أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مصطفى انصالي - الصورة : ديكتاتورية ناعمة(1)














المزيد.....

الصورة : ديكتاتورية ناعمة(1)


مصطفى انصالي
(Inssali Mustapha)


الحوار المتمدن-العدد: 5888 - 2018 / 5 / 30 - 21:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الصورة : ديكتاتورية ناعمة(1)
"إنهم لضالون أولئك الذين يخدمون الصور" ، "اللعنة على من يصنع صورة منحوتة"، "المنازل التي تعلق فيها صور لا تدخلها الملائكة" ... كل الديانات التوحيدية بطبيعتها معادية للصورة، فالعين بالنسبة لها هي أصل الخداع الذي يتم بسببه عبادة المخلوق عوض الخالق ، إن الرب الحقيقي الذي تتحدث عنه الكتب السماوية هو رب غير قابل للرؤية، أما الأصنام فهي آلهة مزيفة، وما يجعلها كذلك هو تحديدا قابليتها للرؤية والملمس، إن الروحاني في عرف الأديان التوحيدية مرادف للامرئي واللامحسوس، من هنا يمكن فهم الثورة التي أحدثتها على عبادة الأصنام . هذا الالحاح الديني في معاداة أو تحريم الصورة يؤكد لنا بالملموس أنها ليست بريئة كما يجعلنا نحس بحضور خطرها ويفرض علينا مساءلة براءتها الخادعة.
إن الكم اللانهائي من الصور التي أصبح انسان العصر الحديث يستهلكها صباح مساء تجعل من عصرنا عصر صورة، "وما يحسب بالضبط لهذا العصر هو أنه ساهم في ما يسمى بدمقرطة الصورة حيث أصبح التقاطها حقا جماعيا بعد أن كان حكرا على طبقة الأسياد من الملوك والنبلاء إبان المرحلة القروسطية" كما أن حضورها القوي في واقعنا اليومي يجعلنا نجزم أن سحرها كان أقوى من تحريم الدين، بل إن الدين نفسه لم يسلم من سطوتها رغم معاداته لها نظريا فصورة القدس وقبر السيد المسيح هما ما يجذب الناس نحو الأرض المقدسة، صحيح أن مسيحيي القرن الواحد والعشرين لم يعودوا يكسرون القرابين كي يروا ما إذا كان دم المسيح سينبثق منها أم لا، لكن بالمقابل هل اختفت القبل والركعات والشموع من الحج لأضرحة القديسين ، وهل يتعامل مدعوا العقلانية اليوم مع صورة مريم العذراء بشكل عقلاني، ولماذا يثور المسلمون كلما نشرت إحدى مجلات الغرب صورة لنبي الاسلام؟.
إن القطيعة نهائيا مع الصورة بذخ لا يمكن للسلطة كيفما كان نوعها (روحية أم زمنية) أن تبيحه لنفسها، إننا مسحورون بجبروتها، فلا تتعجب إذا ما وجدت بأن كلمتي magie(سحر) و image(صورة) تتكونان من الحروف نفسها، فسحر صورة واحدة يغني عن الكثير من الشرح المسهب لأي فكرة مهما كانت أهميتها، كما أنها وعلى عكس الكلمات في متناول الجميع...توحد اللغات ولا تحتاج إلى تعليم... يفهمها الصغير والكبير، العالم والجاهل، فبالأمس القريب كان يقال " إنه الحقيقة فقد قرأته في كتاب..." أما اليوم فيقال "صدقت الأمر لأني شاهدته في التلفزيون " . إن هذا السحر الممارس علينا من طرف الصورة هو ما يجعلها أداة فتاكة تحتكره في غالب الأحيان سلطة ما وتوظفه كسلاح إيديولوجي من خلال توحيد الأفراد حول صورة مركزية للمجموعة، فلا وجود لجماهير منظمة بدون اسنادات بصرية تمكن من الالتحام؛ كالصليب أو الهلال أو صورة الزعيم ...
إن مقاومة سحر الصورة يقتضي منا فك طلاسيمها وتفكيك طرق اشتغالها علنا بذالك نستطيع ولو جزئيا التحرر من استبدادها الناعم، فالوعي بالشيء طريق نحو التحرر منه.فما هي خصائص وسمات الصورة ؟
أولا : الصورة تجهل الكوني والمجرد فلا انجلترا ولا الانسانية ولا الديمقراطية بإمكانها أن تظهر لنا كصورة، فجل ما يمكن للصورة القبض عليه هو هذا الانجليزي أو ذاك الرجل أو هذا السياسي... وتبعا لذلك فهي تنتج ثقافة غارقة في المحسوسات، تنتج انسانا غير قادر على فهم المجرد وعاجز على التعميم؛ كل ما يفهمه عن العدالة أو الحرية أو الكرامة... رهين بما التقطته عيناه من صور حسية مادية .
ثانيا: الصورة لا تعرف النفي؛ فالعدم واللاحضور واللاشيء كلمات تقبل أن تقال لا أن ترى وتصور. إن منطق الصورة هو الإثبات فقط وهي بذلك تساهم في انتاج أناس غير قادرين على النفي، عاجزين عن قول لا. فتعريف ديكارت لمفهوم الشخص باعتباره ذاتا تفكر وتشك وتثبت وتنفي... لا ينطبق على عصر الصورة .
ثالثا : الصورة لا زمن لها؛ زمنها هو الآن جل اهتمامها ينصب على الحاضر وهي بذلك تساهم في تكوين أشخاص غارقون في اللحظة يعيشون لحظتهم بلا ذاكرة، أناس في حل من عهود الأمس أشخاص يريدون كل شيء حالا، انتهازيون وغير قادرين على التضحية من أجل الغد. شعارهم في الحياة : أنا وبعدي الطوفان .

يتبع.



#مصطفى_انصالي (هاشتاغ)       Inssali_Mustapha#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سرق صلاة الجمعة


المزيد.....




- قوارض وآفات منتشرة.. أزمة صحية متفاقمة تلاحق أطفال غزة وسط ت ...
- -حرب قصيرة لكنها شديدة وعنيفة-.. لماذا قد تكون المواجهة المق ...
- زفاف جماعي في طهران يحول العربات العسكرية إلى سيارات عرائس
- “مسيرات الـ300 دولار” تربك إسرائيل.. نتنياهو يخصص ملياري شيك ...
- العراق: المجلد 87 – ديسمبر (كانون الأول) 2025
- -كانت ساقاي ترتجفان-.. طفل يروي لحظات الرعب في مسجد سان دييغ ...
- المتحدث باسم أسطول الصمود سيف أبو كشك يتحدث عن ظروف اعتقاله ...
- إيلون ماسك يخسر دعوى قضائية رفعها ضد شركة -أوبن إيه آي- في ا ...
- موجات وبائية متكررة.. أين رصد فيروس إيبولا للمرة الأولى وكيف ...
- الأكبر في تاريخ الجيش الليبي.. مناورات عسكرية بمشاركة 25 ألف ...


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مصطفى انصالي - الصورة : ديكتاتورية ناعمة(1)