أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام محمد عبد المعطي أحمد - المبعوثين المصريون إلي فرنسا خلال عصر محمد علي باشا















المزيد.....



المبعوثين المصريون إلي فرنسا خلال عصر محمد علي باشا


حسام محمد عبد المعطي أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 6535 - 2020 / 4 / 11 - 19:23
المحور: الادب والفن
    


المبعوثون المصريون إلى فرنسا
وبناء الدولة الحديثة خلال عصر محمد علي

د. حسام محمد عبد المعطي
جامعة قطر
يشكل القرن التاسع عشر في مصر المجال المعرفي الذي اختلفت حول أحداثه وتطوراته مجموعة كبيرة من الدراسات العلمية والفكرية، ويرجع هذا التنوع في القراءة والتناول إلي غني المرحلة التاريخية من ناحية التحولات العديدة، ولكونها تشكل نقطة التماس والاتصال مع الأخر، حيث سمحت وسائل الاتصال والتواصل لمصر بالتعرف على التجارب الأوروبية في مجالات متعددة عن طريق اتصالها بأوروبا من خلال الحملة الفرنسية ومن خلال تجربة يصطلح على تسميتها بالإصلاح أو التحديث، وقد كانت البعثات إلى فرنسا هي سلاحها الأول.
فقد كانت البعثات التي أرسلها محمد علي إلى أوروبا البنية الأساسية الوطنية التي أسس عليها بنيان عمليات التحديث التي قامت في مصر خلال القرن التاسع عشر، حيث قلبت إدارة محمد علي الآية كما يقال، فلم يكن الرحالة والمبشرون هم الذين مهدوا للتغيير في أرض مصر، بل جاء ذلك وبصورة أساسية من أفواج المبعوثين من شباب مصر الذين أوفدوا إلى قلب أوروبا، ونهلوا من العلوم والأفكار الحديثة، وكانت البعثات هي الجهاز الرئيسي الذي استخدمته مصر بإيقاع سريع لكي تتجمع على أرضها ثمار الثورة الصناعية الغربية، وكذلك الأفكار السياسية والاجتماعية وليدة الثورات الأوربية، وأسلوب الحياة، وأنماط السلوك الخاصة بالمجتمعات الحديثة في أوروبا، وتسعي هذه الدراسة لتحليل الدور الذي لعبه هؤلاء المبعوثين في بناء الدولة الحديثة، وفهم كيف وظفتهم الدولة في تحقيق أهدافها؟ ولعل الإجابة على هذه الأسئلة تمكننا من الرد على الإشكالية المطروحة من قبل بعض الباحثين حول رؤيتهم لتجربة محمد علي بأنها تجربة فردية سعي خلالها الرجل لخلق كيان سياسي خدمة لأهدافه الشخصية محاولين طمس وأختزل مجهودات الرجل في هذه المقولة، وأنه لم يسعى من وراء تطوير أدوات العمل في مصر إلا خدمة لهدفه الأساسي وهو حكم مصر له ولأسرته من بعده؟ على العموم فإذا كانت تجربة محمد علي الاقتصادية قد تحطمت باتفاقية بلطة ليمان في عام1254هـ/ 1838م، وإذا كانت طموحاته السياسية قد أجهضت باتفاقية لندن في عام1257هـ/1841م فماذا بقي من تجربة محمد علي؟، وليس ثمة شك في أن أفضل ما بقي تجربة محمد علي باشا كان تلك العقول المفكرة الذين أرسلوا إلى أوروبا وتعلموا من أجل خلق نهضة علمية في مصر، والذين سوف يمتد أثرهم بشكل واضح خلال عصر إسماعيل وربما حتى وقتنا الحاضر.
كان الباشا قد شعر منذ الوهلة الأولى لتوليه مهام الحكم في البلاد بحاجته نحو الاتجاه نحو الغرب الأوربي من أجل إعادة بناء المجتمع العسكري والمدني على النمط الحديث، ومن أجل إعداد إدارة جديدة تستطيع القيام بمهام هذا البناء سواء على المستوى الصحي أو العسكري، فكان الباشا في حاجة إلى موظفين إداريين حازمين يفهمون رغبته في الإصلاح ويقدرون حالة البلاد وحاجتها ويلمون إلماماً تاماً بنواحي التقدم الغربي التي يراد اقتباسها، وقد اتجه بخاصة نحو الأمم ذات العلاقات القوية مع مصر، فكانت البعثات الأولى إلى إيطاليا ثم إلى فرنسا، ولما كان الباشا في حاجة إلى أدوات عمل سريعة لتطوير العمل في أجهزة إدارته فقد استدعى من الأوروبيين ما تحتاج إليه حكومته في القيام على المنشآت التي استحدثها كالجيش والأسطول والمستشفيات والمصانع والمدارس، ولكن الباشا كان يدرك منذ اللحظة الأولى أن الإكثار من الأجانب في خدمة الحكومة ليس من الصواب في شيء، فكثير منهم على كفايتهم في النظم الحربية والاقتصادية يجهلون أغراض الحكومة، وقد يعرقلون أعمالها عن قصد أو غير قصد، ويجهلون أيضاً ما تحتاجه بلاد ناشئة كمصر من تلك النظم الحربية والاقتصادية، وقد يرجع هذا إلى جهلهم بلغة البلاد وعادات أهلها وطباعهم، كما كان الباشا لا يثق في كثير منهم، ويرى أنهم يعملون لمصلحتهم الذاتية قبل أن يعملوا لمصلحة الدولة التي تنفق عليهم، وأنهم يروجون لبعضهم البعض، كما أن النفقات الطائلة التي تنفق على هؤلاء الأجانب سواء رواتبهم أو في وجود مترجمين لعدد كبير منهم، حيث كانوا في جلهم يجهلون اللغة العربية مما يمثل عائقاً أمام التوسع في استخدامهم في الإدارة المصرية ، وأمام ذلك فقد فكر الباشا في إيفاد مبعوثين إلى أوروبا لتعلم ونقل علوم الغرب، وعلينا أن نسعي لتحليل أهداف الباشا من القيام بهذا المشروع الفريد في وقت مبكر والذي يدل على بعد نظره، وإدراكه لاحتياجات البلاد في المرحلة القادمة.
أهداف الإدارة المصرية من إرسال البعثات إلى فرنسا:
أرسل محمد علي أولي البعثات إلي أوروبا بعد أربعة أعوام فقط من ذلك اليوم الذي قبل فيه أن يتولى السلطة كوالي على مصر، ففي عام1224هـ/1809 سافرت البعثة الأولى إلى إيطاليا لدراسة العلوم العسكرية وبناء السفن والطباعة وفنون الهندسة، فقد عاصر محمد علي الوجود الفرنسي في مصر، وشاهد الفرنسيون في الإسكندرية، ونقل إليه علماء الديوان انطباعاتهم عن التقدم الذي أحرزه الفرنسيين، ولا شك أنه أدرك كما أدرك كل المصريين خلال هذه الفترة الفجوة الكبيرة بين الانضباط في صفوف الجنود الفرنسيين، ومدي التقدم في العلمي الذي أحرزه الفرنسيين، لذلك فلم يجد محمد علي رفضاً في فكرة إرسال المبعوثين من الطلاب إلي أوروبا بل على العكس فقد رحب الشيخ حسن العطار بتلك الأفكار وكان من بين أقوله المأثورة " أن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها" ورشح رفاعة الطهطاوي للسفر ضمن البعثة التي سافرت لفرنسا عام1242هـ/1826م، ويعكس ذلك في الواقع القبول المجتمعي لفكرة ضرورة تغيير، فقد أدركت النخبة المصرية في ذلك الوقت حجم الفجوة بين مصر وفرنسا في العلوم التطبيقية أو بالأحرى الفنون والصنائع، لذلك فقد كان لابد من كسر هذه الفجوة عن طريق البعثات لتعلم تلك الفنون، لذلك فقد كان واضحاً أن الإدارة خلال هذه الفترة حددت عدد من الأهداف لتحقيقها من خلال هذه البعثات وهي:
أولاً: كان محمد علي يهدف من خلال إرسال هذه البعثات إلى أوروبا لتكوين جيل جديد من الأساتذة والعلماء والفنيين الذين تلقوا العلم في أوروبا ووقفوا على أهم ما أنجزه الغرب الأوربي في العلوم والمعرفة ليحلوا عند عودتهم محل الأساتذة والأطباء والمهندسين والضباط الأجانب. ففور عودة هؤلاء المبعوثين سوف يشغلون المناصب الكبرى في كل مؤسسات الدولة وإداراتها، بل هم من سوف يعملون على تنظيم الجهاز الإداري للدولة في عام1252هـ/1836م، ففي هذا العام كون محمد على لجنة لتنظيم إدارة الدولة محمد علي فأصدر محمد علي القانون الأساسي لتنظيم العلاقات بين الدوائر الحكومية واختصاصاتها وتم تكوين دواوين لكل فرع من أعمال الحكومة
وأفضل مثال على ذلك هو قيام الباشا بإعادة افتتاح مدرسة المهندسخانة في بولاق عام 1250هـ/1834م بعد عودة البعثة الكبرى من فرنسا، حيث عين أرتين تشراكيان وكيلاً لها، ثم تولى يوسف الأرمني إدارتها، وهما من تلاميذ بعثة1242ه/1826م إلي فرنسا.
ثانياً: أن يكون أعضاء هذه البعثات أداة صالحة لنقل علوم الغرب وفنونه، وليس أدل على ذلك من حرص محمد علي على أن يقوم كل تلميذ من تلاميذ البعثات بترجمة الكتب التي كان يدرسها من اللغة الفرنسية أو الإيطالية إلى اللغة العربية، كما ألزم العائدين من البعثات بشراء وتجميع أكبر قدر من الكتب المهمة التي تعالج خصص كلٍ منهم، وفور وصولهم إلى مصر كان الباشا يلزمهم بترجمة أهم الكتب التي تفيد في نشر ومعرفة تخصص كلٍ منهم ، يكفي أن نشير هنا إلى أن عثمان نور الدين – وهو أول مبعوث مصري إلى فرنسا – كان ساعد الحكومة الأيمن في ترجمة الكتب، فقد خصص له قصر إسماعيل بن محمد علي في بولاق، وألحق به بعض المترجمين ليترجموا كتب الفنون البحرية والحربية"، فقد أنهمك أغلب المبعوثين في عمليات الترجمة منذ وطأة أقدامهم فرنسا، فقد كانت مصر في حاجة ماسة لترجمة الكتب التي تدرس في المدارس الفرنسية من أجل إيجاد كتب منهجية موحدة للطلاب في المدارس في مصر، لذلك فلم يكن من الغريب أن يطلق أحمد عزت عبد الكريم على عصر محمد علي عصر الترجمة والتعريب.
ثالثاً: أراد الباشا من إرسال البعثات إلى أوروبا تكوين جيش مصري قوي، حيث كان الباشا يدرك جيداً مخاطر الاعتماد على ضباط من المرتزقة الغربيين فقد رأى ضرورة وجود ضباط محليين يمكنه الاعتماد عليهم بكل ثقة، ورأى ضرورة إيفاد هؤلاء الضباط والفنيين إلى أوروبا للوقوف على أحدث ما وصلت إليه العسكرية الغربية سواء في عمليات تصنيع السلاح أو حتى في ‘دارة المعارك العسكرية ، ومن أجل ذلك فقد تخصص إحدى عشر طالب من أعضاء البعثة الكبرى إلى فرنسا في سنة1242هـ/1826م من بين 32 طالباً نعرف تخصصاتهم، أي حوالي 28% من أعضاء هذه البعثة البالغ عددها 39 طالباً، وهو ما يعكس رغبة أكيدة من محمد علي في تطوير أداته العسكرية من أجل توسيع نطاق حكمه، والواقع أن هذه البعثات كانت تستهدف أساساً تزويد الوالي بالكوادر اللازمة ليس للجيش فحسب، بل للدولة أيضاً، وذلك في مجال عملية التحديث الإداري والاقتصادي والصناعي، وقد ظلت هذه الرغبة قائمة لدى الباشا بخاصة بعد فترة من التذبذب في العلاقات مع أوروبا بين عاني1253-1259ه/1837 - 1843 م، فكان جوهر بعثة الأنجال التي أُرسلت في سنة 1260هـ/1848م يستهدف في الأساس تقوية كوادر الجيش، وهو هدف له في المقام الأول في أعقاب معاهدة لندن عام1256ه/1840م ومناورات القوى الأوروبية التي زادت من مخاوف محمد علي باشا وارتيابه بالنسبة للأجانب بخاصة داخل المؤسسة العسكرية، لذلك فقد كان من بين 72 مبعوث كانت تتكون منهم هذه البعثة كان 48 مبعوث في دراسة العلوم والفنون الحربية أي 66% من طلاب هذه البعثة. إن أهمية هذا الهدف لدى الباشا سوف ينعكس بصورة واضحة على أهم المترجمات التي سوف يقوم بها رجاله، حيث ستنصب في جزء كبير منها على العلوم العسكرية والصناعات الحربية.
رابعاً: تحديث الطب في القطر المصري كله، ذلك أن مسألة صغر الحجم السكاني لمصر كانت تؤرق الوالي دائماً، فقد كانت مشروعاته الطموحة تحتاج إلى أعداد سكانية ضخمة وشباب أصحاء للتجنيد، وللعمل في المصانع التي تنشئها الدولة، وكانت البلاد تمر بين الآن والآخر بمجوعة من الأوبئة المزمنة التي كانت تقضي على أعداد كبيرة من السكان ، وكان لابد من عملية واسعة النطاق لتحديث الطب في مصر، ومنذ البداية شغل مجال تطوير الطب والعلاج حيز كبير فيفكر الوالي لتحديث الدولة، فاستدعى الباشا عدد من الأطباء الأوربيين لهذه المهمة، ولكن الباشا كان يدرك أن هؤلاء الأوربيين القادمين إلى مصر في جلهم كانوا من الجهلاء أدعياء العلم، ويعلق مسيو هامون Homant ناظر مدرسة الطب البيطري على الأطباء الأجانب الذين استخدموا في الإدارة الصحية في أول إنشائها فيقول "إن منهم من كان ممرضاً أو عامل تلغراف أو صانع أحذية في مرسيليا، وأن ثلثي أولئك الأطباء لا يحملون دبلومات، وأن من بين مائة صيدلي يوجد عشرة فقط كانوا حائزين للدبلومات، وإذا هبط أوروبي مصر وليس له حرفة يحترفها سرعان ما يعين صيدلياً أو طبيباً ، أمام ذلك لم يكن أمام الباشا لإرساء حجر الأساس لمدرسة الطب في مصر إلا إرسال البعثات إلى أوروبا، فرغم مجهودات كلوت بك الدءوبة، وقيامه بترجمة قانون الطب الفرنسي إلى العربية، إلا أن البعثة الطبية الكبرى التي أرسلت إلى فرنسا عام1248ه/ 1832 والتي ضمت إثنى عشر طالباً كانت النواة الرئيسية لمدرسة الطب في مصر ، وسوف يتضح أثر اهتمام الدولة بتحديث العملية الطبية في مصر من خلال اهتمامها الواضح بترجمة مؤلفات الطب الحديثة في أوروبا.
التحول في البعثات من إيطاليا إلى فرنسا:
فتح محمد علي الطريق إلى البعثات بعد أربعة سنوات فقط من توليه مقاليد الحكم في مصر، ففي عام1224هـ/1809م سافرت لبعثة المصري الأولى إلى إيطاليا لدراسة العلوم العسكرية وبناء السفن والطباعة وفنون الهندسة، وكان اختيار إيطاليا كأول دولة أوربية يرسل إليها الباشا بالبعثات يعود إلى العلاقات التجارية القوية التي كانت تربط مصر بالمدن الإيطالية منذ أزمنة موغلة في القدم، فهذه العلاقات جعلت الجالية الإيطالية أكبر الجاليات الأوربية في مصر، وأكثرها تأثيراً في التراث الثقافي المصري، فكانت اللغة الإيطالية هي اللغة الأكثر انتشاراً في مصر، بل لقد كانت لغة المخاطبات الرسمية بين القنصليات غير الإيطالية والإدارة المصرية، وكان عدد ليس بالقليل من الإيطاليين يجيدون اللغة العربية، كما كان عدد من أهالي الثغور المصرية - وخاصة الإسكندرية - يجيدون اللغة الإيطالية.
وكان الإيطاليين أول من أدخلوا إلى مصر الأدوات العسكرية الحديثة في جيش علي بك الكبير، لذلك فلم يكن من المستغرب أن تدرس اللغة الإيطالية في مدرستي بولاق والقصر العيني ثم في مدرسة المهندسخانة منذ نشأتهم ، ولم يكن من العجيب أن كتاب ميكافلي "الأمير" كان من بين الكتب التي ترجمت في وقت مبكر من حكم محمد علي، وكان من اللبنات التي أثرت في فكر وعقل الباشا نفسه، وكان الفرنسيين يحقدون على الإيطاليين تفوقهم الثقافي والمالي في مصر، ويمكن تبين ذلك من رسالة الجنرال بواييه Boyer رئيس أول بعثة حربية فرنسية يستقدمها محمد علي في أعقاب انهيار الإمبراطورية النابليونية في سنة1231هـ/ 1815م إلى صديقه جومار Jomard عضو المجمع اللغوي الفرنسي، يقول فيها: "وجدت أن إدارة الشئون كلها في مصر في أيدي الإيطاليين، واللغة الفرنسية في المحل الثاني، ولا يعلمون في المدارس الحربية سوى اللغة الإيطالية، ولا يترجمون سوى الكتب البسيطة التي وضعها مؤلفون من ذلك الشعب، ومدرسين الرياضيات واللغات والعلوم، والفنون وغيرها كلهم إيطاليون، وفي كل عام يرحل إلى أوربا ثلاثون أو أربعون شاباً ليتعلموا علومها وفنونها، ويظهر بواييه دهشته من هذا التفوق الإيطالي، وأنهم يعملون علي بث المخاوف في ذهنه الوالي من ناحية الفرنسيين الخادعين".
بيد أن مصر تتحول عن النقل من الثقافة الإيطالية إلى الثقافة الفرنسية تحت تأثير دروفيتي الذي أصبح قنصلاً لفرنسا بمصر بعد أن كان قد عمل مستشاراً لمحمد علي، وجومار الذي تم تعيينه من قبل الباشا مراسلاً لشئون العلاقات الثقافية بين مصر وفرنسا، وكان عثمان نور الدين هو أول مبعوث مصري يتم إيفاده لأوروبا في عام1224هـ/1809م، وقد وقع الاختيار على عثمان من قبله أو من قبل يوسف بكتي قنصل السويدي العام بالقاهرة كما ذُكر في خطاب بين موظفين بالقنصلية الروسية بالقاهرة آنذاك، وهو الخطاب الذي يحسم تاريخ سفر عثمان نور الدين لأول بعثة تعليمية إلى إيطاليا، وكان ذلك أواخر نفس العام، وبحسب هذه الوثيقة (الخطاب) يتبين لنا أنه وصل إيطاليا وأقام بين (بيزا) و(ليفورنو) لنحو خمس سنوات يتلقى العلوم الحربية والبحرية وفنون السياسة وإدارة الحكم، بعد ذلك انتقل عثمان نور الدين إلى فرنسا في عام 1235هـ/1819م، بهدف دراسة البحرية حيث التقى خلالهما (المسيو جومار) أحد علماء الحملة الفرنسية في مصر، وكان-آنذاك- مكلفا من قبل الحكومة الفرنسية بنشر أعمال المعهد العلمي المصري (وصف مصر)، ولذكائه وتفوقه وإجادته لعدد من اللغات على رأسها الفرنسية وقع الفتى من نفس العلاّمة جومار موقعا حسنا كما ذكر كلوت بيك في مذكراته وتوطدت بينهما العلاقة مما جعله يطلب من عثمان بشكل مباشر السعي لدى الباشا لإرسال بعثات تعليمية إلى فرنسا، عاد عثمان نور الدين إلى مصر في نهاية عام1236هـ/1820م، وكانت أولى أوامر الباشا إليه إلزامه بترجمة قوانين البحرية المعمول بها في فرنسا، وقد ترقى عثمان نور الدين إلى أن وصل إلى رئيس العمارة البحرية المصرية في سنة1244هـ/1828م، وما زال عثمان يُلح على الباشا في إرسال البعثات العلمية إلي فرنسا حتى أُرسلت أكبر وأهم البعثات التعليمية المصرية في عام1242هـ/1826م.
ومنذ وصول تلك البعثة إلى فرنسا، يحرص عدد كبير من شباب العلماء الذين رافقوا بونابرت في حملته على مصر – وقد أصبحوا في ذلك الوقت علماء راسخين يحوزون وظائف رئيسية في مؤسسات المعارف في فرنسا – على دعم هذا الاتجاه، وتقديم كل التسهيلات لهذه البعثة لنشر الثقافة الفرنسية في مصر، ومنذ ذلك الحين فسوف تظل مصر مصطبغة بالثقافة الفرنسية في شتى نواحيها الفكرية.
وكان عدد أعضاء هذه البعثة ثلاثة وأربعين طالباً، ثم أُلحق بهم إمامها الشيخ رفاعة الطهطاوي كان منهم 18 طالباً فقط من ذوي الأصول العربية الذين تخصصوا في الأساس في دراسة الطب والعلوم الصناعية، بينما كان أربعة طلاب من ذوي الأصول الأرمينية، أما الباقي فقد كانوا من ذوي الأصول التركية وتخصصوا في العلوم العسكرية والإدارة، و، وقد استقبلهم "جومار" عضو المجمع العلمي الفرنسي، وقد اختص منهم أحدي وعشرون مبعوثاً لدراسة العلوم العسكرية وصناعة الأسلحة، في حين اختص أربعة منهم لدراسة الإدارة الملكية، وأثنان للطباعة، وأربعة لدراسة الكيمياء، وأثنان لدراسة الطب والجراحة، ومثلهما للزراعة، وثلاثة أعضاء للتاريخ الطبيعي والمعادن، وعضو واحد للترجمة، وقد كانت هذه البعثة هي أكبر البعثات وأكثرها أهمية حتى ذلك الحين وربما بعد ذلك أيضاً، لذلك فإن اللحظة الحقيقية لانطلاق الدولة نحو تحديث أفكارها وإدارتها على النمط الغربي كانت لحظة عودة هذه البعثة إلي مصر في سنة1247هـ/1831م، ولم يكن من العجيب أن ينشأ ديوان المدارس في أعقاب عودة هذه البعثة مباشرةً سنة 1252هـ/1836م، وأن يكون أول ناظراً لهذا الديوان مصطفى مختار بك أحد طلاب هذه البعثة ، وأن تنشأ مدرسة الترجمة في عام 1251هـ/1835م، وأن يكون رفاعة الطهطاوي العضو الوحيد في البعثة المتخصص في الترجمة أول رئيساً لها، كما سيصبح أعضاء هذه البعثة كبار أدوات الحكم والثقافة في مصر، فأصبح عبيدي شكري بك رئيساً للمجلس العالي ثم مديراً لديوان المدارس في عصر عباس الأول، أما أرتين بك تشراكيان فقد عين مديراً لمدرسة الإدارة الملكية، ثم بمجلس شورى المدارس، ثم سكرتيراً للوالي شخصياً ثم مديراً للشئون الخارجية، كما أن اسطفان بك أصبح فيما بعد ناظراً للخارجية أيضاً، إن أثر هذه البعثة سيمتد إلى كل ربوع مصر، فبفضل هؤلاء المبعوثين سيتم إعداد الكتب المدرسية التي يتم تدريسها في كل المدارس التي يقوم الباشا بإنشائها.
وقد أوضح عبد الرحمن الرافعي أن الباشا قام بإرسال تسع بعثات إلى أوروبا في الفترة بين عامي1229-1264ه/ 1813 -1847م، وبعدد إجمالي 319 طالباً، وهو عدد أقل من الرقم الذي أورده الأمير عمر طوسون، الذي ذكر أن عدد المبعوثين خلال هذه الفترة قد وصل 311 طالباً، على العموم ففيم بين عامي 1828 و1836 يمكن ملاحظة وجود 108 طالب في أوروبا، كان منهم 26 في بريطانيا، وأربعة في فيينا، فيما كان 78 في فرنسا، أي أن فرنسا استأثرت بـ 72% من إجمالي عدد الطلاب الذين كانوا في أوروبا خلال فترة حكم محمد علي باشا، وهو ما سوف ينعكس على التأثير الفكري الفرنسي في مصر، ويمكننا ملاحظة التخصصات الآتية؛ ثمانية وخمسين عضواً تخصصوا في الصناعات المختلفة، حيث كانت بعثة عام 1246ه/1830م في مجملها لتعلم ودراسة الصناعات المختلفة، مثل تعلم صناعة الآلات الجراحية، وصناعة الساعات والأحذية والسكر والعربات الخشبية، وأربعة عشر للبحرية، وثمانية للعلوم، واثنين للطب البيطري، واثنين للإدارة الملكية.
بيد أن البعثة الطبية التي أرسلت في عام1248ه/1832م والتي أصطلح على تسميتها بالبعثة الطبية الكبرى والتي اختير أعضائها بواسطة كلوت بك من خريجي مدرسة الطب بأبي زعبل، وكان عددها أثني عشر طبيباً حيث كانوا باكورة ثمرتها، كانت أكثر البعثات العلمية أثراً في تاريخ الطب في مصر. ويمكن فهم الهدف الأساسي من وراء إرسال هذه البعثة في مقولة كلوت بك "إذا كان من الواجب لإقامة علم الطب في مصر على دعائم ثابتة وطيدة، وصبغه بالصبغة المصرية، وهو ما لم يكن ميسوراً إلا بتكوين أساتذة من المصريين يلقون الدروس من غير الحاجة إلى مساعدة المترجمين". لقد كان طلاب هذه البعثة من نوابغ خريجي مدرسة الطب المصرية والبعثات أيضاً، فكانوا بحق أركان للنهضة الطبية والعلمية بمؤلفاتهم ومترجماتهم التي امتازت بالدقة، وكانوا أول أساتذة مصريين بمدرسة الطب في مصر، فأصبح منهم إبراهيم بك النبراوي طبيب الباشا الخاص، وكان محمد بك الشافعي أول رئيس مصري لمدرسة الطب.
وتمثل الفترة بين عامي(1247-1259ه/1837 -1843م) بداية الانطواء في داخل الدولة المصرية، والبعد عن كل ما هو غربي، في الوقت الذي بدأ فيه العدوان الأوروبي ضد محمد علي ومشروعاته وطموحاته، لذلك لم يكن من المستغرب أن ينصب هدف الباشا الأول من البعثة التالية على العلوم العسكرية ، فكانت بعثة1260هـ/1844م والتي أطلق عليها بعثة الأنجال واحدة من أكبر البعثات التي أرسلت إلى فرنسا حيث بلغ عدد أعضاءها سبعين مبعوثاً، كانوا في مجملهم من شباب من أسرة محمد علي وأبناء بعض كبار رجال الدولة وبعض النابهين من الطلاب، وبينما تخصص من هؤلاء المبعوثين تسعة فقط لدراسة الإدارة، فقد تخصص خمسة عشر لدراسة الطب، أما باقي أعضاء البعثة فقد تخصصوا في دراسة العلوم العسكرية.
وقد سافرت أربع بعثات أخرى أقل أهمية بين عامي1261-1264ه/1845-1847م، الأولى سافرت إلى النمسا، وكانت تضم طالبين لدراسة الرمد، وستة طلاب إلى فرنسا لدراسة الطب البيطري والصيدلة، وكان من بين هؤلاء الطلاب الستة مصطفى الواطي أفندي الذي أصبح في أعقاب عودته رئيساً لقلم ترجمة العلوم الطبية بقلم الترجمة، وفي سنة 1847م سافرت بعثتان إلى إنجلترا، وكانتا تتألفان من 36 طالباً لدراسة الميكانيكا والعلوم البحرية.
ويمكن تقدير تخصصات المبعوثين خلال عصر محمد علي على النحو التالي: 35% للعلوم العسكرية والبحرية، 27% للصناعات المختلفة، 18% للهندسة، 7% للطب، 7% للإدارة، و4% للزراعة، و 3% للعلوم، مما يعكس هدف الباشا من خلق دولة مستقلة حديثة تملك جيشاً قوياً وفعالاً، حيث كانت البعثات تستهدف أساساً تزويد الوالي بالكوادر اللازمة للجيش لدعم بناء الدولة الحديثة، وهو هدف كان له المقام الأول، حيث زادت معاهدة لندن ومناورات القوى الأوربية من مخاوف محمد علي وارتيابه بالنسبة للأجانب، مما زاد من انطوائه داخل الدولة وجهازها العسكري، على العموم فإن هؤلاء المبعوثين سيصبحون أداة النهضة المصرية في المراحل التالية، خاصة خلال عهد إسماعيل.
أثر البعثات العلمية إلى فرنسا بعد محمد علي:
لا يمكننا أن نفهم أثر البعثات العلمية إلي فرنسا في المجتمع المصري دون عمل مقارنة بين عصر محمد على وعصر خلفائه، كما أن هؤلاء المبعوثين كانوا في الواقع بناة النهضة خلال عصر إسماعيل كما سنري، فقد استمرت الدولة في عهد عباس (1848 – 1854م) في إرسال البعثات إلى أوروبا، ولكن عباس أظهر منذ بداية حكمه إعراضاً كبيراً عن الثقافة الفرنسية، فقام بإغلاق المدرسة المصرية في باريس في عام 1265هـ/1848م، ومن بين حوالي واحد وأربعين مبعوث قام عباس بإرسالهم إلى أوروبا لم يرسل منهم إلى فرنسا إلا ثلاثة فقط، في حين كان لبرلين وميونخ وفيينا النصيب الأكبر في عدد المبعوثين، حيث أرسل إليهم 29 مبعوثاً، وبنسبة 70% من إجمالي عدد المبعوثين خلال عهده، فيما استأثرت كلاً من إيطاليا وبريطانيا بخمسة مبعوثين لكل منهم فقط، وهو ما يوضح أن أثر سياسة فرنسا تجاه مؤتمر لندن1256هـ/1840م، ربما ألقي بظلاله على قرار عباس بشأن إرسال المبعوثين، ويوضح تخصص المبعوثين خلال عهد عباس التركيز الشديد علي دراسة العلوم الطبية، ففيما عدا المبعوثين الثلاث الذين أرسلوا إلى فرنسا لدراسة الفلك كان باقي المبعوثين قد أرسلوا لتعلم الطب، ولكن عباس الذي كان متقلب المزاج وسريع الانفعال، أصدر أوامره في سنة 1270 هـ/1835م بعودة جميع المبعوثين المصريين من أوروبا، وهو ما أحدث أزمة حقيقية داخل أجهزة الإدارة في مصر، حيث أن عدد كبير من المبعوثين العائدين لم يكونوا بعد قد أتموا دراساتهم، وفور عودتهم طالبوا بالعمل في أجهزة الدولة، ولكنهم فشلوا في أداء مهامهم، فالطلاب الذين أرسلهم عباس إلى فيينا لدراسة الطب، – وهم خمسة طلاب؛ وهم محمد عزمي وحسن عارف ومحمد وفائي وعبد الرحمن شكيب ومحمد راشد – بعد أن أمضوا في دراستهم ثلاث سنوات تم استدعائهم بناءاً على أوامره ودون أن يتعلموا شيئاً يذكر من العلوم الطبية، ولم تجد الإدارة نوعاً ما من العمل يمكن أن يقوموا به، فتم تعيينهم في الاستحكامات العسكرية، وفشلوا في العمل، ونقلوا إلى المساحة، وكان الفشل هو قدرهم أيضاً، وعندما سئلوا من جانب الإدارة عن أي شيء تعلموه يمكن أن يعملوا به، فكانت إجابتهم أنهم لم يتعلموا خلال الثلاث سنوات سوى اللغة النمساوية ومبادئ الطب.
هذه الأزمة أصبحت واضحة أيضاً باستدعاء الثمانية عشر طالباً المبعوثين إلى برلين، حيث كان منهم أربعة فقط قد نالوا درجة طبيب، وأربعة تعلموا اللغات النمساوية والفرنسية، وواحد فقط تعلم الصيدلة، في حين كان تسعة لم يتعلموا أي شيء بسبب المدة البسيطة التي قضوها في برلين، ولدي عودتهم أصبحوا عبء إضافي على الجهاز الإداري للدولة بدلاً من أن يكونوا كما كانوا أداة لتطويره.
وخلال السنوات التسع التي تمثل حكم سعيد (1854 – 1863م) استؤنفت البعثات مرة أخرى إلى فرنسا مع الاحتفاظ على التخصص في العلوم الطبية والإعراض عن العلوم العسكرية. فإذا أخذنا تقدير الأمير عمر طوسون لعدد المبعوثين بصورة أكبر من المصداقية وهو عدد 48 مبعوث فسوف نجد 34 منهم أرسلوا إلى فرنسا، بينما كان 14 طالباً أرسلوا إلى باقي أوروبا، أي أن 70% من هؤلاء المبعوثون ارسلوا إلي فرنسا، مما يعكس عودة مصر إلى الأخذ عن الثقافة الفرنسية، ومن بين هؤلاء المبعوثين في عهد سعيد كان منهم 30 طالباً يدرسون الطب وبنسبة تبلغ 62% من إجمالي عدد المبعوثين خلال عهد سعيد، ففي العام 1279هـ/1862م أرسل سعيد بعثة طبية كبرى إلى باريس مكونة من أربعة عشر طالباً من خريجي مدرسة الطب المصرية لتعلم الجراحة، واستكمال دراستهم، وكانت السمة التي تميز بها المبعوثين خلال عصر عباس وسعيد أن أغلبهم يعودون في أصولهم إلى العائلات التركية، أو إلى العائلات التي أرسل منها مبعوثين خلال عهد محمد علي، وهو ما يعضد عملية تكوين النواة الرئيسية لكبار موظفي الدولة.
كان أهم نتائج البعثات في عصر محمد على أن البعثات أصبحت جزء من نظام التعليم المصري، وقد ساعد ذلك بلا شك على تقوية الاتصال بالحضارة الغربية، وإحداث تواصل واتصال مستمر بما وصلت إليه أوروبا من تقدم، وكان إسماعيل في تكوينه الفكري والثقافي أحد إفرازات هذا النظام، فكان ضمن بعثة الأنجال التي أرسلت إلى فرنسا في سنة1260هـ/1844م، وقد وقف بالتالي على الحضارة الغربية والمجتمع الغربي، ولما تبوأ إسماعيل عرش مصر ساعده تعليمه ورحلته إلى أوروبا، واطلاعه على حضارتها وأنظمتها أن يحكم البلاد حكماً مطلقاً يتولى في تصريف شئون الدولة ويشرف بنفسه على جميع الأمور التي ترفع إليه، ويتصل مباشرةً بجميع طبقات الأمة دون اللجوء إلى المترجمين، ثم كانت معرفته بالغة العربية قد مكنته من تعميم استعمالها وجعلها لغة البلاد الرسمية بدلاً من اللغة التركية، فبتاريخ 6 شوال 1286هـ/ 30 ديسمبر 1870م أصدر أوامره إلى نظارات الدولة بأن تستعمل اللغة العربية فقط في مراسلاتها.
ومع مجيء إسماعيل يتغير الثقل النسبي والنوعي للبعثات الدراسية في الخارج تغيراً كبيراً، فلأول مرة منذ عهد محمد علي يعود الخديوي إلى الرغبة في أن يخلق للدولة المصرية – التي أصبحت شبه مستقلة عن الباب العالي – جهازاُ عسكرياً قوياً، فمن بين 172 مبعوث تم إرسالهم إلى أوربا خلال عصر إسماعيل تم توجيه 50 منهم (أي 29%) لدراسة العلوم العسكرية، حيث توجهوا إلى مدرسة تورينو العسكرية بفرنسا، ولكن أحتل المرتبة الأولى في الاتجاهات الدراسية للمبعوثين خلال عهد إسماعيل، حيث تخصص في الطب 120 مبعوث (أي 69%)، ولا شك أن هذه السمة الطبية العامة التي سيطرت على تاريخ البعثات سوف تنعكس على المترجمات بصورة كبيرة كما سنرى.
فقد كان أهم نتائج مشروع التحديث الذي بدئه محمد علي هو تطوير التعليم على النمط الغربي عبر مشروع المدارس النظامية الحديثة، ولم يكن في الإمكان تأسيس تلك المدارس وإيجاد مناهج دراسية حديثة لها دون البعثات العلمية التي كان لفرنسا فيها الحظ الأوفر، ورغم توقف مشروع الدولة في إرسال البعثات مع نهاية القرن التاسع عشر نتيجة للأزمة المالية الكبيرة التي مرت بها البلاد خلال عهد إسماعيل، إلا أن مشروع البعثات لم يتوقف فقد أدرك الأهالي أن السبيل إلي الارتقاء بأبنائهم ليحتلوا مكانة اجتماعية واقتصادية كبيرة هو التعليم، فقد أصبح هؤلاء المبعوثين من أغنياء مصر، وصاروا يحتلون مراكز إدارية واجتماعية كبيرة، وتغيير وضعهم من فقراء ومعدمين من أبناء الريف إلا بكوات وباشوات من كبار رجال البلاد، وقد تم ذلك من خلال التعليم في أوروبا، لذلك فقد أقبل أعيان البلاد على إرسال أبنائهم للدراسة في أوروبا وخاصة فرنسا، فخلال عام1298هـ/1880م كان في فرنسا تسعة طلاب مصريون يدرسون على نفقات ذويهم، وسوف يرتفع ذلك العدد بشكل تدريجي مع بدايات القرن العشرين، إلا أن العلوم النظرية وخاصة القانون عادت لتأخذ مكان الصدارة في تلك البعثات بينما تراجعت العلوم التطبيقية حتى إنشاء الجامعة الأهلية.
دور المبعوثين في بناء الدولة الحديثة:
ليس ثمة من شكوك في أن سياسة محمد علي التعليمية – على الرغم من أنها كانت موجهة لتطوير الجيش وتقويته وإعداد موظفين لحكومته – كانت سبباً في انفتاح مصر على الثقافة الغربية، وأن البعثات كانت واحداً من أهم أبواب هذا الانفتاح، كما أن حركة الترجمة التي قام بها هؤلاء المبعوثين كانت الباب الثاني لإكمال الانفتاح على المجتمع الغربي، والنهل من علومه وحضارته التي تفوق فيها، حيث تولى هؤلاء المبعوثين بأوامر من الباشا شخصياً جمع وشراء أهم وأحدث الكتب التي صدرت في تخصص كلٍ منهم، ولقد كانت البعثات أفضل أداة صالحة وفعالة في نقل علوم الغرب وفنونه وصناعاته إلى مصر علماً وعملاً، وكان الباشا قد حدد الاستفادة من هؤلاء المبعوثين عدة ميادين أهمها: ترجمة كل منهم للكتب التي درسها في أوربا في تخصصه من أجل تدريس هذه الكتب في المدارس المصرية، وذلك للوقوف على أحدث العلوم الغربية التي تدرس من أجل خلق جيل جديد من المتعلمين في مصر على الفكر والثقافة الغربية. ترجمة اللوائح والقوانين من أجل تحديث الدولة ذاتها، وتحويل بنية الدولة من الأنظمة العثمانية إلى الأنظمة الأوربية، وتولى هؤلاء المبعوثين الدواوين المستحدثة وخاصةً ديوان المدارس، وهو المعني الأساسي بتطوير التعليم والفكر في مصر، كما تم تعيين هؤلاء المبعوثين بالمدارس التجهيزية والعليا كمدرسين، ومنحهم حرية أوسع لتطوير وإنشاء المزيد من هذه المدارس من أجل تطوير وتحديث التعليم في مصر، وأخيراً إلحاق هؤلاء المبعوثين بإدارة الدولة وأجهزتها للمساعدة في تطوير الإدارة المصرية على النمط الغربي. وتنفيذ مشروعات الدولة الكبيرة، ويكفي الإشارة إلي فنار الإسكندرية ذلك المشروع الهندي الرائع الذي تحدث عنه كثير من الرحالة والكتاب، الذي أشرف عليه ونفذه مظهر باشا أحد طلاب الذين أرسلوا لدراسة الهندسة في فرنسا، ويمكن تحليل إيضاح الدور الذي لعبه هؤلاء المبعوثين في بناء بنية الدولة الحديثة خلال تلك الفترة كما يلي:
أولاً: ترجمة الكتب الدراسية:
كان الباشا يرى أن أول واجبات أعضاء البعثات التي أرسلها إلى أوروبا ترجمة كتب العلوم التي درسوها في أوروبا، فمنذ وصولهم إلى فرنسا كان الباشا يستحثهم منذ تعلمهم للغة الفرنسية على ترجمة الكتب التي يدرسها كل منهم في تخصصه لاستخدام هذه الكتب وتدريسها في المدارس المصرية، فمثلاً في سنة 1245هـ/1829م أرسل محمد علي شخصياً إلى عبيد أفندي المشرف العام على البعثة في باريس يطلب منه إرسال بيان عما ترجمه أعضاء البعثة في باريس من الكتب، ثم أرسل إليه في عام 1246هـ/1830م يؤنبه على تقصيرهم في الترجمة، ويضرب له مثلاً بكاني أفندي الذي جاء من الأستانة، وتعلم قليلاً من اللغة الفرنسية في مصر، ورغم ذلك فإن ما ترجموه يمكن أن يقوم به كاني أفندي في أسبوع واحد، ويستحثهم على بذل مزيد من الجهد في ترجمة الكتب التي يدرسونها، وفي 22 ربيع أول سنة 1249هـ/ 1833م أصدر الباشا أوامره إلى بوغوص بك بأنه كان قد تنبه على كلوت بك بإلزام الطلبة الذين أرسلوا إلى أوروبا لتلقي فنون الطب بها بترجمة الكتب التي يرسونها أولاً بأول إلى اللغة العربية، وإرسالها إلى مصر.
هكذا كانت تصدر الأوامر من الباشا إلى المبعوثين – وهم بعد في طور التحصيل في أوربا – بأن يقوموا بترجمة الكتب التي يدرسونها إلى اللغة العربية، فترجم الطهطاوي "مبادئ العلوم المعدنية"، وترجم إبراهيم النبراوي "نبذة في الفلسفة" و"نبذة في أصول الطبيعة والتشريح العام"، وترجم عيسى النحراوي "كتاب التشريح العام"، وطبع في بولاق في سنة 1254هـ/1838م، كما ترجم رفاعة الطهطاوي كتاب "التعريفات الشافية لمريد الجغرافية"، حيث انتخب وتخير فيه خلاصة في عدد من المراجع الفرنسية، حيث جاء في مجلد ضخم ترجمه من الفرنسية لتدريس الجغرافية في المدارس المصرية، وأضاف إليه أيضاً إيضاحات، وطبع في بولاق في سنة 1254هـ/1838م، كما ترجم أيضاً "مبادئ الهندسة" بهدف استخدامه في مدرسة المهندسخانة.
هكذا عكف المبعوثين منذ تعلمهم مبادئ الفرنسية على ترجمة الكتب الدراسية التي كانوا يدرسونها، وفور عودتهم - وهم بعد ما يزالوا في الحجر الصحي – كان الباشا يلزمهم بترجمة الكتب الفرنسية المختصة بالعلم الذي درسه كل منهم لاستخدامه في المدارس، فعندما عاد أعضاء بعثة 1242هـ/1826م من أوروبا استقبلهم محمد علي في مقر الحكم بالقلعة، حيث شرح لهم حاجة المدارس الجديدة لكتب علمية على النمط الفرنسي لتدريسها للطلاب، وأعطي كل منهم كتاباً فرنسياً في المادة التي درسها في أوروبا ليقوم بترجمته إلي اللغة العربية، وأمر بحجزهم في أحد قصور القلعة وأن لا يؤذن لأحد منهم بمغادرته حتى يتموا ترجمة ما عهد إليهم بترجمته، وأصبح ذلك العرف قانون على كل المبعوثين العائدين من أوروبا إتباعه، وبذلك فقد كان على كل مبعوث من العائدين من أوروبا أن يقوم بترجمة أحد الكتب التي تدرس في تخصصه في أوروبا من أجل تدريسه في المدارس، فترجم محمد بيومي أفندي الهندسة الوصفية في مجلدين فور عودته من أجل تدريسها لطلاب مدرسة المهندسخانة، بل دفعت حاجة المدارس لكتب ومقررات معينه دفعت ديوان المدارس لتكليف بعض المبعوثين بترجمة بعض الكتب في غير تخصصاتهم من أجل تدريسها لطلاب في المدارس، وكانت الدواعي وحاجة المدارس تدفع الباشا إلى أن يعهد إليهم في بعض الأحيان بترجمة بعض الكتب غير المتخصصين بها ليمكن استخدامها في المدارس في أسرع وقت مستطاع، ففي الوقت الذي تخصص فيه أحمد حسن الرشيدي في دراسة الطب - ففور عودته من البعثة الطبية الكبرى إلى مصر في سنة 1254هـ/1838م – عهد إليه بترجمة كتاب "الدراسة الأولية في الجغرافيا الطبيعية"، وهو ما يعكس حقيقة مهمة مفادها أن حاجة المدارس إلى نوعية معينة من الكتب كانت المتحكم الأول في اتجاهات الكتب المترجمة بواسطة هؤلاء المبعوثين.
وفي سنة 1248هـ/1832م ألزم الباشا عدد كبير من العائدين من فرنسا بالبقاء في قصر إبراهيم باشا في بولاق لترجمة كتب "تدريب المشاة" و"تدريب الفرسان"، وكان من هؤلاء أرتين أفندي، وإستيفان أفندي، وغيرهم، وبالطبع فقد كان الهدف الأساسي من وراء ذلك هو تدريس هذه الكتب في المدارس العسكرية المصرية، ويعكس حجم الكتب المترجمة للمدارس في العشرينات والثلاثينات الدور الكبير الذي قام به المبعوثين في حركة الترجمة لتوفير الكتب والمناهج الحديثة لطلاب المدارس في مصر، ففي العشرينات من القرن التاسع عشر لم يترجم إلا أحد عشر كتاباً للمدارس، بينما ترجم في الثلاثينات والأربعينات – بعد عودة البعثة الكبرى من فرنسا بلغ عدد الكتب التي تم ترجمتها 168 كتاب لتدريسها في المدارس المختلفة، وهو ما يؤكد على أن معظم الكتب التي ترجمت خلال عهد محمد علي ترجمت لفائدة التعليم بالمدارس الخصوصية والعليا وخاصة مدرسة الطب والهندسة والمدارس العسكرية، كما أن عدداً ليس بالقليل من الكتب التي ترجمت كان لأساتذة من المدرسين في هذه المدارس أمثال كلوت بك، فمثلاً ترجم لكلوت بك اثنى عشر مؤلفاً، كان بعضها يدرس في مدرسة الطب بأبي زعبل، منها "مبلغ البراح في علم الجراح" و"العجالة الطبية فيما لا بد منه لحكماء الجهادية"، كما ترجم له أيضاً الدكتور إبراهيم النبراوي ثلاثة كتب في الفلسفة الطبيعية والتشريح العام والتشريح الطبي.
هكذا كان توفير الكتب للمدارس التي أنشأها الباشا سلفاً هدفاً أساسياً من أجل تعليم جيل جديد من أبناء البلاد، واستمر عطاء العائدين من البعثات خلال ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر يتدفق لتغذية المدارس العسكرية والطبية والهندسية بالكتب المترجمة، وفي نهاية عهد محمد علي أصبح خريجو مدرسة الطب المصرية لا يقلون في المستوى عن خريجو المدارس الفرنسية بشهادة الأطباء الفرنسيين أنفسهم.
وظلت عملية تزويد المترجمين بالكتب المراد ترجمتها تتم نتيجة ما يقوم به ديوان المدارس من طلب إلى نظار المدارس الخصوصية في كل عام، بإعطائه بياناً بالمؤلفات التي جدت في المواد التي تدرس بمدرستهم، حتى إذا وجدت بمكتبة مدرسة الألسن وزعت على المترجمين، وإلا بعث في طلبها من أوروبا، وقد ترجمت نتيجة لهذه السياسة أعمال متعددة المجالات وفي موضوعات شتى، وزعت على المترجمين دون النظر إلى تخصصاتهم.
وفد نصت لائحة مدرسة الزراعة التي أنشأت على أيدي المبعوثين في العام1255ه/ 1839م على أن المدرس الأول "الباشخوجة" عليه أن يقضي بقية ساعات اليوم في ترجمة دروس النبات والموضوعات الأخرى التي يحيل إليه الناظر ترجمتها من الفرنسية إلى العربية، أما المبعوثين العاملين في مدرسة الهندسة فقد أشادت بمجهوداتهم لجنة المدارس لما أسهم به المدرسون من الإسراع في عملية ترجمة الدروس والكتب المدرسية وطبعها بالمطبعة الحجرية الملحقة بالمدرسة.
وقد ظل تعريب الجديد في العلوم التي تخصص بها هؤلاء المبعوثين هدفاً ملحاً لهم من أجل تدريسه لهم من أجل تدريسه للطلاب، فقد ذكر الدكتور محمد الشباسي في مقدمة ترجمته لكتاب "التنقيح الوحيد في التشريح الخاص الجديد" تأليف "كروليه" - والذي يقع في ثلاثة أجزاء كبيرة مكون من 1320 صفحة – أن هدفه الأساسي من ترجمة هذا الكتاب هو تدريس الجديد في علوم التشريح لطلاب مدرسة الطب في مصر، فيقول "لما وكل إلي تعليم فن التشريح لطلاب مدرسة الطب الإنساني لم يكن بها كتاب جامع لمادة التشريح، وكانت معارف الطلاب قاصرة على كتاب الماهر "بيل" وهو في غاية الاختصار، ومطبوع منذ زمن طويل"، وهكذا فقد عمل عدد من أساتذة المدارس العليا الخصوصية على ترجمة الكتب الأحدث في تخصص كلٍ منهم لتدريسها للطلاب.
على العموم فليس ثمة من أثر أكثر وضوحاً للبعثات في بناء الدولة الحديثة من ميدان الترجمة والتدريس في المدارس، ويمكن رؤية ذلك من خلال الكتب المترجمة، ففي العشرينات من القرن التاسع عشر لم يتجاوز حجم الكتب المترجمة حوالي 21 كتاب، ولكن عدد الكتب المترجمة ارتفع في ثلاثينات القرن التسع عشر – بعد عودة البعثات – إلى 102 كتاب (أي خمسة أمثال ما ترجم في العشرينات)، مما يوضح الدور الكبير للمبعوثين في حركة الترجمة، وكان التفكير قد اتجه إلى جمع كل المبعوثين العائدين إلى مصر في جهاز واحد ليقوموا بالترجمة، ويحققوا ما كان يصبوا إليه الباشا من نقل ثقافة الغرب بأكبر كمية وفي أسرع وقت، ولكن هذه الفكرة لم ترى النور. يميز الشيال للترجمة في عصر محمد علي لمرحلتين أساسيتين؛ الأولى تبدأ منذ تولي محمد علي للحكم وحتى عام1251هـ/1835م، والثانية تبدأ مع تأسيس مدرسة الألسن في عام 1252هـ/1836م، فإن المرحلة الأولى اعتمدت في الجزء الرئيسي منها على جهود طلاب البعثات الذين وقع عليهم العبء الأكبر من أجل توفير العلوم الغربية في ثياب عربية، لقد قام أعضاء البعثات الدراسية على أثر عودتهم إلى مصر وتحت رقابة الدولة بعمل مثمر في مجال الترجمة التي روت عقول الصفوة الجديدة من الموظفين والضباط والأعيان وكبار رجال الدولة إضافة إلى طلاب المدارس ومشايخ الأزهر، ولم يكن الأمر قاصراً على المعارف العلمية والتكنولوجية الضرورية للجيش والدولة فقط وإنما شمل كذلك العلوم الإنسانية، وتقديم أفكار ونظريات جديدة حول التطور والتقدم والتمدن في إطار أضيق ولكن كان ذلك نقطة انطلاق هذه العلوم في عصر إسماعيل فيما بعد.
لقد أدرك محمد علي منذ البداية أنه لا سبيل إلى الارتباط بين المعرفة الجديدة التي يتم نقلها من الغرب الأوربي وبين عقل المجتمع واحتياجاته إلا وضع هذه المعرفة في برامج التعليم، وقد ربط الباشا بين التوسع التعليمي وبين التخطيط لتحقيق نهضة عسكرية واقتصادية شاملة، وكان يدرك أنه لابد لتحقيقها أن يتم بناءها على أسس "العلم" الذي كان من الصعب أن يتم اختراعه، لذلك أدرك أنه لابد من ترجمته ووضعه في صلب شرايين المقررات الدراسية، من أجل خلق جيل جديد يستطيع النهوض وإقامة البنية الأساسية للدولة الحديثة التي يرغب في إقامتها، هكذا سعى محمد علي إلى اكتساب العلوم اللازمة لبناء قوة عسكرية تتيح له القدرة على تأسيس إمبراطورية خاصة به، فكان التجديد لديه تجديداً تكنولوجياً يهدف إلى نقل علوم الغرب ومعارفه التطبيقية والعملية قبل أي شيء آخر، ويأتي الطب على رأس هذه القائمة، وأهم الذين ترجموا في هذا المجال من المبعوثين كان الطهطاوي، وعلي هيبة، وإبراهيم النبراوي، وأمد حسن الرشيدي، ومحمد عبد الفتاح، وحسين غانم الرشيدي، وعيسوي النحراوي، ومصطفى السبكي، ومحمد الشافعي، وكلهم من المبعوثين إلى فرنسا، وهو ما جعل مدرسة الطب المصرية أكثر ارتباطا بالفرنسية.

على العموم فإن إن هؤلاء المبعوثين الذين اختيروا من صميم الريف صاروا فيما بعد القادة المفكرين، والعلماء الناصحين، والساسة القادرين على خلق أجيال جديدة من أبناء الشعب من أجل تمدن وتحضر المجتمع وأفكاره، لقد بعث هؤلاء بأعمالهم العلمية في المجتمع روح فكرية جديدة، كما نهضوا باللغة العربية نهضة عظيمة، فدبت فيها روح الحياة، وأخذت تستعيد سابق قوتها بترجمة كثير من الكتب العلمية في الطب والهندسة والميكانيكا والرياضة والقانون والجغرافيا والتاريخ والاجتماع، وقد بدأت اللغة العربية منذ ذلك الحين تساير ركب الحياة العلمية، وتعني بالمصطلحات العلمية التي زودها بها هؤلاء المبعوثون الذين عكفوا على الكتب العربية القديمة ينقبون فيها عما عساه يصلح للحضارة الحديثة، فإن استعصى عليهم شيء عربوه، أو وضعوا له كلمات تناسبه.
لقد كان هؤلاء المبعوثون ومترجماتهم احتكاكاً بين علوم ومعارف عالمين مختلفين كل الاختلاف، فقد غذت هذه المترجمات مؤسسات التعليم والثقافة في مصر بالكثير من ينابيع الحضارة والثقافة الأوربية، حتى وإن ارتبطت تلك المترجمات بأهداف محمد علي الإصلاحية، إلا أنها أثرت بطريق غير مباشر في التكوين الثقافي لهؤلاء المبعوثين وطلابهم في مصر الذين كونوا جيلاً من المصريين تميز بشخصية متفتحة استطاعت أن تستوعب نظم الغرب الأوربي وعلومه، وبذا أسهموا في غرس البذور الأولى للنهضة المصرية في القرن التاسع عشر.
وعلى الرغم من ذلك فقد كان نتاج ارتباط البعثات العلمية بالدولة هو خلق أدوات عمل أكثر منه خلق مبدعين ومفكرين، ففور عودة كل منهم كان يتم تعيينهم في الجهاز الإداري للدولة وسرعان ما يتحول كل منهم مع العمل البيروقراطي إلي موظفين بدرجة أطباء أو مهندسين وغيرهم، ولم تُعن الدولة بحث هؤلاء على تخطي المعرفة التي وفدوا بها وإبداع المزيد من هذه المعرفة وإنتاج نظريات وأفكار جديدة، بل كان جل هدفها هو غرس هذه المعرفة في اطارها إلي طلابهم، وفي النهاية تصبح هذه المعرفة متهالكة بالية في حين يكون العرب قد أنتج مزيداً من المعرفة الجديدة لتتزايد الفجوة من جديد بيننا وبينه ولنرسل المزيد من المبعوثين إليه!!.
وكانت المشكلة ولا زالت أننا أصبحنا منذ ذلك الحين فصاعداً حتى اليوم أسرى هذه المعرفة الغربية التي نرغب دائماً في التزود بها دون التدخل لإنتاجها، وتحول النقل عن الغرب إلى ولع أكثر منه أداة معرفيه للتطور والإبداع ومن أجل ذلك أصبح العقل المصري منذ ذلك الوقت مغرب المعرفة أكثر منه منتج ثقافة ومعرف.



#حسام_محمد_عبد_المعطي_أحمد (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- فنانة سورية شهيرة ترد على فيديو -خادش- منسوب لها وتتوعد بملا ...
- ينحدر صُناعها من 17 بلدا.. مؤسسة الدوحة للأفلام تعلن 44 منحة ...
- المغربي أحمد الكبيري: الواقعية في رواياتي تمنحني أجنحة للتخي ...
- ضحك من القلب مع حلقات القط والفار..تردد قناة توم وجيري على ا ...
- مصر.. الأجهزة الأمنية تكشف ملابسات سرقة فيلا الفنانة غادة عب ...
- فيودور دوستويفسكي.. من مهندس عسكري إلى أشهر الأدباء الروس
- مصمم أزياء سعودي يهاجم فنانة مصرية شهيرة ويكشف ما فعلت (صور) ...
- بالمزاح وضحكات الجمهور.. ترامب ينقذ نفسه من موقف محرج على ال ...
- الإعلان الأول ضرب نار.. مسلسل المتوحش الحلقة 35 مترجم باللغة ...
- مهرجان كان: -وداعا جوليا- السوداني يتوج بجائزة أفضل فيلم عرب ...


المزيد.....

- أبسن: الحداثة .. الجماليات .. الشخصيات النسائية / رضا الظاهر
- السلام على محمود درويش " شعر" / محمود شاهين
- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسام محمد عبد المعطي أحمد - المبعوثين المصريون إلي فرنسا خلال عصر محمد علي باشا