أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جلبير الأشقر - الإدمان على النفط ومعالجته الملحّة














المزيد.....

الإدمان على النفط ومعالجته الملحّة


جلبير الأشقر
(Gilbert Achcar)


الحوار المتمدن-العدد: 6563 - 2020 / 5 / 13 - 09:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



تنشر صحيفة «فايننشال تايمس» هذا الصباح مقابلة مع المدير التنفيذي الجديد لشركة «بي بي» (شركة «النفط البريطانية» سابقاً)، نشرت صباح الأمس تلخيصاً لأهم ما جاء فيه. وأبرز ما ورد في كلام المدير الذي تسلّم مهامه قبل ثلاثة أشهر، أنه لا يستبعد ألا يستعيد قط انتاج النفط العالمي المستوى الذي بلغه في العام المنصرم بحيث يكون العالم قد تعدّى «ذروة النفط» (peak oil). كانت هذه التسمية تُطلق على الذروة المطلقة للقدرة على الإنتاج النفطي، التي بعدها سوف يدخل استخراج النفط بالضرورة في انحدار طويل الأمد، إذ يكون مخزون كوكبنا من النفط بشتى أنواعه (خام وصخري) قد أخذ ينضب بالمطلق. ذلك أن النفط، كما هو معلوم وبديهي، ليس مورداً متجدّداً، بل هو من الموارد الطبيعية التي يحتوي عليها جوف الأرض والتي لا بدّ أن تنضب في المدى الطويل إذا تواصل استخراجها.
والملفت أن مدير الشركة البريطانية والصحافيين الذين استجوبوه لم يستخدموا تعبير «ذروة النفط» تدليلاً على طاقة الاستخراج، وقد رأينا خلال العقد الأخير كيف تعاظمت تلك الطاقة بسبب تطوّر تقنيات استخراج النفط الصخري. أي أنهم لم يشيروا إلى العوامل الطبيعية والتكنولوجية التي يستند إليها مفهوم «ذروة النفط»، بل إلى الظرف الاقتصادي. وقد قصدوا أن طلب النفط وليس عرضه، أي الرغبة في استهلاكه بدل القدرة على انتاجه، طلب النفط إذاً هو الذي بلغ ذروة في العام المنصرم، أي مستوىً من احتياجات الاستهلاك والتخزين لن يستعيده قط في المستقبل.
أما سبب ذلك فهو أزمة كوفيد-19 بالطبع، لكن ليس بمعنى الأزمة الصحّية الناجمة عن الجائحة والتي تأمل البشرية أنها سوف تتخلّص منها عندما تفلح المختبرات في إنتاج تلقيح فعّال ضد الفيروس القاتل. بل إن سبب اعتقاد المدير ومن استجوبه بأن البشرية قد تكون تعدّت «ذروة النفط» هو بالتأكيد أن الأزمة الاقتصادية العظمى الناجمة عن الجائحة، والتي لا تني تتفاقم، سوف يطول عمرها عمر الجائحة بوقت طويل، وأن العالم لن يعود قط إلى مستوى الاستهلاك النفطي السابق للجائحة. ذلك أن التنقّل العالمي سوف يتقلّص بصورة هامة مع توسّع دائرة العمل من المنزل توسّعاً كبيراً وتزايد استخدام الإنترنت في الاجتماعات والمؤتمرات والمحاضرات، إلخ، ناهيكم من مقتضيات الكفاح ضد التلوّث الناتج عن المحروقات والذي يشكّل السبب الرئيسي في التغيّر المناخي الذي بدأت نتائجه العالمية الكارثية تتجلّى بازدياد.
كل هذه المعطيات مجتمعة ترجّح بقوة أن طلب النفط العالمي لن يستعيد قط المستوى الذي بلغه في العام الماضي. هذا يعني أن الكميّات المستخرجة والمستهلكة سوف تبقى دون ما بلغته في الأمس، بل على منحنى انحداري في الأمد الطويل، ولو عادت إلى بعض الارتفاع المحدود عند زوال الجائحة. وهذا يعني أيضاً أن أسعار النفط سوف تستمرّ في الانحدار الذي بدأ قبل ستة أعوام، هذه المرّة بدون «حرب نفطية» تخوضها المملكة السعودية، بل بفعل قانون العرض والطلب على خلفية طلبٍ يتقلّص واستخراجٍ لا يمكن ضبطه على النطاق العالمي مهما حاول «المحاربون».

أما محصّلة كل ما سبق، فهي أن المداخيل النفطية للبلدان العربية المصدّرة للنفط سوف تتقلّص هي أيضاً إلى حدّ كبير وفي الأمد الطويل، وسوف يكون لهذا الأمر أثرٌ عظيمٌ على المنطقة العربية برمّتها، إذ هي أكثر مناطق العالم إدماناً على المحروقات من نفط وغاز. طبعاً، ليس إدمانها من باب الاستهلاك، كما في الإدمان المعهود، بل من باب الاعتماد على المداخيل الناجمة عن بيع المحروقات. ولو استمررنا في مجاز الإدمان بصيغته الأشهر، أي الإدمان على المخدّرات، لقلنا إن منطقتنا ليست مدمنة على طريقة المسكين الذي لم يعد قادراً على العيش بدون استهلاكها، بل على طريقة تاجر المخدّرات الذي لم يعد يعرف كيف يرتزق بغير التجارة التي اعتاد عليها.
وتفيد أحدث أرقام البنك الدولي أن المحروقات شكّلت أكثر من نصف صادرات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (أي البلدان الناطقة بالعربية وإيران) في عام 2018، مع أسعار نفطية منخفضة عن المستوى الذي بلغته قبل سنة 2014، علماً بأن حصة المحروقات من صادرات المنطقة قد بلغت الثلثين في عام 2013. ولا يتعلّق الإدمان بالدول التي يعتمد الحكم والاقتصاد فيها على صادراتها النفطية وحسب، بل يشمل كافة بلدان المنطقة التي باتت الحكومات والاقتصاديات فيها مدمنة على الدولارات النفطية التي تأتيها من أثرى الدول المصدّرة للمحروقات المنتمية إلى مجلس التعاون الخليجي.
هذا يعني أن الأزمة الاقتصادية العالمية سوف تبلغ في منطقتنا حدّاً أعلى مما سوف تشهده مناطق العالم الأخرى، لاسيما أنها كانت قبل ذلك تتميّز بأدنى مستويات النمو الاقتصادي بين المناطق النامية وبأعلى نسب بطالة الشباب بين كافة مناطق المعمورة. هذان العاملان اللذان شكّلا أساس دخول منطقتنا في سيرورة ثورية طويلة الأمد منذ «الربيع العربي»، سوف يزدادان سوءاً بالضرورة في السنوات القادمة. وهذا يعني أن الأزمة المزمنة التي انفجرت في منطقتنا منذ ما يناهز عشر سنوات قادمة على تفاقم خطير. وقد شاهدنا في السنوات الأخيرة كيف أن المدّ الثوري الأول لسنتي 2011 و2012 تلاه جزرٌ اتّخذ أشكالاً بشعة للغاية، من قمع على طريقة نظام السيسي في مصر إلى تدخّلات أجنبية فتّاكة في حروب أهلية في سوريا واليمن وليبيا.
أما السؤال الكبير فهو إن كان المدّ الثوري القادم لا محال في منطقتنا، بعد موجتي 2011 و2019، سوف يشهد بروز قوى قادرة على الاستفادة من دروس التجارب السابقة، مثلما رأينا في السودان حيث لا تزال السيرورة جارية حتى الآن بالرغم من المخاطر المتصاعدة في وجهها، وقادرة على قيادة العملية الثورية نحو تحقيق التغييرات الضرورية، ليس بإشاعة الديمقراطية وحسب، بل أيضاً وفي المقام الأول بإحداث تغيير جذري في السياسات الاقتصادية، لا بدّ منه لإعادة وضع المنطقة على سكّة التنمية، على أن تكون هذه المرّة تمنية مستدامة تقترن بالديمقراطية وبالحرص على البيئة مع توفير ضمان صحّي واجتماعي للشعب بأكمله.






دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رامي مخلوف المسكين…
- لبنان: عادت حليمة إلى عادتها القديمة
- هبوط أسعار النفط ومصيرنا
- أكباش الفداء أو عندما تسود اللاعقلانية
- بين قانون الغاب والشمولية
- الأديان بين الفائدة والضرر
- البشرية والوباء والاشتراكية
- وباءٌ مضاد للثورة؟
- المملكة السعودية وحرب النفط
- مهمة مستحيلة: الأمم المتحدة والملف الليبي
- تصدّياً للحملة العالمية على المسلمين
- تحية لشبيبة السودان الثورية
- أردوغان ومخاطر لعب الشطرنج مع بوتين
- هل فشلت اتفاقيات أوسلو أم نجحت؟
- أرادها نتنياهو “فرصة القرن” فهل ينتزعها الفلسطينيون؟
- دعهم إذاً يأكلون الكعك…
- تكامل الأدوار بين تركيا وروسيا
- لا أمريكا ولا إيران…
- 2019 وداعاً…
- دراسة الدولة والثورة في المنطقة العربيّة من منظورٍ ماركسي


المزيد.....




- حقيقة خروج عدد من قادة فصائل المقاومة وعائلاتهم في غزة إلى م ...
- إسرائيل تستهدف مقرات إعلامية بغزة.. ما السبب؟
- البرلمان الأوروبي يوافق رسميا على صندوق لدعم محاربة تغير الم ...
- محمد بن سلمان: سنستثمر هذا العام في إفريقيا مليار دولار
- الجيش الإسرائيلي يلقي قنابل مضيئة فوق سهل مرجعيون جنوبي لبنا ...
- الكويت تصدر تعليمات جديدة حول السفر في ظل جائحة كورونا
- مندوب الصين: مجلس الأمن أخفق في بلورة موقف موحد إزاء الأحداث ...
- بالفيديو.. بايدن يجرب -بيك آب فورد- العملاق الكهربائي الجديد ...
- دبلوماسيون: فرنسا تطرح احتمال قرار أممي حول إسرائيل وغزة
- شرطة دبي تحذر من حيوان بري طليق من أسرة السنوريات


المزيد.....

- الرجل ذو الجلباب الأزرق الباهت / السمّاح عبد الله
- في تطورات المشهد السياسي الإسرائيلي / محمد السهلي
- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جلبير الأشقر - الإدمان على النفط ومعالجته الملحّة