أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رشيد الحيريش - أسطورة الإطار















المزيد.....



أسطورة الإطار


رشيد الحيريش

الحوار المتمدن-العدد: 6191 - 2019 / 4 / 4 - 18:52
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يختلف الفلاسفة حول ماهية المنهج العلمي، كما يختلفون حول أي مسألة فلسفية أخرى، فمنهم من يعتقد بوجود منهج علمي، ومنهم من يعتقد بعدم وجود منهج علمي، ومنهم من يؤمن بأن المنهج العلمي يستدعي الاختبار،من خلال هذا يأتي أحد أبرز الفلاسفة المعاصرين "كارل بوبر"بفلسفته النقدية محاولا إعطاء نموذج جديد للعلم، حيث يعتبر أن النظريات العلمية مجردة طبيعتها، ومن الممكن اختبارها.فقط من خلال نتائجها، وأن النظريات العلمية كما المعارف الإنسانية بشكل عام، هي فرضيات مصدرها الخيال الإنساني الخلاق، وهدفها حل المشاكل الفكرية،كما يؤكد كارل بوبر "أن التاريخ العقلي للإنسان له جوانبه المحبطة، كما أن له جوانبه المبشرة، إذ لا يمكن تماما أن ينظر إليه المرء من حيث هو تاريخ للتشبث بالانحياز، والحقيقة القاطعة"الدوجما" مما يقترن غالبا بانعدام التسامح وبالتعصب، بل ويمكن وصفه بأنه تاريخ لتعاويذ الهوس الديني أو شبه الديني "ينطلق كارل بوبر إلى تقد ورفض جوانب العلم الحديث مند عصر النهضة، خصوصا مند فرنسيس بيكون التي كانت حركته التي دشنها ما هي إلا حركة دينية أو شبه دينية، معلنا بذلك العقيدة العلمانية للعلم، حيث استبدل اسم الطبيعة محل اسم الرب.وأن الطبيعة وفقا لبيكون حاضرة بقوة في جميع الأشياء،إلا أن كارل بوبر يرى هذا التصور متهافتا وساذجا بقوله"ولسوء الطالح لم يظفر بيكون بالمنحة الكبرى التي كان يتطلع إليها، لم يتحقق بعد التأسيس العظيم،ونتيجة لهذا. يؤسف القول إن العلم بالطبيعة لا يزال غير مكتمل" على غرار أن هناك من يعتبر بيكون المبشر العظيم بعقيدة العلم الجديدة، إلا أن كارل بوبر يعتبره ليس عالما، لأن لاهوت الطبيعة الجديد عنده ذو تأثير على معاصره جاليليو الذي اعتبره كارل بوبر بأنه المؤسس الحقيقي للعلم التجريبي الحديث، في حين أن رأي بيكون الساذج الذي حاول أن يميز ويفرق بين العلم الطبيعي الجديد من ناحية واللاهوت والفلسفة العتيقين من الناحية الأخرى ، قد أصبح معتقدا قاطع {الدوجما} لعقيدة العلم الجديدة .إن كارل بوبر يرفض هذه الدوجما التي يؤمن بها بيكون، والتي أطلق عليها بوبر"اسم مذهب الملاحظة" وعلى هذا الأساس يشرح كارل بوبر أهم جوانب ماهية منهج العلم الجديد بالطبيعة، أي المنهج الذي يميز به بيكون بينه وبين اللاهوت القديم والفلسفة الميتافيزيقية كالآتي: بما أن الإنسان تغريه النتائج السريعة (أي انه إنسان عجول) فإنه يقفز إلى الاستنتاجات ، على حسب كارل بوبر فإن هذا هو ما يسميه بالمنهج التأملي العتيق الطالح ، وهو منهج زائف (يقصد منهج الإست باقات لبيكون) لأنه يوقعنا في الانحياز ، باعتبار هذا المصطلح صاغه بيكون نفسه ، زد على ذلك اعتبار كارل بوبر المنهج الجديد لبيكون الذي وصفه بالخرافة إذ يقول بوبر في هذا الصدد "يجب أن ننقي عقولنا من كل انحياز ، من كل الأفكار المسبقة ومن كل النظريات _كل تلك الخرافات أو الأوثان" ويرد على بيكون بأن نطهر عقولنا الخالصة من هذه الانحيازات والشوائب الراسبة في عقولنا ، في حين حسب بوبر يجب أن نمتلك القدرة على تفتح عيوننا أي أن نلاحظ بعناية بتسجيل ملاحظاتنا بدقة ، بدون سوء تأويل أو تشويه لهذه الملاحظات ، وبالتالي يمكن أن تتكشف أمامنا طبيعة أو ماهية الشيء الملاحظ. باختصار هذا هو منهج الملاحظة والاستقراء حيث يقول بوبر "وإيجاز شديد له نقول الملاحظة الخالصة النقية صالحة، الملاحظة الخالصة لا يمكن أن تخطئ ، التأملات والنظريات طالحة ، وهي مصدر كل خطأ ، إنها بمزيد من التعيين تجعلنا نسيء قراءة كتاب الطبيعة ، أي نسيء تأويل ملاحظاتنا " لقد انتقد بوبر رؤية بيكون للعلم المضادة للتنظير ، خصوصا الفكرة القائلة أننا نستطيع أن نجنب عقولنا من الانحيازات حيث نتخلص من كل الأفكار والنظريات المسبقة ، هذا الطرح يعتبره بوبر ساذج وخاطئ . فدائما هناك في أفكارنا من خلال البحث العلمي جوانب من الانحيازات ، وبالتالي فمقولة " تطهير أنفسنا من الانحيازات " ليس لها إلا نتيجة خطيرة ، لأننا قد نعتقد أثناء المحاولة بأننا نجحنا ، وبالتالي نسقط في التشبث بانحيازاتنا وعقائدنا القاطعة ، خصوصا تلك التي لا نعي بها .لأن مبدأ الملاحظة التجريبية ، هي تأويل للوقائع في ضوء نظرية أو أخرى ، وهذه هي مشكلة بيكون ، شأنه شأن بعض الأمثلة التي أوردها بوبر في نقده لمنهج الملاحظة والاستقراء ، بنقد أتباع ماركس وفرو يد اللذين يؤمنون إيمانا جازما بصواب نظرياتهم حول ما قدموه ، ويرفضون أن يتزحزحوا عن هذه النظرية ، فالنظرية الماركسية القائلة إن تاريخ الإنسان تاريخ للصراع الطبقي ، أي الصراع القائم بين البروليتاريا القويمة والرأسمالية الآثمة والمثال الآخر الذي أدرجه بوبر هو المدرسة الفرويدية أي الانطلاق من الملاحظة الإكلينيكية واعتبر كارل بوبر هذه الملاحظة أنها تخضع للتأويل ، وبالتالي لا يمكن أن تدعم النظرية العلمية ، لأنها نظرية ليست تجريبية أصلية، أو قائمة على الملاحظة ، وهذه هي الصعوبة التي استشعرها بيكون . واختلق المهرب الوحيد الذي استطاع أن يقترحه، وهو التنفيذ بأن نطهر عقولنا من كل النظريات ونلتزم بالملاحظة الخالصة، ينتقل بوبر لطرح بعض مشكلات العلم ودورها في نموه عن طريق استحضار قول بيكون(بأن العلم يبدأ بالملاحظة) يقول بوبر "هذا القول جزء متمم للعقيدة البيكونية، ولا يزال مقبولا على نطاق واسع، ويتكرر إلى حد يثير الغثيان حتى في مقدمات بعض من أفضل الكتب الدراسية في مجال العلوم الفيزيائية والبيولوجية" وعلى هذا النحو يمكن القول إن العلم يبدأ من النظريات من الانحيازات، والخرافات والأساطير، وبالتالي فإن بوبر يعتبر أن العلم يبدأ بمشكلات، مشكلات عملية أو نظرية من ناحية، عندما نتطرق لمشكلة علمية يطرح بوبر أننا نعمل بنوعين من المحاولات.التخمين أو حدس افتراضات، تجعلنا نكتشف حلا لمشكلتنا، ثم بعدها ننقد هذه الحلول التي تكون واهية، وأن في بعض الأحيان قد يصمد تخميننا أو حدسنا الافتراضي أمام النقد الموجه لهذه الافتراضات التجريبية لفترة من الزمان، ولكن بوبر دائما يترك إمكانية محققة لتفنيد هذه الافتراضات، باعتبارها لا تحل مشكلاتنا أو يمكن أن تحل بعضها"وهكذا يجوز القول إن معرفتنا تنمو بانتقالنا من مشاكل قديمة إلى مشاكل جديدة بواسطة
الحدوس الافتراضية والتفنيدات، بواسطة تفنيد نظرياتنا، أو بوجه أعم تفنيد توقعاتنا، وأفترض أن بعضا منكم سوف يوافق على أننا نبدأ عادة من مشكلات، ولكن لعلكم مازلتم تعتقدون أن مشكلاتنا لا بد من أن تكون نتيجة للملاحظة والتجربة، مادام عقلنا_قبل أن يتلقى أي انطباعات عن طريق الحواس_يكون صفحة بيضاء، لوحة ملساء خالية. خامة فارغة، ذلك أنه لا شيء في ذهننا لم يدخله عن طريق حواسنا" إذن بوبر ينطلق من المشكلات ليصوغ لنا نظريته العلمية، باعتبار أن الإنسان يولد بعادات توقعية تكون عادة لا شعورية، أي أننا نملك معرفة مسبقة نبدأ منها. وهي التي تخلق أولى مشكلاتنا، وبالتالي يعتبر بوبر أن نمو المعرفة يتشكل من خلال تعديل المعرفة السابقة(التوقعات أو الفروض السابقة) هكذا كما يعتقد بوبر أنه قد أقلب المنضدة على أصحاب منهج الملاحظة اللذين يعتقدون أن الملاحظة تسبق التوقعات والمشكلات، ويقر بوبر أن الملاحظة بشكل منطقي لا يمكن أن تسبق كل المشكلات، ويعزز هذا الطرح بتجربة بسيطة "والآن يمكن إيضاح هذه الواقعة، أن الملاحظة لا يمكن أن تسبق كل المشاكل عن طريق تجربة بسيطة أود أن أجربها، بأن أترككم مع أنفسكم، بوصفكم موضوعات للتجريب، تجربتي هي أن أطلب منكم أن تلاحظوا. هنا والآن. آمل أن تتعاونوا جميعا وتلاحظوا، لكني أخشى من أن بعضا منكم، بدلا من أن يلاحظ، سوف يشعر برغبة ملحة في أن يسأل "ما الذي تريدنا أن نلاحظه؟" فإذا كانت هذه استجابتنا، فقد نجحت تجربة بوبر، إن المستفاد من هذه التجربة هو توضيح أنه لكي نلاحظ فلابد أن يكون في ذهننا سؤال مسبق نستطيع أن نفصل به القول عن طريق الملاحظة، وغرض بوبر من هذا ليس الاقتناع بأطروحته، ولكن ليبين أنه قد يوجد بديل لمقولة أن المعرفة العلمية تبدأ من الملاحظة، بل بالأحرى أن نقول أن معرفتنا تنطلق من الإحساس أو المعطيات الحسية ويرفضه أيضا كارل بوبر باعتبارها تشكل قطاعا معتبرا من الفلسفة أو بوجه أدق الابستملوجيا. والآن لنلقي نظرة على الطريقة التي يتعرف بها بوبر عن مشكلة معينة، حيث يبدأ من صعوبة أو مشكلة نظرية أو عملية، وأننا حيث نواجه هذه الصعوبات للوهلة الأولى، فإننا لا نعرف الكثير عنها، وأن في كثير من الأحيان نملك فقط فكرة مبهمة عما تكون عليه المشكلة في الواقع، لأننا يجب أن نتعرف على المشكلة بصورة أفضل هنا بوبر يقدم إجابة في غاية البساطة، وهي إعطاء حل غير مناسب، ثم ننتقد هذا الحل، وبهذه الكيفية قد نقترب من فهم المشكلة، لأن فهم المشكلة يؤدي إلى صعوبة الحل، استكشاف أوضح الحلول وطرح سؤال لماذا تفشل؟ بهذه الطريقة حسب بوبر قد نقترب إلى أفضل الحلول، شريطة أن يكون لدينا دائما القدرة على انتظار المستجد، هذا المنهج يسميه بوبر "منهج الإقدام على حل المشاكل عن طريق استبعاد الخطأ" المقصود منه في آخر المطاف هو معالجة المشكلة وتتطلب مواجهتها عن طريق محاولة جادة للحل، أي أن نستبين تشعبات المشكلة، ومشاكلها الفرعية، وربطها بمشكلات أخرى . وتبقى هذه الاختبارات التجريبية جزء من المعالجة النقدية للمشكلة، أي الظفر بمعرفة عن هذه المشكلة بالتعرف عليها بشكل فعلي حينها تتضاعف فرصنا لكي نجد حلولا كاشفة واضحة، ويشترط في هذا كما أكد بوبر هو أن نحاول حل المشكلة وأن نفشل، وبالتالي نبدأ في تفهم مشكلتنا، حينما نكتشف أننا توصلنا إلى حل واضح. إن النظرة التي يرى بها بوبر العلم تكاد تكون الانطلاق من مشكلات وتنتهي بمشكلات في صراع يجعل العلم يتقدم، أيضا يجب على العالم الفرد بأن يسلك نفس الطريق أي أن يبدأ بمشكل وينتهي بمشكل حتى يتأتى له أن يفهم المشكل ويغيره، شريطة أن يكون العالم منتبها للتغيرات والتحولات، لأن صياغة المشكل يكشف لنا الحل، إن رؤية بوبر للعلم تجعله يكتشف أهمية ومغزى المشكلات في نظرية المعرفة العلمية، لأن نظرية المعرفة تواجه تناقض ظاهري، ويوضحه بالتصادم بين أطروحتين قدمهما:"الأطروحة الأولى معرفتنا شاسعة ونافذة، إننا نعرف تفاصيل ووقائع لا حصر لها ذات أهمية عملية، ليس فحسب بل نعرف أيضا العديد من النظريات والتغييرات التي تهبنا استبصارا عقليا مدهشا بالأشياء الجامدة والحية، بما في ذلك نحن أنفسنا، والمجتمعات الإنسانية.
الأطروحة الثانية: جهلنا بلا حدود وسابغ كل جزئية جديدة من جزئيات المعرفة حين نكتسبها تفتح أعيينا أكثر على ترامي أطراف جهلنا، كلتا الأطروحتين صادقتان، والتصادم بينهما خاصية تميز موقفنا المعرفي، إن التو ثر بين معرفتنا وجهلنا حاسم بالنسبة لنمو المعرفة، إنه يلهم يتقدم المعرفة ويرسم حدودها المتحركة دوما" من خلال هاتين الأطروحتين نستخلص بان المشكلة قد تحل محل التوتر، ويجدر بنا أن نتعلم من هذا التوتر، لأن المشكلة كما سبق الذكر تنمو وتصبح ذات مغزى من محاولاتنا الفاشلة لحلها، بمعنى أننا عندما نشرع في معرفة مشكلة معينة، فيجب أن نستفيد ونتعلم من أخطائنا، حين تكون هذه العملية صالحة للمعرفة قبل أن تكون علمية، وتنطبق على المعرفة العلمية أيضا، ويمكن إجمال أو اختزال نظرية بوبر لمنهج العلم في ثلاث خطوات أولا: أن نبحث عن مشكلة. ثانيا: محاولة حل هذه المشكلة عن طريق اقتراح نظرية معينة على سبيل المثال. ثالثا: التعلم من أخطائنا. وبالتالي يصبح لدينا حسب بوبر مشكلات، نظريات، نقد. وهذه الكلمات يمكن أن تجمل إجراءات العلم العقلاني بأسرها، خلاصة القول يقترح بوبر أن يتراجع السؤال حول قبول النظريات إلى مرتبة مشكلة صغرى إذن يجب أنن نتعامل مع العلم كنسق متنام من المشكلات، عوض النظر إليه كنسق من المعتقدات، لأنه ثمة هناك عدد لا يحصى على الدوام من الحلول الممكنة من ناحية المنطق لكل مشكلة، وهذه واقعة حاسمة بالنسبة لفلسفة العلم، ولهذا فعلى العلماء أن يستفيدوا من الخيال والأفكار الجسورة ، يجب أن لا نتوقف عند العلم باعتباره منحصر في تأسيس تضايقات بين ما نلاحظه من أحداث أو ملاحظات بل يجب أن نكتشف عوالم جديدة خلق عالم الخبرة العادية.

لقد رأينا في المحور الأول أن كارل بوبر انتقد بشدة منهج الملاحظة والاستقراء، خصوصا فرانسيس بيكون، وبعض المدارس والتوجهات التي تعتقد أن قوالبها الفكرية كاملة وصحيحة إلى حد ما، وبعد هذا الانتقاد يأتي كارل بوبر بمنهج أو معيار يميز به بين النظريات التجريبية والنظريات اللاتجريبية، التي أطلق عليها "معيار القابلية للتكذيب أو معيار القابلية للتفنيد"وهذا لا يعني أن النظريات غير القابلة للتفنيد كاذبة، وأنها لا تحمل أي معنى، كما يمكن أن نطلق على معيار القابلية للتفنيد أو القابلية للتكذيب، معيار القابلية للاختبار، أي اختبار النظريات، كاختبار جزء من آلة ميكانيكية، قصد محاولة كشف العيب الذي تتضمنه، مادام أي نظرية نعرف أنه لا يمكن تبيان العيب فيها أو دحضها، فهي نظرية غير قابلة للاختبار، وهنا يستحضر بوبر أمثل عديدة لنظريات في تاريخ العلم غير قابلية للاختبار في مراحل معينة، لكنها مع مرور الوقت أصبحت قابلة للاختبار مثل نظرية النيوترينو "كان من الواضح أنه لا يمكن اختبار هذه النظرية حيث طرحها باولي . أولا بل قيل ذات مرة إن النيوترينو قد ثم تعريفه بحيث لا يمكن اختبار النظرية، وبعد ذلك بحوالي ثلاثين عاما. لم نكتشف أنه يمكن اختبارها، فقط بل أيضا أنها اجتازت الاختبار بنجاح عظيم وينبغي أن يمثل هذا تحذيرا لأولئك الذين يجنحون إلى القول إن النظرية غير القابلة للاختبار هي نظرية خلو من المعنى (وهذا نسب إلي كثيرا ولكن عن طريق الخطأ)، أو إنها بلا مغزى معرفي" ويعتبر معيار القابلية للتكذيب من أولى مراحل حل مشكلة بيكون، وهذه المرحلة تقطع خطوة بأن يسأل العالم الذي يدعي أن الملاحظة أو التجربة تدعم وتؤيد نظريته"هل نظريتك قابلة للتفنيد؟ وماهية التجربة أو الملاحظة التي قد تتوقعها كتفنيد لها. فإذا كانت الإجابة عن هذين السؤالين مرضية، حينها يمكن استئناف السير لقطع الخطوة الثانية في حل مشكلة بيكون. وهي إمكانية قبول الملاحظة أو التجربة كدعم النظرية فقط إذا كانت هذه الملاحظة والتجربة اختبارات قاسية للنظرية، أي إذا كانت قد قطعت محاولات جادة لدحض النظرية، خاصة محاولة كشف العيب حين نتوقعها في ضوء معارفنا، بما فيها النظريات المنافسة. إن اتفاق النظرية والملاحظة لا يعد شيء ما لم تكن النظرية قابلة للاختبار، ما لم يكن أيضا التوافق قد توصل إليه عن طريق المحاولة الجادة لاختبار النظرية، قصد إيجاد نقاط الضعف فيها. أي محاولة تفنيدها وتكون النظرية قابلة للاختبار فقط إذا كانت قابلة للتفنيد، ويذكر بوبر بعض الأمثلة منها مدرسة التحليل النفسي التي يمكن أن تصبح قابلة للتكذيب في حالة أنكر فيها الحديث الفعلي لأشكال من السلوكيات الإنسانية ممكنة، أيضا يذكر بعض النظريات القابلة للاختبار لأعلى درجات مثل نظرية نيوتن في الجاذبية لأنها تتنبأ بانحرافات معينة عن المدارات الكوكبية عند كبلر، ويمكن تفنيد هذا التنبؤ أيضا نظرية أينشتين في الجاذبية، هي الأخرى قابلة للاختبار لأعلى درجات لأنها تقوم بتنبؤات لانحرافات معينة عن المدارات الكوكبية عند نيوتن، وهذا التنبؤ يمكن تفنيده، كذلك هذه النظرية تتنبأ بانحناء أشعة الضوء وتباطؤ السرعات الذرية في مجالات الجاذبية القوية، وهذه التنبؤات يمكن تفنيدها. ويذهب بوبر في إعطاء هذه الأمثلة إلى القول "إن النقد هو الوظيفة الحاسمة للملاحظة والتجربة في العلم، لا يمكن للملاحظة والتجربة أن يؤسسا أي شيء بصفة نهائية، لأن ثمة دائما إمكان الخطأ النظامي من خلال سوء التأويل النظامي لهذه الواقعة أو تلك، على أن الملاحظة والتجربة يلعبان بالتأكيد دورا مهما في المناقشة النقدية للنظريات العلمية، وأساسا يساعداننا في استبعاد النظريات الأضعف، وبهذا يسبغان فقط في الوقت الحاضر تأييدا على النظريات الراهنة أي على النظريات التي خضعت لاختبارات عسيرة، لكن يتم تفنيدها" إن نظرة العلم الحديث التي ترى النظريات العلمية أساسا فرضية أو حدسية، لا نقدر أبدا الجزم بأنها قد لا تصلح، ويحل محلها اقتراب تقديري أفضل، ويعتقد بوبر أن هذه النظرة للعلم ناجمة عن الثورة الأينشتينية، فهو يعتبر أن ليس هناك نظرية أنجح ولا تعرضت لاختبارات أفضل من نظرية نيوتن، في الجاذبية، ويمكن نجاحها في تمكينها من تفسير كل من الميكانيكا الأرضية والميكانيكا السماوية، وواجهت أقسى الاختبارات في المجالين على مدى قرون عديدة، وهذا كان معتقد الناس، وبأنها صادقة بحكم التعريفـ، وبهذا النسق ستظل الركيزة الثابتة للفيزياء حتى نهاية بحث الإنسان عن الحقيقة، واعتقد بوان كاري في هذا الصدد على الرغم من واقعة مفادها أنه أرهص فعلا بنظرية آينشتين في النسبية الخاصة، ويذكر بوبر هذا ليلقي الضوء على السلطة التي فرضتها نظرية نيوتن، والسؤال المطروح هو ما إذا كانت نظرية آينشتين في الجاذبية هي تعديل لنظرية نيوتن كما هو مألوف لدى الفيزيائيين، لكن كارل بوبر تعتقد أن هناك واقعة تنبث أن هناك نظرية بديلة تفسر كل ما حاول نيوتن تفسيره إضافة إلى أن قضايا كثيرة، تجاوزت على الأقل واحد من الاختبارات الحاسمة التي كانت فيه نظرية نيوتن فشلت في اجتيازها. هذه الواقعة تحجز وتقوض ركائز المكانة الرئيسية في هذا المجال التي احتلتها نظرية نيوتن، بهذا يمكن اعتبار نظرية نيوتن مجرد حدس افتراضي ناجح، فرض ينافس فروضا أخرى، وبذلك قوضت نظرية آينشتين ثوابت نظرية نيوتن بما يمكن أن نسميه المذهب السلطوي في العلم، إن الدور الذي تلعبه الفروض في العلم يماثل تلك الفترة التي كانت فيه الديانة العلمانية للعلم حيث تدعي السلطة الكاملة، فقد اعتقدوا أن العلم بنيان من المعارف حيث لا تكون فروض بل نظريات ثابتة مثل نظرية نيوتن، وفي هذا الصدد يذكر بوبر قصة يحكيها ماكس بلانك حينما كان شابا يافع طموح" حاول فيزيائي لامع أن يثني عزمه عن دراسة الفيزياء بملحوظة مفادها الفيزياء على وشك الوصول إلى اكتمالها النهائي، ولم يعد ثمة أي اكتشافات عظمى يمكن إحرازها في هذا المجال" من خلال هذه القصة يزعم كارل بوبر بانتهاء حقبة العلم السلطوي الذي يفرض معارفه، ويفترض حصول هذا القطع مع السلطة في العلم بفضل الثورة الآينشتينية لأن آينشتين شخصيا لم يدعي أو يتمسك بأن نظريته العامة كانت صادقة، على الرغم من اعتقاد آينشتين بأن نظريته مجرد اقتراب تقديري من الصدق لكن يفوق الاقتراب التقديري لنظرية نيوتن، إن ما يميز اينشتين هو انه منذ مستهل البداية كان واضحا بشأن الخاصية الحدسية الافتراضية الأساسية في نظرياته، وكما سبق وقال بوبر بأن كانت المطالبة بالسلطة للعلم جزءا من عقيدة العلم قبل آينشتين، إن ذكر بوبر لبعض الوقائع التاريخية، يأمل بأن يحصل التشديد على أن التغيير من النظرية السلطوية للمعرفة العلمية إلى نظرية ضد السلطوية، وتفسر أيضا لماذا تحصل النظرة القائلة، إن المنهج العلمي والمنهج النقدي والفحص للحدوس الافتراضية لازال البعض يعتقد أنها خطرة وغير ملائمة للعلوم التجريبية، أيضا لماذا لازال الكثيرون يعتقدون أن ما هو قائم على العمل المعملي له منزلة عليا أكثر من منزلة الفروض، إن وجهة نظر كارل بوبر تسعى إلى صياغة فلسفة علمية، وتوجيه العلم إلى التطور، وذلك من خلال التوجيه من داخل البنية، والانتخاب بين النظريات أو الفروض. ومنه فإن بوبر يعتقد أنه لا نستطيع توقع مستقبل محدد أو هدف نهائي للعلم، كما أن الحديث عن حقيقة معينة يصبح شيء شبيه بالإمساك بالماء، فالمعرفة كلها فرضيات متتالية، وبه فإن العلم يتطور ويتقدم عبر عملية مستمرة من تفنيد الادعاءات، سواء كانت حدوسا جديدة أو نظريات قائمة بالفعل كما يتقدم التطور إلى الأمام عبر الانتخاب أي نبذ التكيفات الرديئة واستمرار الجيدة، ويأخذ بوبر مثالا في الكيمياء "قبل اختراع الماء الثقيل، إذا سألت أي كيميائي تجريبي عن أكثر فروع الكيمياء رسوخا أي الأقل تعرضا لأن تطيح به أو تصوبه كشوفات ثورية مستجدة ففي حكم اليقين سيقول، كيمياء الماء، واستخدام الماء بالفعل في تعريف إحدى الوحدات الأساسية في الفيزياء وهي الجرام ليشكل جزءا من نظام السنتمتر ـالجرام ـالثانية واستخدام الهيدروجين والأوكسجين كأسس نظرية وعملية لتحديد كل الأوزان الذرية " فلقد جعل اكتشاف الماء الثقيل غير المتوقع من زعزعة كل هذا الزعم، أما المثال الذي أعطاه بوبر في الفيزياء وهو الأكثر حداثة"تصدع التماثل"، وتعتبر واحدة من الحالات حيث يتبت في النهاية أنه ثمة مجموعة من الجم من الملاحظات (صور فوتوغرافيا لمسارات الجسيم )،يمكن أن نخرج منها بالنتيجة، لكن تبقى أن هذه الملاحظات تم تجاهلها أم أن جعل تأويلها خاطئ، يجمل بوبر الجزء الأول من حديثه عن طريق طرح الأشياء التي وردها في عدد من الأطروحات والتي حاول تبسيطها في أقوى صورة متحدية.
1": المعرفة العلمية بأسرها، فرضية أو حدسية.
2: يتوقف نمو المعرفة خصوصا المعرفة العلمية على التعلم من أخطائنا.
3:ما يمكن أن نسميه منهج العلم يتوقف على التعلم النظامي من أخطائنا، أولا عن طريق الاضطلاع بمخاطرات، عن طريق الإقدام على صنع أخطاء. أي عن طريق طرح جزئي لنظريات جديدة. ثانيا عن طريق البحث النظامي عن الأخطاء التي وقعنا فيها، أي عن طريق المناقشة النقدية والفحص النقدي لنظراتنا.
4:الحجج المستقاة من الاختبارات التجريبية هي أقوى الحجج المستخدمة في هذه المناقشة النقدية 5:التجارب تسترشد دائما بالنظرية بحس نظري غالبا ما يكون المجرب على غير وعي به...)
6: ما يسمى بالموضوعية العلمية يتوقف على المقاربة النقدية فقط لا غير، على واقعة مفادها أنك إذا كنت منحازا لتفنيد نظريتك الأثيرة. سوف يتلهف فريق من أصحابك وزملائك على نقد ما أنجزته، أي على تفنيد نظرياتك الأثيرة إذا استطاعوا...).
7:ينبغي أن تشجعك هذه الواقعة على أن تحاول تفنيد نظرياتك بنفسك، معنى هذا أنها قد تفرض عليك نظاما درسيا معينا.
8: وعلى الرغم من هذا، يخطئ من يعتقد أن العلماء أكثر موضوعية من سواهم من البشر، إنها ليست موضوعية أو تجرد العالم كفرد، بل العلم ذاته هو الذي يتجه نحو الموضوعية التي يجوز أنطلق عليها تعاون الأصدقاء اللدود بين العلماء أي الاستعداد للنقد المتبادل.
9: ومع هذا ثمة شيء ما يشبه التبرير المنهجي للعلماء كأفراد لكي يكونوا دوجماطيقيين ومحابين، مادام منهج العلم هو منهج المناقشة النقدية، فإن الدفاع المستميت عن النظريات المفقودة على جانب كبير من الأهمية فلن نعرف قواها الحقيقية إلا بهذه الطريقة، ولن نعرف القوة الكاملة للحجة النقدية إلا إذا واجه النقد مقاومة باسلة.
10:الدور الأساسي الذي تعطيه النظريات أو الفروض أو الحدوس الافتراضية في العلم يجعل من الأهمية بمكان، أن نميز بين النظريات القابلة للاختبار(أو القابلة للتكذيب)وبين النظريات غير القابلة للاختبار.
11:لا نظرية قابلة للاختبار، سوى النظرية التي تقر أو تتضمن أن أحداثا معينة يمكن تصورها لن تحدث في الواقع، يتألف الاختبار من أن نحاول بكل الوسائل المستطاعة أن نستحضر على وجه الدقة تلك الأحداث التي تخبرنا النظرية أنها لا يمكن أن تحدث.
12: هكذا يمكن القول إن كل نظرية قابلة للاختبار تمنع حدوث أحداث معينة إن النظرية تتحدث عن الواقع التجريبي فقط على قدر ما تعين حدودا فيه.
13: وعلى هذا يمكن وضع كل نظرية قابلة للاختبار في صورة"كذا وكذا لا يمكن أن يحدث" مثلا، القانون الثاني للديناميكا الحرارية يمكن صياغته بالقول إن الآلة الدائمة الحركة من النوع الثاني لا يمكن أن توجد.
14: لا يمكن أن تحمل أي نظرية خبرا عن العالم التجريبي ما لم تدخل من حيث المبدأ في صدام مع العالم التجريبي، وهذا يعني على وجه الدقة أنها يجب أن تكون قابلة للتفنيد.
15: القابلية للاختبار لها درجات: النظرية التي تقرر أكثر، وبالتالي تضطلع بمخاطرة أعظم، تكون أفضل في القابلية للاختبار من النظرية التي تقرر النزر اليسير.
16: وبالمثل يمكن تصنيف الاختبارات عن طريق تقدير درجة قسوتها...).
17: كان المذهب السلطوي في العلم مرتبطا بفكرة التأسيس. بمعنى إثبات نظرياته أو التحقق منها، بينما ترتبط المقاربة النقدية للعلم بفكرة الاختبار،بمعنى محاولة تفنيد حدوسه الافتراضية أو تكذيبها"




المحور الأول: التفكير العقلاني
يفتتح كارل بوبر قوله في الفصل المعنون "بأسطورة الإطار"بخاطرة لأفلاطون وهو يقول"لا توجد أرضية مشتركة بين هؤلاء اللذين يعتقدون هذا، وأولئك اللذين لا يعتقدون، بل إنهم من منظور آرائهم لابد بالضرورة أن يزدري كل فريق منهما الآخر" حيث يعتقد بوبر أن هناك انتشار واسع للدفاع عن اللاعقلانية والتسليم بالمبادئ اللاعقلانية. وهي أحد الجوانب المزعجة جدا من جوانب الحياة العقلية لعصرنا الراهن، وتعد أيضا النسباوية أحد العناصر المكونة للاعقلانية المحدثة، والنسباوية حسب بوبر هي القائلة بأن مبدأ الصدق أو الحقيقة يرجع إلى خلفيتنا العقلية، أي أن الحقيقة تنسب دائما إلى خلفية معينة، فالحقيقة تختلف من إطار إلى آخر ومنه نستنتج المبدأ القائل لاستحالة التفاهم بين ثقافات مختلفة أو أجيال متفاوتة، وحتى الحقب التاريخية المختلفة، حتى من داخل العلم والفيزياء، ويأتي بوبر ليناقش في هذا المبحث مشكلة النسباوية، وأن ما يسميه أسطورة الإطار يكمن خلفها، بشرح ما معنى هذه الأسطورة ثم نقدها.
إننا لا نختلف أن كارل بوبر هو أحد الفلاسفة اللذين ينظرون للعلم بنظرة نقدية بامتياز. كيف لا وقد قضى معظم حياته الفكرية الطويلة في الدفاع عن النقد العقلاني حتى جعل منه طريقة للتفكير ورسم خريطة التفكير العلمي، بل وطريقة للحياة تتمثل في استعداد الفرد الدائم للإنصات إلى الحجج النقدية، والبحث الشاق عن الأخطاء والتعلم منها، فنحن نلقى النقد حاضرا في معظم أعطاف أعماله وعلى اختلاف المواضيع التي تناولها، سياسية كانت أم اجتماعية، تاريخية أو حتى علمية، هاجسه في ذلك دعوته إلى مواجهة كل أشكال الأطر المغلقة التي تشمل الفكر وتسد عليه منافذ كل استبصار وتفكير عقلاني متفتح، يؤمن بالآخر ويدعوا إلى المجتمع المفتوح، والكون المشترك المنفتح على بعضه، وفي هذا الصدد يقول كارل بوبر"يطرح مناصرو النسباوية أمامنا مقاييس للتفاهم المتبادل. لا يحكم الواقع بأنها جادة، وحينما نفشل في استيفاء تلك المقاييس، يزعمون أن التفاهم مستحيل وفي مقابل هذا، أسوق الحجج مؤكدا أن التفاهم ممكن على المدى البعيد. إذا توافرت له الإرادة الخيرة المشتركة وبدلنا من أجله جهدا وافرا، بالإضافة إلى إننا خلال هذه العملية المردود السابغ لجهدنا والمتمثل فيها نتحمله عن آرائنا الخاصة، وبالمثل عن آراء أولئك اللذين نسلك سبيل التفاهم معهم.هذا المبحث يسلك سبيل تحدي النسباوية بمعناها الواسع" .
إذن كارل بوبر كانت الغاية المثلى التي صاغها لمبحثه هذا ، تتجلى في التصدي ومقاومة أبرز تجليات ومظاهر اللاعقلانية متجسدة كما سبق الذكر، بالخصوص في النزعة النسباوية، التي تقوم على مبدأ مفاده أننا نستطيع أن نفكر من خلال إطار ترسم معالمه خلفيتنا العقلية، وأن الحقيقة تختلف من إطار لآخر. استهدف تقويض حجمها وتبيان تهافت مستوياتها في أفق إحلال النقاش العقلاني الخصيب النشور مكانها، لكن قبل أن نغوص ونحلل بعض مظاهر التفكير النسباوي. لنقم بادئ ذي بدء، بتفسير الحجاب عما يقصده بوبر بأسطورة الإطار، وهذه العبارة هي التي جعلها عنوانا لأحد فصوله بل وجعلها اسم لكتابه، في دلالة معبرة على إدانته اللغوية لمفهوم الإطار وخطورة أن يتلبس بالعقول، ويقصد بوبر بمضمون أسطورة الإطار في كون المناقشة العقلانية والمثمرة مستحيلة ما لم يتقاسم المساهمون فيها إطارا مشتركا من الافتراضات الأساسية ، أو على الأقل ما لم يكون هناك اتفاق على مثل هذا الإطار لكي تسير هذه المناقشة، بنظر البعض إلى أن هذا التعريف يمثل مبدأ منطقي قائم على أساس منطقي. إن لم نقل بأنه ذات المبدأ الذي لا نكل من الدفاع عنه والمطالبة باستحضاره في مناقشاتنا وسجالاتنا، وذلك اعتقادا منا أننا حينما نتفق قبل المناقشة على مفرداتنا أو نتوحد ونتفق في مستوى تعريف بعينه لمفاهيمنا ومصلحاتنا، حيث نكون بذلك ندفع في اتجاه الخروج باتفاق بنتيجة مرضية في النهاية لجميع الأطراف المختلفة، أما ما يخالف ذلك، فلا يمكن أن نرى في المناقشة إلا إبحارا بغير مجاديف، أي خبط عشواء، هذه رؤية عمومنا أما رؤية بوبر فمختلفة تماما، إذ هو لا يرى في ما أسميناه مبدأ سوى مجرد تقرير فاسد وشرير، حيث إذا ثمة شموليته وتعميمه وتداوله سوف يفسد وحدة الجنس البشري، وبالتالي ترتفع معه إلى حد كبير احتمالية العنف والحرب، وهذا ما جعله يتصدى له ويكافحه متوسدا ببنيات وشواهد من التاريخ وعلى اثر هذا يقول بوبر"الاختلاف في الرأي قد يؤدي إلى النزاع، بل والى العنف وارى هذا أمر بالغ السوء حقا، لأنني استفظع العنف غير أن الاختلاف في الرأي قد يؤدي أيضا إلى النقاش والى الحجة، والى النقد المتبادل واني أرى هذه الأمور ذات أهمية قصوى، وازعم أن أوسع خطوة نحو عالم أفضل وأكثر أمنا وسلاما، قد قطعت حين وجدت حروب السيف والرمح لأول مرة من يضطلع بها، وفيما بعد حين حلت محلها في بعض الأحيان حرب الكلمات، ولهذا السبب تجدون موضوع على قدر من الأهمية " . ومنه يمكن أن نطرح سؤالا: أين نعثر على الخصوبة والإثمار، هل في المناقشة التي تتم بين أفراد يتقاسمون كثيرا من الآراء: أم في تلك التي تتم بين أفراد بأطر واسعة الاختلاف ؟
من خلال هذا السؤال المركب نجد كارل بوبر ينتصر ويؤيد الشق الثاني، حيث يعتبر أن المناقشة من الصنف الأول رغم كونها لطيفةـ إلا أنها تكون مجدية فاشلة في افقها أي غير مثمرة على عكس الثانية التي قد لا تكون لطيفة وغير مطلية، والأجواء فيها قد تكون عسيرة، إلا أنها تلوح لنا بنتائج والتي تتمخض عنها، تكون في النهاية جيدة، لا لشيء إلا بان المناقشة لا تكون خصيبة ومثمرة إلا بقدر ما يستطيع المساهمون فيها ان يتعلموا منها أشياء جديدة، وهذا يعني أنه بقدر ما تكون الأسئلة التي يطرحونها أكثر أهمية وخصوبة بقدر ما تحفزهم على التفكير في إجابات أكثر دقة، لم تكن ضمن اهتماماتهم الراهنة وكلما زعزعت آرائهم وخلخلت اعتقاداتهم كلما استطاعوا أن يرو الأشياء بعد المناقشة بصورة مختلفة واتسعت حتما آفاقهم العقلية، في النهاية تعتمد الخصوبة والإثمار في مناقشة ما على الفجوة الأصلية بين آراء المساهمين في المناقشة والتي بقدر اتساعها تكون المناقشة أخصب، على ألا تكون المناقشة مستحيلة في الأصل، كلما تقرر أسطورة الإطار أن المشكلة في نظر بوبر تكمن في أن صيرورة المناقشة تبدأ من سؤال خاطئ في الأساس، مضمونه كيف يمكن أن نؤسس او أن نبرر أطروحتنا أو نظرياتنا؟ وهو سؤال يفضي إلى الدوغمائية أو إلى ارتداد لا نهائي في مسار التبرير، أو إلى المبدأ النسباوي القاتل بالأطر العقلية الخاضعة لللامقياس والذي سوف نعرج عليه. ونشر أيضا بوبر بان المقصود بالإطار هو مجموعة من الافتراضات الأساسية أو المبادئ المركزية، أي أنه إطار عقلي، ويجب حسب بوبر أن نميز بين مثل هذا الإطار وبين بعض التوجهات والمسارات التي بإمكانها أن تكون بالفعل شرط من شروط المناقشة، وذلك قصد الوصول إلى الصدق أو الاقتراب منه أو لنقل الاستعداد للتشارك في المشاكل، والحق أن المساهمين في خلق أفق للنقاش الخصب. إذا اتفقوا على كل النقاط فسوف تصبح المناقشة عقلية وهينة لينة، على الرغم من أنها قد تبدو مملة وغبر مقبولة. هذه هي الأطروحة الأساس في هذا المبحث، والتي اندفع بوبر للدفاع عنها بكل ماله من معرفة ومن خبرة تراكمت لديه مند وقت طويل، فلطالما حذر من مغبة الأطر المغلقة في كل صورها، بل إنه سلط نقده بالدرجة الأولى على النسباوية التي اكتشف فيها أحد الوجوه الأكثر انتشارا المدافعة عن اللاعقلانية في عصرنا الراهن. ما دامت تسلم بالمبدأ الفاعل أن الحقيقة ذات ارتباط حثيث بخلفيتنا العقلية، الأمر الذي جعلها تختلف من إطار إلى أخر فاللذين يناصرون هذا الاتجاه ينطلقون من مقاييس يزعمون أن التفاهم مستحيل:
يذكر بوبر بعض الإرهاصات الأولى للنسباوية التاريخية أو الثقافية لدى هيرودوت أبو التاريخ وبالضبط في ثنايا أقصوصة تحكي عن ملك الفرس داريوس الأول الذي أراد أن يلقن الإغريق المقيمين في إمبراطوريته درسا، وكان من عادة الإغريق أن يحرقوا موتاهم...سألهم عن الثمن الذي يرتضونه كي يلتهموا آبائهم حين يتوفون فأجابوه بأنه لا شيء البتة على ظهر الأرض يمكن أن يغريه بفعل هذا، حين إذن استدعى داريوس الكالاتيين اللذين يأكلون آبائهم بالفعل وفي حضور الإغريق بمعونة من يترجم لهم، سأل الكالاتيين عن الثمن الذي قد يرتضونه لكي يحرقوا جثث آبائهم حين يتوفون، فكان أن تعالت صرخاتهم وناشدوه ألا يذكر مثل هذه الشناعة، صحيح أن الأقصوصة تقدم دروسا في التسامح وفي قبول الغير واحترام عوائده وأعراضه، وهذا ما أراده هيرودوت أن نفهمه ونستوعبه، لكن إنها من زاوية أخرى قد تسقطنا في شرك النسباوية، أي أن النظرة التي تقول بعدم وجود حقيقة مطلقة أو موضوعية،هنا لا ينبغي أن نفهم من كلام بوبر هذا، أن النسباوية في مجملها شر يجب مهاجمته، ومحاربته والقضاء عليه، بل هناك حالات يمكن أن تسمح لنا بقبول النسباوية، بيد أن الخطورة حسب بوبر تبدأ حين يلجأ بعض الناس إلى مناصرة الأسطورة القائلة إنه لا يمكن وضع أصل القوانين والعوائد موقع المناقشة العقلانية. مسوغهم في ذلك أن الأخلاقية هي ذاتها الشرعية أو العوائد، وبالتالي لا يمكن بأي حال الحكم بما إذا كان نظام من العوائد أفضل من الآخر أخلاقيا ولا حتى مناقشة هذا، مادامت شتى الأنظمة الكائنة للقوانين هي فقط المقاييس المتاحة للأخلاقية، حيث يقول"إن الاستعداد للتعلم من الآخرين يواجه عوائق خطيرة من النسباوية الثقافية ومبدأ الإطار المغلق، إنها عوائق أمام منهج قبول بعض المؤسسات، وتعديل البعض الآخر، ورفض الشيء منها، مثلا: بالنسبة لنظام "الشيوعية" أو نظام "الرأسمالية" قد يعتقد الكثيرون أننا نستطيع فقط قبول أو رفض النظام أو الإطار بأسره، وإذا أمعنا التفكير في هذين اللذين أسميناهما "نظامين" يجب علينا التمييز بين أنظمة النظريات الإيديولوجيات وبين واقع اجتماعي محقق، كل منهما يتأثر بالآخر إلى حد بعيد. لكن الواقع الاجتماعي قليلا ما يماثل الايدولوجيا أي قليل ما يماثل الصورة المفترضة له، خصوصا من قبل الماركسيين" . فبوبر يرى أن بعض الأمور من قبيل إدارة شؤون الدولة، واحترام الحرية ترغمنا بألا نأبه بالنسباوية الثقافية، ويجدر بنا أن نقول بان بوبر يعزو هذه النظرة إلى هيجل صاحب الصياغة الشهيرة "كل معقول واقعي، وكل واقعي معقول" معتبرا إياه نسباويا ومطلقا معا فهو يدعو إلى النسباوية حين يعتبر أن لكل إطار تاريخي وثقافي حقيقته. وعليه تتعذر المناقشة العقلانية بين الأطر ما دام لكل منها معياره المختلف للحقيقة، حيث بالمقابل يدعو إلى المطلق حين يحتفظ على مبدئه القائل بان الحقيقة لكي تكون مطلقة ينبغي ان تسري على كل الأطر، ورغم ذلك يرى بوبر أن الصورة الأكثر جاذبية المتبقية عند هيجل هي التي ارتبطت بمبدئه القائل بالحقيقة النسباوية، وهي نفس الصورة التي سيتم تأييدها أكثر بعد رحيله على يد كارل ماركس من خلال أطروحته عن الحدود الطبقية للعلم، أي العلم البروليتارية والعلم البورجوازي، وبقاء كل منهما حبيس إطاره الخاص، ومن بعده على يد كل من ماكس شيلر وكارل مانهايم، يقول بوبر بفكرتيهما القاضية بان لكل إنسان إطاره ألمفاهيمي الذي يتحدد عن طريق موطنه الاجتماعي، أي التنشئة والبيئة الاجتماعية، أن هذه الأفكار لن تفيد الإنسان بقدر ما أضرت به لأنه كلما أبدى استعداده للتعلم من الأخر وفتح أبواب أطره مشرعة من وجه اطر أخرى. اصطدم بعوائق خطيرة من النسباوية الثقافية، أي مبدأ الإطار المغلق. ومنه يمكن أن نتساءل هل بمقدورنا التحرر من هذه السجون الذهنية التي تستغرقنا ؟ يجيب كارل بوبر بالنفي حيث يقر بأنه لا يمكن أن نكون أحرارا بصورة مطلقة، بل كل ما في مقدورنا هو أن نجعل سجننا أرحب وأوسع وأن نتجاوز ضيق سجن من نستغرقه قيوده، ولذلك لابد لنا من المناقشة النقدية لمختلف النظريات التي تؤطر رؤيتنا ونمط تفكيرنا. إذن منهج المناقشة امن النقدية وحده هو الذي يمكننا من أن نتعالى على أطرنا المكتسبة من الثقافة، وأيضا على أطرنا الفطرية وعلى منحانا الغريزي، جزئيا نحو اعتبار العالم كونا من الأشياء المحددة خصائصها، لهذا السبب يعود بنا بوبر إلى جذور تشكل الفكر النقدي والذي يسميه بالصدام الثقافي، إلى حد ربط فيه تشكل الحضارة الغربية بالصدام والمجابهة، التي نمت بين أطر مختلفة على شاكلة ما، التي وصفها هيرودوت، وهذا الصدام ارتبط على مدار التاريخ بمحاولات الإنسان الجزئية والمفعمة بالآمال لتفهم العالم الذي يحيى فيه تفهما نقديا، فالمعجزة الإغريقية التي تتبنى الأمل الحقيقي للعقلانية النقدية، والتي يرجع بوبر فضل تثبيت جذور ومنبع التفكير النقدي نتجت عنه صدامات ثقافية واختلافات في الرؤى، ويخلص بوبر إلى أن"الأطر مثل اللغات قد تكون حواجز،بل وقد تكون سجونا, ولكن إطار المفاهيم الغريب، تماما كاللغة الأجنبية، ليس البتة حاجزا إننا نستطيع اقتحامه، تماما كما نستطيع الهروب الكبير من إطارنا الخاص، سجننا الخاص، إن اقتحام حاجز الإطار تماما كاختراق حاجز اللغة، عسير ولكن يستحق منا كل اهتمام وجهد، ويمكن أن نجد لجهدنا في الاقتحام مردودا سابغا هو توسيع أفقنا العقلي، ليس فحسب بل أيضا بان نحظى بالمزيد من المتعة.الاقتحام بهده الشاكلة هو اكتشاف بالنسبة إلينا، وكثيرا ما أدى إلى الاقتحام في العلم، ويمكن أن يؤدي إلى هذا مجددا" ولهذا تمكن تحليل بوبر من استكشاف درس مؤداه أن كل ملاحظاتنا يتم دائما بمعونة النظريات التي تؤطر رؤيتنا للعالم، بمعية أطر هي على شكل سجون، من لم يحصل له الوعي بها سيظل يقبع داخلها ويكون تحت ظلها، وسيظل لا يرى من الآراء إلا رأيه وهذا ما تسهل ملاحظته في المناقشات التي يحضر فيها أفراد لم يقووا على نسيان ما تعلموه من غرائزهم وما حدث أن تعلموه من كل تجمع سجالي: أي أنهم يجب أن ينتصروا فهم حيث يجلسون حول طاولة للمناقشة، يحبسون أنفسهم داخل حلبة صراع لا لزوم فيها للإنصات والحوار الهادئ والبناء. وحدها لغة الإنصات تمارس صخبها في دواخلهم فلا هم يستفيدون في النهاية ولا هم يفيدون غيرهم، وربما إذا استحضرنا بعض حلقات الاتجاه المعاكس التي تبتها قناة الجزيرة الفطرية لهو خير شاهد على ما نقول. إما من حصل لديه الوعي بان الأطر سجون، فيؤمن في قرارة نفسه بان المناقشات النقدية المهمة دائما كبيرة المراس، وان النجاح فيما لا يمكن في الانتصار على الطرف الآخر في المناقشة بقدر ما يكمن في ابسط توضيح لمشكلة ينشغل بها المرء، بل وفي اضعف مساهمة في السير قدما نحو تفهم أوضح لموقف خاص أو حدث واحد من خصومه. شعاره في ذلك، كما يقول بوبر أن المناقشة التي ينتصر فيها، بينما تفشل في أن تعينك على تغيير أو توضيح أفكارك ولو إلى حد يسير يجب اعتبارها خسارة.


 المحور الثاني : العقل أم الثورة؟
في ظل هذا المحور يطرح بوبر قولة في غاية الأهمية" إن العالم غير العادي، العالم الجزئي، العالم النقدي هو الذي يحطم قضبان ما هو عادي، هو الذي يفتح النوافذ ليدخل الهواء الطلق" إن ما يرمي إليه كارل بوبر من خلال هذه المقولة هو أن المحرك الأساسي للأفكار وتقدمها هو التفكير النقدي رغم جرأتها على نقد ما هو سائد ويعتبره العالم صحيح ومعقول، ومنه يأتي بوبر ليصوغ وجهة نظره في مجموعة من الأطروحات المحددة، قصد فتح المجال لمناقشة خصبة مثمرة، وهذا فعله حيث ألقى كلمته الافتتاحية في مناقشة ألقيت في العام 1961 تقدم بسبع وعشرين أطروحة محددة، إضافة غلى صياغته التصورية في مجال العلوم الاجتماعية النظرية، بحيث أعطى تصور ينتقد فيه التصور الهيكلي والماركسي ( مثل ادورنو)، وهذا الأخير هو الذي دار عليه الحديث، وجاء بوبر لإعطاء وجهة نظره بمجموعة من الحجج اقتصرت علة المسائل الأساسية. وقد جاء رد أدورنو بصيغة قوية لكن لم يكن في صدد التحدي الذي طرحه بوبر في أطروحاته السبع والعشرين، وعلى إثر هذه المساجلة عبر البروفيسور رالف دارنتدورف في خيبة أمل أدورنو، حيث ذكر دارنتدورف النزاعات والخلافات السياسية والإيديولوجيا، لكن دعوى بوبر كانت في نقده المباشر لمنطق العلوم الاجتماعية ومهاجمته لادورنو ومدرسة فرانكفورت الدياليكتيكية من بينهم ادورنو، وهوركهايمر، وهابر ماس....) التي لم يعتبرها بوبر ذات أهمية، إلا في ما يخص المنظور السياسي، وقد اعتبر منهجيته تصب في منحى لا عقلاني ومدمرة للبداهة، لأنها لم تكن جادة سواء من المنظور الفكري ولا من المنظور العلمي، وقد اسند كارل بوبر اعتراف لدارندورف، فإنه كان محقا في إحساسه بوصف خذه الاتجاهات الفكرية بخيبة أمل، ومن جهة كارل بوبر فقد هاجمه مستخدما حجج نشرها في بعض أعماله (المجتمع المفتوح وعقم التاريخانية وفي ما هو الدياليكتيك)، ويعتقد كارل بوبر أن هذه الحجج لا تقع تحث بند( منطق العلوم الاجتماعية )، اعتبارا منه أن المصطلحات لا تهم، وعزائه الوحيد في ذلك هو أن مسؤولية تجنب العراك تقع على عاتق المتحدث الثاني، ومهما يكن فقد كان نقد دارندورف محفزا لورقة بحثية نشرها عضو آخر من مدرسة فرانكفورت وهو يورجن هابر ماس، ومن خلال هذه الورقة البحثية اعتقد بوبر أن مصطلح الوضعية ظهر لأول مرة في تلك المناقشة العينية، وفيها تعرض بوبر للنقد بوصفه فيلسوفا وضعيا، لكن يعتبر هذا فهم قديم رائج عن طريق اللذين سمعوا بأعمال بوبر من الآخرين، فقد نشر في كتابه( منطق البحث العلمي ) نقدا للدائرة الوضعية من منظور واقعي وضد وضعي، وانتقد فيه أيضا أولئك اللذين يحكمون على الكتب من أغلفتها، ويزعم بوبر أن اللذين يتهمونه بأنه كان وضعي لم يقرؤوا هذا الكتاب، لأنه من قرأ هذا الكتاب أو كتبه الأخرى لم يكن يوافق على هذا الزعم، وبالتالي أصبحت المسألة الأساسية التي يتناولها الكتاب كما هو مطروح الآن، هو إدانة من أدو رنو وهابر ماس بان بوبر وضعي،يقفز بمنهجيته ليدافع عن الوضع السياسي القائم. وهي نفس الإدانة التي وجهها بوبر نفسه إلى هيجل في كتابه(المجتمع المفتوح)، وعليه يقول"حيث وصفت فلسفة الهوية عنده (كل واقعي معقول وكل معقول واقعي بأنها وضعية أخلاقية وقانونية لم اقل شيئا عن هذا الموضوع في افتتاحيتي، ولم يكن لدي فرصة للرد، بيد أني كثيرا ما تصديت لهذا الشكل من الوضعية. برفقة أشكال أخرى لها، والواقع أن نظريتي الاجتماعية – التي تحبذ الإصلاح التدريجي والجزئي – الإصلاح المحكوم بالمقارنة النقدية بين النتائج المتوقعة والنتائج المتحققة، تعارض نظريتي في الثورة العلمية والفكرية" هنا يصل بوبر إلى اعتبار أنه من السهل تفسير هذه الواقعة، وتفسير اتجاهه نحو الثورة. بحيث يبدأ من نظرية التطور لدى داروين، التي تقول بان الكائنات الحية تتطور عن طريق المحاولة والخطأ، وعادة يتم استبعاد محاولاتها الخاطئة، أي الطفرات الخاطئة، وذلك عن طريق استبعاد الكائن الحي الحامل للخطأ، ولكن من منظور ابيستمولوجي لدى بوبر فإن هذا كله قد تغير في حالة الإنسان تغيرا جذريا، اي من حيث تطور اللغة الوصفية والجدالية، فقد أصبح من منظور كارل بوبر أن يكون الإنسان ناقدا لمحاولاته المبدئية للنظريات التي يضعها، بحيث لم تعد تلك النظريات مقتصرة فقط عن كيانه العضوي أو في نظامه الجيني يمكن إبرازها في كتب أو صحف... ، ويمكن أن نناقش مناقشة نقدية، وبيان الخطأ فيها، بدون أن قتل المؤلفين أو حرق الكتب، أي أصبح بإمكاننا بلوغ طرق جديدة جذرية يمكن للمناقشة العقلانية أن تتخطى فروضنا المبدئية، ومحاولاتنا، وذلك هو فرض المناقشة العقلانية بطريقة نقدية، وبالتالي يكون منهج المناقشة العقلانية النقدية هو الأساس الذي يبنى عليه الفكر العلمي حيث يستبعد استعمال العنف وتبقى الحجة النقدية هي البديل الأنجع للعنف وهذا ما صرح به بوبر وأكده بقوله" إن الواجب الصريح على كل المفكرين هو أن يعملوا من أجل هذه الثورة من أجل استبدال الوظيفة الاستبعادية للمناقشة النقدية بالوظيفة الإستباعدية للعنف على أن العمل من أجل هذه الغاية، يستلزم التدريب المتواصل على الكتابة والحديث بلغة واضحة وبسيطة، ينبغي صياغة كل تفكير في صورة واضحة وبسيطة قدر المستطاع، ولا يمكن إحراز هذا إلا بالعمل الشاق" ويتجه كارل بوبر إلى نقد علم الاجتماع أو ما يسمى سوسيولوجا المعرفة، وذلك لاعتبارات عديدة، ولقد تصدى بوبر لرؤية ومعتقد مانهايم بأن ثمة اختلافا جوهريا بين العالم الاجتماعي والعالم الطبيعي، أي أن هناك اختلاف بين دراسة المجتمع ودراسة الطبيعة، خصوصا بما يتعلق بالموضوعية، وتركزت الأطروحة التي تصدى لها بوبر. هي سهولة الموضوعية في مجال العلوم الطبيعية، بينما يصعب إحراز الموضوعية في مجال العلوم الاجتماعية، إلا لدوي القول النيرة والمتميزة، أي تلك العقول التي تكون متوازنة في توجهاتها ومسارها، وقد شدد بوبر على أن الموضوعية في العلوم الطبيعية والاجتماعية لا تلازم حالة الحياد العقلي لدى العلماء، بل فقط على حدث وواقعة عمومية وتنافسية المشروع العلمي، يعتقد بوبر أن ما ينقص علم الاجتماع كحقل معرفي هو سوسيولوجيا المعرفة لأن على حسب بوبر تقوم الموضوعية على النقد العقلاني المتبادل، وأيضا على المقاربة النقدية، حيث ليس علماء العلوم الطبيعية هم اللذين يمتلكون عقول موضوعية، من عقول علماء العلوم الاجتماعية، ولا هم نقديون أكثر منهم، وإن كانت العلوم الطبيعية تتميز بالموضوعية أكثر فلأنها تستعمل أفضل تقاليد ومقاييس أرفع والنقد العقلاني، وينتقل بوبر لمهاجمة العلماء الاجتماعيين اللذين تتم تنشئتهم على منهج هيجل خصوصا في ألمانيا، حيث يعتبره بوبر تقليد مدمر للعقل والتفكير النقدي ويستحضر ما كتبه ماركس في إحدى النقاط التي اتفق معه بقوله"لقد أصبح الدياليكتيك( الجدل ) في صورته التي تعمي الأبصار البدعة الشائعة السائدة في ألمانيا" وقد أتى بوبر بتفسير لهذه الواقعة واعتبرها بسيطة وذلك من خلال أن جميع قيمنا ومعارفنا تكتسب من خلال البيئة الاجتماعية، إما عن طريق المحاكاة أو أحيانا عن طريق رد فعل ثوري لقبول قيم، أما الطريقة النادرة فهي تلك القيم التي تتلقى فحص نقدي، لكن في الأخير يكون غالبا المحيط العقلي والفكري، التقليد الذي ينشأ المرء في ظله، لأنه له القوة في تحديد المقاييس الأخلاقية وسواهاـ والقيم التي يؤمن بها المرء، لكن تبقى القيم العقلية حالة خاصة ولها أهميتها، وينتقد كارل بوبر أيضا مسألة اللغة حيث كان ينصح طلابه من فكرة مغلوطة مفادها أن الغاية من ولوج الجامعة هي كيفية التكلم بصورة لبقة، والكتابة بصورة مؤثرة مستغلقة، ولكن بوبر يعتبر هذه الغاية وهذا الطموح سخيف أي التسليم باللغة الغامضة والعسيرة إلى أبعد الحدود بوصفها اللغة ذات القيمة الفكرية العليا بغير منازع، وقد تضاعف هذا الاستغلاق أي اللغة المؤثرة والمتحذلقة الطنانة، بفعل صورية الرياضيات، الذي يجد الشخص العادي صعوبة الولوج إليها وفهمها، ويزعم بوبر أن المباراة التقليدية التي باتت إلى حد بعيد مقياسا نسلم به بغير وعي، وبغير أن نتحرى أمرها.هي صياغة تافهة في لغة متحذلقة، يقوم بوبر أيضا بجعل نوعين من العلم وأحدهما مرتبط بالآخر: أي أن نمو العلم الجسيم، وهذا يؤدي إلى تعويق أو تحطيم نمو المعرفة ونمو العلم العظيم، حيث يصف بوبر هذا الموقف بأنه ميئوس منه، وأن ما يسمى بالبحوث التجريبية في سوسيولوجا العلوم الطبيعية تساهم في ذبول العلم. في الأخير يختم بوبر هذا المقال ( العقل والثورة)، بشن نقده على المدرسة فرانكفورت، بقوله في ملحق 1974 "سمعت لأول مرة عن مدرسة فرانكفورت إبان الثلاثينيات ولكن بناء على بعض القراءات التجريبية قررت آنذاك وأنا صادق الضمير ألا أطالع إنتاجها" حيث قام بمحاولة لقراءة منشورات مدرسة فرانكفورت وخصوصا كتب أدو رنو، حيث تمكن من تقسيم أعمال هذا الأخير إلى ثلاث مجموعات: الأولى هي عبارة عن مقالات في الموسيقى والآداب، واعتبر بوبر هذه المقالات أنها تفتقر للإبداع، وأنها لا تروقه فهي مجرد تقليد رديء للكاتب كارل كراوس، وهذه المقالات لا علاقة لها بالمسائل الاجتماعية، أما القسم الثاني فهي عبارة عن كتب في الايبيستمولوجيا أو الفلسفة، وأعتبرها هي الأخرى بأنها عبارة عن تخاريف وهراء، لأن أدورنو كان هيجليا و ماركسيا، وبوبر يعارض كلا الاتجاهين الماركسي والهيجلي وهذا ما يؤكده في ما يلي" وعلى الرغم من بذل غاية الجهد لفهم فلسفته، تبدو لي بأسرها، أو في معظمها مجرد حشد ألفاظ، لا شيء لديه البتة ليقوله وهذا اللاشيء يقوله بلغة هيجلية" أما المجموعة الثالثة: فهي عبارة عن شكاوى من العصر الذي نعيش فيه، لكن اعتبر بعضها شائق ومثير للمشاعر، باعتبارها تعبيرا عن انعكاس لمخاوفه وقلقه، وحزنه العميق، وهنا اعتبره بوبر أدورنو فيلسوف متشائم لأن محتوى فلسفته صفر، وتعارض الوضوح عن قصد وتعمد، وبالتالي ينهي بوبر هذا المقال بقوله"نستطيع الآن أن نفعل الكثير لتحقيق المعاناة، والأهم لكي نضاعف من الحرية الإنسانية الفردية، يمكن بسهولة أن يخذلنا التاريخ،وأيضا أن تخذلنا الثورة. كان هذا الخذلان من نصيب مدرسة فرانكفورت، وأسفر عن يأس وقنوط أدورنو، لابد أن ننتج أفكارا نخضعها للاختبار النقدي. أفكار حول ما يمكن وما ينبغي أن نفعله الآن ولابد أن نفعله الآن. ولنجمل كل هذا بتعبير لريموند آرون ـ إنني أنظر إلى كتابات مدرسة فرانكفورت باعتبارها من قبيل أفيون العقول" .

خاتمة
بعد عرض أهم أفكار كتاب "أسطورة الإطار" في الدفاع عن العلم والعقلانية لصاحبه كارل بوبر، وترجمة يمنى طريف الخولي، نستنتج أن كارل بوبر هو أحد فلاسفة النقد بامتياز، كيف لا، وقد قضى معظم حياته الفكرية المديدة في الدفاع عن النقد العقلاني، حتى جعل منه طريقة للتفكير بل وطريقة للحياة تتمثل في استعداد الفرد الدائم للإنصات إلى الحجج النقدية، والبحث المستمر والشاق عن الأخطاء والتعلم منها، ويمكن أن ندرج هنا مقولة له تلخص مضمون الخطاب العقلاني النقدي الذي دشنه ـ قد أكون أنا على خطأ وقد تكون أنت على صواب وببدل الجهد قد نقترب أكثر من الحقيقةـ وإجمالا يمكن القول أن هذه المقولة قد نعتبرها ولا نبالغ بأنها اختزال لفكر بوبر حيث صرح بأفكاره العقلانية في كتابه أسطورة الإطار وتعني استحالة وجود مناقشة عقلانية مثمرة بين طرفين أو أكثر إلا إذا تقاسم هؤلاء المساهمون في تلك المناقشة إطارا مشتركا من الافتراضات الأساسية، هذا التعريف يبدوا سليما بالنسبة للعوام لأنه فيه أسلوبه لطيف، أما بالنسبة لبوبر من نظره النقدية، فيرى العكس تماما حيث يرى أن الإقرار بصحة هذا التعريف هو قرار فاسد وشرير قد يدمر الجنس البشري، ويزيد من معدلات العنف لكن بوبر يأتي بدعوى مضادة تماما لهذا التعريف، فالمناقشة بين من يتقاسمون كثيرا من الأفكار لا يمكن أن تكون خصيبة ومثمرة برغم كونها لطيفة وهادئة بل على العكس من ذلك، فإن المناقشة بين أطر واسعة الخلاف خصيبة ومثمرة، برغم كونها عسيرة وليست لطيفة، فالمعيار الأساسي هنا هو تحطيم القوالب الفكرية المغلقة سواء فيما يتعلق بالسياق الذي يجمع المتحاورين أو تكوينهم العقلي بعد الحوار، فثمرة الحوار بالنسبة الى بوبر تكمن في زعزعة القناعات المستقرة لدى هؤلاء المتحاورين بما يعني في النهاية اتساع تفهمهم العقلي وتغير نظرتهم إلى العالم، على العموم فإن كتاب "أسطورة الإطار" تتخلله مجموعة من الأفكار المتداخلة، فالكتاب تتشعب أفكاره، وتتعدد المباحث المعرفية التي تطرق إليها، من بيولوجيا، وفلسفة وفيزياء وتاريخ. وهذا من الصعوبات التي واجهناها في إعداد هذا البحث، إلا أننا عمدنا على تحديد المقصود من أسطورة الإطار وذلك باعتماد الانتقائية والابتسار، وفي الأخير نتمنى أن نكون بهذا المجهود اليسير والقليل أن نكون قد توصلنا إلى تقديم المراد من هذا البحث وهو تقديم نظرة موجزة عن بعض جوانب فلسفة كارل بوبر التي تعتبر بحق من أهم اتجاهات الفلسفة المعاصرة المشكلة لمعالم الفكر الغربي في النصف الثاني من القرن العشرين ومطالع القرن الحادي والعشرين.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- الصين تعرب عن أسفها لاعتراض واشنطن على عقد اجتماع بمجلس الأم ...
- الولايات المتحدة ترفع مستوى خطر السفر إلى إسرائيل والضفة الغ ...
- الأميركيون المطعّمون ليسوا في حاجة إلى وضع كمامات في الأماكن ...
- الأميركيون المطعّمون ليسوا في حاجة إلى وضع كمامات في الأماكن ...
- إصابة إسرائيلي في عسقلان بجروح حرجة جراء سقوط صاروخ أطلقته ا ...
- انتشال 4 قتلى من تحت ركام منزل تعرض للقصف الإسرائيلي في بيت ...
- زلزال بقوة 6 درجات يضرب منطقة قبالة محافظة فوكوشيما الياباني ...
- إندونيسيا.. مقتل أحد قادة المتمردين في اشتباكات بابوا
- ماكرون يدين الهجمات الصاروخية على إسرائيل
- إسرائيل تتكبد خسائر بعشرات ملايين الدولارات جراء التصعيد الأ ...


المزيد.....

- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رشيد الحيريش - أسطورة الإطار