أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رزق البرمبالي - أوراق صفراء














المزيد.....

أوراق صفراء


رزق البرمبالي

الحوار المتمدن-العدد: 6726 - 2020 / 11 / 7 - 00:52
المحور: الادب والفن
    


الطفل الصغير الذي لم يَتَعدَ عمره ثلاث سنوات، يذهب رفقة أباه وأمه إلى الحقل، يجلس في ظل شجرة الكافور العملاقة، يتابع أعمالهم اليومية بشغف بالغ، يشاهد أباه وهو يضرب الأرض بفأسه ويجرف بها التراب إلي أسفل قدميه وقطرات العرق تنز من جبينه فوق التراب، ومن ثم يصنع خطوطاً طولية، بينما أمه تُنَقِي الخطوط من بقايا الحشائش حتى لاتنبت مره أخرى وتشارك بذور القرع الغذاء والشراب،
وطيور أبو قردان على مقربة من أمه تنقب بمنقارها بين الخطوط لعلها تتحصل على دودة أو حشرة تسد رمقها، يأتيه خيوط حمراء متسللة عبر أغصان الكافور الكثيفة، فتشعره بسخونة في وجهه الأبيض المشرب بحمره، يقف في الظل مستنداً إلى جذع الشجرة، ويتوسل لأمه أن يشاركها جمع الحشائش،
تضحك وتقول: مازلت صغيراً ياضي العين،

بينما يقف أباه ويمسح قطرة عرق إنزلقت إلى داخل عينه فشعر بحرقان شديد فيها،
وقال مبتسماً : غداً تكبر وتزرع وتقلع، ثم ضحك بصوت عالِ، وأردف: وتهرب عندما أدعوك للذهاب للحقل،

مُسحة من حزن غطت وجهه وقال متسائلاً ونفسه: متى أكّبُر؟!
تناول قطعة من طرف غصن قديم، ثم قطع بأسنانه بعضاً من طرفها ليجعلها مدببة كالقلم، وقف على أطراف أصابعه بجوار الجذع ماطاً جسده، ويضع علامة كجرح عرضي فوق رأسه، بقلمه الخشبي في جذع الشجرة، ويقول لنفسه:
كل يوم سأقيس طولي وأضع علامة!

بعد يومين يشاهد أمه تنقر التراب في وسط الخط بأناملها كمخلب قطة، محدثة حفرة صغيرة تضع فيها حبة أو حبتين من حبوب القرع البيضاء ثم تغطيها بالتراب، وكذلك يفعل أباه، بعد الإنتهاء تثبت أمه خيال المأتة الذي ألبسته جلباباً قديماً لزوجها في منتصف قطعة الأرض، بينما يذهب أبيه لتشغيل ماكينة الري أسفل شجرة التوت الدكر على شاطئ الترعة، تجلس الأم مع ولدها ريثما ترتوي الأرض ويصل الماء إلى بذور القرع، يتساقط شعاع شمس مباشر على وجهها الدائري فيزداد خديها توهجاً، وتلمع عينيها العسليتين بفرحة، وتجذبه إليها وتقبله،
وتقول: لا تغضب ياحسن، غداً تكبر وتزرع هذه الأرض بمفردك، ونرتاح أنا وأبيك، يمط رقبتة ويلثم خديها بقبلتين،

يتابع الطفل إنشقاق الأرض عن وريقات صغيره سرعان ما تكبر وتمتد، ويشاهد الزهرات البديعة ذات الخليط من ألوان الأبيض والأصفر والبرتقالي، ثم يشاهد القرعة الخضراء الصغيرة أسفل الزهرة الجميلة، يوم بعد يوم يزداد حجمها ثم تنبعج وتأخذ الشكل الدائري،

أصيب أباه بحمى شديدة، ولزم الفراش وجلست زوجتة بجواره تمرضه،
ناولت حسن حبل ينتهي بلجام في رأس الحمارة وقالت: إذهب يابني بالحمارة ودعها تأكل من الحشائش وأطراف الغاب الأخضر على شاطئ الترعة، و عُد بها قبل غروب الشمس، وإياك أن تتأخر حتى لايأكلنا القلق عليك،

نط قلب حسن من مكانه فرحاً، وقال لأمه إنتظري لحظة ودخل المطبخ يبحث عن بعض الحبوب فلم يجد، وشاهد ثوماً فأخذ فصين كبيرين ودسهم في جيبه، وأخذ بحبل الحمارة وذهب إلى الحقل، تسبقه سعادة كأنه في صباح يوم العيد،
ترك الحمارة تأكل، وذهب إلي جوار شجرة الكافور من ناحية قناة الري، غرز طرف عود خشبي رفيع في الأرض ليصنع جوره، ووضع فص ثوم قاعدته لأسفل ورأسه للأعلى وغطاه بالتراب إلا جزء صغير من طرفه المدبب، وكذلك فعل مع الفص الأخر،

أخذ نفساً عميقاً من الهواء البارد المنعش، ووجهه الضاحك ينظر إلى حلمه القديم بحب وإعجاب، فيشعر بنشوة عجيبة لم يشعر بها من قبل، لكنه سعادته لم تدم غير لحظات قليلة، إذ كيف له بماء لري حلمه، القناه جافه والترعة بها ماء ضاحل لأن الوقت أول يناير موعد السده الشتوية،
وشاطئ الترعة العمودي يمنعة من النزول للأسفل، دار حول نفسه كالمجنون يبحث عن ماء فلم يجد، أحس بخطر يداهم حلمه، جلس حزيناً واضعاً رأسه بين كفيه، وفجأة وقف كمن لدغتة عقرب، وإتجه إلى حلمه، ونزع الجزء العلوي من سروالة وسقي حلمه، عاودته النشوى مره أخرى وقال لنفسه في سرور: إنها فكره مدهشة!

كان كل يوم يذهب مسرعاً إلى حلمه ليشاهد نموه ويسقيه من بوله، وكانت السعادة تكاد تأخذه وتطير عندما يرى أوراق حلمه تنمو وتنمو، لكنه تعجب وأخذته الحيرة، وتساءل: لِمَ أوراق حلمي ليست خضراء؟!



#رزق_البرمبالي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل تقضى جينات ترامب العربية على الديمقراطية الأمريكية ؟
- توريدات المعلم شفيق


المزيد.....




- بعد صفعه أحد المعجبين.. -الضحية- يطالب الفنان عمرو دياب بتعو ...
- بالفيديو.. نشطاء حقوق الحيوان يلصقون شخصية من فيلم كرتوني بر ...
- -ثقافة جنسية شاملة-.. مهندسون في -سبيس أكس- يقاضون ماسك
- فتح معبر رأس جدير بين ليبيا وتونس للحالات الإنسانية اعتبارا ...
- مصر.. محامي الشاب صاحب واقعة الصفع من قبل عمرو دياب يطلب ملي ...
- الحلقة الجديدة نزلت الآن.. شاهد مسلسل المؤسس عثمان الحلقة 16 ...
- رهانات الحظ العاثر في -مقامرة على شرف الليدي ميتسي-
- تضم ثلة من المشاهير.. محكمة كويتية تبت في قرار منع مسرحية أث ...
- نجم مصري يتقمص دور -سفاح التجمع- (صور)
- -لا دليل على إساءتها لأخلاق المجتمع-.. محكمة كويتية تلغي منع ...


المزيد.....

- سأُحاولُكِ مرَّة أُخرى/ ديوان / ريتا عودة
- أنا جنونُكَ--- مجموعة قصصيّة / ريتا عودة
- صحيفة -روسيا الأدبية- تنشر بحث: -بوشكين العربي- باللغة الروس ... / شاهر أحمد نصر
- حكايات أحفادي- قصص قصيرة جدا / السيد حافظ
- غرائبية العتبات النصية في مسرواية "حتى يطمئن قلبي": السيد حا ... / مروة محمد أبواليزيد
- أبسن: الحداثة .. الجماليات .. الشخصيات النسائية / رضا الظاهر
- السلام على محمود درويش " شعر" / محمود شاهين
- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رزق البرمبالي - أوراق صفراء