أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الرحالي - الترجمة تقنياتها ودورها في المثاقفة.















المزيد.....



الترجمة تقنياتها ودورها في المثاقفة.


محمد الرحالي
باحث أكاديمي في الترجمة والأدب والسينما

(Mohammed Rahali)


الحوار المتمدن-العدد: 6613 - 2020 / 7 / 8 - 21:20
المحور: الادب والفن
    


الترجمة تقنياتها ودورها في المثاقفة.


تعد الترجمة حالة خاصة من التماس والتقارب اللساني وهي تفيد بالمعنى الواسع كل شكل من أشكال الوساطة (ثنائية اللغة) ( médiation bi linguistique) التي تمكن من نقل المعلومة بين متكلمي لغات مختلفة. وتنقل الترجمة رسالة من لغة إلى أخرى: من لغة انطلاق أو مصدر (أ) إلى لغة وصول (و ل) أو لغة هدف 1 .
انطلاقا من المعطيات السابقة يتضح لنا أن الترجمة لا تقوم لها قائمة إلا بوجود أركان مهمة باعتبارها وساطة بيلغوية (ثنائية اللغة) بين نصين. فالنص أو المادة اللغوية المنقولة هي أول ركن يتصل بعمل المترجم، الذي يعد طرفا ثانيا وركنا مواليا مهما في الترجمة ثم يأتي دور اللغة سواء مصدرا كانت أو هدفا فهي ركن ثالث في عملية الترجمة، باعتبار هذه الأخيرة بحثا عن مقابل للنص الأصلي في اللغة الهدف، هذا قبل الحديث عن المتلقي الذي يعد ركنا رابعا للترجمة يتفاعل مع النص المترجم والمحصل من فعل الترجمة، ويعد الاهتمام بالمتلقي ضرورة أساسية أشارت لها بعض الدراسات والأبحاث المتخصصة في الترجمة، لما له من قيمة كبرى في تحديد قيمة الترجمة التي تمت وتقييم المجهود اللغوي المبذول في ذلك.

• النص الأصلي:
ويقصد به تلك المادة التي يهدف المترجم تحويل لغتها، بنقل ما تضمنته من معطيات لسانية ومعرفية إلى اللغة الهدف، فلا توجد ترجمة دون وجود مادة لغوية أولية يراد نقل لغتها وتحويل معلوماتها إلى نظام لساني جديد، وقد يكون هذا النص الأصلي عبارة عن جملة أو متواليات لسانية، لها قيم صوتية، صرفية – نحوية، ودلالة تداولية، وسواء أكانت هذه النصوص أدبية أو تقنية، وسواء كان الموضوع مألوفا أو غير مألوف، فالموضوع الذي ألفناه أو الذي نشعر بانجذاب عفوي نحوه يبدو لنا أكثر سهولة، بينما الموضوع ذي نجهل كل شيء عنه أو الذي لا يثير لدى القارئ أي اهتمام سيبدو منفرا وصعبا، من المهم إذا تصنيف المواضيع التي يمكن مقاربتها 2.
غير أن الاختيار يختلف حسب الهدف والميول لكن فعل الترجمة ينبغي أن يتحاشى الميول، ويهتم بوجود المادة اللغوية التي تعد منطلقا لقيام أي ترجمة، بغض النظر عن النوعية أو الجنس أو الموضوع. لكون العلاقة بين المترجم والنص علاقة جديدة في كل مرة، وإن سبق ترجمته، "فالعلاقة بين المترجم والنص علاقة جديدة في كل مرة، وهذا لسببين فالأول لا يقع النص المطروح عادة للترجمة في الموقع نفسه بالنسبة إلى الحاضر..."3.
وباعتبار الترجمة وساطة (ثنائية اللغة) بين نصين ونظامين لغويين ولسانيين مختلفين، فإن الركن الثاني الذي يفرض علينا تناوله هو اللغة، فاللغة هي ذلك البناء الذي يتشكل وفق معايير لسانية محددة فاللغة لها تجليان:
الأول: كونها لغة مصدرا، أي أنها تكون اللغة التي بها ألف النص الذي يراد ترجمته، وهي لغة الثقافة الأم، وقد تكون هي نفسها لغته الأم وأما اللغة الهدف فهي النظام اللساني الذي يستقبل الخطاب المحول، وهذه الأخيرة قد تكون واحدة أو متعددة،" ويبدو أن ثمة إجماعا قد حصل يقضي بأن اللغة الهدف يجب أن تكون حصرا للغة الأم (اللغة أ )، باعتبار أن المترجم له الكفاءة في الاشتغال على لغتين مصدر ( ب و ج )"4.

تبقى الترجمة في جوهرها:" نقل الأفكار من لغة إلى لغة، أو هو تفسير الكلام بما يقابله في لسان آخر"5. ، فالترجمة باعتبارها نقلا بين لغتين مختلفتين، ووساطة ثنائية اللغة بين خطابين، واشتغالا على نظامين لسانيين متباينين، تفرض وجود طرف خفي يقوم بهذه الوساطة، وبهذا النقل، وما يرتبط به من عمليات لسانية ولغوية.
• المترجم:
وهو طرف يتدخل ليقوم بعملية الوساطة بين النصين. لنقل النص من اللغة المنبع إلى اللغة الهدف التي تعد إحدى المقامات المهمة في عملية الترجمة، وسواء كان هذا المترجم إنسانا، أو آلة، أو إنسانا مدعوما بالآلة، فإن عليه واجبات ويخضع لضوابط، وترتبط به قضايا مهمة. ولما كان الإنسان هو الأقوم ليقوم بهذه الوساطة والعمليات الذهنية الناقلة للنص من لغته المصدر إلى اللغة الثانية، فإن المترجم "ينبغي أن تتوفر له معرفة متينة بلغات اشتغاله، وثقافة واسعة عامة..."6. فوساطة المترجم بين النصين تستوجب قدرته ومعرفته الأساسية باللغات التي يعمل من داخلها ويخضع لضوابطها وقوانينها، وخبرته بمستوياتها المعرفية واللسانية، مع تسلحه بثقافة تتصف بالموسوعية، وتشمل كل العلوم والمعارف التي يمكنها خدمة عملية الترجمة، وهي ضرورة تفرضها النصوص المترجمة نظرا لكونها ذات حمولة ثقافية مهمة، إلى جانب اتساع فضاء اللغات المشتغل بها، الشيء الذي يفرض عليه العمل بما يلزمه من الوثائق الهامة و الفعالة، سواء كانت كتبا أو مجلات، أو معاجم، وربما يعود لكتب قصد فهم العلاقات النحوية والصرفية، وفهم الضوابط التركيبية والدلالية، التداولية، المتحكمة في النص المترجم وفك وحداته قبل إعادة تشكيلها في فضاء اللغة الهدف، وإن كان هناك من يستبعد رغبة المترجم في ذلك،" غير أن هذه الرغبة من لدن المترجم والترجمية، في أن يرفع من المردودية وفي أن يقوم بكل شيء لا تتمتع بقدر من الواقعية، ويستبعد تحققها على نطاق واسع"7.
إن المترجم باعتباره الركن الأساسي في هذه العملية مطالب بالكفاءة اللغوية والخبرة الثقافية الواسعة، كما ، تستوجب منه هذه المهمة التحلي بالصدق والأمانة، لأن هذا " الجدال يدور على الدوام حول مشكلة رئيسة وهي الأمانة: الأمانة للغة أو الأمانة للمعنى.
وتجدر الإشارة إلى أن ديدرو Diderot ودالامبير قد أتيا على ذكر هذا الجدل منذ القرن الثامن عشر الميلادي في موسوعتهما الشهيرة"8 ، بل إن هذا الجدل المؤكد على مكانة الأمانة كشرط لكفاءة المترجم لم يكن حكرا على الثقافة الغربية بل نجد أنه قديم في حضارتنا وثقافتنا العربية، فقضية الأمانة من الأفكار التي عرض لها الجاحظ في نظريته عن الترجمة، حيث يقول: ثم قال بعض من ينص الشعر ويحوطه ويحتج له: إن الترجمان لا يؤدي أبدا ما قاله الحكيم، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيات حدوده، ولا يقدر أن يوفي حقوقها ويؤدي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل، يجب عليه الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقها وصدقها إلا أن يكون في العلم بمعانيها واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها"9.
فإذا كانت الأمانة شرطا، فإنها لا تتحقق إلا بتحقق الكفاءة اللغوية لدى المترجم، فيكون عالما باللغة وما يرتبط بها من مستويات تستوجب الترجمة دراستها والإحاطة بها، وإيفاء كل عنصر من العناصر حقه اللازم من العناية والاهتمام. لكن هل الأمانة في المعنى أم في اللغة ؟ الأمانة حسب مفهوم الجاحظ تتجاوز المعنى واللغة لتشمل كل ما له علاقة بالنص المترجم من خلال كفاءة المترجم في الحفاظ على المعنى من خلال إدراكه للعلاقات الصرفية والنحوية، وتحري الصدق في النقل والترجمة، وهو ما يؤكده باحث آخر هو مصطفى مويقن:" لكن الخوض في مسألة أمانة الترجمة للمصدر يمكننا أن نتساءل: عن أي أمانة نتحدث؟
ترى سيليكوفيتشر أن المقصود من الترجمة هو تمرير المعنى مع إنتاج نفس الأثر عند المتلقي. وانطلاقا من هذه القاعدة يمكن الحديث عن أمانة للمعنى «10Fidélité du sens » . مما يعني أن المترجم مطلوب منه التسلح بكل الآليات التي تمكنه من الأمانة في النقل ( الأمانة في نقل المعنى و اعتماد الصد في استعمالات اللغة)، فالأمانة تفرض أولا وأخيرا التحلي بالصدق، والموضوعية، وحفظ الحمولة الفكرية للنص الأصلي، "وتجمع نظريات الترجمة على أن النص المترجم ينبغي أن يقول ما يقوله النص الأصلي"11 ، فنظريات الترجمة تؤكد ضرورة المطابقة والتساوي بين النصين في المضمون الدلالي والتداولي.
وفي الطريق نحو اللغة الهدف فالمترجم مطالب بالكفاءة والخبرة، " ويتعين على المترجم بالطبع أن يكون قادرا على شرح عملية جراحية أو مرحلة من مراحل صنع شيء ما، وإن لم يكن....فلأن بإمكانه الحصول على معرفة منفعلة تساعده على الفهم وتمكنه من استيعاب النص". 12
تلك الآليات التي تحدثنا عنها تجمع بين البحث، والتحليل، والاستنباط، والمقارنة ويشير المرجع السابق إلى كل هذا:" يضع الجاحظ كشرط أول المعرفة المتكافئة لدى الكاتب المترجم له ولدى المترجم ويعبر عن ذلك بوضوح:" ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه بنفس نفس الترجمة في وزن عمله في نفس المعرفة، ومن جهة أخرى ينبغي على المترجم أن يعرف كيف يتوارى خلف ترجمته، ويبقى وفيا للنص الأصلي دون أن يطبع الترجمة بطابعه الخاص". 13
وبالتالي فهو معني بالحيادية الإيجابية والحفاظ على الحمولة الفكرية والهوية الثقافية للنص المترجم. لكن هذا لا يعني نزع سلطته باعتباره قائما بالترجمة، بل "يرجع اختيار الصياغة بالطبع إلى المترجم الذي فعل ذلك من خلال شخصيته وتجربته ويملك كل مترجم أسلوبه الشخصي وأفضلياته وتعابيره الخاصة كأي مرسل آخر أصيل أو كاتب أو متكلم". 14
فهذا اعتراف ضمني بمكانة المترجم وأحقيته وسم النص الأصلي ببعض أثاره الشخصية دون أن تظهر، ودون أن يحرف المعنى، فـ " القول بشفافية المترجم خطأ فادح، فالمترجم يمتلك شخصيته الخاصة من ناحية وهو لا يعمل في فراغ ثقافي من ناحية أخرى". 15
وبالتالي فالمترجم ركن أساسي في الترجمة ودوره واضح، حيث لا ينحصر في أن يكرر أقوال الكاتب، بل يتعداه إلى جعل الكاتب مقروءا، فما فائدة ترجمة ما حتى لو نفذت بحسب الأحوال كاملة، إن لم تقرأ؟ لذا يقتضي توجيه الترجمة إلى القارئ".16
أي أن المترجم مطالب في وساطته بين النص المحول والنص الهدف باستحضار ما يتعلق بالقارئ، باعتباره عنصرا أساسيا لاكتمال عملية الترجمة، ووصولها حدود النضج والكمال.
" فالمرسل إليه عامل مؤثر في اختيار الصياغة النهائية بالطبع، في الحياة العملية لا يجري المترجم ترجمات عدة ممكنة يختار واحدة من بينها فيما بعد. وفي رسم الحدود التي يضعها لنفسه والتي ستحمل عباراته العفوية، بل ويأخذ المترجم بالاعتبار ليس فقط طبيعة النص ولكن أيضا المرسل إليه". 17
هنا يبرز دور القارئ في بناء ترجمة للنص الأصلي، باعتباره جزء من عالم المترجم، يراعيه هذا الأخير في صياغة واختيار الألفاظ وما يقابل الأصل من علاقات نحوية ولسانية تربط التراكيب، ويعمل المترجم على أن يجعل الكاتب وفكره وأسلوبه واضحا لدى القارئ. " فالترجمة تؤدي إلى إنتاج نص موجه إلى الجمهور وليس إلى مصحح، والترجمة الحقيقية هي فعل تواصلي، محدد اقتصاديا بشروط إنتاج المترجم". 18
هكذا تكتمل أطراف عملية الترجمة وأركانها ، التي لا تقوم إلا بوجود نص ومترجم، ونظامين لغويين على الأقل كفضاء اشتغال المترجم، الذي يجب أن يكون ذا كفاءة عالية في اللغة واللسانيات كل ما يحيط بالأنظمة اللسانية التي ينقل بينها كما عليه مراعاة المتلقي باعتباره محددا من المحددات الخارجية لقيمة أي نشاط ترجمي.
• تقنيات الترجمة:
سنتناول في هذا المحور مقاربة بعض التقنيات التي تعتمد في الترجمة أثناء نقل النص الأصلي من اللغة الأصل إلى اللغة الهدف فهي تفرض أساليبها، فليست مجرد نقل للكلمات والتعابير والتراكيب والمعاني، "ولقد حاول المهتمون بفن الترجمة أن يضعوا أساليب لعملية الترجمة"19 ، التي يمكننا أن نجملها فيما يلي:
• الاقتراض: هو أسلوب يبحث فيه المترجم عن كلمة تقابل الكلمة المترجمة أو بالأحرى استخدام تعبير وتحويله كما هو من لغته إلى اللغة الهدف، كأن نقترض بعض الأسماء لبعض المسميات غير الموجودة في اللغة العربية من لغة أخرى "ويكون هذا الاقتراض بنقل صوتيات مفردات اللغة الأصل إلى اللغة الهدف بحيث تكون المفردة منسجمة مع اللغة الهدف" 20 ، غير أن هذا الأسلوب يتعرض للانتقاد من قبل الدارسين لدوافع ثقافية رافضين مبررات التبادل والانفتاح على الغير.
• المحاكاة: من خلالها يتم نقل الكلمة من لغتها الأصل إلى اللغة الهدف حرفيا، بالمقابل لكل حرف، مع مراعاة خصائص اللغة الهدف، ولكن هذه التقنية هي الأخرى وجدت نفسها أمام وابل من الانتقادات باعتبار أنها محاولة يائسة نتيجة الإخفاق في البحث عن مكافئ مناسب للترجمة" 21 ، ولكن هذا النوع له ضروراته التي تبرره كترجمة المختصرات "نحو الإيدز للدلالة على AIDS ، والسيكولوجيا للدلالة على Psychologie ليونسكو للدلالة على UNISCO وغيرها" .22
• القياس: وهو قياس للحمولة الدلالية والثقافية المتضمنة في النص وفهم لها، وبحث عن مقابل كلمة " بطريقة ينشأ عنها قول صحيح نحوي"23 ولكن القياس لا يعني القياس اللغوي واللساني، إنما يقصد به قياس المعنى لأن الترجمة ككل تفرض احترام الخصائص والفروق اللغوية – صرفيا، نحويا، تركيبيا، صوتيا، ومعجميا، - بين اللغة الهدف واللغة المصدر.
• الإبدال: "هو النقل من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف مع تغير تراكيب الجملة بتراكيب أخرى. من دون الإخلال بالمعنى الكلي ويؤدي للانتقال إلى إخراج نص مترجم ترجمة صحيحة شكلا ومعنى، يراعي الجماليات الأسلوبية والبيانات اللغوية والثقافية" .24
وبالتالي فالترجمة هنا تغيير لمعالم النص بما يناسبه من قوالب اللغة الهدف، بالانتقال من نظام لساني إلى آخر، بممارسة وساطة بين النصين، وهذه التقنية محببة إلى المتخصصين لدقتها الشديدة.
• التكافؤ: ويعرفه كاتفورد بأنه "إمكانية استبدال مادة نصية في اللغة المصدر بما يعادلها في اللغة الهدف لإيجاد توافق بين لغتين متباينتين في وصفهما لموقف واحد، حيث تكون الترجمة متواضعا عليها" 25. ولكن ثمة إيمانا شخصيا بأن هذه التقنية صعب استعمالها في هذا المجال نظرا لأن بعض الأنواع يتطلب إلماما ربما يتعدى حدود المنطق وكفاءات المترجم، لكن من المسلم أنها تقنية لها قيمتها بين التقنيات الأخرى.
• التكييف: وهذه التقنية حينما تغيب باقي التقنيات فينزع المترجم إلى تكييف النص المترجم مع متطلبات اللغة الهدف وثقافاتها، بالبحث عما يمكن أن يناسب المعطيات خاصة في حالة التباعد التي يمكن أن تطبع اللغة الهدف والمصدر، ويعتمد هذا الأسلوب "حين لا يجد المترجم في اللغة الهدف الأعراف الاجتماعية الموازية لما في اللغة المصدر" .26
• التحرير: "وهو الدلالة على أسلوب ترجمة النص الأصلي بتلخيصه أو تقليصه أو إعادة ترتيب أجزائه أو تعديله بحذف التكرار والزيادات التي لا تدخل في بناء الفكرة الرئيسية للنص"27 ، فيجري المترجم تحريرا سريعا بصدق وأمانة "دون تغيير أو تشويه أو استبدال في المعنى الرئيس للنص"28 ، وهو أسلوب وتقنية معروفة من التقنيات المعروفة، وهذا ما يمهد للحديث عن الأصناف والنظريات.
• الترجمة و المثاقفة:
إن الحضارة والثقافة الإنسانية لها ارتباط كبير بالجانب العلمي والثقافي، لأن حضارة الإنسان ما قامت إلا على أكتاف العلم و العلماء ، وتنتمي الترجمة باعتبارها علما ونمطا من التفكير ونسقا من النظريات والتقنيات، إلى محور العلوم والثقافة التي أثرت في الأمم ، خاصة وأنها ترتبط بلغات العالم أغلبها وأشملها، ولما كانت الترجمة نقلا للفكر الإنساني، وارتحالا للخطاب بين لغات المعمور، فإن هذا السفر جعل الفكر والمعرفة يدخل بفضل الترجمة عالما من التأثير والتأثر، إنه بكل بساطة فعل المثاقفة. وكيف لا والمترجم مطالب بنقل خطاب معين بين لغتين مختلفتين لهما انتماءان جغرافيان طبيعيان مختلفان، مما يفرض عليه الاغتراف من ثقافتين مختلفتين، والإطلاع على أبعاد كل ثقافة على حدة في نفس اللحظة، خصوصا أن اللغة "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم" .29
ومن هنا يفرض الخطاب اللغوي العودة للبقعة الجغرافية، ليس عن طريق التنقل والسفر، وإنما عن طريق اللغة التي تعد آلية التفاعل والمثاقفة، وقد أشار الجاحظ وغيره، ممن درسوا قضية الترجمة إلى ضرورة العودة إلى اللغات المرتبطة بالترجمة والنهل منها على قدر سواء. يقول الجاحظ: »ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في التفسير والترجمة، في نفس وزن المعرفة. وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية"30 ، وهذا ما يفرض على المترجم النهل من ثقافتين مختلفتين، وليس النهل بمعنى التشرب وإنما معناه الاطلاع المتعقل، فالترجمة نقل لحمولة فكرية لها وزنها وتأثرها بثقافة اللغة الأصلية ، أي أنه نقل لعادات وتقاليد وأفكار، تنطبع بطابع ثقافة اللغة الأم، وإخبار للمتلقي عن ثقافة الغير، فالترجمة جسر للمثاقفة والتبادل الحضاريين" ووسيلة من وسائل نشر الثقافات المختلفة بين شعوب الأرض، وقد أصبحت الحاجة إليها ماسة إذا أردنا أن ننشر فكرا معينا سواء كان دينيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو ثقافيا، فلم تتقدم الشعوب إلا بتصدير فكرها مترجما إلى بقية العالم والوسيلة الوحيدة التي تضمن تصدير ذلك الفكر هي ترجمته إلى مختلف اللغات". 31
وهذا ما بادرت إليه الشعوب لإفهام ثقافتها الأصلية، ونشر مبادئها من باب التواصل قبل الدعاية، لأن كل أمة تسعى إلى الرقي بنفسها تبادر إلى اعتماد الترجمة وسيلة لتحقيق هذا المطلب، فالدول العظمى عندما أرادت فهم سر تقدم العرب" فالأعمال التي ترجمت إلى بعض اللغات نجد للأسف أنها ترجمت من قبل مستشرقين أجانب قاموا بها إما بدافع اهتمام شخصي بالتراث العربي، أو بدافع الدس والطعن في الإسلام والمسلمين، أو لأغراض أكاديمية أخرى، علما بأننا لا نعدم الموارد المالية ولا العناصر المؤهلة" 32. مما بات يفرض توظيفا فعالا لها، وإن كانت قد استعملت بادئ الرأي في فهم حضارتها وثقافتها، ونقل مآثرها الثقافية، ولا ننكر أن الترجمة ساهمت في نهضة الأمة العربية والإسلامية التي اتصفت عبر تاريخها بالتسامح والانفتاح على الغير، من باب المثاقفة والتبادل الحضاري الفعال، بعيدا عن المذهبية والعصبية، ولنا في تاريخنا ما يدل على هذا ويثبته، "فالدور الذي لعبته الترجمة في بغداد لعصر النهضة العربي والإسلامية، ليس بعيدا عن أذهاننا وأعيننا- فلقد حمل العرب ومن تثقف بثقافتهم، وتكلم لغتهم خلال عصر النهضة العربية، مشاعل المعرفة، وألوية العلم وطوروا التراث الفكري للبشرية، وبنى العرب حضارة إنسانية شامخة، كانت المشعل الوضاء في العالم مئات السنين، وبذلك تبرز أهمية النقل، وتزدهر تبعا لذلك الترجمة مهيئة أسباب البحث العلمي بازدهار الحياة الفكرية"33 ، لتبقى الترجمة إحدى الآليات البناءة لحوار الحضارات والثقافات، وبث حضارة إنسانية كونية لا مثيل لها، كما أن دورها لم يقف عند التبادل القائم على التأثير والتأثر بين الأمم، بل صانت حضارات وتراثا إنسانيا من الاندثار والضياع، بغض النظر عن جنسيته أو انتمائه العرقي أو الديني، وذلك بالنقل" من حضارات قديمة كانت قد قاربت على الغروب والأفول – إن لم تكن قد ذبلت وانتهت فعلا – في حين كانت الحضارة العربية في ذلك الوقت - وقت بيت الحكمة في أوج منطلقها وقوة تنامي ازدهارها وتوسع إسهامها...". 34
هكذا ساهمت الترجمة كآلية للحوار الثقافي والتبادل بين الأمم في صيانة ذاكرة حضارات إنسانية من ضياع تراثها، وكانت أمتنا على موعد مع ذلك ولم تخلف الميعاد، فأسهمت في هذا التبادل بتعقل وتأن، وبادرت بلعب الدور المنوط بها في حينه ووقته، فلم تكن أمة متوارية، غير أنها لم تولي الترجمة أهمية قصوى، وهو ما ضيع عليها فرصا للاستفادة من ثقافات عديدة وتراث عريق، ولازالت الأمة تضيع فرصا كثيرة لأن مجهوداتها في الترجمة لازالت تتصف بالفردانية والعشوائية، ولا تؤمن بالعمل المؤسسي، فتفلتها من ضوابط العمل العلمي والعملي المتقن، يفقدها أي قيمة ممكنة، ويبقى الحال أن تكون "الترجمة في سياق خدمتها للثقافة هي إنجاز مؤسسي وعمل جماعي تذوب في حضنها تلك الفردية إلى الإسهام التضامني المشترك المتآزر". 35
إن حديثنا عن الترجمة والمثاقفة له دور مهم في كشف خبايا هذا العلم وأسراره، قبل تسليط الضوء على التأثيرات التي تحصدها النصوص والمعارف اللسانية، في عصر العولمة الذي طبع العالم ليصبح قرية صغيرة الشيء الذي يفرض على الجميع الاحتكاك بالثقافات والشعوب المحيطة به، فلن تتقدم أمة استبعدت دور الترجمة في بناء حضارتها وتقدم علومها وفكرها، وقد سبقت الإشارة إلى المجهودات التي قام بها المستشرقون من باب الانفتاح، ومن باب تحقيق أهداف ثقافية، تهدف إلى الضرب في ثقافتنا، ذلك أن تاريخ الاستشراق هو تاريخ للصراع بين العالم الأوربي والعالم الإسلامي" 36، غير أن هذا لا يغيب دور الاستشراق في التعريف بحضارتنا العربية والإسلامية، وتعزيز انتشارها، فقد أثر المستشرقون وتأثروا بالتراث الذي احتكوا به، وربما كان ذلك اعتراف بأفضلية حضارتنا، وإن كان الواقع " يستوجب علينا قياسا أن نسلم بوجود درجات ثقافية وحضارية على مستوى العالم بأسره، من شأنها تصنيف الشعوب درجات، مما يسوغ فكرة تقدم البعض على البعض الآخر، والخلوص إلى تبرير النظريات الداعية إلى هيمنة المتفوق على من دونه والدعاء له والترويج لثقافته". 37
فالترجمة سلاح لبناء علاقات متينة بين الآداب واللغات وتعزيز المكتسبات اللسانية والفكرية بل والتعرف على الآخر والانتفاع منه، والتأثير عليه بالفكر والعلم بعيدا عن القسر والإكراه، ومنعا للتعنيف والعصبية لحضارة ما. إن العولمة والتفجر التكنولوجي والمعلوماتي الذي بات العالم يرزح تحت ظلاله يفرض على الناس التعامل مع الغير، بل كثيرا ما يفرض علينا الحوار مع الأجانب في الوسائل الحديثة للاتصال أن نستعمل المواقع للترجمة الفورية، أو للإجابة عن رسائل. فالعالم الافتراضي العنكبوتي، فرض الترجمة الآلية كخيار أولوي لدى كل الأمم التي تؤمن بانتمائها لعصر السرعة.

الإحالات والهوامش:
1.جان رينيه لادميرال التنظير في الترجمة، ترجمة محمد جدير ، مراجعة نادر سراج المنظمة العربية للترجمة ، سنة 1994، ص 142.
2. المصدر نفسه ص 195-194 .
3.أنيس المقدسي، العربية من خلال الصحف والمجلات، عن مجلة المقتطف، مارس 1929، معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، دراسات و وثائق، مارس 1929، ص 48.
4.جان رينييه لادميرال، التنظبر في الترجمة، ترجمة محمد جدير المنظمة العربية للترجمة، ص 75-74 .
5.المصدر نفسه ص 74.
6. المصدر نفسه ص 75.
7.كريستين دوريو ، أسس تدريس الترجمة التقنية، ترجمة هدى مقنص، المنظمة العربية للترجمة، ص 40-41.
8. مي سلامة كار الجاحظ والترجمة، ترجمة عبد الحق المسالمي، فكر ونقد العدد 10، سنة 1998.
9.المصطفى مويقن، مفهوم الأمانة في الترجمة فكر ونقد العدد 10 سنة 1998، ص 119 و 120.
10.المصدر نفسه ص 124.
11.مي سلامة كار الجاحظ والترجمة، ترجمة عبد الحق المسالمي، فكر ونقد العدد 10، سنة 1998 ص 104.
12.المصدر نفسه ص 105.
13. جان رينييه لادميرال، التنظير في الترجمة، ترجمة محمد جدير، المنظمة العربية للترجمة، ص 75.
14.نفسه ص 137-138 .
15.كريستين دوريو ، أسس تنظير الترجمة التقنية، ترجمة هدى مقنص، المنظمة العربية للترجمة، ص 134.
16.المصدر نفسه ص 137.
17. جان رينييه لادميرال ، التنظير في الترجمة، ترجمة محمد جدير، المنظمة العربية للترجمة، ص 75.
18. المصدر نفسه ص 137/138.
19. عبد السلام أمين الله أتوتليطو و وعبد البارئ أديتينجي آدابها في بلاد يوربا : آفاق وتحديات ، مجلة العربية والترجمة ، العدد 18 ، المنظمة العربية للترجمة ، ص 136 .
20. يونس غازي ، مدخل إلى الألسنية، منشورات العالم العربي الجامعية، سنة 1985، ص 192 .
21. المصدر (87) ص 133.
22. المصدر نفسه ص 134.
23. المصدر نفسه ص 134.
24. فوزي عطية محمد، علم الترجمة: مدخل لغوي، القاهرة دار الثقافة الجديدة 1987 ص 134.

25. J.c katford, a linguistic and transilation ( londor ,´-or-ford , university 1956) , p 20 .
26. عبد السلام أمين الله أتوتليطو و وعبد البارئ أديتينجي آدابها في بلاد يوربا : آفاق وتحديات ، مجلة العربية والترجمة ، العدد 18 ، المنظمة العربية للترجمة، ص 67.
27. عبد اللطيف هسوف، مبادئ يجب مراعاتها في الترجمة الصحفية، [م.د.]:[د.ن.]، 2008، ص 12.
28. المصدر (94)، ص 136.
29.ابن جني، الخصائص، الهيئة المصرية العامة للكتاب الطبعة: الرابعة ، مصر ، 2010.
30.الجاحظ، الحيوان، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الثانية، 1424 ه، 2013، بيروت لبنان.
31. أبو بكر الفيتور، الترجمة مالها وما عليها، الناشر العربي، العدد 18، س 1991، ص 88 .
32. المصدر نفسه ص 88 .
33.شحاذة خوري، الترجمة قديما وحديثا، عرض نجم الدين مختار الهمالي، الناشر العربي، العدد 16، 1990.
34. بشير بلهاشمي، حول الكتاب المترجم إلى العربي، الناشر العربي العدد 16، ص 57/58.
35. المصدر نفسه ص 63.
36.سامح كريم، المستشرقون و الثقافة العربية، مجلة العربي، العدد 605، أبريل 2009، ص 123 .
37.نعمة الله أبي راشد، المترجم من منظار مغاير، مجلة العربي، العدد 600، نونبر 2008، ص 113 .






أضواء على تاريخ ومكانة الحركة العمالية واليسارية في العراق،حوار مع الكاتب اليساري د.عبد جاسم الساعدي
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المدينة في الشعر المغربي المعاصر.


المزيد.....




- فنان كويتي يكشف كواليس تدخل الأمن خلال تصوير أغنية في لندن.. ...
- عَن حالِنا قُل ما شئت
- -فلسطين_قضيتنا_الأولى-.. فنانون ورياضيون يعربون عن تضامنهم م ...
- عايدة الأيوبي: من الغناء التقليدي إلى الإنشاد الصوفي
- -فلسطين_قضيتنا_الأولى-.. فنانون ورياضيون يعربون عن تضامنهم م ...
- مصر.. الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم
- شاهد: الاستعدادات الأخيرة قبل فتح دور العرض السينمائي في فرن ...
- من أسرار رائدات الأعمال: أتقن بنفسك القيام بكل جوانب عمل شرك ...
- إيلين ديجينيريس تعلن نهاية برنامجها الحواري بعد 19 عاما من ا ...
- ساحل العاج ... جمعية مغربية توزع مساعدات غدائية لمهاجرين مغا ...


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الرحالي - الترجمة تقنياتها ودورها في المثاقفة.