أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - القاسمي بدرالدين - رسالة في التعايش والتسامح















المزيد.....

رسالة في التعايش والتسامح


القاسمي بدرالدين

الحوار المتمدن-العدد: 6253 - 2019 / 6 / 7 - 09:45
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


سيدي رضوان في 07 يونيو 2019.

ان الذي يرفضك بصدق، بسبب اختلاف طفيف في مواقيت الصلاة ، هو افضل ممن يتقبلك نفاقا.


ما اعلمه اني لم اكن مباليا بشيء وانا امسك يدك. كل الاختلافات التي كانت بيننا على مستوى المواقف، والأيديولوجيا، والتقديرات، والآراء، والثقافة بما فيها الدين، كلها تذوب أمام شيء يسمى الحب.
-فلما وضعت بيننا كل تلك الحدود؟
-و هل هاته التفاصيل قوية بما يكفي لتجهض الجوهر الإنساني؟

خلال مواعيدنا الأولي حاولت ان اكشف لك حقيقتي وان افضح عن تفاصيلي المملة لك، لأترك لك المجال حتى تتشاوري مع نفسك وتقرري ما اذا كنت ستكملين المسار الذي سنرسمه معا في ما بعد. على ما يبدو أخذت مدة طويلة في التفكير اكثر من اللازم. كنت تراهنين على اني سأصير يوما مثلك، سأومن بما تؤمنين، وسأعتنق ما تعتنقين، وسأرتل من المقدسات ما ترتلين. أما رهاني أنا فقد كان مختلفا بعض الشيء، كنت اعتقد انه بمقدورنا التعايش باحترام والتسامح في ظل من نحياه من تباين فكري، وعقدي إلى حد ما.
في خطاب هذا لن أسرد لكم عن تجربتي الفاشلة مع اليهودية ذات الأصول المغربية التي التقيت بها بأحد المعارض الفنية حين كنت اجري تدريبا جامعيا هناك ذات يوم. فمن خلال ما تبادلناه من قراءات سريالية حول بعض اللوحات، اجترتنا الألفة مع الزمن إلى لوحات اكثر حميمية، لم تنحصر فقط في تلبية نداءات الطبيعة والتخلص من التوترات الفزيائية بلغة الجسد، إنما تعدى الأمر ذلك، بخلق فضاء للتبادل الثقافي، الشيء الذي مكنني اكثر من التعرف على البنية الثقافية للمجتمع اليهودي. لكن شاءت أن تودعني وانا في عز قصيدتي، بحجة ان دينهم يرفض الاقتران بغير اليهودي. حينها، اهتزت احد أوتار قلبي. وبدأ فكري يشتغل بسرعة كبيرة في كل الاتجاهات. لم اعد ادرك الغيرية بمفهومها الفلسفي الوجودي فقط، بل صرت أعيشها من خلال تجربتي. لان هاته المسافات الثقافية بين المجتمعات كانت تبدو لي قصيرة جدا، ولا تستحق منا كل هذا الاهتمام وهاته الجلبة، فليس المهم كوني مسلما، أو يهوديا، او مسيحيا، أو هندوسيان او سيحيا او ملحدا، لكن اهم ما في الأمر هو كوني إنسان يميل إلى نشر لغة الحب والسلام في هذا الكون الشاسع.
كما اني لن اسرد لكم تجاربي الأخرى التي بلغت حد الابتزاز تارة، وتارة أخرى حد الاشمئزاز مع بعض من كانوا احبة وزملاء، كان نضنهم يحبوننا بحرية، إلا ان حبهم كان مصطنعا، انتهى بانقضاء ما كان يجمعهم بنا من مصالح، والذين كانوا يرون فينا قصورا معرفيا، واننا نسلك طريق الهلاك والخطيئة، بمجرد ان نتساءل معهم بكل موضوعية حول مشكلة وجودية متعلقة بالدين، ليس بغرض السخرية أو الاستهتار بالمعتقدات، إنما بسبب ما كان يسكننا من فضول معرفي. صاروا يحتقروننا وينعتوننا في غيبتنا بالزنادقة واليساريين الملحدين الغاوون اهل نواس، والسبب هو اعتقادهم انهم يمتلكون الحقيقة وانهم صلحاء، وان المخالف لشرعهم طالح. وهذا ليس جديدا على مجتمعاتنا، فتراثنا مليء بمثل هاته الأحكام التي تعدى بعضها إعدام، واغتيال المفكرين والفلاسفة وإحراق كتبهم.
في خضم هذا السياق المليء بالتعصب والكراهية، اصبح من المستحيل طرح موضوعا للنقاش من هذا القبيل، أو حتى التعبير عن شكنا وقلقنا الفكري في كثيرا من المسلمات التي نراها متنافية مع العقل والعلم، والتي تلح على إيجاد أجوبة مقنعة.
- فلما ليس بمقدورنا اليوم التعايش في سلم واحترام بغض النظر على ما يعترينا من اختلافات اثنية وغيرها ؟
- ولما اصبحنا نتغاضى عن الجوهر ونحيط اهتمامنا بسفاسف الأمور والتافه منها؟
-ولما كل هذا الإقصاء والعنصرية والتمييز؟
-وهل السبب يكمن في خلل قيمي تعيشه قنوات التنشئة الاجتماعية لدينا؟

شخصيا، من بين الأشياء التي كنت ارفض الخوض فيها هي مسألة الدين، باعتبار ان الأمر متعلق بالإيمان والقلب والعاطفة، كونه ضرورة وحاجة روحية، اكثر مما هو متعلق بالعقل والعلم. لذا كان من الصعب علي ان اقنع نفسي ببعض الأمور الخرافية التي تتعارض مع المنطق الفلسفي، إلا إنني كنت أرى انه لا عيب في الإيمان بها، كما اني لم اكن أرى عيبا في عكس ذلك. بل اني صرت مسَلِّمًا، ان المسلم على حق، واليهودي على حق، والمسيحي على حق، والسيحي على حق والشيعي على حق، والملحد على حق. فالحقيقة في تقديري ليست مفردا إنما جمع. اقصد هناك حقائق، مع ضرورة إخضاعها لملكة العقل والتجربة من اجل تعديلها حتى تصير اكثر ملائمة للمنطق. كما ان التعايش في ظل كل هاته الحقائق على اختلافها ضرورة إنسانية ملحة وليست خيارا. وطبعا، التعايش مع الغير واحترامه وتقبله كلها قيم لا تورث إنما تبنى في ظل مجتمع متفتح يؤمن بأن التعدد الهوياتي نعمة لا نقمة. فبدل الحب تنشئ الكراهية، وبدل الاختلاف يطغى الخلاف، وبدل القبول يتولد الرفض، وبدل السلم تندلع الحرب ونبدع في إنشاء صور مغلوطة عن بعضنا تكرس وعيا مزيفا بين الأعراق بل وبين افردا المجتمع الواحد.
التسامح ليس بالضرورة ان يكون دينيا بل وحتى فكريا، حتى يتمكن الافراد من العيش في الافة والمحبة والتعاون والتقدير المشترك دون المساس بالخصوصيات، باقرار الاختلاف وتقبل التنوع واحترام ما يزخر به الافراد من معطيات نفسية ووجدانية وعقلية وكذا مخيالية. والتسامح في تجلياته يقتضي التسليم بحق الغير في الوجود. و كقيمة إنسانية ناجزة فانه لا يقبل المساومة، وهو شرط من اجل إرساء مجتمع مدني.
ان الاختلاف في الاعتقاد والراي وتقدير الأمور حق من الحقوق، إلا ان الذين ينصبون انفسهم أسيادا للحقيقة مهما ارتقوا يظلون أحادي التفكير فيلقون بك في منفى الهالكين، لا لشيء إلا لأنك اعتنقت أفكارا غير أفكارهم لا تستطيع إخفاءها. وكما سبق وأشرت فاني اجد انه ليس من الأجدر التدخل في شؤون الناس الدينية والعقدية، اذ ليس لاحد التقرير في طبيعة الرابط الذي قد يجمع المخلوق بخالقه، ولا جدوى من محاولة إكراه المخالفين في المذاهب او التنقيص منهم او احتقارهم. على العكس من ذلك، وجب إقرار علاقة طبيعية وعفوية بين الأفراد.
أما تصوري للتدين كما فهمته وأخذته عن باروخ اسبينوزا، والذي امل ألا أكون قد أسئت فهمه. فان الله ممتد في الطبيعة على نحو عقلي، لا تتطلب منا عبادته بناء المعابد وتزيينها فالله موجود أينما ولينا قلوبنا، فهو يوجد في الغاب، والوادي، والجبال والسماء، انه في كل مكان. كما ان التقرب منه لا يحتاج إلى الاعتكاف والإفراط في أذية النفس. إنما هو يدعونا الى تحمل المسؤولية تجاه محيطنا، ونشر الحب قيمة إنسانية عليا، وتكريس ثقافة التعايش على قدم المساواة والتسامح، وتوجيه الإرادة الحرة نحو الخير وإعلاء السلم والسلام، وعيش الحياة بشكل منفك عن لغة الخوف والرهاب.
وفي الأخير اني اعتقد انه في حالة اذا اعتنق الفرد ديانة ما فيجب ان يتم ذلك عن قناعة قدر الإمكان وليس فقط نقلا متوارثا، كما يجب ان يتغنى بمعتقده ليس كنصوص وترديد محفوظ، بل يجب ان ينعكس عليه في سلوكه اليومي إيجابا.

فلا تفرطوا أحبائي في انانيتكم، وتذكروا انه بالحب اللامشروط وبالإنسانية يمكننا تذويب كل الحدود.



#القاسمي_بدرالدين (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- ما توقعات أمريكا بشأن الهجوم الإيراني المحتمل؟.. مصدران يكشف ...
- الشرطة الألمانية تحظر مؤتمرا مؤيدا للفلسطينيين في برلين
- أميركا تتوقع هجوما إيرانيا على إسرائيل.. وهذه -شدة الضربة-
- خان يونس.. دمار هائل وقنابل غير منفجرة تزن ألف رطل
- حفاظا على البيئة.. قهوة من بذور التمر والجوافة
- تحسبا لهجوم إيران.. قائد -سينتكوم- يصل إسرائيل
- بوتين يتحدث عن أسباب استهداف منشآت الطاقة الأوكرانية
- هنية يكشف تأثير مقتل أبنائه على مفاوضات -هدنة عزة-
- اكتشاف أثري في إيطاليا.. قاعة طعام بجدران سوداء
- 29 قتيلا بقصف إسرائيلي لمنزل وسط غزة


المزيد.....

- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الازمة المتعددة والتحديات التي تواجه اليسار * / رشيد غويلب
- سلافوي جيجيك، مهرج بلاط الرأسمالية / دلير زنكنة
- أبناء -ناصر- يلقنون البروفيسور الصهيوني درسا في جامعة ادنبره / سمير الأمير
- فريدريك إنجلس والعلوم الحديثة / دلير زنكنة
- فريدريك إنجلس . باحثا وثوريا / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - القاسمي بدرالدين - رسالة في التعايش والتسامح