أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هازان كاريسي - الفنون المقدسة ج1 (الرقص)















المزيد.....

الفنون المقدسة ج1 (الرقص)


هازان كاريسي

الحوار المتمدن-العدد: 6043 - 2018 / 11 / 3 - 00:53
المحور: الادب والفن
    


رغما عنك، بمجرد أن تستمع للموسيقى تجد جسمك وقد تمايل يمينا ويسارا، فما أن تسرى الموسيقى فى دمك حتى تظهر آثارها على أعضائك، والعلماء يؤكدون أن الموسيقى البشرية ما هى إلا محاكاة لموسيقى الطبيعة، والرقص من فعل الموسيقى، ومع ذلك مازلنا نسمع كل يوم كلمات على شاكلة «الرقص عيب»، «الرقص حرام»، وهى العبارات التى تتعامل مع الرقص باعتباره فعلا مستهجنا وغير لائق، ومن يقوم بأدائه ينظر له المجتمع نظرة دونية وكأنه شخص تخلى عن أخلاقه ووقاره فى سبيل ذلك الفعل «المكروه» .لهذا اردت ان اسلط الضوء على تاريخ الرقص وارتباطه بالانسان ، فقد كانت الرقص واحدة من الفنون المقدسة ومازالت ! ، والفنون المقدس هي الصور الفنية باستخدام مواهب الانسان وغالبا ما تهدف إلى رفع العقل إلى الروحية. الفن المقدس ينطوي على الطقوس والممارسات الثقافية والجوانب العملية لمسار الإدراك الروحي ضمن التقاليد الدينية للفنان ، ولا يمكن أن نتصور مقدساً ما بلا أنسان يقدسه؟ فقدسية أي شيء هي من أجل الانسان . وبما أن الرقص هي أكثر الفنون التصاقا ً بالإنسان والقادرة على إثارة الأحاسيس والخيال والعواطف الداخلية ؟ وما له من تأثيره على الأهواء والجسد ؟ اذن فان الفنون الجميلة هي فنون النبوغ أو العبقرية ,والعبقرية موهبة وقريحة طبيعية وطاقة خلق غريزية أو فطرية, ويعتبر «هيغل» أن الفن هو باطن يسعى إلى التعبير أو إلى التجسد أو إلى الإظهار إنه مضمون يسعى إلى شكل ، وتكلم «كانت» عن جوهر الجمال الذي هو نظرة التوفيق ما بين العقل والطبيعة معتبرا ً أن الجمال هو المثل الأعلى ,والعمل الفني هو التعبير عن انفعال فردي أو شعور أو انطباع أو ترجمة, كل ما هو خيالي وهمي , لهذا اعتبر الانسان ومنذ بدء الخليقة الرقص واحدة من مقدساتة الفطرية التي كان يلجئ اليها في حياتة اليومية ، وعبر التاريخ ارتبطت الرقصات بالعقائد البدائية والمعتقدات والطقوس الاولية للانسان وفي مختلف الحضارات القديمه ، ورقصات شكر الآلهة وطرد الأرواح الشريرة والرقص الجنائزي الذي تقوم به الراقصات أمام مائدة القرابين، أو في الطريق إلى المقبرة، لتسلية روح المتوفي، والبعض الآخر تعبير عن حاجات ومتطلبات حياتية وإنسانية كسكان أفريقيا مثلاً لايزال منهم من يقوم برقصات لجلب المطر أو لطلب المساعدة في الحفاظ على المنطقة أو القبيلة من شر يحدق بها، كما هو الحال برقصة "الدحة" المشهورة في شمال الجزيرة العربية، والتي ترجع لتاريخ طويل مرتبط بحياة البادية والصحراء، حيث كانت من أهم رقصات الحرب التي تهدف الى بث الرعب في قلوب الأعداء بإطلاق أصوات وأهازيج تشبه الى حد كبير زئير الأسود او هدير الجمال أو عواء الذئاب . لذلك يشكل الرقص منفذاً لقراءة سلسلة من التحولات الاجتماعية التاريخية. ويكشف مسارات تشكل العبادات، منذ ما قبل الوثنية حتى صدر الإسلام. فالعلاقة التي يقدمها الرقص في هذا السياق، تتعدى انحناء الأجساد، وتمايل الأيدي، لتصل إلى العلاقات العقلية التي نسجتها مجتمعات الجزيرة العربية مع حضارات قديمة، مثل الفرعونية واليونانية والهندية ، تظهر هذه العلاقات المتشابكة بالوقوف عند تاريخ الرقص، وسلسلة تطوره الممتد. إذ تكشف النقوش الأثرية في المعابد الفرعونية، أن الرقص كان أحد أشكال التقرب إلى الآلهة المصرية القديمة. وكانت تؤديه النساء في طقوس يكشفن فيها عن أجسادهن، ويتمايلن أمام الحجارة المنحوتة، في حالة أشبه ما تكون باستجداء الخير، وطرح الخصب والوفرة. فالتصورات الأسطورية القديمة ظلت ترى في المرأة رمزاً مكثفاً للخصب، منها تولد الحياة، وتزداد الخليقة، ومنها يطرح الإله عمال الأرض وأنبياءها وبناءها. وانطلاقا من ذلك فإن التعبير عن المشاعر الروحانية أيضا يمكن أن يتم من خلال الرقص، ومنذ قديم الأزل تحدث الإنسان إلى آلهته بالرقص، وشكرها بالرقص، وتضرع إليها أيضا بالرقص، فاستطاع أن يحقق أعلى شعور للسمو الروحى والانسجام مع الطبيعة والصفاء النفسى، من خلال الحركات الجسدية المختلفة. وقد كانت الرقص فى مصر القديمة ركنا مهما من أركان الحياة الدنيوية والدينية على حد سواء، وكانت تتنوع ما بين رقصات للترفيه ورقصات تقام فى الجنازات ورقصات تقام فى المعابد ورقصات خاصة بالأعياد والمواسم المختلفة.وكان الرقص المرتبط بالدين عند المصرى القديم شكلا من أشكال العبادة وشرطا أساسيا لإقامة الشعائر والطقوس الدينية، وكانت الرقصات تتم فى المعابد فى حضرة إله أو آلهة معينين أو فى مواكب هؤلاء الآلهة أو الأعياد التى كانت تقام لهم. كما كانت هناك رقصات خاصة بالأساطير الدينية، فكان يتم تشكيل فرق ومجموعات تؤدى الرقصات التى يغلب عليها الطابع المسرحى، فكان يتم تمثيل الأسطورة الدينية بالرقصات الاستعراضية والتعبيرية، على أنغام الموسيقى الحزينة أو بالغناء. كما ان الرقص الموجود حاليا بالعراق كرقصة الجوبي بأنواعها، (يؤديها الجنسان بنحو مختلط كل من الاكراد، والارمن، والآثوريين، واليزيدين، والتركمان، والكلدان، وغيرهم، ويوديها العرب بالرجال فقط)، ورقصة (الساس) العربية وغيرها. ترتبط جميع تلك الرقصات بأصولها الدينية، والمثولوجيات الرافدينية القديمة، وترمز بالأساس للحركة، والحياة، والخلق، والخصب، وطرد الارواح الشريرة، تذكرنا بأحداث قصة الخليقة، وانتصار ألإله مردوخ على العمى والظلام، والآلهة (تيامت). جميع الرقصات الشعبية الرافدينية ما هي الا محاكاة رمزية للحركة الاولى التي كانت في بداية خلق الكون، والدبكة ذات الحركة الدائرية بأنواعها، شديدة الارتباط بالمثولوجيات الدينية التي تقوم على اساس الدوران حول المكان المقدس، لاستدرار البركة، وهذه الحركة نلاحظها اليوم عن المسلمين وهم يؤدون مراسم الحج السنوي في مكة المكرمة، أو عند زيارتهم لأضرحة الاولياء والاماكن الدينية، وهي محاكاة لحركة الكواكب والنجوم، وقد تكون تعني التخلص من السحر، ورسم منطقة دائرية مقدسة تعطي الحماية،إن الطابع الدينى للرقص مازال متواجدا ومستمرا فى بلاد في كثير من شعوب المرتبطة بالحضارات القديمة ولا عجب من قول مولانا الشيخ جلال الدين الرومى أحد أكبر المتصوفة فى التاريخ الإسلامى، الذى أسس رقصة المولوية الصوفية «أرقص وإن لم تزل جراحك مفتوحة.. أرقص وأنت حر تماما» . لا يرتبط الرقص بهذا التاريخ الطويل للأديان والعبادات وحسب، إنما يفتح منفذاً على ممارسات الإنسان القديم في مشوار بقائه على الأرض. إذ أنتج الإنسان تعبيرات راقصة في خوضه للحرب، وفي خروجه للصيد، وصولاً إلى أشكال تعبيره عن الفرح والحزن. فحتى اليوم تحضر أنماط من الرقص التي يعود تاريخها إلى رقصات قديمة، كانت تؤدى في الحروب. فرقصة "السياني عند الشعب الكردي في العراق، التي تتعدد أنماطها اليوم، كانت تمارسها المقاتليين الميديين كنوع من شد العزيمة، وإيقاع الرعب في نفوس الأعداء. ورقصة السياني تتميز عن الرقصات الأخرى بالموسيقى الحماسية وسرعة الحركة، وعلى اختلافاتها، إلا أن كلها رقصات حرب وقتال ضاربة في القدم، وليست مقتصرة على الكرد فقط، بل يشاركهم الكلدان والسريان والاشورين والايزيدين بهذا الرقصة لما لها من دلالات ومعانٍ. يثير هذا التاريخ أسئلة جذرية حول فكرة الرقص كشكل من أشكال التحرر، والخروج عن العقل الحاكم. فالتغلب على الخوف بالجسد المنفلت، والتعبير الحركي، هو درب واسع لسائر أشكال التحرر من قيود الجسد، التي ظل الإنسان يسعى إليها. ومنها، وظف الرقص في حالة تعبيره عن الفرح، فالفرح الصاخب أحد أشكال الانفلات من قيود الواقع على اعتبار أنها ماثلة في المادة والشعور والعقل. من هذا الباب أخذ الرقص مشواره ليتحول في المنظومات الدينية إلى حالة من التحرر وقبول كل مختلف . ويستخدم الجسد في عديد العبادات في معظم الاديان تحت مسمى التقرب من اله ، ومنها الصلاوات والتراتيل ، واينما يكون الجسد منغمسا في عبادة الخالق كالروح تماما. و يقول ابن سينا: “لقد هبطت النفس إلى هذا العالم وسكنت الجسد فلابد ان تحن وتضطرب وتخلع عنها سلطان البدن وتنسلخ عن الدنيا لتصعد إلى العالم الأعلى وتعرج إلى المحل الارفع” وإذا ما نظرنا فى العلاقة التى تربط الإنسان بالرقص وجدنا أنها لم يأت من فراغ، فالإنسان العادى يتعامل مع الرقص باعتباره فطريا يعبر من خلاله عن حالات الحزن والفرح والانتشاء وغيرها الكثير من المشاعربشكل تلقائي عفوي. وقد يعجز الإنسان عن التعبير بالكلمات وتعوزه الألفاظ ليصف ما يختلج بداخله، فيلجأ لحركات تجسد ما يجيش بصده. ربما رد بعض المؤاخذين بأن الرغبات الجنسية وفورات الغضب أيضا من فطرة الانسان، وهذا صحيح . ان الموسيقى التي تتناهى لأسماعنا في أرجاء الكون، من زقزقة العصافير أو وقع قطرات المطر، تحدث في النفس وقعا بهيا ترن لها الروح و يتمايل معه الجسد وهذا الرقص المصحوب بالحب الإلاهي يعلي من نقاء الانسان وقربه من الخالق. ومن أجمل ما قيل في الرقص نجد هذه القولة لجلال الدين الرومي
الرقص ليس قفزاً في الهواء .. !
ولا رفع الألم في الهواء كالغبار
الرقص هو الارتفاع عن العالمين ..
الرقص هو الدم لألمك ..
الرقص هو التخلي عن حياتك ..






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثلية الجنسية بين العلم والموروث
- التنوع الثقافي ثروة مستدامة
- نقدي محبوب ونقدك معيوب
- فرصة للكلام في يوم السلام
- السياسية المائية للعراق يصنع من شط العرب بؤرة للتلوث


المزيد.....




- سلا.. هجرة جماعية لمستشارين بجماعتي عامر وبوقنادل لحزب الحم ...
- اختيارها مخاطرة... مخرج -المداح- يكشف اسم فنانتين اعتذرتا عن ...
- طرق وحضارات ومدن عريقة.. جدل الهوية والتاريخ في تمبكتو
- انطلاق عرض «صاحب مقام» ابتداءً من الليلة على «المسرح العائم» ...
- في ذكرى رحيله.. نوري الراوي التشكيلي العراقي الذي أوصل بيئته ...
- لوحة لبيكاسو تباع بأكثر من 100 مليون دولار في مزاد بنيويورك ...
- جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، يعطي تعليماته السا ...
- خبير سياسي إسباني يتقدم بشكاية إلى القضاء ضد المدعو إبراهيم ...
- القضاء الفرنسي يقر حظر تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين ومنظموها يتم ...
- -بروسيدا- مرشحة للقب عاصمة الثقافة الإيطالية


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هازان كاريسي - الفنون المقدسة ج1 (الرقص)