أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - سيد صديق - ذكرى الثورة البلشفية: لماذا الحزب الثوري مهم؟















المزيد.....

ذكرى الثورة البلشفية: لماذا الحزب الثوري مهم؟


سيد صديق

الحوار المتمدن-العدد: 6714 - 2020 / 10 / 25 - 11:06
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


ترجمة سيد صديق

في 25 أكتوبر 1917، استحوذت الطبقة العاملة الروسية على السلطة. وفي اجتماعٍ لمؤتمر السوفييتات، تلك الهيئات التي جسَّدَت ذروة الديمقراطية ومثَّلَت ملايين العمال والفلاحين والجنود، أعلن لينين: “سنمضي الآن في بناء النظام الاشتراكي”. كيف؟ استطرد لينين: “النشاط الخلَّاق القاعدي هو العامل الرئيسي للحياة العامة الجديدة … لا يمكن إعلان الاشتراكية بمرسومٍ من أعلى. إن روحها ترفض النهج البيروقراطي الميكانيكي. إن الاشتراكية الحيَّة الخلَّاقة هي نتاج الجماهير أنفسهم”.

في غضون ليلةٍ من الثورة، أصدَرَت الحكومة مرسومًا للسيطرة العمالية على الإنتاج. أصبحت القرارات الخاصة بالإنتاج تُتَّخَذ بواسطة المنظمات العمالية: السوفييتات، ولجان المصانع، والنقابات.

كان ذلك واحدٌ فقط من زوابع المراسيم الثورية آنذاك. ففي العام الأول من الثورة، أقرَّت الحكومة السوفييتية حقَّ الاقتراع العام، وألغَت الثروة الموروثة، وأزالت سيطرة الدولة على الزواج والطلاق، ومَحَت القوانين ضد المثلية الجنسية من القانون الجنائي. مُنِحَت الأقليات القومية الحقَّ في الاستقلال، بما في ذلك الانفصال عن روسيا، ومُكِّنَت الأقليات الدينية عبر الاعتراف بالحرية الدينية الكاملة.

انتَزَعَت النساء حقَّ الأجر المتساوي مع الرجال، والكثير منهن انتُخِبن في قيادة السوفييتات والميليشيات العمالية. ومن أجل تعزيز المشاركة الكاملة للمرأة في الحياة السياسية، أسَّسَت الدولة العمالية الوليدة، المُفقَرة والمُمَزَّقة بفعل الحرب، مطابخ عامة، ومراكز لرعاية الأطفال، من أجل نفض أعباء الحياة العائلية من على كاهل النساء.

أصدَرَت الحكومة الثورية مرسومًا بعد الآخر، تاركةً العمال الثوريين ينفِّذونها بتنظيمهم الذاتي. كَتَبَ ليون تروتسكي لاحقًا: “لم يشهد العالم قط إصدار قراراتٍ بهذه الكثرة؛ شفهيًا، وكتابيًا بأقلام الرصاص وبالآلة الكاتبة، وعبر البرقيات”.

قبل ثمانية أشهر من ذلك الحين، في ثورة فبراير، أطاحت موجةٌ من الإضرابات العمالية الديكتاتورية الاستبدادية التي امتدَّت لقرونٍ من الزمن. تلت ذلك أشهرٌ من النقاشات المفتوحة في كلِّ مكان. ومن فبراير فصاعدًا، كما كَتَبَ المؤرِّخ الأمريكي ريكس ويد، انطَلَقَ سكَّان روسيا “في عرضٍ مُذهِلٍ لتأكيد الذات، والحضور الجماهيري، وتأسيس منظماتٍ جديدة. كانت إعلانات المؤتمرات واللجان والاجتماعات والمنظمات الجديدة، وغيرها من مظاهر الحياة العامة الطليقة، تملأ صفحات الجرائد”.

لكن على مدار هذه الأشهر، لم يكن من الواضح كيف سيبدو نتاج هذه النقاشات المُطوَّلة: هل تسوية وسطية؟ أم ديمقراطية رأسمالية؟ أم عودة للحكم اليميني أو للديكتاتورية العسكرية؟ بعد ثمانية أشهر من النقاشات، حزمت الطبقة العاملة قرارها للاستيلاء على السلطة، وقامت ثورة أكتوبر.

كيف انتقل العمال من ذلك “العرض المُذهِل لتأكيد الذات” إلى قرار أكتوبر بالاستحواذ على السلطة وبناء “الاشتراكية الحيَّة الخلَّاقة”، دون أن تهزمهم الثورة المضادة أو تستهلكهم العشوائية والنزاعات بينهم؟ كان الدور الذي اضطلع به الحزب البلشفي، والذي كثيرًا ما يُساء فهمه، عنصرًا أساسيًا في ذلك.

كان الحزب البلشفي حزبًا للطبقة العاملة في أغلبيته الساحقة، مُتألِّفًا من عشرات الآلاف من اشتراكيي الطبقة العاملة، ومنغرِسًا بعمق في مواقع العمل في المراكز الصناعية الكبرى. بحلول نهاية العام 1917، صار الحزب يتضمَّن مئات الآلاف من الأعضاء، إذ انضمَّ إليه أكثر النشطاء الثوريين تفانيًا في النضال.

جَذَبَ ذلك المناخ من النقاش المستمر ملايين من العمال في الجدالات السائدة آنذاك؛ كانت المشكلات السياسية تُطرَح وتُوضَع لها الحلول؛ رُفِعَت المطالب الجديدة وتنامت الطموحات. في كلِّ انعطافٍ في هذه النقاشات، كان البلاشفة يُشجِّعون العمال على المزيد من الجرأة، وعلى تنظيم أنفسهم وتولي دفَّة قيادة الثورة بين أيديهم.

أدَّت فظائع الحرب العالمية الأولى إلى اندلاع الثورة. طالَبَ الفلاحون المُفقَرون في الريف الروسي بإعادة توزيع الأرض، وطالَبَ العمال الذين زادوا إصرارًا على النضال بالتحكُّم في مواقع العمل. هيمَنَت هذه القضايا الثلاث على الفترة التي أعقَبَت إطاحة الديكتاتورية القديمة في فبراير. رأى البلاشفة أنه من أجل حلِّ هذه المشكلات، فإن العمال بحاجةٍ إلى الاستحواذ على السلطة بين أيديهم. وشدَّدوا على هدم الفاصل بين النضال السياسي والاقتصادي، وحاولوا تشييد جسورٍ من التضامن بين الفلاحين والعمال والجنود.

تجسَّد الأمل الكبير الذي أطلقته ثورة فبراير في أنها قد تنهي الحرب. لكن بعد إطاحة القيصر، أعلَنَت حكومةٌ مؤقَّتةٌ غير مُنتَخَبة نفسها سلطةً جديدةً للبلاد، وظلَّت ملتزمةً بمواصلة الحرب. كان رئيس الحكومة، أليكساندر كرينسكي، قد أخبَرَ الجنود بأن “حتمية وضرورة التضحية ينبغي أن تحكم قلوب الجنود الروس … إنني لا أدعوكم إلى الاحتفال، بل إلى الموت”.

كانت مواصلة الحرب الإمبريالية تستلزم النظام الصارم، لا الحرية الثورية. تزايدت الإضرابات، ورَفَعَ العمال مطالب تتراوح بين زيادة الأجور إلى تحديد يوم العمل بثمان ساعاتٍ فقط، فيما دَعَت الحكومة المؤقَّتة الطبقات العليا والدنيا إلى “ضبط النفس”. وكَتَبَت صحيفة إزفستيا، التي أصدرتها السوفييتات وهيمَنَ عليها الحزب المنشفي في ذلك الوقت، أن “الوضع في زمن الحرب في الثورة يجبر كلا الجانبين على توخِّي الحذر الأقصى في استخدام الأسلحة الحادة للنضال الطبقي مثل الإضرابات (من جانب العمال) وإغلاق المصانع (من جانب الرأسماليين). هذه الظروف تجعل من الضروري تسوية النزاعات كافة بوسائل التفاوض والتوافق، لا من خلال الصراع المفتوح”. يُفتَرَض أن كرينسكي والمناشفة كانوا اشتراكيين، لكنهم صاروا يدعون إلى تقويض الثورة وكبح نضالات العمال من أجل إطالة الحرب.

كان موقف البلاشفة المُناهِض للحرب موقفًا فريدًا، فقد رَسَمَ خطًا واصلًا بين الحرب وثورة العمال الأممية. جادَلَ لينين، أبرز وأهم الرموز القيادية للبلاشفة، بأن الطبيعة الرأسمالية للحكومة المؤقَّتة هي ما دَفَعتها إلى الموقف المؤيِّد لمواصلة الحرب. ومن أجل إنهاء هذه الحرب، كان لابد لعمال الأمم المتحاربة كافة أن يناضلوا ضد طبقاتهم الحاكمة. اكتَسَبَ الشعار القديم الذي طَرَحه ماركس، “يا عمال العالم اتَّحدوا”، معنىً ملموسًا؛ إذ كان لابد لجنود الجيوش المتناحرة أن يتآخوا، وللعمال أن يشنوا حربهم ضد الرأسماليين.

دَفَعَت الرغبة في الإبقاء على النظام القديم الحكومة المؤقَّتة واشتراكييها المعتدلين في مسارٍ تصادمي مع مؤسَّسات الديمقراطية الشعبية، التي نالت في المقابل دعمًا متزايدًا من جانب البلاشفة. ظَهَرَت إلى الوجود أكثر من 2000 نقابة عمالية في العام 1917. ونَهَضَت لجان المصانع -التي انتخبها العمال في مواقع عملهم بصرف النظر عن الجنس أو الدين أو العرق- للتعامل مع كلِّ شيء؛ من إصلاح مصابيح الإنارة إلى قيادة المعارك من أجل ظروف عمل أفضل. لكن المؤسَّسة الأهم والأكبر تأثيرًا في ذلك الوقت تمثَّلَت في السوفييتات؛ تلك الشبكة من المجالس الثورية للمندوبين من أيِّ وكلِّ مواقع العمل، إضافةً إلى مندوبي الجنود والفلاحين. كان المؤرِّخ الاشتراكي المعتدل للثورة الروسية، نيقولاي سوخانوف، على حقٍّ حين وَصَفَ السوفييتات بأنها “بوتقة الأحداث العظيمة ومُختَبَر الثورة”. كان لابد من قمع مؤسَّساتٍ كهذه من أجل تدشين جهدٍ حربيٍّ مُنظَّم.

بحلول منتصف العام، تصاعَدَت الإضرابات إلى حركةٍ من أجل السيطرة العمالية على المصانع. لكن السيطرة العمالية على مستوى مواقع العمل الفرادى كان يتَّضح بصورةٍ متزايدة أنها غير كافية. كان الاقتصاد ينهار تحت ضغط الحرب، وارتفعت الأسعار 2300% بين فبراير وأكتوبر، وانخفضت الأجور إلى النصف تقريبًا.

في المصانع، قاد النشطاء البلاشفة الإضرابات، لكنهم أيضًا طرحوا الشعارات السياسية، مثل “كل السلطة للسوفييتات”، و”أسقطوا الحكومة المؤقَّتة”، خلال النقاشات حول الأجور وظروف العمل وغيرهما من القضايا الاقتصادية. وكما أوضَحَ المؤرِّخ ديفيد ماندل، فإن “الترابطات بين المجالات الاقتصادية والفلسفية، في وعي العمال وفي الواقع الموضوعي نفسه، على السواء، كانت جليةً منذ البداية. وكانت رغبة القيادة الاشتراكية المعتدلة للسوفييتات للفصل بين الناحيتين هي في الحقيقة التي فتحت الباب أمام الصراع الأول بينهما وبين العمال القاعديين … هذه الترابطات كانت تدمج المجالين مُوحِّدةً كلَّ الخيوط في مطلبٍ واحدٍ طاغٍ، ألا وهو “كل السلطة للسوفييتات”.

دعا البلاشفة الفلاحين إلى النهوض ضد الإقطاعيين ومصادرة الأرض بأنفسهم. وعلى خلاف الأحزاب السياسية الأخرى، شجَّع البلاشفة الفلاحين على التحرُّك مباشرةً بدلًا من انتظار الحكومة المؤقَّتة دائمة التأجيل والمماطلة في قضية الأرض. وبحلول أغسطس، كانت 482 من أصل 624 مقاطعة في روسيا قد شهدت تمرُّداتٍ واسعة للفلاحين. أقنَعَ المناضلون البلاشفة عمال المدن بضرورة نصرة مطالب الفلاحين الفقراء. كانوا يدركون أنه من أجل أن يستحوذ العمال على السلطة لابد أن يُعتَرَف بهم باعتبارهم أنصارًا للمضطهدين كافة.

قضى البلاشفة العام برمته في الجدال بأن على العمال أن يستلموا السلطة بينما كانوا يقودون النضالات على الأرض. وأتت نضالاتهم ثمارها في أغسطس، حين اندلعت معركةٌ حاسمة ضد محاولة انقلابٍ من جانب أحد جنرالات القيصر المخلصين، الجنرال لافار كورنيلوف.

نظَّمَت لجان المصانع، تحت القيادة البلشفية، “الحرس الأحمر” الذي تألَّفَ من 40 ألف متطوِّع بقيادة ليون تروتسكي، بينما سيطَرَ العمال المناضلون في القطاعات الرئيسية على عملية الإنتاج لإشاعة الفوضى في صفوف قوات كورنيلوف وإعادة توجيه الشحنات الحيوية التي كانت هذه القوات بحاجةٍ إليها، وكما كَتَبَ تروتسكي: “استُخدِمَت أساليب غامضة جعلت القطارات تغيِّر مسارها وتسير مبتعدةً عن الوجهات المُحدَّدة لها. واختلطت الأفواج بفرقٍ لم تكن تابعةً لها، وحُشِرَت وحدات المدفعية في ممراتٍ لا مخرج لها”. هُزِمَت محاولة الانقلاب في أربعة أيام. وفي أعقاب هذه الهزيمة، حاوَلَت الحكومة المؤقَّتة -من دون نجاح- نزع سلاح العمال وحلَّ لجان المصانع.

حاز البلاشفة على دعم الطبقة العاملة، فقط لأنهم أيَّدوا النشاط الذاتي للطبقة العاملة بطريقةٍ كان بإمكانها إلحاق الهزيمة بالثورة المضادة. لم يكن شعار “كل السلطة للسوفييتات” مجرد شعار، بل كان منظورًا أرشَدَ تدخُّل البلاشفة في نضال الطبقة العاملة. في النقاشات الدائمة في الشوارع، كما في النقابات ولجان المصانع والسوفييتات، جادَلَ البلاشفة بأن على العمال تحديد مواقف سياسية، واتِّخاذ قرارات حول المجتمع، واستخدام قوتهم الجماعية لإنفاذ قراراتهم على أرض الواقع.

وبعد فترةٍ ليست بطويلة، هدَّدَت الحكومة المؤقَّتة بالتخلي عن مدينة بتروغراد (العاصمة آنذاك) للجيش الألماني من أجل سحق القلب النابض للنضال العمالي. وفي الأسبوع الثاني من أكتوبر، أمَرَت الجنود الجذريين بحامية بتروغراد أن يغادروا المدينة ذهابًا إلى الحرب. يستدعي المؤرِّخ الروسي رابينوفيتش أن هذا الأمر قد حفَّزَ “فيضًا هائلًا من القرارات المُناهِضة للحكومة من جانب وحدات الحامية”. كان اجتماعٌ للمفرزة الثانية بأسطول البلطيق، التي تمركَزَت آنذاك في بتروغراد، يعكس هذا المزاج العام، إذ تبنَّى قرارًا أعلنوا فيه: “باعتبارنا أعداءً لدودين للحكومة الائتلافية المؤقَّتة … ننتظر بفارغ الصبر افتتاح مؤتمر مندوبي سوفييتات العمال والجنود، التي نضع فيها كامل ثقتنا، والتي ندعوها للاستحواذ على السلطة”. وظهرت قراراتٌ أخرى كذلك من المصانع.

وفي 22 أكتوبر، أي قبل ثلاثة أيام من الانتفاضة، أوضحت الجماهير رغبتها مرةً أخرى بجلاءٍ تام. كان ذلك “يوم سوفييت بتروغراد”، حين دُعِيَ إلى الخروج في مسيراتٍ دعمًا للمؤسَّسة الثورية. ابتُلِعَت المدينة بأسرها في اجتماعاتٍ جماهيرية ونقاشاتٍ عمالية وتجمهراتٍ في كلِّ قاعةٍ مُتوفِّرةٍ في المدينة. طَرَحَ تروتسكي، الذي كان وقتذاك أحد القيادات المركزية للبلاشفة وأوسع الشخصيات العامة شهرةً، على الحشود المسيطرة على المدينة، مسألة ما إذا كانوا سيدعمون ويدافعون عن سلطة السوفييت، فردوا في صياحٍ هائل: “نقسم على ذلك”. صَقَلَ تدخُّل نشطاء الحزب العمال الثوريين على مستوى جماهيري، وأعدَّهم من أجل التحرُّك الحاسم.

وفي 25 أكتوبر، يوم الانتفاضة، اقتَحَمَ الحرس الأحمر قصر الشتاء، واعتقل القادة المتبقين في الحكومة المؤقَّتة. لم تحظ الانتفاضة بدعمٍ جماهيري فحسب، بل بمشاركةٍ جماهيريةٍ أيضًا، وكما يذكر تروتسكي: “في المناطق الصناعية المحلية … كان العمال المُسلَّحون يطيحون المدراء … ويلقون القبض عليهم أحيانًا … وأدَّى التخريب من جانب أصحاب الأملاك والإداريين إلى تحويل مهمة الدفاع عن المصانع إلى العمال … تبدَّلَت الأدوار هنا؛ إذ يقف العامل قابضًا بندقيته دفاعًا عن المصنع الذي رأى فيه مصدر سلطته”.

كان تروتسكي متمكِّنًا هكذا من الكتابة عن يوم الانتفاضة لأنه، من موقعه في قيادة الحزب البلشفي، كان واحدًا من أنشط المشاركين في هذه الانتفاضة. وكما شهد سوخانوف: “هَرَع تروتسكي من مصنع أوبوخوفسكي إلى تروبوتشني، ومن مصنع بوتيلوف إلى ورش البلطيق، ومن مدرسة الفروسية إلى الثكنات. بدا كما لو أنه يتكلَّم في النقاط جميعها في الوقت نفسه. كان تأثيره طاغيًا سواء وسط الجماهير أو الموظَّفين”.

عَكَسَت السلاسة التي جرت بها الانتفاضة حقيقة أن البلاشفة قضوا أسابيع في النقاش والإعداد والتنظيم من أجلها. ضمَّ الحرس الأحمر عمال مصانع بأكملها كمُتطوِّعين، وأسَّسَت النساء أقسامًا للصليب الأحمر وألقين المحاضرات عن الاعتناء بالجرحى ونظَّمن فرقًا من الممرضات على مستوى المصانع. احتدمت النقاشات حول التوقيت المُحتَمَل للانتفاضة في مؤتمرات وصحف الحزب، وغالبًا ما كانت السجالات تُسرَّب ويُعاد طبعها في الصحف البرجوازية.

أما فكرة أن انتفاضة أكتوبر كانت انقلابًا، فهي تسدي خدمةً سيئةً للجماهير في المقام الأول. لقد انخرطت هذه الجماهير بعمقٍ في النقاشات طوال العام 1917. وفي الحقيقة، كان إلحاق الهزيمة بمحاولة الانقلاب اليميني في أغسطس هو ما أرسى الأساس لانتفاضتهم في أكتوبر. لقد قاوموا هجومًا بعد الآخر من جانب الحكومة المؤقتة، وأطاحوا أصحاب المصانع، وبحلول أكتوبر نُظِّمَ الكثير من هؤلاء الجماهير في الميليشيات الاشتراكية. كانت ثورة أكتوبر سريعةً وغير دموية إلى حدٍّ كبير تحديدًا بسبب الدعم الجماهيري الذي تمتَّعَت به. كَتَبَ سوخانوف: “إن الحديث عن مؤامرةٍ عسكريةٍ لا عن انتفاضةٍ على الصعيد الوطني، حيث اتَّبَعَت فيها أغلبية الشعب الساحقة الحزب، وحيث ظفر الحزب فعليًا بالسلطة الحقيقية، لهو بكلِّ وضوحٍ حديثٌ سخيف”. أما القيادي المنشفي يوليوس مارتوف، فقد أقرَّ قائلًا: “افهموا، رجاءً، أن ما هو أمامنا الآن يمثِّل في المقام الأول انتفاضةً منتصرةً للبروليتاريا -البروليتاريا برمتها تقريبًا تؤيِّد لينين وتتوقَّع تحرُّرها الاجتماعي من الانتفاضة”.

أما المؤرِّخ البريطاني المعادي للبلاشفة، روبرت سيرفيس، فقد أُرغِمَ بالمثل على الإقرار بأن “ما يهم حقًّا هو أن البرنامج السياسي للبلاشفة أثبَتَ أنه أكثر جاذبيةً لجماهير العمال والجنود والفلاحين في وقتٍ بَلَغَ فيه الاضطراب الاجتماعي والدمار الاقتصادي ذروته في نهاية الخريف. ولولا هذا لما كانت هناك ثورةٌ في أكتوبر”.

يظلُّ الفن والموسيقى والمسرح، والسياسات البيئية، وبرامج محو الأمية، ورعاية الأطفال، والمطابخ العامة، وكلُّ تلك البرامج التي تغلغلت في كلِّ أرجاء روسيا في العام الأول من سلطة العمال، موضع إعجابٍ بالغ ومناقشاتٍ كثيرة حتى يومنا هذا. غير أنه من أجل المُضيِّ قُدُمًا وتجاوز الحنين إلى الماضي ولكي نبلغ هذه الذروة مرةً أخرى، لابد أن نأخذ السياسات التي جَعَلَت هذه الثورة ممكنةً على محمل الجد. لقد استلزَمَ استحواذ العمال على السلطة طاقةً ثوريةً عفويةً وخلَّاقة، وتنظيمًا سياسيًا للطبقة العاملة كرَّسَ نفسه لدفع هذه الطاقة من أجل تغيير العالم.

* المقال بقلم: ساديا شنايدر – موقع “ريد فلاج” الأسترالي.



#سيد_صديق (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أربعة أسباب لأهمية دراسة الثورة الروسية
- تشيلي 1970: لماذا تحطَّم الأمل؟
- وحدة المُضطهَدين هي الطريق للتغيير
- قراءة في كتاب «النساء في الحركة العمالية»
- فيروس كورونا والأزمة الرأسمالية


المزيد.....




- شاهد.. تنامي المقاومة ومخطط اليمين المتطرف في الكيان
- طائرات تركية تقصف مواقعا لحزب العمال شمالي اربيل
- المقاومة العسكرية الأوكرانية وزخم الحرب الجديد
- حزب التجمع ينعي المفكر اليمني الكبير د.عبد العزيز المقالح
- حزب التجمع ينعي المفكر الكبير أمين اسكندر
- في فعالية يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني… عضو المكتب ...
- -هيومن رايتس ووتش-: حكومة الكاظمي لم تفِ بوعودها بالمساءلة ا ...
- وفاة أحد رواد الإذاعة المصرية منذ عهد جمال عبد الناصر
- خبراء: ما يحدث في الصين لم تشهده الدولة الشيوعية منذ 1989
- في يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني:حزب التجمع يدعو ال ...


المزيد.....

- الماركسية ضد التحررية / آدم بوث
- حول مفهوم الهوية ربطًا بمسألتي الوطنية والقومية / غازي الصوراني
- دعوة إلى الطبقة العاملة في البلاد، والعاملين لحسابهم الخاص ف ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- أشهر عشر أكاذيب ضد الثورة البلشفية 2 / أليكس غرانت
- نَص كلمة الحزب الشيوعي اليوناني في الندوة الأيديولوجية الأمم ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- تصحيح مفاهيم الصراع في الفكر الماركسي / سامى لبيب
- المادية التاريخية وأهم مقولاتها :التشكيل الاجتماعي – الاقتصا ... / غازي الصوراني
- إرث ثورة أكتوبر (لذكراها الرابعة بعد المائة) / ديفيد ماندل
- ثورة أكتوبر والحزب الطليعي - بعض الاستنتاجات التاريخية والنظ ... / دلير زنكنة
- وجهات نظر متباينة بشأن معنى الحياة و الموت : ما الذى يستحقّ ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - سيد صديق - ذكرى الثورة البلشفية: لماذا الحزب الثوري مهم؟