أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاروق وادي - -قايين- ومساءلة السّرديات التوراتيّة















المزيد.....

-قايين- ومساءلة السّرديات التوراتيّة


فاروق وادي

الحوار المتمدن-العدد: 6455 - 2020 / 1 / 4 - 15:03
المحور: الادب والفن
    


يمكن إدراج رواية "قايين" لجوزيه ساراماغو في سياق "علم نقد التوراة"، الذي مضى على انطلاقته، كحقل مفتوح للبحث والدراسة والاجتهاد النقدي، ما يزيد عن قرن من الزّمان، وبات علمًا معترفًا به ويحتل رفوفًا غنيّة في المكتبات ومراكز البحث الأكاديميّة، رغم أن بعض المعنيين يعيدون محاولات النّقد التوراتي إلى أبعد من ذلك تاريخيًا. وقد نقلت إلى اللّغة العربيّة، في السنوات الأخيرة، العديد من المؤلفات التي نشرت في هذا المجال لكيث وايتلام وتوماس تومسون وزنون كوسيدوفسكي.. وغيرهم، كما ظهرت مؤلفات عربيّة في الموضوع نفسه لكمال الصليبي وفراس السواح وسيِّد القمني وزياد منى وشريف الربيعي.. وآخرين.
وإذا كان جوزيه ساراماغو قد كرّر مرارًا بأنه يلجأ إلى السّرد الرّوائي لأنه لا يتقن كتابة البحث، فإن بعض رواياته حملت في إصدراتها الأولى، باللّغة البرتغاليّة الأم، وربما بعض اللّغات الأخرى التي ليست العربيّة منها، كلمة "بحث" قبل العنوان الذي اشتهرت به لاحقاً ("بحث في العمى"، "بحث في البصيرة".. الخ).
غير أن هذا الكاتب البرتغالي (نوبل للآداب 1998، ومتوفي صيف 2010)، لم يدّعِِ القيام ببحث علميّ منهجي وموثّق، رغم إحساسنا، نحن القرّاء، بالدأب البحثي الذي تنهض عليه العملية السّرديّة لساراماغو برمتها، الأمر الذي لا نلمسه فحسب في الرّوايات المشار إليها، والتي تستبق عنوانها المعروف كلمة "بحث"، وإنما نستشعره في روايات أخرى للكاتب يتبدّى فيها الإرهاق والجهد البحثي والأناة والدّأب الذي تتمتّع به شخصيّاتها، مهما أصاب سردها من بطء أو ملل، كروايات "قصّة حصار لشبونة" أو "كلّ الأسماء" "وسنة موت ريكاردوريس" على سبيل المثال، وهي من الروايات التي لم تحمل كلمة "بحث" ضمن عناوينها.
في روايته "قايين"، لم تستبق كلمة "بحث" عنوانها المؤلّف من مفردة واحدة. ومع ذلك فإن ثمّة بحث سرديّ نلمسه هنا، وهو ينتمي ـ كما أشرنا ـ إلى التراث المتراكم لجهود نقد التوراة ويصبّ فيها. ونحن نفضِّل هنا حذف كلمة "علم"، كون العمل الذي بين أيدينا يفتقر إلى المصادر الموثّقة والمراجع العلميّة والإحالات التي تتضمنها عمليّة البحث العلمي، ويحلّ مكانها المخيال الروائي للكاتب عوضاً عن ذلك، من خلال إعادة إنتاج السرديات التوراتيّة، مع الحرص على صياغة سرديّة أخرى مختلفة، تتقاطع وتلتقي ثمّ تفترق وتتباعد مع القصص التوراتيّة، ولكنها تبقى تُسائلها بروح نقديّة تتوسّل الهجائيّة وروح الدعابة، وتخوض في العديد من التفاصيل المرويّة في الأصل التوراتي، ولكن من دون التزام بحرفيتها.
وإذا كنّا قد سلّمنا بالحقيقة التي لا ينكرها علماء نقد التّوراة، من يهود ومسيحيين في هذا المجال، والتي تقرّ بأن كتاب الدين اليهودي الذي بين أيدينا هو نصوص كتبها الحاخامات اليهود الذين عانوا سنوات السبي البابلي وعاشوا بعدها مباشرة، متأثرين فيها بالقصص والحكايات والمعتقدات التي جاءت في ديانات حضارة ما بين النهرين، إلى درجة بلغت حدود التناص في كثير من الأحيان، فإن مثل هذا الإقرار يسهم في نزع صفة القداسة عن هذا الكتاب، حتّى لدى لاهوتيين مسيحيين مارسوا النّقد التوراتي (منهم مايكل بروير على سبيل المثال). فقد جرى التعامل مع هذا الكتاب كنتاج جهد أرضيّ قابلٍ للنّقد الموضوعي، واعتباره منتجًا بشريًا يعتوره النّقص والتناقض التاريخي العلمي. وبالتالي، فإن سلطة المطلق التّوراتي الذي يتبدّى فيه، تبقى هي الأخرى خاضعة للمساءلة والنّقد، الأمر الذي لا يتردّد نقّاد التوراة عن ممارسته، مثلما لم يتردّد ساراماغو عن الخوض في هذا المجال بأدواته السّرديّة وأسلوبه الذي لا تعوزه الجرأة، والتي تبلغ أحياناً حدود السخرية القاسية، ولا تعدم المغامرة الكتابيّة الحداثيّة، رغم أن الزمن السّردي يعود إلى البدايات الأولى والمبكِّرة للخليقة، أي إلى قصّة آدم وحواء مع الشجرة المحرّمة، كما روتها التوراة.
من مأساة الحكم الإلهي القاسي بطرد الذّكر آدم، والد البشر، والأنثى حواء، أمنا الأولى، من الجنّة، لأنهما تذوقا ثمار الشّجرة المحرّمة، تبدأ التراجيديا البشريّة على الأرض. غير أن ساراماغو لا يترك هذه الحكاية تمضي من دون أن يطرح حولها الأسئلة: ألم يكن بالإمكان عدم زرع الشّجرة من حيث الأصل طالما أنها تنطوي على أخطار محتملة، أو الحرص على زراعتها في مكان آخر، بعيداً عن أعين آدم وحواء، أو على الأقل إحاطتها بسياج من الأسلاك الشائكة؟!
يذكِّرنا هذا المنطق بالبحث الشائق الذي كتبه "صادق جلال العظم" في منتصف ستينيات القرن الماضي وقدّمه كمحاضرة في النادي الثقافي العربي ببيروت عام 1966 بعنوان "مأساة إبليس"، ثمّ ضمنه كتابه "نقد الفكر الديني" (1969). وقد عالج العظم مسألة إبليس من زاوية رؤيتها كمأساة عاشتها إحدى الشّخصيات الميثولوجيّة التي أنتجتها الملَكات الخرافيّة للإنسان وجرى تطويرها وتضخيمها بخيالاته الخصبة. أي دراسة واحدة من الشّخصيات الرئيسة التي تنتمي لتراث المنتج التراجيدي الميثولوجي. وتتقاطع مأساة إبليس مع مأساة آدم وحواء، كونهم جميعًا تعرّضوا لحكم إلهيّ بالطّرد من الجنّة لمخالفتهم أوامر الخالق. فإبليس المخلوق من النّار عصى ربّه في أمر السّجود لآدم المخلوق من تراب.. من حمأ مسنون، والمنذور لأن يعيث في الأرض فسادًا ويسفك الدّماء، كما أن السجود لغير الخالق، وفق المنطق الإبليسي، هو شرك وخروج عن حقيقة التوحيد وعدم السجود إلاّ لله. وقد دفع إبليس ثمن هذه القناعات العقليّة واتهم بالعصيان، مثلما عصى آدم وحواء الأمر الإلهي وأكلا من شجرة المعرفة المحرّمة عليهما، فحُرما من نعيم الجنّة وهبطا إلى أرض البشر.
لقد انهمك صادق العظم في عمليّة بحثٍ مضنٍ حول عناصر التراجيديا في قصّة إبليس، وهو أحد أهم أهداف دراسته المبكِّرة. وقد لجأ إلى دراسة مرجعين لهذه الغاية، الأول مسرح سوفوكليس، والثاني قصّة النبي إبراهيم كما وردت في التراث الدّيني السّامي، لما تنطوي عليه القصّة من إمكانيات ومقومات تراجيديّة، والتي لا يُقلل من مأساويتها نهايتها السّعيدة، من غير أن ينكر إنه استفاد أيضًا من فراءة سورين كيركيجارد (وهو فيلسوف ومفكِّر معروف بفلسفته الايمانيّة) لشخصيّة النبي ابراهيم. ومن اللافت أن تكون هذه القصّة هي إحدى القصص التوراتيّة التي عرج عليها ساراماغو في روايته، فاستنطقها وساءلها. وتجدر الإشارة إلى أن سؤالاً هامًا طرحه ساراماغو بإلحاح في روايته حول ابتلاء الخالق عباده، كما في قصّتي النبي ابراهيم أو أيوب، كان قد طرحه العظم في دراسته قبل ذلك بنحو نصف قرن على النحو التالي: "لماذا يبتلي الله ملائكته وعباده وهو العليم بكل ما يظهرون وما يبطنون؟ هل باستطاعتنا مثلا أن نحدّد صفة من الصّفات الإلهيّة التي تدعو الله لأن يجرِّب عباده؟".

***
من ابتلاء الخالق عباده، جاءت التوراة بسلسلة من قصص المآسي الكبرى التي لا تنتهي. لكن مأساة قتل قايين، ابن آدم وحواء، أخيه هابيل، وحكم السيِّد/ الإله عليه بالضّياع في أرض البشر، تبقى هي المحور التراجيدي للرّّواية التي كتبها جوزيه ساراماغو: "ستمضي هائمًاً على وجهك وتائهًا في العالم"..
ومن رحلة التيه تلك، يلتقط الكاتب خيوط روايته ومساراتها المتشعِّبة، المتردِّدة في الزّمان والمكان، ويطلعنا على ما لاقاه مع شخصيّات توراتيّة واجهت البلوى وعاشت مأساتها بأشكالها المتعددة.
في هذه الرّواية، التي أكدت البطولة التراجيديّة لقايين وحملت اسمه، وهي الرّواية الأخيرة التي نشرها جوزيه ساراماغو قبل عام من رحيله، يستعير الكاتب أجزاءً أساسيّة من السّرديات التّوراتيّة ليبني عليها أحداث ووقائع عمله الرّوائي، أو محاكمته السرديّة الممتعة، دافعاً بقايين، ابن آدم، في رحلة تيه صعبة، لا في المكان فحسب، وإنما في الزّمان أيضًا، أو الأكثر دقّة، في الأزمنة التّوراتيّة المختلفة وعوالمها الميثولوجيّة المجنحة في تخيُّلاتها الخصيبة، مخترقَا التسلسل الحدثي وكاسرًا منطقهً الزمني التّصاعدي.
فقايين يشهد في رحلة تيهه، على سبيل المثال، واقعة استجابة النّبيّ ابراهيم لأمر ربِّه بذبح ابنه إسحق (وفق التوراة)، وهو حين يلتقي إبراهيم لاحقًا، وللمرّة الثانيةً، يكتشف أن إسحق لم يكن قد وُلد بعد، وأن حادثة الاستجابة لذبح الابن وافتدائه بالكبش، والتي جرت أمام عينينه وفي حضوره، لم تكن قد حدثت بعد. بمعنى أن الزّمن كان يستبق الزّمن. وهو يُفسِّر الأمر بأنه لم يكن يتنقّل من المستقبل إلى الماضي كما يبدوٍ، وإنما هو يعيش حاضرًا ينتقل منه للعيش في حاضرٍ آخر مختلف: "لقد رأيت أمورًا لم تحدث بعد".. "أتعني أنك تنبأت بالمستقبل".. "لم أتنبأ به كنت فيه"!
تيه قايين لا يكون في جغرافيّة التّوراة فحسب، بل إنه يأخذنا لنعيش معه وقائع النفي وأحداثه التي تجري في أزمنة وأمكنة متباعدة، متداخلة ومتقاطعة، وفيه نلتقي بعديد من الشّخصيات التوراتيّة المعروفة. فإلى جانب النبي إبراهيم وما شهده من واقعة موافقته على تقديم ابنه قربانًا، وهي الواقعة التي تحدوه لطرح أسئلة الاستجابة للأمر الإلهي حتّى لو كان في مستوى ذبح الابن.. إلى الانتقال لبابل، التي بلبل الإله السيِّد ألسنة أهلها ليتفرّقوا غرباء عن أنفسهم في الأرض، لأنهم أقاموا برجًا متحدِّين إرادته، فقوّضة بنفخة واحدة. ثمّ رحلته إلى "سدوم" و"عمورة"، حيث صبّ الإله السيِّد على أهلها النّار والكبريت لأن رجالها من قوم لوط كانوا يمارسون رذيلة العلاقات الجنسيّة المثليّة، فنال العقاب أهلها جميعًا، بمن فيهم النّساء الّلواتي لم يتورطن في علاقات شبيهة، والأطفال الذين تفحّموا من دون ذنب أو خطيئة، ما يحدو بقايين لأن يطرح أسئلة رافضة ملحاحة حول مصيرهم المأساويّ، تتقنّع فيها أسئلة الكاتب نفسه. وهناك شاهد قايين، بأم عينه، زوجة لوط وهي تلقى عقابها الشّديد حين جرى تحويلها إلى تمثال من الملح، حيث دفعها فضولها إلى إلقاء نظرة خلفيّة نحو مدينتها التي كانت تذوب في حمّى النّار والكبريت. فأي ثمن فادح هو عقاب الفضول الذي يبلغ هذا الحدّ؟! يتساءل قايين/ ساراماغو.
ولأن الأزمنة التي يعيشها قايين لا ضوابط لها، وكذا الأمكنة التي تتدانى وتتقارب، فها نحن نرى هذا الرّجل، الذي "ولد كي يرى ما لا يمكن وصفه"، سائرًا في رحلة التّيه التي قادها النّبي موسى مع قومه خارجين من مصر، وهو يشهد في سيناء تصنيع تلك الجموع الهائمة في الصّحراء، عجلاً ذهبيًا مقدّسًا، سرعان ما شرعوا في عبادته، ثمّ يرى المذابح التي ارتكبها قوم موسى حيال "المديانيين"، أهل المكان الأصليين، والتي راح ضحيتها أطفال ذكّروا قايين بأطفال سدوم وعمورة المتفحمين من دون ذنب. كما رأى توزيع الغنائم والسبايا من نساء المديانيين، بينهم وبين إلههم الذي كان يطلّ عليهم من علٍ.
والحقيقة أن ساراماغو حرص على أن يتجنّب هنا، وفي كلّ المواقع على امتداد الرواية، ذكر اسم "يهوة"، إله بني إسرائيل المذكور في التّوراة، والذي لا يكفّ عن تحريضهم على الحرب كتجارة، بحيث بات يليق به وصف "إله الجيوش". وهو اجتناب يطرح السؤال: هل إن القفز عن ذكر يهوة قد جاء لغايات تعميميّة أشمل، أم لأن الكاتب استقر، منذ السّطر الأوّل للرواية، على أن يسميه "السيِّد" لغايات سرديّة أو أيدولوجيّة خاصّة؟!
على أيّ حال، فإن قايين يبقى مع جيش بني إسرائيل الذي حاصر آريحا طويلاً ودخلها بقيادة "يهوشع بن نون"، وبمساعدة لوجستيّة قدّمتها الزانية "راحاب"، بعد أن جرى تدمير سور المدينة عبر النفخ في الأبواق، وقد شهد الرّجل المحكوم بالتيه، المذابح التي ارتكبها العبرانيون على أرض كنعان. ولم يكن ساراماغو، في إدانته لتلك المجازر، حيث كان "الرّب يقاتل من أجل بني إسرائيل"، أكثر قسوة من الناقد التوراتي، اللاهوتي المسيحي مايكل بريور، الذي أطلق الوصف الدقيق على ما ارتكبه جيش بني إسرائيل من أعمال إبادة لا يمكن وصفها بأقل من "عمليات تطهير عرقي".

***
تمتد رحلة قايين إلى أرضٍ أخرى، قيل له إن اسمها "أرض عوص". وهناك كان عليه أن يشهد مأساة بشريّة جديدة هي مأساة "أيوب"، الذي اختبره الإله في إيمانه، فلقي عذابًا شديدًا وامتحانًا صعبًا تم تنفيذه بواسطة إبليس، الذي يعهد إليه السيِّد، وفق قايين/ ساراماغو، تنفيذ الأعمال القذرة، الأمر الذي حصل مع ذلك الرّجل التقي الصالح المؤمن أيوب، من دون ذنب ارتكبه، فأصبح مثالاً للصّبر والصّمود في مواجهة الابتلاء، وهو العقاب الذي فقد أيوب نتيجته أمواله وممتلكاته وأولاده وصحته.
ولا يتردّد قايين/ ساراماغو عن طرح وجهة نظره الاعتراضيّة المتسائلة حول البؤس الذي حلّ بأيوب بلا ذنبٍ ارتكبه أو سبب، سوى رهان بائس جرى بين السيِّد والشيطان.
وتنتهي الرّحلة المتخيّلة في جغرافيّة التّوراة وأحداثها، إلى أرض أخرى، يشهد فيها قايين بناء تلك السّفينة العملاقة اللّغز، بأمرٍ إلهي، والتي تولاها نوح وعائلته. فقد فسد البشر على الأرض وتكاثرت شرورهم وخطاياهم، فقرّر الإله السيِّد إبادتهم جميعًا عبر إرسال طوفان يغمر الأرض ويُغرقهم، فلا يُبقي ولا يذر، إلا من تحمله سفينة نوح من أزواج الحيوانات التي تدبّ على الأرض. وهي سفينة يبلغ حجمها، حسب ساراماغو، حجم حاملة طائرات. ويُعهد إلى قايين صنع أبناء من نساء العائلة اللواتي ركبن الفُلك، وانتهت العائلة إلى مصائر مأساويّة على يد قايين نفسه.
وإذا كانت الأحداث التوراتيّة المرويّة في العهد القديم لم تزجّ بقايين في كلّ تلك الوقائع وتجعله يلتقي بكلّ أولئك البشر في رحلة التّيه التي عاشها، فإن رواية ساراماغو تفعل ذلك.
فمع أن السّرد يستند إلى وقائع وأحداث وشخصيّات توراتيّة نعرف بعضها، أو معظمها، فإن قايين، الذي أراده الكاتب شخصيّة متخيّلة حاملة لملامح البطل التّراجيدي، حيث حكم عليه قدره مواجهة المحن، وأن يرى في الرّحلة ما رأى، يتجاوز هنا دوره المحدَّد والمتداول في الرّواية التوراتيّة، ليرتقي إلى مستوى الشّاهد والضمير الذي يواجه السيِّد التوراتيّ بروحٍ نقديّة عالية ومحاكمة منطقيّة وأخلاقيّة لا تعرف التهدئة أو المساومة أو الخوف، بل التحلي بشجاعة استثنائيّة تستحق التّوقير.
إن ما يطرحه قايين من أسئلة، هو جزء من عمليّة الجدل والحوار المتواصل التي لا تتوقف، بين المطلق الميثولوجي من جهة وبين الإنسان المتشكك الذي يطرح أسئلة جوهريّة متناسلة لا تنتهي، ولا تكفّ عن مساءلة السّرديات التوراتيّة.
شخصيّة أخرى مرّ ذكرها في التّوراة بشكل عابر، هي "ليليث" التي يحيل الباحثون في الدراسات التوراتيّة المقارنة وجودها الأصل إلى الملحمة السّومرية الشهيرة "جلجاميش"، وهي الملحمة التي استفادت منها الرّواية التّوراتيّة في قصص عديدة، منها قصّة آدم وحواء وقصّة الطوفان آنفتيّ الذّكر، وإن بأسماء مختلفة وتفاصيل غير متطابقة، رغم العديد من التقاطعات والتشابهات.
ليليث، الأنثى المتمردة في الأسطورة، شيطانة اللّيل (الذي منه اشتق اسمها) وسيدة العواصف، تملك القدرة على غواية الرّجال، ليقعوا في حبائلها، فيجري تدميرهم في الحال. حلّت هنا، في رواية ساراماغو، إمرأة متأججة الرّغبات، مريضة بالشّهوة المسنعرة التي تثابر على إشباعها بإصرار مع رجال سرعان ما يتداعون جرّاء سحرها العاصف. عاشقة لقايين ومانحته متعة الجسد. تتبدّى كإعصار من الشّهوة والفجور. شرهة لا ترتوي ولا تقمع احتدام عواطفها وعواصفها الإيروتيكيّة أو تُخرس صهيلها في الفراش مع عشيقها، حتّى لو بلغت أصداؤه مسامع زوجها الذي يبدو متسامحًا ومتضائلاً أمام جبروتها. شخصيّة تتجلّى حيّة ولافتة في تمرُّدها، ربما في الأسطورة الأصل، ولكنها كذلك بالتأكيد في رواية ساراماغو.
تنتهي رواية قايين بعبارة أخيرة، حلّت في سطرها الأخير: "انتهت القصّة ولم يعد هناك المزيد لروايته"..
إنها الكلمات الأخيرة، في الرواية الأخيرة، التي نشرها الكاتب في حياته، قبل رحيلة بعام واحد، ولكنها تبقى العبارة التي توّج بها جوزيه ساراماغو كتابة سرديّة لافتة، قالت الكثير وتركتنا أمام أسئلة أكثر.






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ساحل العاج ... جمعية مغربية توزع مساعدات غدائية لمهاجرين مغا ...
- يوميات رمضان من غزة مع الشاعر الفلسطيني سليم النفار
- مجلس الحكومة يصادق على إحداث الوكالة الوطنية للمياه والغابات ...
- المصادقة على مشروع مرسوم بتحديد التعويضات والمنافع الممنوحة ...
- الشعب يريد والأيام تريد...والله يفعل مايريد!
- رواية -رأيت رام الله- للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي
- العثماني يؤكد استمرار سريان الإجراءات الاحترازية طيلة أيام ا ...
- تعرفوا إلى أنس أصغر درويش صوفي في سوريا
- بوريطة يتباحث مع نظيره الليبيري
- فنان مصري يتهم حفيد جمال عبد الناصر بـ-سرقة امواله-


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاروق وادي - -قايين- ومساءلة السّرديات التوراتيّة