأسمالية، تصير نظرة الطبقة السائدة -التي هي بالضرورة أنانية وجشعة- هي التي يقال لنا الآن إنها قابلة للتطبيق على جميع البشر في كل مكان وفي كل زمان، أي جزء متأصل من “طبيعتنا”.

ومع ذلك فإنه من الواضح أن هذا ليس صحيحا، مثلما يتضح من خلال ملايين أعمال التضامن واللطف التي نشهدها كل يوم في جميع أنحاء العالم، بدءا من عمل رجال الإطفاء الذين يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين، إلى الناس العاديين الذين يضحون بوقتهم وأموالهم لمساعدة الغرباء المحتاجين.

إن الشيء غير “الطبيعي” بالتأكيد هو أن تكون جميع وسائل الإنتاج (بما في ذلك الموارد الطبيعية والصناعات والمعرفة) ملكية خاصة تسيطر عليها أقلية صغيرة من السكان. لكن من خلال تحرير الصناعة من قيود الإنتاج من أجل الربح، سيصير في إمكاننا بسهولة إنتاج ما يكفي، بحيث يمكن للجميع أن يأخذوا بحرية كل ما يحتاجون إليه وأكثر!

في مجتمع الوفرة ستصبح فكرة جمع المرء لأشياء أكثر مما يمكنه أن يستهلك فكرة عبثية، تماما كما هو الحال في مكتب يمتلك خزانة مجهزة بشكل جيد، لا أحد يضطر إلى تخزين حاجياته الخاصة من الورق والأقلام. وكما أوضح ماركس فإن الظروف المادية هي التي تحدد الوعي في نهاية المطاف، وليس العكس.

ونقول لكل من يتفق مع البرنامج الاشتراكي لكنه يعتقد أن “الطبيعة البشرية” ستعيقنا، اسأل نفسك: هل من طبيعتك أن ترغب في استغلال الآخرين؟ إذا لم تكن أنت كذلك، فلماذا من المفترض أن الآخرين كذلك؟

ألم تتم تجربة الاشتراكية وفشلت؟

هناك مقولة شهيرة لأينشتاين مفادها أنه: «من الغباء فعل الشيء نفسه مرارا وتكرارا، وتوقع نتائج مختلفة». وعليه إذا كانت الاشتراكية قد تمت تجربتها من قبل وفشلت، على ما قيل لنا، لماذا ما زال الماركسيون يناضلون من أجل الاشتراكية؟ للإجابة على هذا السؤال من المهم أن نفهم ما حدث مع الاتحاد السوفياتي والبلدان الأخرى التي كانت تطلق على نفسها اسم “اشتراكية”.

في عام 1917، استولت الطبقة العاملة في روسيا على السلطة نتيجة لحركة ثورية جماهيرية. تم انتزاع الاقتصاد من أيدي الرأسماليين وملاكي الأراضي، وصار المجتمع يُدار على أساس الرقابة الديمقراطية للعمال والفلاحين الفقراء من خلال مجالس العمال (المعروفة أيضا باسم “السوفيتات”). لقد مثلت تلك التدابير بدايات الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.

ومع ذلك فإن لينين وتروتسكي، وباقي البلاشفة، لم يكونوا يعتقدون أنه من الممكن “بناء الاشتراكية في بلد واحد”، بل كانوا يعتبرون الثورة الروسية بداية للثورة العالمية. وبما أن الرأسمالية نظام عالمي، فإنه يجب أن تكون الاشتراكية نظاما عالميا.

سرعان ما تأكد ذلك الموقف في الممارسة العملية، عندما تطورت الثورات، أو الأوضاع الثورية، في جميع أنحاء أوروبا، بما في ذلك ألمانيا والنمسا والمجر وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا وحتى بريطانيا.

لم يكن فشل الطبقة العاملة في الاستيلاء على السلطة في تلك البلدان راجعا لعدم وجود التصميم من جانبها. لقد كان ذلك بسبب عدم وجود حزب ثوري قادر على تكثيف كل طاقات الجماهير وقيادتها للاستيلاء على السلطة.

وهكذا تعرضت الثورة في روسيا للعزلة. وبدلا من أن يتم ربط الموارد الهائلة لروسيا بالصناعة المتقدمة في أوروبا، بقي الاقتصاد الروسي محطما بعد سنوات من الحرب.

نفهم نحن الماركسيون أن القدرة على خلق مجتمع خال من ويلات الفقر والبطالة والجوع وما إلى ذلك، إنما يتحدد في نهاية المطاف بمستوى تطور القوى المنتجة (الصناعة والزراعة والعلوم والتقنية)، وكذلك شكل ملكيتها والرقابة عليها.

وقد سبق لماركس أن لاحظ: «إن تطور قوى الإنتاج هو المنطلق العملي الضروري للغاية [للاشتراكية]، لأنه بدون ذلك سيتم تعميم الفاقة، ومع الفاقة سيبدأ الصراع من أجل الضروريات مرة أخرى، وهذا يعني بالضرورة إعادة إحياء كل الزبالة القديمة».

لقد عانت روسيا أوائل العشرينات، بعد سنوات من الحرب، من انهيار صناعي وزراعي كارثي. لقد صارت الفاقة معممة بالفعل. في هذا السياق بالذات، مع تعرض ملايين العمال للقتل أو الإرهاق بسبب سنوات من النضال، تراجعت مشاركة العمال في السوفييتات وبدأت فئة من البيروقراطيين المتميزين في اغتصاب السلطة.

عام 1920 كان عدد مسؤولي الدولة والبيروقراطيين يبلغ ما يقرب من ستة ملايين شخص. كان معظم هؤلاء ينحدرون من الفئات المتميزة التي كانت تنتمي للنظام القيصري القديم وهذه هي الفئة التي جاء ستالين إلى السلطة لكي يمثلها.

ومن هنا جاءت تلك الديكتاتورية الشمولية التي كانت ضرورية للحفاظ على حكم البيروقراطيين وتدمير كل الروابط مع التقاليد الحقيقية لثورة أكتوبر. وبالإضافة إلى إبادة البلاشفة القدماء، تم سحق جميع أشكال الديمقراطية العمالية.

في غياب المشاركة الديمقراطية للطبقة العاملة في تخطيط وإدارة المجتمع، تعرض الاقتصاد السوفياتي للاختناق بسبب سوء الإدارة البيروقراطية والتبذير.

ومع ركود الاقتصاد السوفياتي، تحركت فئة من البيروقراطية في التسعينيات لإعادة الرأسمالية (وأصبحوا الآن من أصحاب الملايير)، وذلك تماما مثلما توقع تروتسكي قبل عقود في كتابه الثورة المغدورة. لكن وعلى الرغم من أهوال النظام الستاليني، الذي لم يدعمه الماركسيون الحقيقيون أبدا، فإن عودة الرأسمالية كانت بمثابة كارثة على الطبقة العاملة.

إن المهمة التي تواجه الطبقة العاملة اليوم هي النضال من أجل اشتراكية حقيقية وليس ذلك التشويه الفظ للاشتراكية الذي مثلته الأنظمة الستالينية. الستالينية هي التي فشلت في النهاية وليس الاشتراكية.

تعتبر الديمقراطية العمالية، بالنسبة للماركسيين، شريان الحياة للدولة الاشتراكية. والأهم من ذلك كله هو فهم أن الاشتراكية في بلد واحد مسألة مستحيلة. لهذا السبب نحن أمميون، ولهذا السبب نناضل من أجل الاشتراكية ليس في [قطر واحد] بل في جميع أنحاء العالم. هذه هي الاشتراكية التي نناضل من أجلها: الاشتراكية التي ستقضي على الفشل الحقيقي للعصر الحديث، أي: الرأسمالية.

لماذا نحتاج إلى الثورة؟ ألا يمكننا أن نكتفي بالإصلاح في طريقنا إلى الاشتراكية؟
ظاهريا تبدو هذه الفكرة جذابة. إذ بدلا من العواصف والضغوط الناجمة عن الثورة، ألن يكون من الأسهل بكثير الفوز بأغلبية في البرلمان وسن إصلاحات تقدمية بحيث نتمكن ببطء وبمرور الوقت من تحويل الرأسمالية إلى اشتراكية؟

صحيح أن الطبقة العاملة قد تمكنت في الماضي من تحقيق إصلاحات مهمة بهذه الطريقة. فدولة الرفاه، والخدمات الصحية العمومية، وقوانين الصحة والسلامة في أماكن العمل، ويوم العمل من ثماني ساعات… كلها مكاسب تحققت من خلال النضال داخل إطار النظام الحالي. أليس من الغريب إذن أن نضع الإصلاح والثورة ضد بعضهما البعض، كما لو أنهما ينفيان أحدهما الآخر؟

لا يرفض الماركسيون الحقيقيون أبدا النضال من أجل الإصلاحات في ظل الرأسمالية. نحن لا نقول: “دعونا ننتظر الثورة، حيث سيتم حل جميع مشاكلنا”. إننا نناضل بقوة من أجل أي إصلاح تقدمي حقيقي يفيد الطبقة العاملة.

سبق لماركس أن أشار إلى أن الطبقة العاملة تتمكن من إدراك قوتها في خضم النضال الذي تخوضه من أجل الإصلاحات في ظل الرأسمالية. من خلال مثل تلك المعارك، يطور العمال وعيهم الطبقي، وكذلك منظمات نضالهم، أي: النقابات والأحزاب السياسية.

ومن خلال تلك النضالات أيضا يتعلم العمال بشكل مباشر حدود الإصلاحات في ظل الرأسمالية. ويكون هذا صحيحا بشكل خاص في مراحل الأزمات، مثلما هو الحال اليوم.

في الماضي، وتحت الضغط من أسفل، كانت الطبقة السائدة مضطرة لتقديم بعض الإصلاحات، لكن ذلك كان دائما بفعل ضغط الطبقة العاملة. وخاصة عندما كان الاقتصاد مزدهرا، كان بإمكانهم تقديم تنازلات من أجل الحفاظ على السلام.

في الواقع لقد كانت أهم الإصلاحات التي جاءت من فوق تهدف، على وجه التحديد، لتجنب اندلاع الثورة من تحت. ومن ثم تعايشت الطبقات الحاكمة الأوروبية لبعض الوقت مع “دول الرفاه” التي أصبحت ممكنة أيضا بفعل التوسع الهائل للاقتصاد خلال فترة الازدهار التي أعقبت الحرب.

لكن المشكلة هي أن التنازلات التي يتم انتزاعها من الرأسماليين اليوم، سوف يعملون على استردادها في اليوم الموالي. ويصدق هذا بشكل خاص عند حدوث الأزمة، عندما يحاول الرأسماليون، في سعيهم لاستعادة الربحية، انتزاع مكاسب الماضي من الطبقة العاملة. وبدلا من إنفاق الأموال على الإصلاحات، تصير الإصلاحات المضادة هي القاعدة.

رأينا، منذ أزمة السبعينيات، العديد من الإصلاحات التقدمية، التي تحققت خلال فترة ما بعد الحرب، وهي تتعرض للهجوم. لقد تمت خصخصة الصناعات المؤممة، وتعرضت المعاشات التقاعدية والأجور للهجمات، وتم بيع الشقق البلدية، وأغرق نظام الخدمات الصحية العمومية في أزمة حادة. وكل ذلك حتى يتمكن الأغنياء من تحقيق المزيد من الثراء على حسابنا.

يمكن هزم هذه الهجمات، لكن في مرحلة الأزمة العالمية، يتطلب ذلك القطع مع الرأسمالية. إن متطلبات السوق (أي مصالح المصرفيين وأصحاب الملايير) هي التي تملي على الحكومات ما يتوجب عليها القيام به وليس العكس، مثلما اكتشف قادة سيريزا في اليونان بشكل مؤلم.

نحن الماركسيين نفهم أن المشاكل مثل الفقر والبطالة والأزمات والحروب هي منتجات حتمية للنظام الرأسمالي. ولن يغير هذا الواقع أي قدر من الضرائب على الأثرياء أو اقتراض الأموال. إن المطلوب هو السيطرة على الرافعات الرئيسية للاقتصاد والتخطيط لاستخدامها بشكل ديمقراطي من أجل تلبية احتياجات الشعب، في إطار خطة إنتاج اشتراكية تحت سيطرة العمال وإدارتهم.

أن يتوهم المرء أنه بإمكان حكومة اشتراكية ما أن تحقق ذلك تدريجيا، بحيث تؤمم هذه السنة هذا القطاع الصناعي، وتؤمم ذلك البنك في السنة التالية، وما إلى ذلك، يعني تجاهل دروس تاريخ الصراع الطبقي بأكمله. يشبه ذلك تخيل أنك تستطيع الفوز بلعبة شطرنج لا تحرك فيها سوى قطعك الخاصة. لكن في الواقع لا يقف الطرف الآخر جامدا، بل إنه يرد وبشراسة إذا لزم الأمر. لم يسبق لأي طبقة حاكمة أن تخلت عن سلطتها وامتيازاتها بدون قتال.

لهذا السبب نحن بحاجة إلى ثورة -أي إلى حركة جماهيرية للشعوب في جميع أنحاء العالم- من أجل انتزاع الثروة والسلطة من أيدي الأقلية الصغيرة من الرأسماليين وبالتالي تأمين إصلاحات عميقة ودائمة من شأنها أن تغير العالم.

أليست الرأسمالية أكثر كفاءة من الاقتصاد المخطط؟

حسب المدافعين عن الرأسمالية لا يوجد شيء أكثر كفاءة من “السوق الحرة”. لكن عندما يتعلق الأمر بتلبية احتياجات المجتمع، مثل الطعام أو السكن على سبيل المثال، يتضح بجلاء أن اقتصاد السوق عاجز كليا.

إن السبب الوحيد والأوحد الذي يدفع الرأسماليين للاستثمار في الإنتاج هو الرغبة في تحقيق الربح. أما الاحتياجات الاجتماعية للمجتمع فلا تظهر على الإطلاق في حساباتهم. كل ما يهمهم هو كيفية اعتصار أكبر قدر ممكن من العمل غير مدفوع الأجر من الطبقة العاملة من أجل تضخيم أرباحهم.

يتجلى إفلاس الرأسمالية بشكل صارخ من خلال البطالة المزمنة التي أصبحت الآن سمة دائمة من سمات “سوق العمل”. وفقا لمنظمة العمل الدولية يبلغ معدل البطالة العالمية الآن أكثر من 200 مليون شخص وما زال الرقم يرتفع. هذا إهدار رهيب للإمكانيات البشرية.

بينما في ظل الاقتصاد الاشتراكي المخطط سيصير من الممكن الاستفادة إلى أقصى حد من المواهب الإنتاجية للجميع وتقاسم عبء العمل الضروري بين الجميع. في ظل الرأسمالية ما زال البشر يقومون بالكثير من العمل الذي يمكن أن تقوم به الآلات، وذلك لأنه من المربح للرأسماليين توظيف عمال من ذوي الأجور المنخفضة بدلا من الاستثمار في تكنولوجيا أكثر كفاءة. بينما في ظل الاشتراكية سيطلق المجتمع العنان لإمكانات الآلات إلى أقصى حد، مما سيؤدي إلى رفع الإنتاجية وسيسمح بتقليص أسبوع العمل إلى سويعات قليلة.

إن الرأسمالية نظام شديد التبذير بالمقارنة مع الاقتصاد المخطط بعقلانية. وتقدر الإحصائيات أننا ننتج ما يكفي من الغذاء لإطعام سكان العالم عدة مرات. ومع ذلك فإنه يتم تدمير ملايين الأطنان من المواد الغذائية كل عام، من أجل الحفاظ على أسعار السوق (وبالتالي الأرباح) مرتفعة. وفي الوقت نفسه يموت أكثر من خمسة ملايين شخص بسبب الجوع كل عام، لأنهم لا يستطيعون شراء الطعام. من وجهة نظر احتياجات المجتمع تُهدر مبالغ طائلة كل عام على نفقات غير منتجة تماما. ففي عام 2016 وحده، تم إنفاق ما يقرب من 500 مليار دولار عالميا على الإعلانات و1,69 تريليون دولار على النفقات العسكرية!

إن فكرة تخطيط الإنتاج ليست غريبة على الرأسماليين، إذا كانت تخدم الربح. في الواقع توجد داخل كل شركة رأسمالية درجة عالية من التخطيط. خذوا على سبيل المثال شركة تصنيع سيارات مثل Ford. إنهم لا يتركون الأمر لـ”السوق” لكي تقرر أين ومتى سيصل كل مكون إلى المصنع، ومتى وكم عدد العمال الذين سيكونون في نوباتهم، وأين سيتم توزيع السيارات التي يتم إنتاجها في النهاية. يتم التخطيط لكل هذه الأشياء مسبقا على نطاق عالمي، باستخدام أجهزة الكمبيوتر، من أجل تقليل تكاليف الإنتاج وزيادة الكفاءة.

لكن عندما يتعلق الأمر بتخطيط الإنتاج ككل، تجد الرأسماليين يتراجعون. وذلك لأن الطريقة الحقيقية الوحيدة لتخطيط الاقتصاد بعقلانية لخدمة جميع احتياجاتنا، من شأنها أن تنطوي على سيطرة الطبقة العاملة على مفاتيح الاقتصاد ووضعها تحت الرقابة الديمقراطية، أي نزعها من أيدي الرأسماليين.

حقيقة أن التخطيط هو أكثر كفاءة من السوق تم الاعتراف بها خلال الحرب العالمية الثانية، عندما أدخلت الدول درجة كبيرة من التخطيط على الاقتصاد من أجل إنتاج ما يكفي من الذخائر لخوض الحرب والحفاظ على سير الاقتصاد الداخلي بموارد محدودة جدا.

كما أن صعود الاتحاد السوفياتي من بلد متخلف وشبه إقطاعي ليصبح، في غضون عقود قليلة، ثاني قوة عظمى في العالم، دليل على فوائد التخطيط. لكن وبسبب الطبيعة البيروقراطية للتخطيط في ظل الستالينية، انهار الاقتصاد في النهاية تحت وطأة الفساد وسوء التسيير.

لا يتصور الماركسيون تنفيذ خطة اشتراكية للإنتاج بأسلوب بيروقراطي من أعلى إلى أسفل، بل من خلال اشتراك أوسع فئات المجتمع في تحديد ماهية الموارد التي لدينا، وكيف يمكن استخدامها بشكل أكثر فاعلية لتلبية احتياجاتنا في انسجام مع البيئة.

إن حقيقة أن ثمانية من كبار أصحاب الملايير يسيطرون على نفس القدر من الثروة التي يمتلكها نصف سكان العالم مجتمعين، تظهر المعنى الحقيقي “لكفاءة” الرأسمالية. في ظل الاشتراكية، في ظل رقابة العمال وإدارتهم للاقتصاد والمجتمع، سيكون المجتمع قادرا على استخدام جميع موارده -البشرية والمادية والعلمية- والجمع بينها بكفاءة من أجل تعظيم رفاهية الجميع وتمكين الجميع من عيش حياتهم إلى أقصى الحدود.



لماذا يتحدث الماركسيون عن الثورة العالمية؟ أليس هذا مطمح بعيد؟ أليس من الأفضل أن نركز فقط على بناء الاشتراكية في بلد واحد؟

الماركسيون الحقيقيون أمميون بطبيعتهم. لقد كتب ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي “ليس للعمال وطن” و”يا عمال جميع البلدان اتحدوا!”.

ولوضع هذه الأفكار موضع التنفيذ، قام الماركسيون بإنشاء سلسلة من المنظمات الأممية الثورية، بدءا من جمعية العمال الأممية، التي أسسها ماركس وإنجلز، ثم الأممية الشيوعية القوية، التي أسسها لينين وتروتسكي. في تلك المنظمات الأممية كانت “الأحزاب” الوطنية تعتبر فروعا فقط لمنظمة ثورية عالمية واحدة.

لم يكن ذلك نتاجا لأي أفكار طوباوية أو عاطفية. إن ضرورة الثورة العالمية تنشأ من تطور الرأسمالية نفسها كنظام عالمي.

خلال السنوات الأولى لظهور الرأسمالية، كان تطور الدول القومية عاملا تقدميا في دفع المجتمع إلى الأمام. فعلى النقيض من الدويلات المدن المعزولة والإمارات التي كانت موجودة في ظل الإقطاع -والتي كان لكل منها قوانينها وعاداتها وإجراءاتها وضرائبها- تم تطوير دول أكبر وحدت الأمم في أسواق وأنظمة سياسية واحدة.

كان ذلك ضروريا للرأسمالية لكي تنطلق، لأن أسواق المدن الصغيرة والمناطق المعزولة كانت غير كافية للإنتاج الصناعي على نطاق واسع.

لكن عند مرحلة معينة صارت حتى تلك الأسواق الموسعة التي طورتها الدول القومية غير كافية لمواكبة نمو القوى الإنتاجية لبلد واحد. وهكذا تم استعمار العالم بأسره من قبل القوى الإمبريالية، مما أدى إلى تطوير سوق عالمية.

تحولت الدولة القومية، من كونها عاملا تقدميا شجع على النمو، إلى نقيضها: حيث صارت قيدا رجعيا يعيق تطور البشرية، التطور الذي يتطلب الاستخدام الكامل والحر لموارد العالم بأسره بدون قيود الحدود والتنافس على الموارد.

اليوم لا يمكن لأي بلد أن يفلت من الهيمنة الساحقة للسوق العالمية، التي تعمل كوحدة مترابطة. ومن هنا جاءت محاولات التغلب على ذلك من خلال بناء التكتلات التجارية مثل الاتحاد الأوروبي، ومعاهدات أخرى مختلفة. لكن وكما تظهر الأزمة في أوروبا، فإن حتى هذه الاتفاقيات التجارية العملاقة غير قادرة على حماية أعضائها من آثار أزمة الرأسمالية، حيث تواجه الحكومات، الواحدة منها تلو الأخرى، الاضطرابات والإفلاس.

تميل ما تسمى بـ ‘المنافسة الحرة’ في ظل الرأسمالية نحو الاحتكار، حيث تبتلع الشركات الأقوى الشركات الأضعف. وقد أدى هذا الاتجاه إلى ظهور شركات عالمية ضخمة، تتجاوز ميزانياتها بكثير ميزانيات العديد من الدول القومية.

الوجه الآخر لهذه الشركات العملاقة هو أنها تقدم لعمال مختلف البلدان عدوا مشتركا. لم يسبق لشعار “ليس للعمال وطن” أن كان أكثر صحة مما هو عليه الآن. وعلى سبيل المثال فإن عمال المناجم الذين توظفهم الشركة العالمية العملاقة جلينكور في أمريكا الجنوبية وإفريقيا وآسيا، لديهم من القواسم المشتركة مع بعضهم البعض أكثر بكثير مما لديهم مع الطبقات السائدة في بلدانهم الخاصة. يمتلك العمال في جميع البلدان مصلحة طبقية مشتركة في تغيير المجتمع.

كما أن تطور السوق العالمية والشركات العالمية يعني أيضا أن أزمة الرأسمالية صارت معولمة. الجواب الوحيد للطبقات السائدة في جميع البلدان هو “استعادة الربحية” من خلال الهجوم على أجور العمال وظروف وقوانين العمل والخدمات العمومية… أي “السباق العالمي نحو القاع”.

يتسبب هذا التقشف العالمي في رد فعل عالمي عنيف. التطورات الثورية تنمو في كل البلدان، الواحد منها تلو الآخر. وعلاوة على ذلك فإن نجاح ثورة اشتراكية في بلد ما سيكون له تأثير قوي على بقية البلدان، فكل التاريخ يظهر أن الثورات نادرا ما تتوقف عند الحدود الوطنية.

ولكي تقوم الاشتراكية بتحرير الإمكانات البشرية حقا، عليها أن تكون أكثر إنتاجية وفعالية من الرأسمالية التي تقوم على استغلال موارد العالم بأسره. وبدلا من نهب الموارد من قبل حفنة من الرأسماليين فاحشي الثراء، سيمكن تطويرها بشكل عقلاني لصالح الجميع من خلال وصول الطبقة العاملة إلى السلطة في جميع البلدان، وخلقها لفدرالية عالمية طوعية للدول الاشتراكية. لهذا نحن أمميون.

إلى الأمام نحو الثورة العالمية، لدينا عالم كامل لنربحه!

ألن يؤدي اختفاء دافع الربح إلى توقف الابتكار؟

كثيرا ما يقال لنا إن الاشتراكية فكرة جيدة من حيث المبدأ، لكنها ستفشل حتما، لأنه بدون دافع الربح ستتوقف جميع الابتكارات.

وفي حين أنه من الصحيح أن 300 عام الماضية قد شهدت بعضا من أهم الاختراعات التكنولوجية في تاريخ البشرية، فإنه من الخطأ اعتبار السعي نحو الإثراء الشخصي المحرك الوحيد للابتكار.

طور أسلافنا أقدم الأدوات الحجرية منذ حوالي 2,6 مليون سنة. وبين ذلك الوقت وتطور أوائل المجتمعات الطبقية، منذ حوالي 8000-10.000 عام، اكتشف أسلافنا كيفية استخدام النار وبناء المساكن ونسج الملابس وصنعوا الآلات الموسيقية وتوصلوا إلى طلاء الجدران وصناعة الحبال والفخار، وغير ذلك كثير.

طوال عصور ما قبل التاريخ البشرية كانت جميع الممتلكات مشتركة بين جميع أفراد القبيلة أو العشيرة. لم يكن هناك مال ولا أغنياء وفقراء ولا مستغِلين ومستغَلين. اعتمد بقاء المجموعة على قيام جميع الأعضاء بتجميع مهاراتهم والعمل بتعاون. وكان من شأن الابتكارات توفير الجهد والرفع بشكل جماعي من مستويات المعيشة للقبيلة بأكملها.

بدأ هذا يتغير مع تطور التقنيات الزراعية ومعها إمكانية وجود طبقة طفيلية صغيرة تعيش على فائض عمل الآخرين.

صحيح أن المنافسة بين الطبقات السائدة، كتلك التي حدثت بين مختلف الإمبراطوريات القديمة، أعطت قوة دفع إضافية لتطوير التكنولوجيا. وبشكل عام كان في مقدور أولئك الذين لديهم اقتصادات أكثر كفاءة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحرب، أن يغزوا أولئك الذين كانوا أقل تطورا.

بلغ هذا الدافع التنافسي أقصى صوره عندما تخلصت البرجوازية من الهيمنة الإقطاعية ومهدت الطريق للرأسمالية.

المنافسة بين الرأسماليين أجبرتهم على استثمار جزء من أرباحهم في ابتكار تكنولوجيات جديدة لتوفير العمالة. كان في مقدور أولئك الذين تفوقوا في لعبة المنافسة أن ينتجوا سلعا أرخص وبالتالي دفع منافسيهم إلى الإفلاس. وهكذا شهدت الفترة المبكرة للرأسمالية تطور إنتاجية العمل إلى مستويات أكبر بكثير من ذي قبل.

ومع ذلك فإن الاقتصاديين الرأسماليين اليوم يحكون رؤوسهم حيرة أمام ما يسمونه “لغز الإنتاجية”: لماذا توقفت الإنتاجية العالمية، بل وانخفضت منذ عام 2008؟ هل يعني هذا أن الابتكار قد توقف؟

بالنسبة للماركسيين، لا تكمن المشكلة في غياب الابتكار، بل تكمن، في المقام الأول، في عدم قدرة الرأسماليين على الاستفادة بشكل مربح من التكنولوجيات الجديدة. لماذا سيستثمرون في توسيع الإنتاج بينما السوق العالمي مشبع بالفعل نتيجة لأزمة فائض الإنتاج؟

ومع انخفاض الأجور وزيادة “مرونة” العمل منذ الأزمة، لماذا الاستثمار في آلات باهظة الثمن لتوفير العمالة، بينما هو من الأرخص، أي من الأكثر ربحية، تشغيل العمال بأجور هزيلة؟

وبالتالي فإن الإنتاج من أجل الربح بدلا من أن يدفع الابتكار إلى الأمام قد صار يعيقه الآن. معظم العمال يعرفون جيدا كيف يمكنهم تحسين كفاءة الإنتاج في أماكن عملهم. لكنهم يحتفظون بهذه الأفكار لأنفسهم، لأن تطبيقها سيؤدي إلى فرض البطالة على البعض وتكثيف أعباء العمل بالنسبة للبقية. ووحدهم أرباب العمل والمساهمون من سيحصلون على الفوائد.

في ظل الاشتراكية، سيحرص الجميع على الاستخدام الكامل لتكنولوجيات توفير العمالة الأكثر كفاءة، لأن الجميع سيستفيدون من ساعات عمل أقل. وبدلا من أن تؤدي تلك التقنيات إلى خلق بطالة جماهيرية، كما هو الحال في ظل الرأسمالية، سيمكننا، في ظل الاقتصاد المخطط، أن نتقاسم بشكل متناغم كل ساعات العمل المتوفرة اجتماعيا بين الجميع، دون خسارة الأجور.

ليس صحيحا القول بأن الإثراء الشخصي هو العامل الوحيد الذي يشجع الناس على الابتكار. في الواقع يعمل أغلب المبتكرين في ظل الرأسمالية إما في مختبرات أبحاث جامعية، أو في أقسام البحث والتطوير في الشركات الكبيرة، ونادرا ما تجعل منهم اكتشافاتهم أناسا أثرياء؛ وبدلا من ذلك تذهب الأرباح إلى جيوب المساهمين الكبار في الشركات التي تمول أعمالهم.

في ظل الاشتراكية لن يتوقف الابتكار والعلم، بل على العكس من ذلك تماما سوف يتخلصان من القيود ليسمحا للبشرية بالوصول إلى أقصى إمكاناتها. ومع تخفيض أسبوع العمل، وتحقيق التعليم للجميع والرقابة الديمقراطية على الإنتاج، لن يبق الابتكار حكرا على فئة متميزة لخدمة مصالح القلة، بل سيصير مفتوحا أمام الجميع ولصالح الجميع.

هل يؤيد الماركسيون العنف؟
على عكس الزعم الشائع عن الماركسيين الذي يصورهم على أنهم متعطشون للدماء، فإن الواقع هو أن الماركسيين يؤيدون الثورة السلمية للإطاحة بالرأسمالية. وحدهم المرضى النفسيون من قد يفضلون ثورة عنيفة حينما يكون هناك طريق سلمي ممكن.

لكن المشكلة هي أن التاريخ يعلمنا أنه لا توجد طبقة سائدة تتخلى عن سلطتها وامتيازاتها بدون قتال. هل هذا يعني أنه على الطبقة العاملة أن تقبل ببساطة بالاستغلال وتتخلى عن النضال من أجل الاشتراكية؟

كلا، الماركسيون ليسوا مسالمين. نحن لا نتفق على أنه يجب علينا التخلي عن الكفاح من أجل عالم أفضل، لمجرد أن الطبقة السائدة -التي هي أقلية صغيرة- مستعدة لاستخدام أساليب عنيفة للحفاظ على قبضتها على المجتمع.

كيف يمكننا إذن أن نقلل من المقاومة العنيفة التي ستبديها الطبقة السائدة التي ترفض مغادرة مسرح التاريخ؟ المفارقة هي أنه لن يمكن ذلك من خلال التخلي عن الأساليب العنيفة، بل فقط من خلال تحضير طبقتنا للدفاع عن نفسها من خلال مواجهة أي مقاومة مباشرة، بالقوة إذا لزم الأمر.

تخيلوا لو حدث في معركة ما أن تواجه جيش مشكل من 10.000 جندي أعزل مع مجموعة مشكلة من عشرة أعداء جميعهم مزودون بمدافع رشاشة. لا بد أن مجزرة ستترتب عن ذلك. لكن لو كان كل هؤلاء 10.000 جندي مسلحين بشكل مماثل، سيكون من الممكن لهم أن يجبروا هؤلاء الأعداء العشرة على الاستسلام دون إطلاق رصاصة واحدة.

التاريخ مليء بمثل هذه الأمثلة. وعلى سبيل المثال كان سلفادور أليندي في تشيلي قد تخيل أنه من خلال توقيعه لميثاق مع الجيش “لاحترام الدستور”، سيدفع الطبقة الرأسمالية (المسلحة) إلى أن تخضع بسلام لإرادة الطبقة العاملة (غير المسلحة).

لكن الجماهير التشيلية لم تكن ساذجة إلى تلك الدرجة، فقد احتج أكثر من مليون عامل أمام القصر الرئاسي، عام 1973، للمطالبة بالسلاح من أجل الدفاع عن ثورتهم. لكن دعواتهم للأسف لم تلق أي استجابة، فنظم الجنرال بينوتشيه انقلابا عسكريا بعد أيام قليلة وفرض ديكتاتورية عنيفة، تم في ظلها اعتقال عشرات الآلاف وتعذيبهم وقتلهم بوحشية، بينما عانى ملايين آخرون.

وفي المقابل كانت ثورة أكتوبر، عام 1917، في بتروغراد حدثا غير دموي تقريبا. كان ذلك بفضل الإعداد الدقيق الذي قام به البلاشفة من خلال كسبهم السياسي لحامية بتروغراد وإنشاء ميليشيات عمالية للدفاع عن الطبقة العاملة ضد العصابات المسلحة المعادية للثورة.

وُصف الاستيلاء على السلطة بأنه أشبه بمداهمة بوليسية، حيث استولت مجموعات من الجنود والحرس الأحمر، بطريقة منظمة للغاية، على مراكز السلطة ووضعوها تحت الرقابة الديمقراطية للسوفييتات.

وعلى الرغم من بعض المحاولات القليلة للإطاحة بالحكومة البلشفية بالعنف، فإن الطبقة السائدة السابقة في روسيا كانت قد صارت محبطة للغاية، لأنها واجهت حركة جماهيرية من ملايين الأشخاص الذين كانوا على استعداد للتضحية بكل شيء في كفاحهم لتغيير المجتمع.

لم يبدأ حمام الدم الحقيقي للحرب الأهلية إلا بعد تدخل القوى الإمبريالية الأجنبية الخائفة من انتشار الثورة إلى بلدانها. ومن خلال تزويدهم للثورة المضادة بـ21 جيشا غازيا، فضلا عن المال والسلاح والمشورة، حاولوا إغراق الثورة في بحر من الدماء، دفاعا عن أرباحهم.

يمكننا إذن أن نرى نفاق الطبقة السائدة المثير للاشمئزاز عندما تلقي على الماركسيين المحاضرات ضد العنف. إن عنفهم بالتحديد هو ما يجب علينا أن ندافع عن أنفسنا ضده!

إن هذه المزاعم الأخلاقية السلمية من جانب الرأسماليين أمر مثير للتقزز، وذلك بشكل خاص لأنها تأتي من فم طبقة أرسلت عشرات الملايين من العمال إلى الموت في حربين عالميتين، لمجرد الرغبة في إعادة تقسيم العالم وفقا لمصالحها المالية.

لكن علينا أن نؤكد أنه من الممكن تماما للطبقة العاملة أن تستولي على السلطة بطريقة سلمية، شريطة أن نكون مستعدين للدفاع عن أنفسنا ضد أي رد فعل عنيف من جانب الرأسماليين. إن الطبقة العاملة في معظم البلدان تشكل اليوم، على عكس ما كانت عليه في روسيا عام 1917، الغالبية العظمى من المجتمع. كما أن الطبقة السائدة -الغارقة في الأزمة في كل مكان- لن تجد سوى عدد قليل جدا من المؤيدين المستعدين للقتال من أجل أن تستعيد هي امتيازاتها الفاحشة.

مع تطبيق الاشتراكية على الصعيد العالمي، سنتخلص أخيرا من هذا النظام الوحشي الذي تسود فيه أقلية صغيرة تدافع بعنف عن حقها في استغلال وقمع الأغلبية الساحقة من العالم.

هل تتوافق الديمقراطية مع الاشتراكية؟

غالبا ما يُقال إن الاشتراكية والديمقراطية “غير متوافقتين” مع بعضهما البعض، وعادة ما يتم ذلك من خلال الاستشهاد بالأمثلة التاريخية لروسيا الستالينية وما كان يسمى بالدول “الاشتراكية” التي بنيت على صورتها. لكن وعلى العكس من ذلك فإن الماركسيين الحقيقيين دافعوا دائما عن أن الديمقراطية الحقيقية مسألة ضرورية لكي تعمل الاشتراكية وتزدهر.

تعمل قوانين الرأسمالية، تحت سلطة “اليد الخفية” للسوق، دون أي رقابة أو خطة شاملة. لكن في ظل الاشتراكية يجب التخطيط للإنتاج بشكل واع لخدمة مصالح الجميع. لا يمكن لجيش من البيروقراطيين الجالسين في مكاتبهم أن يخطط بشكل متناغم للإنتاج لتلبية احتياجات ملايير الناس في جميع أنحاء العالم. وبدلا من ذلك يجب إشراك أوسع شرائح السكان في مهمة إدارة المجتمع، من أجل تحقيق إمكاناتهم الكاملة.

من أجل التخطيط الجيد للإنتاج في ظل الاشتراكية، من الضروري أن تتمتع الطبقة العاملة بالرقابة الديمقراطية على الاقتصاد. لكن غياب هذه الرقابة، سوف يؤدي إلى جميع أنواع الهدر البيروقراطي وسوء الإدارة، كما اتضح من تجربة الإنتاج في ظل الاتحاد السوفياتي. وعلى سبيل المثال، غالبا ما يعمل المديرون البيروقراطيون في سعيهم لتحقيق أهداف الإنتاج (وبالتالي الحصول على مكافآتهم)، للبحث عن طرق لتحقيق تلك الأهداف على الورق، بينما يقومون في الممارسة العملية بإنتاج سلع معيبة أو فاسدة.

إحدى هذه الأمثلة كانت حالة مصنع أمر بإنتاج “مليون حذاء”. أمر المدير بإنتاج مليون حذاء للقدم اليسرى، وبذلك حقق الهدف على الورق! ويمكن إعطاء أمثلة عديدة من هذا النوع في الأنظمة الستالينية.

لم يكن من الممكن أن يسود هذا الوضع إلا لأن العمال أنفسهم كانوا مستبعَدين من الرقابة على الإنتاج والسياسة. إن النظام الذي يطالب العمال بالخضوع الأعمى للبيروقراطيين المتميزين، يؤدي إلى سيادة الإحباط واللامبالاة بين الجماهير. وعندما يسود مناخ القمع ضد كل أشكال النقد، تتعرض إمكانيات الابتكار والمبادرة عند الطبقة العاملة للاختناق.

لن تصبح الديمقراطية الحقيقية ممكنة بالنسبة للملايين إلا في ظل الاشتراكية الحقيقية، مع وجود الطبقة العاملة في السلطة.

تعني “الديمقراطية” الرأسمالية أن الغالبية العظمى من الطبقات العاملة مستبعدة بألف طريقة من المشاركة الديمقراطية في المجتمع. ومن بين تلك الطرق حقيقة أن الملايين مجبرون على قضاء الجزء الأكبر من حياتهم العملية وهم يكدحون لساعات طويلة في المصانع أو المكاتب، وغالبا ما يكونون مرهقين للغاية بحيث لا يمكنهم المشاركة في النشاط السياسي.

وبدلا من أن نمتلك سيطرة حقيقية على شؤون حياتنا (على حد تعبير ماركس) نحصل على فرصة التصويت كل خمس سنوات أو نحو ذلك لصالح عضو، عادة ما يكون من الطبقة السائدة، لكي يقوم بخداعنا في البرلمان. ناهيك عن أن البرلمان ليس سوى واجهة تخفي الأماكن التي يتم فيها اتخاذ القرارات الحقيقية التي تؤثر على حياتنا، أي: مجالس إدارة البنوك والشركات الكبرى.

في ظل الرأسمالية الطبقة السائدة هي التي تملي على البرلمان ما ينبغي فعله، وليس العكس، كما اتضح مؤخرا من خلال تجربة حكومة سيريزا في اليونان.

ستكون الديمقراطية العمالية في ظل الاشتراكية، أي ديمقراطية الأغلبية، أكثر ديمقراطية من أي شيء ممكن في ظل الرأسمالية. سيمكن للعمال، في كل مكان عمل وفي كل حي، انتخاب ممثلين عنهم لمجالس العمال التي، على عكس البرلمان، سيكون لها سلطة تنفيذ قراراتها الخاصة. سيتم انتخاب جميع الممثلين بطريقة ديمقراطية؛ وسيكونون خاضعين بشكل حاسم للمحاسبة والحق في عزلهم.

سيسمح الاقتصاد الاشتراكي المخطط بتخفيض سريع في أسبوع العمل. ومن أجل التصدي للوصولية يجب ألا يتقاضى أي من هؤلاء الممثلين المنتخبين أكثر من متوسط ​​أجر العامل، ويجب ألا يشغلوا مناصب لأكثر من مدة معينة، للسماح بمشاركة أكبر عدد من الناس في إدارة المجتمع.

في الواقع الرأسمالية هي التي لا تتوافق مع الديمقراطية الحقيقية. فعندما ينتخب العمال الحكومات التي تهدد أرباح الطبقة الحاكمة، لا يتردد أكثر الرأسماليين “ديمقراطية” في إقامة ديكتاتوريات عسكرية، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط. فقط من خلال الديمقراطية العمالية، على أساس الاشتراكية، ستتحول السياسة من ديمقراطية لصالح الأقلية إلى ديمقراطية لصالح الأغلبية.

هل من الممكن أن تحدث ثورة في حين أن كل وسائل الإعلام الكبرى تقف ضدنا؟

كثيرا ما نسمع أنه على الرغم من أن الثورة الاشتراكية ستكون شيئا عظيما، لكنها غير ممكنة “لأن جميع وسائل الإعلام الكبرى تقف ضدنا”.

صحيح أن الإعلام يساعد على تشكيل الرأي العام. بل إنه في الواقع، إلى جانب المدارس والجامعات والدين، إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها الطبقة السائدة لتفرض علينا مفاهيمها عن المجتمع التي ترغب في جعل الجماهير تتبناها.

في بريطانيا، يسيطر اثنان من أصحاب الملايير -روبرت مردوخ واللورد روثرمير- معا على أكثر من 50% من مبيعات الصحف الوطنية. وتسيطر خمس شركات فقط، بما في ذلك وسائل الإعلام الالكترونية، على 80% من السوق في المملكة المتحدة. هذا في بريطانيا وحدها! أما في الولايات المتحدة، فإن ست شركات، في ملكية 15 مليارديرا، تهيمن على كل وسائل الإعلام.

ومع وجود هذا العدد القليل من أصحاب الملايير الذين يمتلكون الغالبية العظمى من وسائل الإعلام في العالم، لا عجب في أن المحررين والصحفيين الذين يوظفونهم هم أولئك الذين سيتبعون الخط بإخلاص وسيدافعون عن مصالح أرباب عملهم.

يمكن ملاحظة ذلك في بريطانيا، حيث أعلنت الصحف التي تمثل 80% من حصة وسائل الإعلام الوطنية المطبوعة، دعمها للمحافظين خلال الانتخابات الأخيرة (وأغلب الانتخابات الأخرى). كان الاستثناء التاريخي لهذا هو دعمهم لحكومات “حزب العمال الجديد” برئاسة توني بلير، لأنه كان من الواضح أن البليريين يدافعون عن مصالح الشركات الكبرى.

ماذا عن تلك الجرائد التي من المفترض أنها يسارية مثل The Guardian وThe Mirror؟ إنها جرائد قد تهاجم المحافظين، لكن عندما يتعلق الأمر بالرأسمالية ككل تجدها تدافع بإخلاص عن النظام القائم. خذوا، على سبيل المثال، تقاريرهم الفاضحة عن الثورة البوليفارية في فنزويلا، أو افتراءاتها المستمرة ضد جيريمي كوربين.

كما أن قناة بي بي سي التي تدعي “الحياد”، ليست في الواقع محايدة بأي حال من الأحوال عندما يتعلق الأمر بالصراع الطبقي. خذوا على سبيل المثال تعامل القناة مع إضراب عمال المناجم في 1984 – 1985، عندما قامت بتعديل اللقطات لخدمة الشرطة ضد عمال المناجم. عندما تم تأسيس القناة ناقشت الطبقة الحاكمة ما إذا كان ينبغي دمجها بالكامل في الدولة، لكنهم في النهاية قرروا منحها مظهرا من الحياد والاستقلالية، لأن ذلك يخدم بشكل أفضل مهمة خداع الشعب عندما تكون هناك حاجة لذلك.

لكن وعلى الرغم من كل هذا التركيز لوسائل الإعلام في أيدي الطبقة السائدة، فإنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن نيأس من إمكانية نجاح الاشتراكية والثورة. يمكن للرأسماليين أن يقولوا ما يحلو لهم في وسائل الإعلام، لكن عندما لا يعود لما يقولونه أي علاقة مع ما يعيشه الشعب في حياته اليومية، يفقد الشعب الثقة فيهم. يمكن للطبقة الحاكمة أن تخبرنا عن كم هو رائع النظام الرأسمالي، لكن عندما تكون هناك بطالة جماهيرية وأجور بئيسة وأزمة إسكان، فإن دعايتهم تبدأ في فقدان تأثيرها.

يمكن ملاحظة ذلك في طريقة معاملة وسائل الإعلام لكوربين. فخلال انتخابات يونيو وما قبلها، انضمت جميع وسائل الإعلام الرئيسية إلى حملة متواصلة من الافتراءات ضده، بتنسيق من المؤسسة الرسمية. ألقوا عليه كل ما في أيديهم، بدءا من مهاجمة أذواقه الشخصية، وصولا إلى اتهامه بالتعاطف مع الإرهاب.

على الرغم من أنه كان لتلك الهجمات بعض التأثير على بعض الفئات، فإنها فشلت إلى حد كبير في تحقيق أهدافها. كان من الواضح للكثيرين أن صحافة أصحاب الملايير كانت تهاجمه لأن برنامجه يقوم على مهاجمة أرباحهم. وبدلا من أن تتمكن وسائل الإعلام تلك من تلطيخ اسم كوربين، فقد تسببت في تلويث نفسها في أعين الملايين الذين صار في إمكانهم أن يروا بوضوح الجانب الذي تقف فيه على متراس الصراع الطبقي.

تصل هذه السيرورة إلى أقصى درجاتها خلال الفترات الثورية، أي عندما يصل الصراع الطبقي إلى ذروته. خذوا على سبيل المثال الانقلاب العسكري في فنزويلا ضد هوغو تشافيز عام 2002، والذي تم تنظيمه ودعمه إلى حد كبير من قبل وسائل الإعلام الرأسمالية. فسيطرتهم على موجات الأثير لم تمنع الملايين من الخروج إلى الشوارع للدفاع عن ثورتهم وهزيمة الانقلاب.

وبالمثل فأثناء الثورة الروسية عام 1917، عندما أرسل الرأسماليون، قبل أكتوبر، قطارات محملة بصحفهم (لتوزع مجانا) على القوات في الخطوط الأمامية؛ قام الجنود ببساطة بإحراق تلك الجرائد، لكنهم في نفس الوقت سارعوا للحصول على الصحف الثورية، التي كان الملايين يقرؤونها بشغف كبير.

علينا أن نطور صحافتنا الخاصة لمواجهة أكاذيب أمثال روبرت مردوخ وطبقته. ونحن على ثقة تامة أنه بمجرد ما ستتحرك الطبقة العاملة للنضال من أجل تغيير المجتمع، لن يعيقنا آنذاك أي قدر من الدعاية الرأسمالية.

هل نحن بحاجة إلى حزب ثوري؟

يتفق الكثيرون على الحاجة إلى الثورة من أجل تحرر البشرية من ويلات الرأسمالية. لكن لا يتفق الجميع على ما هو الشيء الضروري لنجاح مثل هذه الثورة.

فوفقا لمعظم اللاسلطويين، لا يعتبر الحزب الثوري غير ضروري فقط، بل إنه ضار بشكل كبير. إنهم يرون أن الرأسمالية ستنهار بعد فورة للطاقة الثورية من جانب الجماهير، أو بعد إضراب عام. بعد ذلك سوف يتشكل بشكل تلقائي مجتمع خال من الطبقات وخال من الدولة.

يتفق الماركسيون على أن الحركات الثورية الجماهيرية ستحدث سواء بوجود أو بدون وجود حزب ثوري لقيادتها. فعدم قدرة الرأسمالية على تطوير المجتمع إلى الأمام هو ما يؤدي إلى تراكم الغضب والإحباط تحت السطح. وفي النهاية يصير في إمكان حتى أصغر شرارة أن تكون كافية لإشعال ذلك الغضب وتحويله إلى حركة جماهيرية.

لكن احتلال ساحات المدن، أو حتى تنظيم إضراب عام، لا يكفي للإطاحة بالرأسمالية. خلال مثل هذه الحركات يمكن للطبقة السائدة أن تنتظر إلى حين استنزاف العمال لطاقتهم.

لكي تنتصر الثورة من الضروري أن تقوم الطبقة العاملة بانتزاع السلطة من أيدي الرأسماليين وتعمل على بناء شكل جديد من الدولة. لن يحدث هذا “بشكل تلقائي”، إنه يتطلب التخطيط الواعي والتنظيم والقيادة.

الطبقة العاملة ليست كتلة واحدة موحدة. توجد بينها فئات مختلفة تستخلص كل منها استنتاجات ثورية بسرعات مختلفة. توجد داخلها فئات أكثر تقدما وأكثر وعيا، وكذلك فئات أكثر تخلفا ما تزال تحت تأثير الطبقة السائدة.

وعند كل اندلاع للصراع الطبقي، سواء خلال إضراب أو في ثورة، ينتهي الأمر بالفئات الأكثر تقدما، في أماكن العمل أو في الحركة، بلعب دور قيادي. وهم بهذا المعنى يشكلون طليعة الطبقة العاملة، يقاتلون في الخطوط الأمامية ويقودون الفئات الأخرى خلفهم.

خلال الثورة يمكن لهذه الطليعة أن تعمل كمحرك قوي في قيادة الطبقة العاملة إلى النصر، شريطة أن تكون منظمة في حزب مسلح بالأفكار الصحيحة لتغيير المجتمع.

إن الحزب الثوري هو أولا وقبل كل شيء برنامج يتضمن الخطوات الملموسة اللازمة لتغيير العالم. وسيتبنى أساليب وتكتيكات معينة من النضال لتحقيق هذا البرنامج. أما جهاز الحزب فهو فقط وسيلة لوضع هذه الأفكار موضع التنفيذ.

هذا البرنامج لا يسقط من السماء، بل يتطور من الصراع الطبقي ضد الرأسمالية. يستطيع الحزب الثوري، من خلال تعميم التجربة الجماعية للحركة العمالية، أن يجمع المطالب المختلفة معا (مثل مطلب القضاء على البطالة، ومطلب رفع الأجور، الخ) وتحديد المهام الملموسة اللازمة لتحقيقها، مثل الاستيلاء على مفاتيح الاقتصاد وتخطيط الإنتاج لخدمة حاجات المجتمع.

يمكن لمثل هذا الحزب، إذا كانت لديه جذور عميقة في أوساط الطبقة العاملة، أن يعمل كمحفز لتطوير الوعي الثوري بين الجماهير. لكن أهم وظائفه لا تصبح واضحة إلا عندما تطرح مسألة السلطة مباشرة، وهو ما يحدث أثناء كل وضع ثوري.

يمكن لمثل هذا الحزب، إذا كانت قيادته حازمة وقادرة على إلهام العمال بالثقة وكانت قادرة على تحديد واضح للمهام الملموسة من أجل الانتقال بالنضال إلى المرحلة التالية، يمكن لمثل هذا الحزب، من خلال تنظيمه للطليعة العمالية، أن يجر وراءه الغالبية العظمى من الطبقة العاملة نحو الاستيلاء على السلطة.

تعمل هذه المنظمة مثل مكبس يكثف قوة البخار. ومن خلال تركيز كل طاقة الجماهير في نقطة الهجوم تصير قوة هائلة قادرة على تغيير المجتمع. لكن بدون هذا المنظمة، تتبدد طاقة الجماهير مثل البخار في الهواء.

يكفينا أن ننظر إلى تجربة الثورة التونسية أو الثورة المصرية لكي نرى هذا التشبيه مثبتا في الممارسة العملية. إذ خرج الملايين إلى الشوارع بحثا عن التغيير، لكن وبسبب غياب حزب لديه برنامج واضح لكيفية تحقيق ذلك التغيير، سرعان ما تبددت تلك الطاقة، وبقيت الرأسمالية سليمة.

أزمة الرأسمالية تحضر الشروط لاندلاع الحركات الثورية في جميع البلدان. ولذلك فإنه من أجل ضمان انتصارها، من الضروري أن نعمل على بناء منظمة ثورية أممية، بفروع في جميع البلدان، تكون قادرة على لعب ذلك الدور القيادي عندما يحين الوقت.

هل يمكن تحقيق الاشتراكية دون تدمير الكوكب؟

كثيرا ما نسمع أن الاشتراكية تبدو شيئا رائعا من حيث المبدأ، لكنها من الناحية العملية سوف تدمر الكوكب. المنطق وراء ذلك هو أنه في ظل الاشتراكية سنحتاج إلى زيادة الإنتاج الصناعي بشكل كبير من أجل إنتاج ما يكفي من الأشياء حتى يصير من الممكن للناس أن يحصلوا على كل الأشياء التي يريدونها. من المفترض أن تأتي تلك الزيادة بتكلفة بيئية هائلة لدرجة أن مستقبل الحياة على الأرض نفسه سيكون في خطر.

صحيح أن كوكبنا في ظل الرأسمالية يواجه كارثة بيئية محدقة. انظروا إلى تلويث إمدادات المياه (وهي مشكلة واسعة الانتشار في الولايات المتحدة بسبب عمليات التكسير الهيدروليكي)، وتدمير الغابات المطيرة، والغازات السامة في الغلاف الجوي، وتلويث المحيطات، هذا إضافة إلى ارتفاع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وعلى الرغم من أن الطبقة الحاكمة تحاول إلقاء اللوم على عاتق “المستهلكين” الأفراد، فإن الحقيقة هي أن هذه المشاكل نتائج حتمية لنظام لا يهمه إلا الربح.

التكاليف البيئية لا تظهر في حسابات الرأسماليين. همهم الوحيد هو كسب المال. وإذا قام بعضهم بزيادة تكاليف الإنتاج، عن طريق تثبيت مرشحات الغازات على مداخنهم على سبيل المثال، فسوف يخسرون أمام الرأسماليين الآخرين الذين لا يهتمون بالبيئة. وهكذا فإن المنافسة في السوق تجبر الرأسماليين على الإنتاج بأرخص طريقة ممكنة، دون مراعاة للبيئة.

لكن ماذا عن التشريعات؟ ألا تستطيع الحكومات التدخل لتضمن حماية الكوكب؟ صحيح أن الحكومات في جميع أنحاء العالم قد أقرت كل أنواع التشريعات البيئية، وذلك غالبا كشكل من أشكال الحمائية ضد الواردات. ومع ذلك فإن الرأسماليين يجدون آلاف الطرق للتهرب من تلك التشريعات، مثلما اتضح خلال “فضيحة الانبعاثات” الأخيرة لشركة فولكس فاجن، حيث تم تثبيت برامج خاصة في السيارات لأجل مراوغة عمليات التفتيش عن التلوث.

وفي النهاية لا يمكننا أن نتوقع من الحكومات الرأسمالية أن تحل الأزمة البيئية. فجميع الحكومات تتنافس مع بعضها البعض لخلق “الظروف الأكثر ملائمة” للرأسماليين، أي تقليص أي نوع من الالتزامات التي قد تؤثر على الربحية. وحتى لو أمكن توقيع الاتفاقيات العالمية، مثل اتفاقية باريس للمناخ، على الورق، فإنه يمكن للحكومات أن تمزقها مرة أخرى (كما فعل ترامب الآن) من أجل وضع مصالح الرأسماليين في المقام الأول.

إذن ماذا عن الاشتراكية؟ في ظل الاشتراكية سيكون من الممكن التخطيط بوعي للإنتاج بحيث يكون في وئام مع البيئة، عوض ترك الإنتاج لـ”اليد الخفية” للسوق.

وجدت دراسة حديثة أن 100 شركة فقط في جميع أنحاء العالم مسؤولة عن 71% من جميع انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي حدثت بين عامي 1988 و2017. تخيلوا لو أن هذه الشركات (وغيرها) تُدار بطريقة ديمقراطية لخدمة حاجة المجتمع وليس الربح، ما هو التأثير الذي سيكون من الممكن إحداثه للحد من تغير المناخ.

التكنولوجيات الضرورية لتزويد الصناعة بالطاقة بشكل نظيف ومستدام موجودة بالفعل. لكن في ظل الرأسمالية، يعتبر استثمار تريليونات الدولارات بالفعل في الوقود الأحفوري، وحقيقة أن استخدامه أكثر ربحية، سببا يحد من استعمال الطاقات المتجددة.

تشير التقديرات إلى أنه من خلال تغطية مساحة من الصحراء تعادل حجم ويلز بألواح شمسية، سيمكن تلبية جميع احتياجات أوروبا من الطاقة. لكن في ظل الرأسمالية ليست الحكومات الأوروبية مستعدة لمنح السيطرة على إمدادات الطاقة لحكومات الجزائر أو ليبيا أو مصر. أما في ظل فدرالية اشتراكية عالمية، مبنية على تعاون الطبقة العاملة العالمية، فإن مثل هذه الحواجز لن تبق موجودة.

ليس من الضروري أن يأتي النمو الاقتصادي على حساب الكوكب. يمكن تصميم البضائع لكي تدوم بدلا من أن تفسد بسرعة، ويمكن تنظيم الإنتاج بحيث يقضي على التبذير. ومع الموارد الوفيرة للأرض، من الممكن تماما بناء منازل كافية للجميع للعيش بشكل جيد، وأكثر من ذلك بكثير. نحن ننتج بالفعل ما يكفي لإطعام جميع سكان الأرض مرتين أو ثلاث مرات، ومع ذلك يتضور الملايين من الجوع. وبالتالي فإن المشكلة سياسية وليست تقنية.

صحيح أن الاشتراكية في حد ذاتها ليست “خضراء” بطبيعتها. ومع ذلك فإنه فقط من خلال السيطرة على المفاتيح الرئيسية للاقتصاد على الصعيد العالمي، وإزالة دافع الربح من المعادلة، ستصير لدى البشرية إمكانية معالجة قضايا البيئة بجدية. أما إذا لم نفعل ذلك، فإن الرأسمالية هي التي تهدد في الواقع بتدمير كوكبنا.

هل كان ما حدث في أكتوبر 1917 ثورة أم انقلاب؟

بعد مرور أكثر من 100 عام على ثورة أكتوبر 1917 الروسية، ما زلنا نتعامل باستمرار مع افتراءات لا نهاية لها مفادها أن ما حدث آنذاك كان مجرد انقلاب نفذته مجموعة صغيرة من المتآمرين.

هدف هذه الهجمات هو تصوير لينين وتروتسكي على أنهما مجنونان متعطشان للسلطة، فرضا بلا رحمة إرادتهما على شعب رافض. تريد هذا الدعاية إقناعنا بأنه لو لم يفعلا ذلك، لكانت روسيا قد عاشت في ظل “ديمقراطية” مزدهرة، وتجنبت أهوال الحرب الأهلية.

إن الثورة ليست دراما من فصل واحد، بل إنها سيرورة تتطور على مدى شهور أو سنوات. وعوض أن تكون نتيجة لجهود مجموعات صغيرة من المتآمرين، تندلع الثورة في النهاية بسبب عجز الطبقة السائدة عن تطوير القوى المنتجة للمجتمع، أي عن دفع البشرية إلى الأمام.

لقد تم إثبات ذلك على المستوى العالمي عام 1914 مع اندلاع الحرب، لكن الأزمة كانت أكثر حدة في روسيا. فبحلول أوائل عام 1917، كان الجنود منهكين ويتجمدون في الخطوط الأمامية، وكان العمال يعانون من الجوع في المدن، وكان الفلاحون يعتصرون من طرف كبار الملاكين العقاريين.

وصلت الأزمة إلى نقطة الانفجار في فبراير من ذلك العام، عندما أطاحت الجماهير بالقيصر. ومع ذلك فإن ما سمي بالحكومة المؤقتة الجديدة، برئاسة الرأسماليين وكبار ملاكي الأراضي، لم تكن قادرة على تقديم “السلام والخبز والأرض” للجماهير التي أوصلتها إلى السلطة.

وبالموازاة مع الحكومة المؤقتة، أنشأ العمال والفلاحون والجنود “سوفييتات” خاصة بهم (أي مجالس) لتمثيل مصالحهم الثورية.

لكن خلال المراحل الأولى من الثورة، سيطر المناشفة والاشتراكيون الثوريون على تلك السوفييتات واستخدموا نفوذهم لدعم الحكومة المؤقتة البرجوازية. وهكذا بقي النظام يزحف من أزمة إلى أخرى، إذ استمر في الحرب الإمبريالية ولم يقدم أي تحسين لظروف الجماهير.

مع عودة لينين إلى روسيا، في أبريل، قال إنه نظرا لأن البلاشفة ما يزالون أقلية، فإن مهمتهم ليست الاستيلاء على السلطة بأنفسهم، بل أن يشرحوا بصبر ضرورة نقل كل السلطة إلى السوفيتات. وفي 05 ماي 1917 كتب:

«أي شخص يقول “خذوا السلطة” لا يحتاج لأن يفكر طويلا لكي يدرك أن محاولة القيام بذلك دون الحصول على دعم غالبية الشعب سيكون مغامرة».

خلال أشهر الصيف قوبلت رغبة الجماهير العارمة في التغيير بمقاومة مستمرة من قبل قادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين الذين رفضوا الاستيلاء على السلطة. وهكذا انهارت قاعدة الدعم التي كانوا يتمتعون بها داخل السوفييتات، حيث انتقلت فئات أوسع فأوسع إلى جانب البلاشفة.

بحلول أكتوبر فاز البلاشفة بالأغلبية داخل سوفييتات بتروغراد وموسكو، بالإضافة إلى العديد من المدن الأخرى. ومع انطلاق انتفاضات الفلاحين في الريف، صار الوقت ملائما للاستعداد للانتفاضة.

بدت الثورة، بالنسبة للمراقبين السطحيين، على أنها مجرد “انقلاب”، وذلك بسبب العدد القليل نسبيا من الأشخاص الذين شاركوا فعلا في الانتفاضة أي في عملية الاستيلاء على المؤسسات الحكومية والاستراتيجية الرئيسية.

وكما أشار تروتسكي في كتابه “تاريخ الثورة الروسية” فإن: «هدوء الشوارع في شهر أكتوبر، وغياب الحشود والمعارك، أعطت العدو ذريعة للحديث عن مؤامرة أقلية ضئيلة، وعن مغامرة حفنة من البلاشفة…».

«لكن الواقع هو أن البلاشفة تمكنوا من اختزل الصراع على السلطة في اللحظة الأخيرة إلى “مؤامرة”، ليس لأنهم كانوا أقلية صغيرة، بل لسبب معاكس: لأنهم كانوا يمتلكون وراءهم، في أحياء العمال والثكنات، الغالبية العظمى موحدة ومنظمة ومنضبطة».

لو أن البلاشفة لم يكونوا يتمتعون بذلك الدعم الجماهيري، لما كان في مقدورهم أن يحتفظوا بالسلطة ولو لأيام، ناهيك عن سنوات.

في نهاية المطاف كانت معظم الاستعدادات للاستيلاء على السلطة قد تم تنفيذها قبل أشهر، من خلال قيام البلاشفة بالشرح الصبور لكسب أغلبية العمال والجنود. انهارت قاعدة الدعم للحكومة المؤقتة، ولم يعد هناك تقريبا أحد مستعد للقتال من أجل الدفاع عنها.

لو لم ينتهز البلاشفة اللحظة للمضي بالثورة إلى الأمام، لما كانت النتيجة قيام “ديمقراطية مزدهرة”، بل صعود النسخة الروسية للفاشية، لأن الطبقة السائدة كانت ستشن هجوما ضد العمال والفلاحين الثوريين.

ألن يصير الجميع كسالى إذا صرنا كلنا “نتقاضى نفس الأجر”؟

غالبًا ما يُقال إن الاشتراكية لا يمكن أن تعمل، لأنه إذا كان الجميع “يتقاضون نفس الأجر”، فلن يكون هناك حافز “للعمل بجد”.

هذه الحجة خاطئة على عدة مستويات. أولا لأنها تفترض أن أولئك الذين يتقاضون أعلى الأجور في ظل الرأسمالية هم الذين يشتغلون بجد. لكن الواقع هو أن ثروة الأغنياء لا تأتي من عملهم، بل من ملكيتهم لوسائل الإنتاج. وهذا ما يسمح لهم بالاستيلاء على فائض القيمة التي يخلقها ملايير العمال في جميع أنحاء العالم.

أغلب هؤلاء المليارديرات لا يقومون بأي عمل منتج على الإطلاق، بل يدفعون للآخرين لإدارة شركاتهم وأموالهم. وقد وجدت دراسة أجرتها منظمة أوكسفام حول ثروة أثرياء العالم أن ثلث تلك الثروات موروثة، بينما يمكن ربط 43% منها بالفساد.

وفي حين ‘يعمل’ هؤلاء الطفيليون ‘بجد’ على متن يخوتهم الفارهة، يضطر ملايير العمال للكدح طيلة 50 أو 60 ساعة أو أكثر في الأسبوع، ويقومون بالأعمال الشاقة مقابل أجور البؤس.

هذا ‘العمل الجاد’ لا تشجعه حقيقة أن بعض فئات الطبقة العاملة تحصل على أجور أعلى. إنه ناتج عن اضطرارنا للقبول بأي وظيفة متاحة وذلك لكي نتمكن من وضع الطعام على المائدة ودفع الإيجار والفواتير. والبديل عن ذلك هو الانضمام إلى صفوف العاطلين، وهو ما يعني بالنسبة للكثيرين مواجهة الجوع والتشرد.

وثانيا إن الفكرة القائلة بأنه في ظل الاشتراكية “سوف نتقاضى جميعا نفس الأجر” خاطئة. إن الهدف النهائي الذي نسعى إليه هو المجتمع الشيوعي حيث سيصير في مقدور الجميع أن يأخذوا بحرية كل ما يحتاجون إليه. لكننا، نحن الماركسيين، لسنا طوباويين، إننا لا نتوقع أن يصير هذا ممكنا بين عشية وضحاها بمجرد ما تتولى الطبقة العاملة السلطة. سوف يتطلب ذلك فترة انتقالية (يشار إليها عادة باسم “الاشتراكية”)، والتي خلالها سيكون استمرار بعض سمات الرأسمالية أمرا لا مفر منه.

وكما قال ماركس فإن: «ما علينا أن نتعامل معه هنا ليس مجتمعا شيوعيا تطور على أسسه الخاصة، بل على العكس تماما مجتمعا يخرج لتوه من المجتمع الرأسمالي؛ والذي هو بالتالي ما يزال مختوما من جميع النواحي، اقتصاديا وأخلاقيا وفكريا، بطابع المجتمع القديم الذي يخرج من رحمه».

من خلال الاستيلاء على المفاتيح الرئيسية للاقتصاد وتخطيط الإنتاج وفقا للحاجة، سيصير من الممكن إجراء عدد من التحسينات السريعة في حياة غالبية الناس. وعلى سبيل المثال سيكون من الممكن القضاء بسرعة على البطالة، عن طريق تقليص أسبوع العمل، دون تخفيض الأجر.

كما سيكون من الممكن توفير الرعاية الصحية مجانا، وسيكون من الممكن أيضا توفير سلع وخدمات أخرى مثل الطاقة والإنترنت والنقل والطعام بشكل مجاني. وذلك لأننا ننتج، أو يمكننا أن ننتج أكثر مما يكفي لتحقيق هذه الأشياء. سيكون بمثابة زيادة هائلة في أجور القسم الأكبر من المجتمع.

لكن طالما استمر الخصاص، سيبقى من الضروري توزيع بعض المنتجات مقابل المال، أي أن دفع الأجور سيظل ضروريا. من الطوباوي الاعتقاد أنه منذ الفترة المبكرة التي تعقب الثورة الاشتراكية، سيقبل الجميع بتلقي نفس الأجر نظرا لاختلاف احتياجاتهم ومسؤولياتهم وأعباء العمل، أو السماح لأولئك الذين لا يعملون، رغم أنهم يستطيعون العمل، أن يأخذوا من ثروة المجتمع.

لكن وعلى عكس ما يحدث في ظل الرأسمالية، حيث يكون الفرق بين الأجور الدنيا والعليا في العديد من الشركات هائلا جدا (يكسب رؤساء الشركات مؤشر FTSE 100 في المتوسط ​​386 مرة أكثر من الحد الأدنى للأجور). في ظل الاشتراكية سوف نقلص بشكل كبير من هذا التفاوت. خلال السنوات الأولى للاتحاد السوفياتي، كانت النسبة بين أعلى أجر وأدنى أجر رسميا 1 إلى 4، وحتى هذه النسبة كانت تعتبر مرتفعة.

في ظل الرقابة العمالية سيكون هناك تقليص هائل لأسبوع العمل، إلى جانب إلغاء الفجوة بين العمل الذهني والعمل اليدوي، مما سوف يؤدي إلى تغير مفاهيمنا عن “العمل”. سوف يتحول من عبء مرهق نضطر له لدفع الفواتير، بينما نزيد ثروات أصحاب الملايير، ليصير مصدرا للازدهار، أو “حاجة الحياة الأساسية”.

مع تطور قوى الإنتاج إلى تلك النقطة التي سيمكننا خلالها بسهولة إنتاج ما يكفي من كل شيء ليأخذه الناس بحرية، ستصبح الرغبة في الحصول على أجر أكثر من الآخرين رغبة بدون معنى، لأن المال نفسه سيصبح غير ضروري. وعوض أن تسقط الانسانية في الكسل الشامل، سيصير في إمكانها أخيرا تحقيق كامل إمكاناتها.

هل يريد الماركسيون حظر الدين؟

على الرغم من أن الماركسية فلسفة إلحادية حازمة، إلا أن الماركسيين الحقيقيين لم يرغبوا أبدا في “حظر الدين”، بل على العكس من ذلك لقد دافع الماركسيون دائما عن حق الناس في ممارسة أي دين يريدون. هذا حق ديمقراطي أساسي.

يأتي هذا المفهوم الخاطئ من محاولات الأنظمة البيروقراطية الستالينية قمع ممارسة الأديان. وبالنظر إلى أنه يستحيل حظر الأفكار، فقد كانت مثل تلك السياسة جزءا من محاولات البيروقراطية لتضييق الخناق على كل الحريات الديمقراطية التي ترى أنها قد تشكل تحديا لنظام حكمها.

لكن صحيح أن الماركسيين يدافعون عن ضرورة فصل الدين بشكل تام عن الدولة، وهذا بدوره مبدأ ديمقراطي. يجب ألا تتمتع الأديان والمؤسسات الدينية بأي امتيازات أو سلطة خاصة، مالية كانت أو غير ذلك، ويجب ألا يُسمح لها بإدارة المدارس والخدمات العامة، إلخ.

يدافع الماركسيون عن أقصى قدر من وحدة الطبقة العاملة في النضال ضد الرأسمالية. والانقسامات الدينية -وجميع الانقسامات الأخرى، سواء كانت على أساس الجنس أو الاثنية أو الجنسية، إلخ- لا تؤدي إلا إلى تفريق صفوفنا. إننا نرحب بجميع المناضلين الشرفاء في صفوفنا، بغض النظر عن خلفيتهم الدينية.

لكن هذا لا يعني أننا قد نقدم تنازلات للأفكار الدينية في ما يخص فلسفة أو برنامج حركتنا. إننا لا نحاول الاقتصار على بعض الإصلاحات الطفيفة للنظام الرأسمالي، بل نسعى لإسقاطه بالكامل. لذلك نحن بحاجة إلى أفكار وتكتيكات واضحة، والتي يجب أن تستند إلى دراسة علمية للصراع الطبقي. ولا يمكن لأي تصوف أو خرافات إلا أن يضر بمهمتنا هذه.

يجب أن نشير إلى أنه في جميع الأديان توجد دائما “مؤسستان دينيتان” تتعارض مصالحهما. هناك أقلية على رأس المؤسسة تربطها آلاف الخيوط بالطبقة السائدة. أعضاء تلك المؤسسة يستفيدون هم أنفسهم من الوضع الراهن، فيستخدمون الدين للتبشير بالسلبية، وذلك لإخماد لهيب الصراع الطبقي. إذا هاجمك البلطجية اليمينيون: “أدر خدك الآخر لهم”، وقابل رب عملك الذي يستغلك “بالمحبة والمغفرة”.

وعلى الجانب الآخر توجد الغالبية العظمى من المؤمنين الذين يرون في دينهم طريقا إلى عالم أفضل (ولو حتى بعد الموت). لهؤلاء نقول: احذروا من أي زعيم ديني يحاول إبعادكم عن الصراع الطبقي، اعتمدوا فقط على قوتكم: قوة الطبقة العاملة المنظمة!

الماركسية فلسفة علمية. لا نحتاج للجوء إلى ما هو غيبي لكي نفهم العالم ونعمل على تغييره. ومع ذلك فإنه لا تربطنا أية علاقة مع “الملحدين الجدد”، مثل ريتشارد دوكينز، الذين يعتقدون أنه سيتم التغلب على الآراء الدينية من خلال “الحجة العقلانية” والدعاية.

وبدلا من ذلك فإن الماركسيين يدركون أن للدين قاعدة مادية داخل المجتمع. إنه يلبي حاجة اجتماعية قوية. فعندما يواجه ملايير البشر حياة قاتمة للغاية في هذا العالم، في مواجهة الفقر المستشري وانعدام الأمان والاستيلاب، يصير الوعد بجنة بعد الموت أمرا جذابا للغاية.

ولهذا السبب كتب ماركس: «إن المعاناة الدينية هي تعبير عن معاناة حقيقية، وفي نفس الوقت احتجاج على معاناة حقيقية. الدين هو زفرة المخلوق المضطهَد، وقلب عالم بلا قلب، وروح ظروف بلا روح، إنه أفيون الشعب».

ولذلك فإن أي صراع حقيقي ضد الأفكار الصوفية للدين يجب أن يتوجه في المقام الأول ضد الشروط التي تؤدي إلى ظهور تلك الأفكار. وهذا يعني النضال الحازم للإطاحة بالنظام الرأسمالي الذي هو مصدر الاضطهاد والمعاناة التي يواجهها ملايير البشر.

في ظل الرأسمالية يبدو أن هناك قوى غيبية تتحكم بنا. لقد أصبح الملايين عاطلين عن العمل، وذلك على ما يبدو بسبب “اليد الخفية” للسوق. كما يموت الملايين بسبب الحروب والأمراض والفقر. وبسبب عدم قدرتنا على التحكم في مصيرنا، من المحتم أن يبحث الكثيرون عن تفسير روحي لهذه الأشياء ويجدوها في يد إله ما.

لكن في ظل الرقابة الديمقراطية للطبقة العاملة على الاقتصاد، سيمكننا وضع حد لفظائع المجتمع الطبقي هذه. وعندما سيصير لكل فرد تحكم حقيقي في زمام حياته، لن تكون هناك حاجة بعد ذلك للبحث عن ملاذ في الأفكار الصوفية. وإذا تمكنا من إنشاء جنة في هذا العالم، لن تكون هناك حاجة لتعزية أنفسنا بوعد بجنة بعد الموت. لن يتم حظر الدين في ظل الاشتراكية، بل سوف يتلاشى من تلقاء نفسه.

إعداد: منظمة النداء الاشتراكي
-الفرع البريطاني للتيار الماركسي الأممي-
ترجمة: أنس رحيمي






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشارات حول المنظورات العالمية ومهام المناضلين الماركسيين
- المغرب: النظام والرأسماليون هم الأعداء الحقيقيون!
- روسيا: طبيعة نظام بوتين
- الأفكار الثورية لأنطونيو غرامشي
- الانتخابات الرئاسية الموريتانية: الطغمة العسكرية تتداول السل ...
- السودان: سقط البشير فلتسقط الرأسمالية


المزيد.....




- وسائل إعلام لبنانية رسمية: إصابة متظاهرين على الحدود برصاص إ ...
- وسائل إعلام لبنانية رسمية: إصابة متظاهرين على الحدود برصاص إ ...
- بيان حول إيقاف مسيرة التضامن مع الشعب الفلسطيني
- الاشتراكي اليمني يؤكد وقوفه إلى جانب الشعب الفلسطيني وحقه ال ...
- أمين عام الاشتراكي يعزي في وفاة المناضل علي محمد السعدي
- الهلال الأحمر الفلسطيني: إصابة أكثر من 165 فلسطينيا في مواجه ...
- إصابة متظاهرين اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي عند الجدار الفاص ...
- فيديو: اشتباكات ليلية بين المتظاهرين والأمن الإسرائيلي في ال ...
- ملاحظات على الراهن السياسي، وعناصر جواب على سؤال ما العمل؟
- آلاف المتظاهرين يحتجون في مدريد على عمليات الجيش الإسرائيلي ...


المزيد.....

- لحظة عدم السماح بسقوط الراية / التيتي الحبيب
- متابعات عالمية و عربيّة - نظرة شيوعيّة ثوريّة (3) 2019-2020 / شادي الشماوي
- الحلقة السادسة والأخيرة: منظمة -إلى الأمام- الماركسية الليني ... / موقع 30 عشت
- استعادة الإرث الثوري لروزا لوكسمبورغ / ماري فريدريكسن
- السيرورة الثورية في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط: حصيلة ... / الاممية الرابعة
- الاستعمار الرقمي: هيمنة متعددة وعنيفة / أحمد مصطفى جابر
- الشيوعية الجديدة / الخلاصة الجديدة للشيوعية تشتمل على التقيي ... / ناظم الماوي
- دفاعا عن المادية / آلان وودز
- الإشتراكية والتقدّم نحو الشيوعيّة : يمكن أن يكون العالم مختل ... / شادي الشماوي
- الممارسة وحل التوترات فى فكر ماركس / جورج لارين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أنس رحيمي - أسئلة متكررة عن الماركسية والاشتراكية