أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الغزالي:القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي(2)















المزيد.....

الغزالي:القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي(2)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)


الحوار المتمدن-العدد: 6244 - 2019 / 5 / 29 - 09:14
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


"القرآن هو الجامع لجميع الأحوال والمقامات وفيه شفاء العالمين"
(الغزالي)


لقد تضمنت فكرة ضرورة التجربة الفردية في أعماقها على عناصر التثوير الدائم للمفاهيم اللاهوتية بشكل عام والتقليدية منها بشكل خاص، وفسحت المجال أمام الروح الأخلاقي لأن ينتفض في حدود حريته المقننة بمعالم المطلق. وإلا لكان من الصعب تطور الفكر الصوفي. فللتصوف أدواته وتقنيته الخاصة، لكنها تبقى مع ذلك "تقنية" ظاهرية تتطابق مع ما تدعوه المتصوفة بآداب الطريق وتنوعها الهائل. وبالتالي فكل ما كان بإمكانه أن يشكل "قانونا" صارما في الوعي والممارسة الصوفية يكفّ عن أن يكون تقنينا فارغا وإلزاميا، أي انه لا يتطابق مع قواعد وقوانين الظاهر. أما الصيغة الظاهرية، التي تولدها قواعد الصوفية في الطريق، فإنها أقرب إلى معالم تهذيب الإرادة في المريد لا حقائق العالم الصوفي. فهي شبيهة إلى حد ما بالجواب الذي تفوه به الجنيد (ت297 للهجرة) يوما عن عدم ميلانه في الوجد قائلا "وترى الجبال تحسبها واقفة وهي تمر مر السحاب". بمعنى تطابق النص الظاهري مع عالمه الداخلي. غير أن تطابق عالمه الداخلي مع تعبيرية النص الظاهر لا تعني استمداد الأول من الثاني ولا توقف الثاني على الأول. فالتطابق الممكن هنا هو تطابق التعبير الحق عن الحق أو الحال بالمقال. لهذا كان بالإمكان افتراض نصوص أخرى والكلّ سواء. وهي ذات الفكرة التي حاول الغزالي تطبيقها في موقفه من القرآن، بمعنى رفعها إلى مصاف المطلق باعتبارها الحصيلة الجديدة لوعي وتقييم تجربته الفكرية والعملية دون أن يرفع استنتاجاته إلى مصاف المعيار النهائي للحقيقة. إذ لا حقيقة مطلقة في نهاية المطاف بنظر الغزالي سوى الله. فهو لا متناه والقرآن كلام الله وفيه صفاته وأفعاله، أي رموز وجوده في الوجود كله. وفي هذا كمنت أهميته العملية والعلمية (الأخلاقية والمعرفية) ، والظاهرة والباطنة.
لقد اعطى ذلك للغزالي إمكانية صياغة مواقفه مما دعاه بآداب القرآن الظاهرة والباطنة، أي أدب التعامل معه بوصفه كتابا الهيا. فإذا كانت الآداب الظاهرة تتمركز على سبيل المثال في حالة القارئ حول ضرورة الوضوء وهيئة الأدب والسكون، ومقدار القرآن ووجه قسمة القراءة واستحباب كتابة القرآن والترتيل والبكاء مع القرآن ومراعاة حق الآيات (مثل إذا أمر بالسجود سجد) والابتداء بالتعوذ والجهر بالقراءة (على الأقل إلى حد سماع نفسه) وتحسين القراءة ، فإن آدابه الباطنة هي الغاية مما يعطيه ظاهر الآداب وظيفتها الحقيقية باعتبارها وسيلة بلوغ الأدب الباطن. من هنا تطابق أعداد آداب الباطن العشرة مع ما يقابلها من آدابه الظاهرة العشرة. وهي:
أولا أصل الكلام، أي التمعن في عظمته. بمعنى رؤية لطف الله في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته. إذ تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات هي صفات البشر. بينما يعجز البشر عن الوصول إلى صفات الله إلا بوسيلة صفات نفسه.
وثانيا، التعظيم للمتكلم. بمعنى أن يفهم بأن القرآن ليس كلام البشر. فباطن معناه مستحكم على باطن القلب بحكم احتجاب عزة الله وجلاله إلا في حالة تطهّر القلب من الرجس. وهو الفعل والحالة التي لا يمكن بلوغها دون نور التعظيم والتوقير.
وثالثا، بحضور القلب وترك حديث النفس. بمعنى أن يكون متجردا له ومنصرف الهمة إليه من غيره.
و رابعا، وهو التدبر فيه. بمعنى تأمله الدائم بعد حضور القلب.
و خامسا، التفهم. وهو استيضاح كل ما فيه من ذكر الصفات والأفعال والأحوال المتعلقة بالأنبياء والمكذبين لهم.
وسادسا، وهو التخلي عن موانع الفهم والتي عادة ما تحدث بسبب حجب الشيطان. فمعاني القرآن كما يقول الغزالي من جملة الملكوت. وكل ما غاب عن الحواس لا يدرك إلا بنور البصيرة. وهو ما يتطابق مع الاهتمام بالشكل دون المضمون (أو الحروف دون المعاني) وحجاب التقليد (إيمان العوام) وحجاب الذنوب والإقرار بالقشر (الظاهر) فقط.
وسابعا، وهو التخصيص. بمعنى أن يقدّر بأن ما في القرآن يقصده هو بالذات، وبأن المرء (الإنسان) هو المقصود في كلام الله. لهذا ردد الكلمات المأثورة عن المسلمين والقائلة، بأن من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله. وأن القرآن رسائل أتتنا من ربنا. وأن القرآن ربيع النبوة وانه لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قام بزيادة أو نقصان.
و ثامنا وهو التأثير. بمعنى أن يتأثر بقلبه فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتعظ به قلبه في الخوف والرجاء والشكر… الخ.
وتاسعا ــ الترقي. بمعنى أن يترقى في سماء الكلام إلى أن يبلغ درجة سماع الكلام من الله. وللترقي درجات، الأولى كأنه يقرؤه على الله واقفا بين يديه، والثانية أن يشهد بقلبه كأن الله يراه ويخاطبه، والثالثة أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات.
وعاشرا وهو التبري. بمعنى أن يتبرأ من حوله وقوته .
من كل ذلك يبدو واضحا بأن الغزالي لم يربط في كلًّ واحد آداب الظاهر والباطن في القرآن فحسب، بل وتحويله إياه إلى مرشد الطريق الأخلاقي من خلال رفعه إلى مصاف الرمز المطلق، أي بلوغ تلك الحالة التي لم يعد فيها الكلام مجرد ما هو قائم بين دفتي الكتاب، بل وتذليلها الداخلي في وحدة المخاطِب والمخاطَب، والحرف والمعنى، والانفعال والمتفاعل، أي بلوغ وحدته المترقية وذروتها في رؤية حقيقة المخاطبة باعتبارها التجلي الحق للحق في الفكرة والوجود (المتكلم والصفات) حتى بلوغ حقيقة الفناء في التوحيد (التبرؤ من الحلول والقوّة).
لقد وظّف الغزالي القرآن بالطريقة التي جعله فيها كتابا للطريق الصوفي أيضا. لأن ما هو جوهري بالنسبة له هنا هو ليس الآيات والسور والكلمات، بل أعماقها الغائرة في ما وراء ظاهرها. فالقرآن هو "البحر المحيط" الذي تتشعب منه "علوم الأوائل والأواخر" . أما التقسيم الذي قدمه للآيات والسور فيقوم في محاولته إبراز ما يمكن دعوته بوحدة المعرفة والأخلاق، ووحدة الكلام الفلسفي والتصوف، أو ما يتطابق في مضمونه مع عبارة "سرّ القرآن". اذ لا يتعدى مضمون هذا السرّ أكثر من كونه "دعوة العباد إلى الجبار الأعلى". فعندما يقّسم سور القرآن إلى قسمين اساسيين يحتويان بمجموعهما على ستة أنواع، نراه يدعو الثلاثة الأولى منها بالسوابق (التعريف بالله، وفكرة الصراط المستقيم، والحال) أما الثلاثة الثانية فيدعوها بالتوابع (تعريف أحوال المحبين والناكثين أو معرفة سرّ الاعتبار والترهيب، وحكاية أحوال الجاحدين أو كشف الحق والباطل، وأخيرا تعريف "عمارة منازل الطريق"). فالسوابق في نوعها الأول (معرفة الله) تشتمل على كل من معرفة الذات في تقديسها (ليس كمثله شيء) ومعرفة الصفات والأفعال. وإذا كانت معرفة الصفات صعبة، فإن معرفة الذات أعسر. أما معرفة الأفعال فهي "البحر المتسع" للمعرفة رغم ترامي أطرافه. إذ ليس في الوجود، كما يقول الغزالي، الا الله وأفعاله. وكل شيء سواه فعله . أما الصراط المستقيم (أو تعريف طريق السلوك) فهو التبتل لله، بمعنى الانقطاع إليه والإقبال عليه والإعراض عن غيره. إذ ليس إلا الله. وهو التجلي المطلق للخير. وذلك ما لا يمكن بلوغه دون الذكر الدائم ومخالفة الهوى وتزكية القلب، أي في الوحدة الدائمة للظاهر والباطن. إذ لا يمكن "السفر إلى الله" إلا في حركة ظاهرية. ولا يمكن بلوغه إياه لأنه لا حركة من جانب المسافِر ولا من جانب المسافَر إليه. فإنهما معا . أما تعريف الحال فليس هو إلا ذكر الروح والنعيم الروحي المتمثل في رؤية الله التي يقابلها في الظاهر (الوجودي) مجرى الغذاء لعموم الخلق، وفي الباطن (الأسرار) مجرى الحياة لخصوص الخلق . أما التوابع فلا يعني قسمها الأول (أحوال المحبين السالكين والجاحدين) سوى إظهار النتيجة الأخلاقية في السلوك والصراع بين الخير والشر. في حين يمثل أحوال الجاحدين الصراع بين الصواب والخطأ، والحق والباطل حول وحدانية الله والنبوة والقيامة، بوصفها القضايا الأساسية لجدله الكلامي والفلسفي وبديلها الإيجابي الذي أشار إليه في (تهافت الفلاسفة). وهو الذي عبّر عنه في مرحلته الصوفية بفكرة أسرار القرآن، أو ما دعاه "بتعريف عمارة منازل الطريق" (القسم الأخير في التوابع). غير أن الغزالي لم يتطرق إلى هذه القضية من منطلقات الروح الأخلاقي الخالص فقط، بل وربطها أيضا بعوالم الاجتماع والسياسة والاقتصاد. ولا تعني وحدة العوالم هذه وربطها هنا سوى وحدة الدين والدنيا، والحقيقة والشريعة، والقرآن والسلطان أو وحدة الروح والفقه، التي ينبغي بناءها على أساس إدراك حقائق القرآن. وهي الحقائق المنتظمة في وحدة أسراره وأعماقه الباطنة. فهي ذات الأعماق التي تصنع تناسق هندستها في الكلّ.
فالقرآن، كما يقول الغزالي، كلّ واحد لا يتعارض باطنه مع ظاهره، وحقائقه مع شرائعه. وهي الكلية التي اعطت له رؤية الإمكانية الدائمة في استمداد ما يمكن استمداده من نماذج التجانس اللائق بالكلّ. أما في الواقع فقد كانت هذه الكلية التعبير المناسب عن وحدة الديني - الثقافي في عالم الاسلام، أي وحدة النص القرآني كما هو ووحدته الثقافية، باعتباره المرجع الأكبر والمصدر الأول لدينها ودنياها. ففي هذه الوحدة كانت تكمن على الدوام إمكانية إعادة ترتيب "المعاني غير المتناهية" بالشكل الذي يمكنها أن تكون استجابة لوعي المجاهدة في حلولها. وقد قدم التاريخ الإسلامي في مختلف ميادينه الاجتماعية والسياسية والعلمية المادة المتنوعة في نماذجها لما يمكنه أن يكون أسلوبا في تعميق الرؤية وحلولها، أي كل ما يمكنه ان يكون "حقائق" منتظمة ومتضمنة في الأسرار. وهو الأسلوب الذي وجد نموذجه الأرقى في وحدة الظاهر والباطن وتباين درجات إدراك حقائق الأسرار القرآنية.
إن جوهر القرآن وحقيقة أسراره لا تقوم في ظاهره. فالظاهر يبقى في أفضل الأحوال مجرد قشور وصدف وكسوة. إذ ليس ظاهره في الواقع سوى ما له علاقة بلغته وحروفه لا حقيقته ومعناه. فالعربية باعتبارها لغة ليست هي في نهاية المطاف سوى قشرة. أما النحو فهو صدف بينما القراءات كسوة. ولا يعني ذلك انتقاصه من اللغة بشكل عام والعربية بشكل خاص. على العكس! لقد كان ذلك مجرد وضع حقائق الأشياء في محلها. وبهذا يكون الغزالي قد حّجم الأثر الفاعل لقشور المعرفة عبر وضعها وجها لوجه أمام حقائقها. انه أراد انتزاع شوكة الفقهاء والمفسرين الخشنة، والتي وجدت في "براعتها" اللغوية مصدر قوتها في الكشف عن "معجزة" القرآن. أما انتهاك الغزالي لحرمة المفسرين والفقهاء في لغتهم، فإنها تكشف عن انه أراد تحطيم الأسوار التي احتمت بها وتحّصنت المعرفة المسطحة والضيقة. في حين جرى ترك وإهمال القيم الجوهرية في القرآن وإمكانية استمداده الروحي بما يتوافق مع متطلبات الزمن. لقد أراد الغزالي القول بأن معجزة القرآن لا في أصواته اللغوية وحروفه العادية، بل في حقائقه. وهذه بدورها لا يمكن حجرها وتحجيرها في الكلمات ونحوها وقراءتها، بل في مجاهدة بلوغها من خلال التعمّق في أسرارها ووحدة كلّها الروحي.
الأمر الذي حدد موقفه من موقع علوم الظاهر في "هرمية" المعرفة الحقة للقرآن. فعِلم المقرئ لا يتعلق، كما يقول الغزالي، إلا بصحة المخارج. في حين يختص علم لغة القرآن بترجمة القرآن وما يقاربه من علم غريب الفاظه. بينما يهتم النحو بإعراب اللغة. أما علم القراءات فيتعلق بوجوه الإعراب وأصناف هيئات التصويت، وكل ما يشكل أساس علم التفسير الظاهر باعتباره أرقى علومه. غير إن ذلك لا يعني امتهان الغزالي لعلوم الظاهر بقدر ما انه وضعها في موقعها المناسب وحقيقة ارتباطها بالباطن. فهي "المقدمة" المادية والتجريبية للباطن. لهذا شبهها بالقشرة من حيث أن لها وجهاً للظاهر وآخر للباطن. الامر الذي حدد "تجاهله" لقضية خَلقْ القرآن باعتبارها قضية أثارها جدل الظاهر في خضوعه للقرآن كحروف وأصوات . في حين أن حقيقته تقوم في أسراره. كل ذلك حدد نظرته إلى كلية القرآن باعتباره قرآنا للوجود الإنساني في مظاهره غير المتناهية. من هنا جوهرية ما اسماه بمعرفة اللباب فيه، باعتبارها المقدمة الضرورية لإدراك حقائقه غير المتناهية.
إن ما يدعوه الغزالي بعلوم اللباب وطبقاته الأربع ما هي في الواقع سوى درجات تطوره المنفية في مفاهيمه اللاحقة. فالطبقة الأولى هي طبقة معرفة قصص القرآن وما يتعلق بالأنبياء والجاحدين لهم، وكل ما يمكنه أن يؤصل لأسس التربية الروحية الأولية. أما الطبقة الثانية فهي تلك التي يختص بها علم الكلام والمتكلمون في محاججتهم للجاحدين، بالدفاع عن إيمان الظاهر. وكل ما مارسه هو نفسه في (تهافت الفلاسفة) و(المستظهري أو فضايح الباطنية) و(حجة الحق) و(مفصل الخلاف) و(محك النظر في علم المنطق) وغيرها من الأعمال . أما الطبقة الثالثة فهي التي تتعلق بما انبثق من القرآن من علم الحدود (الفقه) للاختصاص بحياة الأمة الاجتماعية والسياسية والحقوقية. أما الطبقة الرابعة فتقوم في معرفة الله وسبل الوصول إليه . إن هذا التطابق بين التاريخي والمنطقي في فكرة الغزالي هو الذي تدفعه الثقافة في مساعيها لبلورة تآلف الوحدة الإصلاحية في نماذجها الممكنة. وهي الفرضية التي تنفي من حيث مقوماتها أسس الاتهام المذهبي الضيق في مواقفه من شخصية الغزالي وإبداعه النظري باعتبارهما نتيجة للسلفية السنّية (التقليدية). وذلك لأن آراءه تكشف في جوهرها عن تناوله الجديد لأهمية القرآن باعتباره المصدر الروحي للبديل الكلي، والذي حاول التنظير له في "برنامجه" الإصلاحي.
فالقرآن الحق هو القرآن الذي يجرى إعادة فهمه على الدوام بما يتطابق مع حقائق أسراره التي يجري اكتشافها في فعل المجاهدة (الذاتية والاجتماعية)، أي اكتشاف الصلة الدائمة بين اللانهائي (في القرآن) والنهائي في المنظومة الفكرية المعاصرة. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام التثوير الدائم للفكرة في نصوصها، والنصوص في افكارها بالصيغة التي تحرر ذاتها من احتواء وسيطرة السلفية الظاهرية (الدولة وخدمها)
لقد حددت هذه النتيجة فكرة الغزالي العميقة وموقفه من لانهائية الكلام الإلهي باعتباره الكلام الحاوي على "علوم الأولين والآخرين". فهي الفكرة التي تضمنت في آن واحد إمكانية إدراج علوم الأوائل والأواخر في فلك تأملها الدائم وفسح المجال أيضا أمام الإمكانية غير المتناهية للمعرفة. ومن هنا محاولته إزالة الخلافات الممكنة بين القرآن واستنتاجات العلوم الطبيعية (كالطب وعلم النجوم وهيئة العالم والبدن) بما في ذلك تلك التي "لا يتوقف صلاح المعاش والمعاد عليها". وكذلك الإقرار بما يمكن اكتشافه من العلوم اللاحقة. فهو يشير إلى أن "وراء ما عدده علوماً أخرى يعلم تراجمها ولا يخلو العالم عمن يعرفها ولا حاجة إلى ذكرها. بل أقول ظهر لنا بالبصيرة الواضحة التي لا يتمارى فيها إن في الإمكان والقوة أصنافا من العلوم بعد لم تخرج من الوجود. وإن كان في قوة الآدمي الوصول اليها" . إذ ليس القرآن هنا سوى "بحر واحد من بحار معرفة الله" وهو "بحر الأفعال". وهو الأسلوب الذى حاول من خلاله الوصول إلى درجة اللب، وبالتالي الكشف عن غير المتناهي في النهائي والباطن في الظاهر من خلال وحدة الملك والملكوت أو الشهادة والغيب. إذ ما من شيء في عالم الملك والشهادة، كما يقول الغزالي "إلا وهو مثال لأمر روحاني من عالم الملكوت، كأنه هو في روحه ومعناه. وليس هو في صورته وقالبه. والمثال الجسماني من عالم الشهادة مندرج إلى المعنى الروحاني من ذلك العالم. ولذلك كانت الدنيا منزلا من منازل الطريق إلى الله ضروريا في حق الانس. إذ كما يستحيل الوصول إلى اللب إلا عن طريق القشر، فيستحيل الترقي إلى عالم الأرواح إلا بمثال عالم الأجسام" ، أي من خلال الوحدة المرنة، التي يدعوها بالموازنة بين عالم الملك والملكوت، والمادي والروحي، والزائل والأبدي، والفردي والاجتماعي، أي وحدة الكلّ التي يمكن العثور على مثالها في القرآن.
***








لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,230,278,093
- القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي في فكر الغزالي(1)
- الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي (2)
- الغزالي والصراع الأشعري- المعتزلي(1)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(3-3)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(2-3)
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي (1-3)
- بارتولد - المستشرق الروسي الكبير
- ابن خلدون. من التجارب السياسية إلى الفكرة النظرية
- عبد الحميد الزهراوي(1855-1916) ونقد الاستبداد والاستعباد(6).
- عبد الحميد الزهراوي(1855-1916) وتأسيس الفكرة القومية الجديدة ...
- عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وفكرة التربية السياسية والرو ...
- عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وإشكاليات التنوع والاختلاف و ...
- عبد الحميد الزهراوي ((1855-1916) الواقعية والعقلانية في الفك ...
- عبد الحميد الزهراوي والفكرة العربية السياسية
- المثقف الكبير التزام روحي دائم
- البحث عن عقلانية إنسانية عربية
- الفكرة الإصلاحية وإشكاليات الإصلاحية الإسلامية
- عبد الكريم كاصد - إشكالية الروح والمعنى
- محمد رسول الإرادة
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا(5)


المزيد.....




- -أنصار الله- تتهم التحالف العربي باستهداف جوي أوقع 5 قتلى في ...
- مقتل جمال خاشقجي: بايدن يعلن عن بيان لإدارته حول السعودية في ...
- نائب رئيس الوزراء الروسي: عقد اجتماع لمجموعة العمل الثلاثية ...
- الدفاع المدني السعودي يكشف الأضرار الناجمة عن استهدف الرياض ...
- الحرب في اليمن: السعودية تقول إنها أحبطت -هجوما صاروخيا حوثي ...
- أمريكا تجيز استخدام لقاح -جونسون آند جونسون- للبالغين فقط
- كورونا المتحور يهدد الولايات المتحدة بموجة تفش جديدة
- الهند.. الديك -رجا- يمثل أمام القضاء بتهمة قتل صاحبه بنصل حا ...
- تونس.. إحباط 7 عمليات اجتياز للحدود البحرية باتجاه إيطاليا
- بايدن يرحب بإجازة الاستخدام الطارىء للقاح -جونسون أند جونسون ...


المزيد.....

- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي
- صيرورة الإنسان العاقل (منعرجات تطور الجنس البشري) / مصعب قاسم عزاوي
- أسرار الدماغ البشري / مصعب قاسم عزاوي
- الفلسفة الأوروبية نهاية القرون الوسطى / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الغزالي:القرآن- القطب الروحي للكلّ الإسلامي(2)