أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طيف غسان - هوس اللذة.. رواية















المزيد.....



هوس اللذة.. رواية


طيف غسان

الحوار المتمدن-العدد: 5738 - 2017 / 12 / 25 - 17:22
المحور: الادب والفن
    





هوس اللذة
رواية
سماح عادل







إلى كل فتاة عجنتها الحياة فقاومت أو انسحقت.










،،،،
للذة هوس.. يُحاصر .. يَغوي.. يُقلق .. يُشوش صاحبه .. يجعله تحت رحمته.. قليل من يستطيع التحكم بهوس لذته.. والكثير لا يستطيع الفكاك.. أحيانا يتحول هوس اللذة إلى ثِقَل يؤذي الآخرين.
،،،،












يناير 2016
لا أريد أن أستيقظ، استمرئ صناعة أحلام أخرى، أتضايق من صوت جرس الهاتف، وأفشل في تضمينه داخل الحلم، أعرف أنها أمي حتى وأنا لازلت في خدر الحلم، أترك الجرس حتى ينقطع، أقرر بوعيي غير المكتمل أن استمتع بسكون النوم لأطول فترة ممكنة لكن أمي تعاود الاتصال، أقوم بتململ.
- إنتي نايمة لحد دلوقتي؟.
- آه.
- قومي كده وفطري الولاد.
- طيب.. أصلهم بيناموا متأخر والدنيا برد، إنتي عاملة إيه؟.
- أنا كويسة، هاكلمك تاني لما تفوقي.
لازال أحد الأحلام عالق في ذهني، كنت أرى نفسي أتحدث مع حكمت، وهي تعاملني بكبرياء، وأنا أتمنى من داخلي أن تعود العلاقة بيننا جيدة، لكنها تصر على عنادها، و أري منال وسهير يتهامسن عني، وفي داخلي خوف من ما سوف يحدث، لا أعلم لماذا مازلت أحلم بحكمت حتى الآن؟.
أدخل الحمام، أتحاشى النظر إلى المرآة، أغسل وجهي وأنا مغمضة العينين، وحين تحترق عيناي بالصابون أنظر لاإراديا إلى المرآة، أصب الماء عدة مرات وأقابل وجهي فيها ، كأنه وجه سيدة أخرى اضطر إلى مقابلتها بين حين وآخر، انزعج من تحولات وجهي المرعبة، تلك التي تفسد الصورة المختزنة لذاتي في داخل ذهني، أكتشف مجددا أن الزمن قد حول وجهي كما يفعل بالآخرين، أصبحت الآن أشبه جدتي، بوجهها الطويل الذي كان يزعجني حين أتصفح صورها وهي شابة، منذ فترة كنت قد تحولت لأشبه أمي، خاصة عندما أضحك مثلها ضحكة صافية وغير متكلفة، ورثتها عنها دون رغبة مني، كان ذلك تعزية مرضية بالنسبة لي لأني كرهت طوال حياتي ملامح أبي التي التصقت بوجهي عنوة، وكنت ألعنها في سري حين يردد الأقارب أنني نسخة مصغرة منه.
الآن أصبح وجهي يتقلب بفعل الزمن وربما بفعل أشياء أخرى لا أعرفها، يذكرني بأشخاص عشت معهم وكانت ملامحهم تثير فيا أحاسيس أخرى، تتشابك تلك الأحاسيس حينما آراها على وجهي، لكن فقدانه وهج الشباب هو ما يزعجني أكثر، تركت المرأة وأنا أؤكد لنفسي أني لن أنظر إليها ثانية إلا مضطرة.
أحضر الإفطار، وأعد لنفسي كوبين من الشاي، حتى استفيق، يبدأ طفليا في صخبهما، أدير لهما التلفاز وجهاز الحاسب الآلي وأفكر فيما سأفعله، أتصفح " فيسبوك"ممل كالعادة، يفيض بإحباطات وخيبات الآخرين التي أضيفها إلى خيبتي، وأشعر بمزيد من الثقل في روحي، أفتح الرواية التي أقرأ فيها على الحاسب الآلي خاصتي، اقتربت على النهاية، لست في كآبتي المعتادة فالقراءة تخفف من حدتها كثيرا، أفكر مرة أخرى في أحلامي عن حكمت والتي تكررت في الفترة الأخيرة، قد يكون عقلي الباطن يبعث لي برسائل ما.







قصة رقم (1)
حنين
ارتدت حنين ملابس العمل، وضعت مكياجا صارخا، كانت قد نست كل تلك التفاصيل، رشت عطرا وقالت لأمها أنها لا تُريد أن تذهب، وبختها أمها كالعادة، لعنتها وانتعلت حذاء ذا كعب عالي، غادرت المنزل، هذه أول ليلة عمل بعد فترة انقطاع امتدت لعدة أشهر، أحست فيها أنها تعيش حياة حقيقية، لكن لابد أن مصيرها قد تحدد ولن تستطع الفرار منه، انتظرت في الكافية التي قالت أم حسن أن الرجل سيقابلها فيه، هاتفها ليؤكد الموعد، رسمت على وجهها ابتسامة مفتعلة، تمنت أن يكون الرجل وسيماً، ربما يخفف ذلك من حدة الأمر، لم تتوقع أن يكون مهذباً أو لطيفاً، فالرجال حتى لو كانوا كذلك في حياتهم الواقعية، إلا أنهم معها يتعمدون التصرف بسفالة، يعتبرون ذلك أحد حقوقهم عليها، طلبت عصير وأخذت ترتشف منه على مهل، تحاول مقاومة انقباضه القلب، كأنها تذهب في أول موعد، ربما لأنها كانت قد أيقنت خلال الشهور القليلة الماضية أنها لن تعود أبدا، وكانت قوية في مواجهة أمها وأخيها اللذين يُصران على دفعها إلى هذه المهنة.
أتى الرجل، ليس وسيما، له كرش كبير وملامحه كبيرة وغير متناسقة، وصوته أجش، ومن طريقة تحدثه يبدو أنه فظ، يُلح في أن تسرع حتى يذهبا لمنزله، عادت انقباضه القلب مرة أخرى تمتزج هذه المرة بالتقزز، ركبت بجواره في سيارته، أخذ يلمس فخذيها، لماذا هو مستعجل هكذا؟، يريد استثمار الساعة التي اتفقا عليها من الآن رغم أنها تُحسب من وقت دخولها للمنزل، اضطرت إلى تثبيت ابتسامتها المفتعلة لكنها لم تجد لديها القدرة على افتعال المرح، أو قول أشياء لإغرائه، هو لا يحتاج.
دخلت إلى منزله، طلب منها بشكل مباشر أن تخلع ملابسها، تساءلت ألن يشربا شيئا أو يدخنا معاً سيجارة مخدرة؟، قال لها أنه لا يستطيع الانتظار، بعد أن يُواقِعُها سوف يجعلها تحتسي ما تريد، أصابها ذلك بمزيد من التقزز منه، خاصة وأنه يعطيها أوامر بشكل فظ ولا يُجهد نفسه في افتعال اللطف، خلعت ملابسها ببطء متعمد، تمددت على السرير، خلع هو أيضا كل ملابسه في سرعة وتخبط، نام فوقها وبدأ في مواقعتها، حركاته السريعة أدخلتها في حالة التقزز القصوى التي تعرفها جيدا، حاولت أن تُرخي عضلاتها تماما حتى يُنجز الأمر سريعا.
أعادها ذهنها لأول مرة يلمسها ذكر، كانت في عمر الثامنة، تلعب في الشارع كباقي الأطفال، كلمها رجل من جيرانها في المنزل وطلب منها أن تشتري له علبة سجائر وأعطاها نقودا، طلب منها أن تصعد لشقته لتُعطيه السجائر وذهب، اشترت له السجائر وصعدت إلى شقته لتُعطيها له، فتح لها الباب ونظراته متغيرة، لم تفهم ذلك وقتها، فهي كانت طفلة، قال لها:
- اتفضلي تعالي أشربك حاجة حلوة.
- لا شكرا.
- تعالي بس دا أنا عندي عصير وشيكولاتة، ومش هاقول لحد إنك قعدتي معايا شوية.
أعطاها شيكولاتة وكوب عصير وجلس بجوارها، أخذ يلمس جسدها، ارتعبت.
- متخافيش مش هاعمل حاجة تأذيكي، لو سمعتي كلامي هاديكي الفلوس اللي إنتي عايزاها.
- لا شكرا أنا هاقوم أمشي.
- استني بس يا بت ما أمك وأختك بيعملوا كده، أنا هاعمل حاجات خفيفة هاتبسطك.
قال لها الرجل الذي فوقها:
- مالك ساكتة ليه، طب حللي القرشين اللي هاديهملك.
- خلص أنا زهقت إنت طولت قوي.
- زهقتي إيه يا بنت.... أنا لسه عملت حاجة.
جسدها أصابته القشعريرة، خائفة هي من داخلها لكنها لا تقوى على الصراخ أو الاستنجاد بأحد، وخائفة أكثر من أن يؤذيها هذا الرجل، حتى إذا صرخت فلن يصدقها أحد ، وأمها لن تفعل شيء للدفاع عنها، وربما ستسألها إذا كانت قد أخذت منه نقودا أم لا.
استسلمت تماما للمسات الرجل وظلت تقول له:
- بتوجعني، الله يخليك سيبني أمشي.
- يا بت ما تخافيش مش هأذيكي، هاخليكي بنت مش هاعورك.
أحست أنها تريد أن تتقيأ فالجار يُقبلها، ورائحة فمه كريهة، ورائحة عرقه مُقرفة، أول مرة تعرف معنى القبلة.. مقززة، لن تستطيع أن تحكي لأحد، ستصبر حتى يتركها الرجل ولن تسمع كلامه مرة أخرى، ولن تشتري له شيء أو تقترب من باب شقته، لمساته على جسدها كأنها لسعات نار تُحرقها، تنظر إلى إغماضة عينيه، وتكره ملامح وجهه، ولهاثه الذي يتزايد كلما يعبث بقطعة من جسدها.
- يا ست قولي آه ولا إعملي منظر.
- أوعي كده أنا هامشي قرفتني.
- تمشي فين أقعدي بدل ما أضربك يا...
لعنت غبائها لأنها استسلمت لأمها هذه المرة أيضا ووافقت أن تقبل بالزبائن الذين تجلبهم لها أم حسن، لا تستطيع طرد ذكرى ذلك الجار السيئ من ذهنها، صوت لهاثه المتسارع، ورائحته الكريهة، وصوته الذي تغير فجأة وهو يلمسها، كرهته يومها وكرهت غالبية الذكور، خاصة الذي يتفحصون جسدها وهم يحادثونها.
لم تعد تطيق حركات هذا الرجل، أحست أن جسدها كأن به وخزات شوك، وهو مستمر في حركاته العنيفة، بدأت تتألم، تأوهت من الألم بصوت عالي مما جعله يزيد في عنفه، لعنته في داخلها فهي تخاف أن يضربها كما هددها، ستعامله بلين حتى تستطيع أن تأخذ الأجر الذي اتفقت عليه معه، أخذت تتنفس بانتظام علها تستطيع الصبر، لكن الألم بدأ يتزايد، انغمست في إحساس الألم حاولت التلذذ به، أحياناً عندما تصل لحالة يأس وإحباط عالية تركز في الاستمتاع بالألم، والغوص فيه، يريحها ذلك ويصرف ذهنها عن الأفكار السوداوية التي تنتابها.
- أيوة كده إبتديت أتمتع يا ....
زادت تأوهاتها المتألمة، تصاعدت وخزات الألم وغطت على ذكرياتها المقرفة.
انتهي الرجل منها، أخذ لهاثه يزداد وانقلب على ظهره بجوارها، ظلت مغمضة العينين للحظات حتى لا ترى وجهه، والألم لازال موجود.
- ما تيجي نعمل مرة كمان؟.
- مرة كمان إيه هي مرة واحدة، وبعدين إنت تعبتني، نايم مع بهيمة.
- جسمك حلو بس لسانك زفر، لو عايزة نتقابل تاني؟ بس ما تقعديش تصربعيني يا ....
-هاجيلك الأسبوع الجاي لو إديتني الفلوس اللي اتفقنا عليها.
- طيب بس خدي بالك أنا ما اتبسطش قوي كهربتي أمي وعصبتيني.
- معلش المرة الجاية هابسطك، أصلي مزاجي مقريف.
دخلت الحمام غسلت وجهها وفمها وتبولت، لم تنظر في المرآة، لن تستطع أخذ حمام هنا، وستضطر أن تسير في الشارع ورائحة هذا الرجل عليها، رشت مزيداً من العطر علها تنسى رائحته، أخذت حبة "ترامادول"، لا تعلم لماذا لم تأخذها قبل أن تدخل منزله، ربما كانت تحملت معاملته الفجة، كانت قد أخذت عهدا على نفسها ألا تتعاطي مخدرات لكن بما أنها رجعت لمهنتها فما الضرر من المخدرات، هي تعطي جسدها للجميع ليأكلونه فلا بأس من المخدرات في أن تأكله هي أيضا.
ركبت تاكسي، أمها تتصل، تريد أن تطمئن على الأموال، لم تجد امرأة في الدنيا في جشع أمها وحقارتها، لم ترد علي مكالمتها، دخلت إلى المنزل وجدتها تنتظرها على الأريكة في الصالة.
- ها.. قبضتي كام؟.
- إنتي على طول ملحقاني؟.
- آه أمال هاصرف عليكي منين؟.
- إنتي بتصرفي عليا، هو إنتي أصلا بتطبخي ولا الخرابة اللي إحنا عايشين فيها دي بيت؟.
- هاتي الفلوس.
- هاديكي مية جنيه وماتقعديش توجعي دماغي.
- حلو تلقيكي واخدة قدهم خمس مرات.
- مالكيش فيه بقى هو أكل ولا بحلقة.
- شفتي بقى يا هبلة كان زمانك بتقبضيهم في نص شهر في الجمعية المنيلة اللي كنتي بتشتغلي فيها.
- ياريتها كانت دامت.
- وإيه اللي خلاها مادامتش، ما أنا قولتلك أنهم بيكدبوا عليكي ولا هما جدعان ولا نيلة، مافيش حد بيخدم حد ببلاش يا هبلة، لازم يكون ليه عندك مصلحة.
ضغطت أمها على جرحها الجديد، هذا هو ما يصيبها باليأس حالياً، صدمتها في حكمت، كانت تظنها طيبة وستعوضها عن حنان الأم الذي لم تشعر به أبداً، تعرفت على منال في إحدى البارات وكلمتها عن جمعية تقدم خدمات للفتيات، وأخذت تُلح عليها كثيراً في أن تذهب، أخذت أمها وأخيها الكبير وذهبت، هما رافقاها لأنهما خافا من هذه الجمعية، وجدت فتيات كثيرات وامرأة أربعينية وبعض الشباب، تعاملوا معها جميعا بترحاب، وسمعوها جميعاً باهتمام، تخيلت أن الجمعية تسعى لمساعدتها، أخذوا يتكلمون عن الواقي الذكري وضرورة ارتدائه، لم تهتم بكل ذلك، كل ما شغلها حميمة حكمت، أحست أنها تتعلق بها، حكت لهم قصتها، وأنها غير راضية عن مهنتها وأن أخيها القواد وأمها هما من يجبرانها على هذا العمل، ظلت تتردد على الجمعية كثيراً، وقالت لحكمت أنها لا تُريد أن تعمل بهذه المهنة، وإذا كانت تُريد أن تخدمها فلتوفر لها فرصة عمل بالجمعية، وافقت حكمت وعملت معها.
لاحظت جو صراع ومنافسة بين العاملات هناك، لم تهتم حيث أنها عقدت صداقة طيبة بحكمت ومنال وسهير، وكانت حكمت تستقبلها في منزلها، وتلعب مع بناتها الصغار، يعاملونها جميعا باحترام، لا كفتاة ليل مثلما يعاملها جميع الناس منذ بدأت تعي الحياة، في الجمعية تعامل كإنسانة.
العقبة الوحيدة هي الأجر الضئيل والذي يجعل أمها تُلح عليها يومياً، لا تشبع من النقود أبداً، حنين كانت راضية بحياتها الجديدة، تذهب للعمل في الصباح، تستيقظ مثل باقي الناس في النهار، امتنعت عن تناول أية مخدرات سواء "ترامادول" أو حشيش أو بانجو، أحست أن دمائها بدأت تنظف، وجسدها يتنفس، وروحها تهدأ، شعرت أنها محبوبة وأن هناك أناس يهتمون لأمرها.
أحاطتها حكمت برعايتها وحنانها، وكانت قوية في مواجهة أمها وأخيها، بل أنها في بعض الأحيان أحست أن حكمت حماية لها من أخيها، قررت بشكل نهائي ألا تبيع جسدها مرة أخرى، بل وشجعت صديقات لها على ترك المهنة والبحث عن عمل نظيف، لكن أمها لم تيأس في أي يوم وظلت تُلح عليها، وتتشاجر معها، وتُعكر صفو حياتها الجديدة، وأحيانا يأتي إليها أخيها الكبير ويضربها أو يهددها، يرون أنها استثمار أسرتهم فهي لازالت في ال 16 من عمرها وجسدها نحيف يعني أنها سلعة غالية في سوق الفتيات وتجلب مالاً كثيراً، وأمها وأخيها يريدون أن يأخذوا من وراءها أموالاً قدر ما يستطيعون.
طلبوا منها في الجمعية أن تحكي قصة حياتها في جلسة مسجلة، وأن تقول كل شيء وبصراحة، كانت منال وسهير هما من توجهان إليها الأسئلة، وافقت على الفور فهي تُريد أن يعرف الجميع قصتها والظلم الذي وقع عليها، فهي أبدا لم تختار أن تسير في هذا الطريق بل أجبرت عليه وتعذبت كثيرا، وأيضا عندما علمت أني أكتب قصصا قصيرة، وأنشرها في الصحف، طلبت مني أن أكتب قصتها، وأنشرها، وافقت وأمسكت ورقا وقلما وأخذت أكتب.
كررت حنين قصتها التي حكتها كثيرا لنا منذ أتت إلى الجمعية، قصة زوج أختها القواد الذي تزوجته أختها بعد سنوات من عملها في بيع الجنس، ليحميها ويدير عملها، وكانت تسكن في شقة بعيدة عن منزل أمها، وكانت حنين عندما تتشاجر مع أمها تذهب إلى أختها لتعيش معها، فقد كانت أمها تُلح عليها منذ أن كان عمرها 12 عاما كي تعمل مع أختها، لكن حنين كانت ترفض، وفي أحد الأيام بعد ذهاب أختها إلى العمل قال لها زوج أختها أنه سيكشف عليها، ليتأكد من عذريتها، وأقنعها أنه فقط سيطمئن عليها، صدقته حنين وخلعت ملابسها لتريه، لكنه غدر بها وأفقدها عذريتها، كانت حنين تردد هذه القصة كثيراً، وبتنويعات مختلفة حتى أمام أمها وأخيها عندما جاءوا للجمعية أول مرة، وحتى في الجلسة المسجلة، دائما ما تنسب لهذه الحادثة خطيئة سيرها في مهنة بيع الجنس، وحدي أنا التي دققت في أسئلتها، ولم أظهر تعاطفا وحزنا كما يفعل الجميع، سألتها:
- طب وليه يتأكد من عذريتك هو إنتي كنتي عملتي حاجة قبل كدا؟.
- لا ما عملتش.
- أمال ليه يقولك كده وإنتي تصدقيه؟.
- عادي هو كان بيضحك عليا علشان يعمل فيا كده واضطر اشتغل يا دفا.
- برضوا مش فاهمة لو إنتي ما حدش لمسك قبل كده يبقى إنتي كنتي قلقانة ليه إنك فقدتي غشاء البكارة؟.
أنا من انتبهت لكذبها، و أخذت أحقق معها، أعرف أنها لا تُحبني، تشعر أني أتأملها كثيرا، ولا أحاول التقرب منها كما تفعل الأخريات، فأنا دائما صامتة، لكن أنتبه لما يدور حولي جيدا، اعترفت لي حنين أنها منذ الثامنة وهي تفعل أشياء مع الذكور، هي في الواقع لا تفعل شيء وإنما هم من يفعلون بها، ارتاحت عندما حكت لي، ولم تجد في نظراتي أية إدانة، في الواقع وجدت بعض التعاطف المكتوم.
فتحت قلبها لأنها تُريد أن تفعل ذلك وتتخلص من عبء تحمله طويلا، لأن أمها وأختيها سيئات السمعة تجرأ عليها الجيران وأصبحوا يلمسون جسدها ويعطونها بعض الجنيهات، وهي كانت طفلة لا تفهم، ولا تستطيع أن تمنع عن نفسها الضرر، لكنها عندما بدأت تعي الحياة وتفهم لم توافق على أن تبيع جسدها، بل وتمسكت بغشاء بكارتها مثل باقي الفتيات، ورغم أن أخيها يعمل قواد هو الآخر وزوجته تبيع جسدها أيضا إلا أنها لم ترض بمطاوعتهم، الوحيدة التي ساندتها أختها الكبيرة والتي وقفت بوجه أمها وأخيها وقالت لهم:
-أنا هاديكوا الفلوس اللي عايزينها بس ابعدوا عن حنين ما توسخوهاش زي ما وسختوني.
وكانت أختها تحرص عليها و تتركها فقط تخدم الزبائن الذين يترددون على المنزل، لكن زوجها القواد هو من تجرأ وأفقد حنين عذريتها، وبعد ذلك أقنعها أن تعمل مع الزبائن لتدخر ثمن عملية ترقيع غشاء البكارة، وبالفعل أصبحت تمارس جنساً مع الزبائن وهو يأخذ النقود وأوهمها أنه سيزوجها أحد أبنائه الكبار الذي أنجبهم من زوجة قبل أختها.
بعد ذلك حملت حنين وخافت أن تخبر أحدا من أهلها، وأخبرت صديقة لها تعمل في بيت أختها، الصديقة أبلغت أختها الثانية التي تعمل بمفردها لأن زوجها يسجن بشكل متكرر، ثارت أختها وأبلغت الأخت الكبرى وشقيق حنين وأمها و اشتعل الموقف، وأنكر زوج الأخت صلته بالأمر واضطرت حنين إلى الهرب من المنزل بمساعدة إحدى صديقاتها، وأجهضت الطفل وأصبحت تعمل بالمهنة بصحبة صديقتها وعرفت الديسكوهات والكافيهات وأماكن تقابل فيها الرجال.
ثم عادت إلى أهلها لأن الشرطة عثرت على قتيلة تُشبهها وحققت في الأمر واتهمت أختها بقتلها، عادت خوفا على أختها من الحبس ووجدت أنهم بدأوا يقبلونها، وزَوجها أخوها من رجل كانت تعيش معه في شقة فقيرة، تزوجها لمتعته ثم تطلقت منه وأصبحت تتزوج من العرب.
عندما بدأت في العمل كانت تتقيأ كل يوم وتتقزز مما تفعله، وتكره نفسها وأهلها، وتسخط على الحياة لأنها لم تولد في عائلة جيدة تحرص على تعليمها وتربيتها مثل كثير من الفتيات، وتعلمت تعاطي المخدرات وشرب الخمر، أولا كان الزبون يعرض عليها ذلك لتشاركه مُتعته، وبعد ذلك أصبحت تسعى للمخدرات حتى تنسى ما تفعله وتستطيع تحمل ما يفعله الذكور فيها، كما أنها تعلمت النصب والاحتيال على الزبائن، حيث أنها كانت تتفق مع شباب من أصدقائها وكانت توقف السيارة وتذهب مع الزبون إلى منطقة هادئة ثم يقوم الشباب بسرقة الزبون وأخذها منه.
أحبت حنين أكثر من مرة، وكانت ترفض أن يُنفق عليها الذكر الذي تُحبه بل تنفق هي عليه حتى تشعر بأنها لا تبيع نفسها له، وغالبا ما كان هذا الذكر يستغلها سواء جسديا أو ماديا ثم يتركها ويذهب لأخرى.
ظنت حنين ببراءة الطفولة أني إذا كتبت قصتها ونشرتها في الجرائد سوف ينقذها أحد من مصيرها المشئوم وتحظى بحياة أخرى لا استغلال فيها، لم تفهم أني لن أجرؤ على كتابة القصة وأن أكيد خبر جلوسي معها وصل لحكمت بشكل فوري.
وأني سأضطر أن أقدم لحكمت تبريرا ووعدا بأني أبدا لن أكتب قصة حنين، فحكمت تملك هذا المشروع بفتياته ومنسقاته ومعلوماته، وكل تفاصيله، ومن تجرؤ على تسريب أية معلومة عن فتيات الليل أو استخدامها بغرض شخصي ستلقي من حكمت أسوأ مصير، أولا سوف ترفدها وتنكل بها ولن تحصل على أية حقوق مالية بالإضافة إلى تشويه سيرتها المهنية أمام باقي المنظمات الأهلية، حتى لا تجرؤ على العمل في أية منظمة أخرى.
حكت لي حنين أنها تُفضل الزبائن العرب عن الزبائن المصريين، لأنهم يعاملونها بشكل أفضل، فالزبائن المصريين يتعاملون بوقاحة ويتعمدون إيذاءها نفسيا وبدنيا، في حين أن الزبائن العرب يجزلون لها العطاء ويعاملونها بشكل أفضل نسبيا، لكنهم قد يطلبون بعض الممارسات المحرمة التي لا تقوم بها أبدا.
مع مرور الأيام فقدت حكمت الاهتمام بحنين، خاصة مع توافد مزيد من الفتيات، وتبخرت كل وعودها لها، ووجدت حنين نفسها فتاة تقوم بعمل وهمي وتتقاضى أجرا ضئيلا، و مع إلحاح أمها بدأت تشعر باليأس، وتقريبا أصبحت لا ترى حكمت، إما مسافرة في عمل خارج البلاد أو داخلها، أو مشغولة عنها بأي شيء، كذلك منال وسهير لم تعودا تحتفيان بها كما السابق، وأصبح التواجد في الجمعية مملا خاصة مع وجود مشاحنات وصراعات مستمرة.
كانت قد تعرفت في أول عملها مع حكمت بشاب يعمل موظف، اقترب منها، ظل يغازلها و يصطحبها بعد العمل إلى المقاهي القريبة من المقر كما عرفها على أهله، أحبته وظنت أنه يحبها أيضا، كان يتعامل معها بحنان، عاشت في الأحلام، وتخيلت أنها أخيرا وجدت من سينقذها مما هي فيه، كانت تمارس معه الحب بفرح، تشعر بجسدها بشكل مغاير تماما كأنها تفعل ذلك لأول مرة، عندما يلمسها تسري رعشة في جسدها، رعشة لذة.
تنسى كل اللمسات النهمة على جسدها والتي أرقتها طوال حياتها، ربما لأن من يلمسونها لم يكونوا يكترثون بها، وبماذا تشعر، وهل تتلذذ أم تستجيب لهم فقط، بل كانوا يحتقرونها من داخلهم، كانت تشعر بذلك من كلماتهم، من نظراتهم، من العنف في التهام جسدها دون رحمة، بينما هو يدخل مناطقها السرية بحنان ولهفة، تشعر معه أنها فتاة لا جسد، يهتم بتأوهاتها، يبحث بفمه عن الأماكن التي تزيد من إثارتها، يقبلها بنهم، يلمس نهدها كقط يداعبه، وحين يدخلها ينتظر أن تتأوه بلذة حتى يواصل.
تسرب إليها أمان وجوده و بعد شهور قليلة فهمت أنها بالنسبة له مجرد علاقة جنسية، قد لا تخلو من بعض كلمات الحب لكنه بالفعل لا يقصدها وإنما يقولها ليعطي لممارسته الجنسية معها معنا إنسانيا، لم يقل لها بشكل صريح أنه لن يربط حياته بفتاة باعت جسدها مرات عدة لكن ظهر ذلك في مراوغته وهروبه منها عندما أصبحت متعلقة به بشدة، عرفت أن المعاملة الإنسانية التي يتعامل بها الجميع معها لا تعني أنهم لا يعتبرونها فتاة موصومة.
استمرت حنين في بيع جسدها لكنها أصبحت تقبل فقط الزبائن العرب، وتفضل أن تتزوج بهم لفترة عرفيا، فهم يطلبون ذلك حتى لا يشعروا أنهم يفعلون أفعالا تخالف شرع الله، تقضي معهم سهرات في أماكن فاخرة وتأخذ أموالا كثيرة وتأكل طعاما جيدا.
في أحد المرات طلب منها زبون أردني الجنسية أن يتزوجها ويرحمها من مهنتها، جلب لها شقة لتعيش فيها، رفضت أن تصطحب أمها معها، وعاشت وحدها، وأصبح يزورها بشكل دوري عند نزوله لمصر، أنجبت حنين فتاة صغيرة، وارتدت الحجاب، وترددت مرات قليلة على جمعية "فقيرة" لكنها كانت قد فقدت بريق الشباب، أصبح وجهها حزينا وعيناها افتقدتا النور الذي كان يملئهما.









يناير 2006
استيقظت مبكرا، قلبي يخفق، ارتديت ملابسي بسرعة حتى لا أتأخر عن موعدي، قابلت شيرين في ميدان رمسيس وفقا لاتفاق الأمس، ركبنا عربة أجرة وبدأنا نتحدث في مرح، وصلنا للعنوان الذي أعطتنا إياه هاجر، الباب مغلق، شقة في الدور الأرضي لعمارة في حي جيد الحال، هاتفت شيرين هاجر للاستفسار ، كان الوقت قد أصبح العاشرة صباحا.
- إنتي مش قولتي التدريب هايبتدي عشرة؟.
- آه أنا في الطريق هو ماحدش جه؟.
- الباب مقفول.
- طب بصي خدي رقم حكمت وكلميها هي أصلا ساكنة في الشارع اللي ورا الجمعية.
- طيب.
ألقت حكمت لشيرين بالمفتاح من شرفتها، وفتحنا باب الجمعية، مكان مدهون حديثا، تحتله رائحة الدهان، يغلب عليه اللون الأبيض، ظل قلبي يخفق خفقات الشعور بالبدايات، جلست على كرسي وأخذنا نضحك أنا و شيرين، فهي تحب السخرية من كل شيء، وأنا أضحك من تعبيرات وجهها حينما تقلد الناس أو تسخر من أي موقف، جاءت حكمت بعد حوالي نصف ساعة ومعها قريب لها، أحسست أن وجهه مألوف، لم أتذكر أين رأيته، لكن لابد وأنه يرتاد منطقة وسط البلد، بدأ الحضور في التوافد، وأنا أكتفي بالمراقبة.
التقيت بالأمس بحكمت بصحبة شيرين وهاجر، في مقابلة عمل، وأحسست أيضا أن وجهها مألوف، لكني استطعت أن أتذكر أين رأيتها من قبل، فقد رأيتها في إحدى التظاهرات أمام دار القضاء العالي، كانت تهتف بصوت ضخم، ظننت وقتها أنها موظفة حكومة، هيئتها توحي بذلك، شعرها مجعد ومربوط إلى الخلف في هيئة كعكة صغيرة، وترتدي بلوزة واسعة وبنطلون، هاتفتني هاجر، وهاتفت شيرين أيضا وقالت أنها وفرت لنا فرصة عمل بإحدى الجمعيات الأهلية الناشئة، والتي تعمل في أحد أفقر المناطق العشوائية، في محافظة القاهرة، فقد كانت هاجر قد انضمت للعمل بأحد مشروعات هذه الجمعية، منذ شهر، والمشروع كان يحتاج إلى ست منسقات ميدانيات، وبالفعل اكتمل الفريق، لكن اثنتان منهما تركتا المشروع، لذا اتصلت هاجر بنا، ورشحتنا لحكمت، لنلتحقا بالمشروع.
تبادلت حكمت حديثا مع شيرين، واكتفيت أنا ببعض الجمل، تحدثت حكمت عن المنطقة العشوائية التي أسست لأجلها جمعيتها، وكيف أن بها نسبة فقر عالية، ونساء يعملن في مهن قاسية، لأنهن يضطررن إلى ذلك، وقالت أن العمل سيكون مع هؤلاء النسوة، وتم الاتفاق على حضور تدريب لفريق العمل، في اليوم التالي، في مقر الجمعية.
حينما حدثتني هاجر عن فرصة العمل في جمعية حكمت، استقبلت الأمر بفرح ذلك لأني ظللت في البيت بلا عمل عدة أشهر، ولم أجد منذ تخرجي من الجامعة فرصة عمل مناسبة، طوال سبع سنوات أتنقل بين مهن قليلة العائد، وليس لها مستقبل مهني، عملت في الأرشيف الصحفي في إحدى دور النشر، وعملت باحثة ميدانية لدراسة اقتصادية، وصحفية بجريدة مغمورة، وكنت قد بدأت أنشر عروض كتب وروايات في جريدة أدبية لكنهم كان ينشرون لي بصعوبة.
حاولت خلال تلك السنوات تحضير رسالة ماجستير في نقد الرواية لكني تراجعت بسبب الإحباطات المتعددة، بين ترك عمل والتحاق بآخر، كما أن تكلفة تحضير الرسالة زادت أضعافا مما جعلني أترك الفكرة كلها، فأنا أحتاج عمل لكي أشارك في الإنفاق، وإعطاء أمي نقودا، ولأني أصبحت في الثامنة والعشرين من عمري وأود أن أحدد لنفسي مهنة ما أستقر فيها، خاصة وأن فرص العمل لا تأتي إلا بالمعارف.
بدأ التدريب، عرض في الجلسة الأولى فيلم قصير عن "الفيروس المسبب لمرض الإيدز"، ثم تحدثت فتاة شقراء مبتسمة عن منظمة الأمم المتحدة وهدفها في مكافحة الإيدز، ثم تبعها طبيب متخصص من وزارة الصحة بدأ بتعريف بمعني "الإيدز".
أحسست بدوار من كثرة المعلومات خاصة وأن تصوري عن الإيدز كان مختلفا تماما، كنت أعرف أنه مرض مرعب، يأتي من معاشرة الأجانب، لكن ما قيل في التدريب كان غير ذلك.
ثم دخل المتدربين في لعبة تمثيلية تخيلوا فيها أنهم قاموا بعمل تحليل دم، وأخذوا نتائجهم في بطاقات ورقية مطوية، وطلب المدرب من كل واحد فتحها والتحدث عن النتيجة، تخيلت وأنا أمسك بورقتي أني قد أكون مصابة بالإيدز، وارتعبت خاصة وأني قد أجريت عملية جراحية في القصر العيني، وذلك لاستئصال جزء من الغدة الدرقية، هذه اللحظات جعلتني أتبادل التعاطف مع عدد من الأفراد في التدريب، وأحسست ببوادر صداقات لطيفة، خاصة وأني شعرت بجو عائلي وحميمي يدور بين العاملين في الجمعية.
جاء الغداء، كان عبارة عن طعام مطبوخ في المنزل، طعام كثير جهزته أخت حكمت، وهي في نفس الوقت أم لاثنين من العاملين في الجمعية، طعمه لذيذ، والجميع يأكلون كأنهم في منزلهم، أكلت أنا وشيرين ونحن نضحك بسبب كمية الطعام الذي أتي في صواني وصاجات.
ثم استأنف التدريب بجلسة أخرى تم فيها فصل الإناث عن الذكور، دخلت الإناث في إحدى الغرف، وقامت طبيبة، وهي أيضا تعمل بالبرنامج الوطني لمكافحة الإيدز بوزارة الصحة، بتعليم الفتيات كيفية وضع الواقي الذكرى على ماكيت من البلاستيك يشبه عضو الذكر التناسلي، هنا بدأت اندهش، وصدرت بعض التعليقات الساخرة من شيرين وهاجر، ثم الواقي الأنثوي على ماكيت آخر ، بلاستيكي أيضا، يشبه عضو الأنثى التناسلي وكانت هذه أول مرة أعرف فيها أن هناك واقي للنساء، وانتهى التدريب.
حرصت حكمت على التحدث معي وشيرين لأننا جديدتان، أثنت على أدائنا خلال التدريب، وتفاعلنا والتزامنا، ثم صرحت أخيرا بطبيعة العمل، وهو توعية فتيات الليل بمخاطر الفيروس المسبب للإيدز، ترددتُ قليلا، لاحظت حكمت ذلك، أخبرتنا بالمرتب لتُغرينا، وكان بالفعل مغريا، فلم أتقاضى هذا الأجر من قبل، خرجت أنا وشيرين من الجمعية ونحن نفكر في طريق العودة إلى المنزل، قالت شيرين:
– المرتب كبير أنا هاشتغل يا دفا، المكان كويس وشكل حكمت طيبة.
- هي فكرة كويسة، خصوصا إن أنا كنت نفسي أتعرف على فتاة ليل، هو موضوع مثير بس هانقول للناس إحنا شغالين في إيه؟.
- هو إنتي لازم تقولي قولي جمعية أهلية وخلاص.
- صح وخصوصا إن حكمت مش عايزة حد في وسط البلد يعرف بالمشروع أصلا.
- بس تفتكري ليه؟.
- مش عارفة.. بكرة نعرف.
- نتقابل بكرة ونروح؟.
- ماشي إحنا يعني ها نخسر إيه؟ لو معجبناش الحال نمشي.
دخلت المنزل، لم أحكي لأمي عن طبيعة العمل، خفت أن ترفض وتمنعني من الذهاب، أخبرتها أني سوف أعمل مع سيدات فقيرات تعلمهن حكمت مهن ليسكبن رزقهن، فقد كنت أحكي لأمي كل شيء، كنت أحب أن أحكي معها، وهي تسمعني باهتمام.
ذهبت إلى السرير وأنا أفكر، فكرة مثيرة أن أتعامل مع فتاة ليل، وأعرف لماذا تفعل ذلك في جسدها، وربما تكون مادة لقصص جيدة، فقد بدأت أكتب القصص وأنا في الجامعة، ونشرت بعض منها في صحف ورقية و في مواقع على الانترنت، لكن ظل الخوف من أن يعرف أحد في وسط البلد بهذا العمل، فقد يُوصمني ذلك، خاصة وأن حكمت نفسها أكدت علينا أنا وشيرين ألا نتكلم عن المشروع مع أحد من وسط البلد، لأن وسط اليسار مليء بالشائعات والنميمة، وسوف يؤدي ذلك إلى وصم جمعيتها الصغيرة.













قصة رقم (2)
هدى
أيقظت حسن، ألحت عليه لينهض من نومه، ويتناول غدائه، لقد فوت وجبة الفطور، ينام كثيراً من أكثر من شهر، وهي تظل طوال هذه الساعات تشاهد التلفاز، أو تحضر الطعام، أو تنظف البيت، تجاهد طوال الشهر الفائت في إيقاظه لكي يتناول طعامه أو يُمارس حياته الطبيعية أو يتسلى معها بالخروج أو حتى بصحبتها، لكنه لا يستجيب، ينام وفقط، وحينما يستيقظ يُجهدها برفضه الطعام، والدواء، ويظل بائسا ومكتئبا، لا يُزعجها ذلك فهي تشعر أنها مسئولة عنه، ويُرضيها إحساسها أنها تُسانده في مرضه.
تعرفت عليه في أحد الكافيهات في شارع الهرم، كانت وقتها في صحبة صاحب الكافية، ظل ينظر إليها، استغلت هي الفرصة وحادثته، تعاملت معه كأي زبون تصطاده، ابتسامة مكشوفة له ثم يطلب منها أن تحتسي معه مشروب، فتجلس معه وتتعرف عليه، لكنه كان مختلفا عن باقي الزبائن الذين تصاحبهم، كان هادئا ولبقا، ومهذبا في كلامه، تعامل معها باحترام شديد، وصرح لها أنه مريض كبد، وأنه اكتشف هذا المرض منذ أيام قليلة، وأنه يُعاني من حالة يأس وخوف من نهاية حياته، أثار كلامه تعاطفها، ذهبت معه إلى المنزل ومن يومها وهي معه لا تتركه.
- مش عايز آكل.
- ياللا بس كل الغدا ده ونام تاني ولازم تاخد الدوا.
- يا حبيبتي أنا عارف إني تاعبك معايا، لو عايزة تسيبيني في أي وقت سيبيني أنا مش عايز أزهقك معايا، تقعدي تتفرجي عليا وأنا نايم.
- يووه برضوا تاني، قولتك مليون مرة أنا مبسوطة كده، أنا بحبك وحاسة إني مسئولة عنك، حتى لو أنت ما بتحبنيش بس على الأقل محتاجني وأنا مش هاتخلى عنك؟.
- أنا بحبك وإنتي عارفة بس مالكيش مستقبل معايا أكيد هاموت وقريب وأبوظ حياتك معايا.
- أنا حياتي كانت بايظة من قبلك كفاية رقتك معايا وحنيتك.
لا تعلم هدى هل هو يحبها بالفعل أم يتشبث بها كغريق؟، لكنها تُحبه، فهو يحترمها ويقدر مجهودها معه ولم يقل لها أبدا كلمة تهينها منذ تعارفهما، ربما تُوهم نفسها هي الأخرى لكنها ترتاح أكثر لإحساس الحب، يجعلها تشعر بقيمة الحياة، الحب هو منقذها، كما وأنها في بيته استعادت الإحساس بالأمان، أن تكون هادئة ولا تفكر في مخاوف الحياة.
عندما كانت مراهقة في منزلها بشبرا الخيمة أحبت ابن الجيران، وقتها كانت في المدرسة التجارية التي تخرجت منها فيما بعد وحصلت على دبلوم تجارة، كان هذا أول حب لها، فتى وسيم في مثل عمرها تظل تقف في الشباك لكي يراها، تسرح شعرها تسريحات لطيفة لتلفت نظره وتقف في الشباك متصنعة عدم الاهتمام به، لكنها تختلس نظرات إليه، أسمر البشرة طويل القامة، وعينيه بنيتين، يظل هو أيضا ملازما لبلكونته حتى تمل وتدخل، أو يناديها صوت أمها؟، وعندما تذهب إلى المدرسة تراه فهو يأتي لها عند باب المدرسة وقت الخروج، بعد تردد وخوف استجابت لحديثه، وأصبحا يسيران معا عند عودتها إلى المدرسة، ثم تطورت علاقتهما أكثر، وقتها كان قلبها يدق بشدة عند مجرد التفكير فيه، أو مقابلته.
تواعدا على الزواج لكنه كان في مثل عمرها وليس لديه قدرة على الزواج، طاوعته وأصبحت تذهب إليه في بيته في أثناء غياب أهله، عرفت معه أول قبلة بسحرها وقدرتها على خطف روحها، والحضن الذي كأنه لسعات كهرباء تسري في جسدها، وكانت لهفته عليها وتحسسه لجسدها تغرقها في شغف لا حدود له، وأول مرة تتعرى أمامه، كانت أيام ساحرة، كما الخرافات، لازلت تستعيد أحاسيس المراهقة عندما تتذكر تلك الأيام، لم تقبل بأن يُفقدها عذريتها، أجلت تلك الخطوة لحين إتمام زواجها، اضطر هو أن يذهب إلى الجامعة، واضطرت هي لمواجهة ضغط أهلها، حيث أجبروها على الزواج من عريس جاهز، محاسب يعمل ببلد عربي ولديه شقة تمليك وسيارة، ونظرا لحالة أسرتها المتوسطة كان هذا العريس هدية لا تستطيع رفضها، انبهرت هي أيضا بالعريس وما يحضره لها وحزنت قليلا على حبيبها، لكنها كانت تعلم أنه من المستحيل أن تنتظره عدة سنوات لأن أباها لن يتحمل الإنفاق عليها وسوف يزوجها لأي عريس يتقدم إليها ليتفرغ لباقي أشقاءها.
انتقلت لشقة فاخرة وأصبحت حياتها أكثر رفاهية، لكن زوجها كان لا يأتي كثيرا، كانت إجازاته قصيرة لم تستطع فيها أن تُحبه كما تتخيل، رغم أنها أنجبت منه طفلتين.
الميزة الوحيدة أنها تخلصت من سلطة أبوها، الذي مات سريعا، وسلطة أمها وباقي أشقاءها، وأصبحت هي من تُدير شئون منزلها، لم تعمل لأن زوجها كان يرى أنها لا تحتاج ماديا لذلك وهي أيضا لم تكن تهتم لكن الوحدة أصبحت مؤرقة.
هي تعرف طبيعتها جيداً، الحب يعني لها كل شيء، لا تستطيع العيش من دونه، لذا كان جفاء زوجها وغيابه أهم أسباب تعاستها، ونظرا لأنها على قدر لا بأس به من الجمال، عينيها واسعة، وملامح وجهها صغيرة، كما أنها تعتني بمظهرها، ترتدي ملابس فاخرة وتضع عطورا غالية وتهتم بالإكسسوارات وتسريحات الشعر لفتت نظر أحد الأطباء الذين كانت تذهب إليهم لعلاج طفلتيها.
أحبته، كان هو حبها الثاني، لا تستطيع أن تُجزم أن علاقتها بزوجها كانت حبا، هو أيضا أحبها، استمرت علاقتها به عامان، كانت تقابله في عيادته وأحيانا كثيرة في شقتها، تساعدها في ذلك صديقة لها، كان ناعما ورقيقا، كانت تعيش معه بشكل يومي كأنه زوجها، حتى أن طفلتيها قد اعتادتا عليه، كانت بالفعل تحتاج إلى رجل، ليس فقط ليشبعها جنسيا أو لتستمع بحضنه وحنانه، لكن أيضا لتشعر أن لحياتها جدوى، ولتأخذ رأيه في شئون حياتها وكان هذا هو خطئوها.
حبلت منه مرتين، وأجهضت، لأنه لم يتكلم أبدا في أن يتزوجها، كما أنها كانت مرتاحة لعلاقتها بزوجها الذي يُرسل لها نقودا كثيرة ولا يأتي إلا أيام قليلة كل بضع سنوات، فكرت مرات أن تتطلق من زوجها وتتزوج الطبيب لكنه لم يهتم.
- وليه نتجوز ونخنق بعض يعني إنتي مرتاحة مع جوزك؟.
- بس مش مرتاحة معاه لأنه مش موجود أساسا، ولا مهتم بيا، وكمان أنا ما بحبوش، لكن إحنا بنحب بعض وأكيد جوازنا هاينجح.
- يا ستي الجواز بيقتل أي حب، إحنا استمرينا سنتين علشان أحرار، كل واحد عايز التاني وبس واللي بيربطنا الحب إنما الجواز حاجة تانية، ممكن نستمر وخلاص حتى لو مش عايزين بعض.
- يعني إيه.. يعني إنت مش هاتتجوز خالص؟.
- آه.
- كداب مش معقول هاتعيش طول عمرك وحيد، أكيد هايجي يوم تعوز تخلف ويبقالك بيت وتستقر.
- لا هابقى حر طول عمري اللي بيربطني بأي ست الحب وبس.
- عارف أنا حاسة إنك بتقول كل الكلام ده علشان تهرب مني، إنت مش عايز تتجوزني أنا علشان خايف أخونك زي ما خنت جوزي. صح؟؟.
- ... لا أنا عمري ما أقول كده.
- بس فكرت في كده؟.
- ...... ما أنكرش.. بس عارف إنك بتحبيني وما كنتيش هاتتجاوبي مع أي حد وإنك مش رخيصة ولا سهلة.. إنتي محتاجة حب ووحيدة.
- كلكم بتفكروا بنفس الطريقة.. بس أنا بحبك بجد وما أقدرش استغنى عنك.
- وأنا كمان.
استمرت معه رغم أنها كانت تعرف جيدا أنه لن يتزوجها لأنه يخاف أن تكون زوجة خائنة، رغم أنها واقعيا منذ عرفته لم تُضاجع زوجها ولا أي رجل آخر، هو رجلها الوحيد، ربما لأن زوجها لم ينزل مصر في إجازة، لا تعلم في إجازته القادمة ستُضاجعه أم ستتهرب منه، هو نفسه لا يُبدي أي شغف، يتعامل معها بآلية، يُضاجعها كآلي يقوم بعمل ما، لا تعلم ولا تحب أن تفكر في ذلك هي فقط تُحب أن تغرق في حبها لحبيبها وتنسى كل ما يهدد هذا الحب.
عندما عاد زوجها استقبلته في حياد كما تفعل دوما، قبلها بآلية وأخذ يحتضن الطفلتين في لهفة، تعرف أنه تزوجها فقط للإنجاب، حتى يكون في بلده أطفال له، يفرحون أهله ويواسونهم في غيبته، هي بالنسبة له آلة إنجاب، ألح عليها من أول يوم في رجوعه أن تستعد لإنجاب الذكر، هو يريد ذكر هذه المرة، لم يعتذر لتأخره الطويل على النزول، ولم يكثر من كلمات الحب، هي أيضا لم تعد تنتظرها، عندما حل الليل لأول يوم لرجوعه اضطرت إلى مرافقته في السرير، احتارت ماذا تفعل، وقررت أخيرا أن تمر أيام إجازته كما تمر كل مرة، تُعامله بلطف وتُتركه يضاجعها، لكنها لن تنجب منه مرة أخرى، وحبيبها لن يهتم إذا ضاجعت زوجها أم لا، ولن يسألها وإن سألها ستُخفى عنه الأمر، لن تهدم زواجها.
هي لا تعمل، وليس لديها أموال تخصها، كل شيء باسم زوجها، كما أنها لن تغامر بخسارة طفلتيها، فربما يُصر زوجها على أخذهما إذا عرف أنها تنتوي الطلاق، والأهم أن حبيبها لا يريد الزواج ولن يتحمل مسئوليتها هي وطفلتيها، لكنها أيضا لا تستطيع أن تتخلى عن حبه، حاولت مرات، لكنها تعود له بعد معاناة مع الوحدة والهجر، زوجها لا يُهاتفها إلا قليلا وإن هاتفها لا يهتم إلا بالسؤال عن الطفلتين وكأنها لا وجود لها في حياته.
أخذ زوجها حماما دافئا وتمدد بجوارها، كانت هي قد هدهدت الطفلتين وصحبتهما إلى غرفتهما بعد أن أخذت حماما وارتدت ملابس جديدة، ووضعت العطر الذي يُحبه، ركزت في شاشة التلفاز المواجه لسريرهما وكأنها لا تفهم ماذا يُريد، حوطها بذراعه وقبلها في خدها.
- إنتي بتتفرجي علي إيه؟.
- فيلم.
- طب ينفع كده أبقى أنا جاي من السفر وإنتي تتفرجي على فيلم، تعالي أعملك أنا الفيلم.
- ههههه هاتعمل إيه..؟
- قربي وأنا أوريكي.
ضمها بقوة وسارع بنزع ملابسها، أخذ يلتهم جسدها كمن يلتهم طعامه وحده، صامتا ونهما وملهوفا، لم يقل لها أية كلمة، يتحسس جسدها وقد يضغط عليه بقوة، لا يُقبلها كثيرا، فقط يُركز على دائرتها النارية، أرضه التي يزرعها، ويريدها أن تطرح ذكورا، تأوهت هي فقط لترضيه، وتخيلت حبيبها لكي تصبح المعاشرة سهلة، تذكرت قبلاته الدافئة لها وملامسته لكل ذرات جلدها، حبيبها يجيد معاملة النساء وهذا ما جعلها تعشقه، ينصت لأية همهمة منها، ويستجيب لأية رغبة، مع الوقت أصبح يعرف ما يُمتعها، وما يجعلها تستسلم مخدرة، عرف نقاط إحساسها، قليل من الرجال هم من يهتمون بالتعرف على جسد المرأة، ومعرفة مفاتيحه وأقل من يفهمون أن كل امرأة متميزة عن الأخرى، وأن لكل واحدة مفاتيحها والأشياء التي تُحب ممارستها، ولسن نسخ للاستعمال كما يعتقد باقي مجموع الذكور.
انتهي زوجها من الالتهام، ورقد بجوارها صامتا، بعد دقائق قال لها:
- ماتقوميش..خليكي كده راقدة علشان تحبلي.
- حاضر.
- أنا هاقعد شهر هاعملك الفيلم ده كل يوم علشان تحبلي بالولد يا قطة..إنتي عارفة أيام خصوبتك إمتى؟.
- مش عارفة..ما بقيتش باحسب، هاحسب ليه وإنت ما بتجيش غير مفاجأة وكل كام سنة؟.
- مش مشكلة أنا معاكي لغاية ما تحبلي هههههه.
لم تستطع التحرك، لكنها ركزت في ذهنها أن تقاوم حيواناته المنوية، لن تحبل منه وتحمل طفله في أحشاءها مرة أخرى، مع حبيبها تتمنى أن تُنجب منه وتحمل طفله وأن يكون ولد يشبهه، وفي المرتين التي أجهضت فيهما حزنت على الطفل، وتمنت أن يقول لها في آخر لحظة أنه يُريد إنجابه، الآن هي تعلم جيدا أن المرأة تحبل عندما تُريد، وعندما يرغب عقلها وجسدها في ذلك، وهي لا تُريد أن تحبل من رجل لا يراها.
بعد أيام قليلة وقعت الكارثة، حكت طفلتيها لأبيهما عن عمو، مع أنها أكدت عليهما كثيرا ألا تتكلما عن عمو أبدا، بعفوية الأطفال حكتا له كل شيء، وكيف أنه يتردد على البيت، ويدخل في غرفة النوم مع أمهما، وكيف أنه يُقبلها أمامهما، غضب زوجها وضربها بعنف، هاجمتها المفاجأة حتى أنها لم تستطع التكلم، صديقتها هي من دافعت عنها وحاولت اختلاق أكاذيب تخرجها من الأزمة، لكن زوجها لم يقتنع، وأصر على أخذ الطفلتين معه، طلقها على الفور وطردها من البيت ولم يترك لها أي شيء، وحبيبها أيضا تنكر لها لأنه خاف من مواجهة ما مع زوجها، أصبح لا يُرد على الهاتف.
تحولت حياتها في لحظة، رجعت للعيش مع أهلها لكنها لم تخبرهم بالحقيقة، بحثت عن عمل وحاولت نسيان الأمر برمته، لم تستطع طبعا التعامل مع الكارثة نفسيا لكنها تناستها واستعدت لمواجهة الحياة، عملت سكرتيرة في إحدى الشركات، أخذ صاحب العمل يُلح عليها في عمل علاقة جنسية، مرة يعدها بالزواج، ومرة يُغريها بالنقود، وعندما رفضت عاملها بشكل سيء وطردها من العمل، لم يكن يُعجبها هذا الرجل ولا تُحب أن تمارس الجنس بحثا عن فائدة مادية، في باقي الأعمال تكرر الأمر، ورغم أنها انصاعت لأحدهم إلا أن وعوده صارت هباء ولم تحصل منه سوى على راتب ضئيل، فكرت أن تصاحب رجلا لينفق عليها ليس أمامها حل آخر بدلا من أن تكون سكرتيرة وآلة جنس براتب واحد.
تعرفت على الرجال في الكافيهات، أخذت تتوالي العلاقات معهم وجميعهم استغلوها وفقط،كانوا يضاجعونها ولا يعطونها أموالا، يستغلون خجلها في طلب نقود وعزة نفسها ويكتفون بإطعامها أو جلب بعض الهدايا الرخيصة، ساءت حالتها المادية خاصة وأنها أصرت على تأجير شقة بنظام الإيجار الجديد لتبتعد عن سلطة أمها التي بدأت تقوى، وبعد شهور قليلة عجزت عن دفع الإيجار واضطرت للعيش مع إحدى الصديقات، ثم تعرفت على البارات في شارع الهرم، لم ترض بالعمل ريكلام أحست أنها مهنة فاضحة، رغم إلحاح أصحاب البارات التي تتردد عليها بصحبة الرجال، لأنها جميلة وراقية في التعامل غير كثير من البنات "البيئة" على حد قولهم، عرفتها إحدى البنات على سائق تاكسي يعمل قوادا اسمه " كامل" أقنعتها البنت بأن تعمل معه طالما أنها تخجل من طلب النقود:
- يا هبلة مادام بتتكسفي تطلبي منهم فلوس اشتغلي تبع حد.
- يعني إيه.
- يعني ست أو راجل يتفقلك مع الزبون وإنتي تروحي، ساعة زمن وتاخدي من 300 وإنتي طالعة إنتي وشطارتك.
- لا إنتي بتقولي إيه أبيع نفسي.
-والنبي وإنتي لما بتصاحبي راجل ما بتبعيش نفسك؟.
- لا أنا بحب، آه بابقى مستنية منه يصرف عليا، بس بحبه ويحبني.
- والنبي إنتي عبيطة هي فيه رجالة تعرف تحب؟ ده بيقولك كده علشان ما يدكيش فلوس وما يصرفش عليكي، وبعدين هو الحب عملك إيه دفعلك الإيجار ولا رحمك من المرمطة عند صحاباتك.
- بس دا يعني ما تزعليش مني بيع جسم.
- وازعل منك ليه، هي الست لما بتتجوز مش بتبيع جسمها، دي بتبيع جسمها وأعصابها ومجهودها وما بتستفادش حاجة، عمرها بيضيع هدر ، لكن إحنا على الأقل بناخد تمن البيع في إيدينا.
- والناس هاتقول عليا إيه؟.
- هي الناس لو جعتي هاتأكلك؟ لو نمتى في الشارع هاتجيبلك بيت؟، ريحي دماغك وخليكي ناصحة.
عملت هدى مع كامل وأصبح مريحا بالنسبة لها أن تأخذ أموالا باليوم، تقضي ساعة أو ساعتين كل يوم مع أي رجل ثم تجد نقودا في يديها، من داخلها كانت ترفض هذا العمل لكنها لا تجد بديلا، قد تجد بين وقت وآخر رجلا يعجبها وتتعلق به عاطفيا، لكنها تعود وتتأكد أن الرجال لا يُريدون من المرأة سوى جسدها وفقط، وبأقل التكاليف الممكنة، جسد المرأة هو ما يصنع لهم اللذة وفقط، مما يجعلها تستمر في طريقها بدون ندم.
تعرفت من خلال كامل على إحدى الجمعيات، دكتور سمير أيضا يعمل بها لذا أطمئنت وذهبت إلى هذه الجمعية، فهي تعرف دكتور سمير جيدا، تذهب إليه للكشف النسائي إذا حدث لها أي مرض، كما أنها تسهر معه في البارات، رجل سخي ويضحكها كثيرا بنكاته وحديثه الساخر، ولا يُجهدها في الجنس، لأنه بدين جدا وأية ممارسة تقوم بها معه ترضيه وتكفيه.
تضايقت قليلا عندما طلبوا منها في الجمعية أن تحكي قصة حياتها ويسجلونها بالصوت، خاصة وأن المغربية مليحة أخذت تسألها في تفاصيل دقيقة وتُلح عليها، لدرجة أنها بكت، وضعوها أمام نفسها التي تهرب منها دوما.
شعرت هدى بالخجل أمام مليحة وأمامي،كانت عيونها حزينة، فهمت في الجلسة المتعمقة التي طلبت منها مليحة عملها أنها تعتقد أننا تتفرج عليها ونحكم على أخلاقها، توترها وترددها في الحديث هو ما أشعرني بذلك، ربما نكون قد فعلنا ذلك بشكل لا إرادي، أو هي لاحظت ذلك في عيوننا رغم أننا جاهدنا في إخفاءه، عندما كانت تتكلم في تفاصيل عملها، لذا أخذت تؤكد لنا أكثر من مرة أنها ليست عاهرة بالمعنى المفهوم، وأنها لا تطلب أموالا من الرجال ولا تجيد فعل ذلك، وأنها تفضل الحب أو العلاقات الممتدة مع الرجل.
رغم ذلك ظلت تتردد على الجمعية بين وقت وآخر، ترتاح في الحكي مع هاجر ومنال، ويستقبلونها دوما بترحاب.
حسن أخذت حالته تتدهور، خاصة مع استمراره في اكتئابه، وبدأ أهله يتدخلون، يزورونه كثيرا في بيته، ويتعاملون معها بحقارة، رغم أنه قال لهم أنها ممرضة جلبها لترافقه في مرضه، لكنهم لم يصدقوا ذلك، خاصة مع أظافرها المطلية وشعرها الطويل ومكياجها الملفت، ظلت متشبثة بالبقاء مع حسن إلا أن اضطر أهله لإلحاقه بإحدى المستشفيات وأصبح وجودها في بيته بلا معنى، عادت إلى الشارع مرة أخرى، بعد أن كانت بدأت تعتاد على حياة البيت والدفء.
كل عدة سنوات تزورها طفلتيها، يتركهما والدهما معها عدة أيام، تذهب بهما لدي بيت أمها الذي خلا من جميع أشقائها، تفرح كثيرا بهما رغم وجعها الذي يزداد هذه الأيام لأنها تضطر لتركهما مرة أخرى وتتذكر أنها فقدتهما للأبد.










يناير 2006
بدأت العمل، أقابل شيرين في محطة الأتوبيس في منطقة قريبة منا نحن الاثنتين ونركبه ونظل نحكي ونضحك، وخاصة عندما تسخر ممن يعملون معنا، يصل الأتوبيس إلى شارع قريب من الجمعية، كنا نجتمع في المقر الجديد بصحبة أربعة منسقات أخريات، أعرف ثلاثة منهن، وفتيان يعملان لدى حكمت، تبين فيما بعد أنهما أبناء جيران لها، قامت جمعية حكمت وتدعى"فقيرة" بعمل تدريبات أخرى لنا نحن المنسقات الست، عن العمل الميداني، كان يقوم بها استشاري المشروع، رجل يقولون أنه متخصص في التعامل مع أطفال الشوارع، عُيِّن من قبل برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز، والذي يمول المشروع، وكانت تأتي في صحبته مندوبة البرنامج، والتي تُدعي مي، فتاة شقراء مبتسمة ورقيقة، كانت تحرص على معاملتنا بلطف.
في أثناء إحدى الاستراحات أخبرتنا مي أنا وشيرين أنها ذهبت لجمعيات كثيرة بهذا المشروع، وكل الجمعيات رفضت، حتى تلك التي تتخصص في الدفاع عن حقوق المرأة أو تنميتها، وذلك لأنهم يرون أن فتيات الليل فتيات سيئات وفئة لا يمكن التعامل معها.
أثناء التدريبات في جمعية "فقيرة" كانت حكمت تتعمد المقاطعة لتحرج الاستشاري، وتشعره أنها لديها خبرة أكثر منه، وتثبت لجهة التمويل وهي برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الايدز كفاءتها، وكان الاستشاري بالفعل ضعيف المستوى، مع الوقت بدأت أفهم الأمر، العمل سيكون توعية فتيات الليل بمخاطر الفيروس المسبب لمرض الإيدز، وتعليمهن كيفية استخدام العازل الطبي (أنثوي – ذكري) ، دون إدانة لعملهن، ودون محاولة لمساعدتهن على تغييره، أقلقني هذا الأمر ، كيف أوافق على عملها بل وأساعدها في تحسين شروطه وحمايتها من مخاطره المرضية.
لست وحدي من قلقت بل المنسقات الأخريات أيضا، كانت كثيراً ما تدور بيننا المناقشات حول مشروعية هذا العمل، واتساقه مع الأخلاق، وانتقلت المناقشات إلى حكمت وبعض العاملين في الجمعية، وكانت حكمت دوما تتعامل بهدوء واستقطابية، وتقنعنا أنها قبلت بالمشروع فقط لأن جمعيتها في البداية، وتحتاج إلى مشروعات لتنمو، وأن لديها مشروعات أخرى تنموية تخدم المرأة، كما أن هذه المهنة موجودة بالفعل في المجتمع، ولا يمكن تجاهلها، وإذا كنا لا نستطيع – بسبب الإمكانيات المادية – جعل هؤلاء الفتيات يَتُبنَ ويغيرن عملهن فعلى الأقل نستطيع حمايتهن من مرض خطير كالإيدز، وكذلك الكبد الوبائي بي وسي، لأنهما ينتقلان بنفس الطرق، حاولت إقناع نفسي بذلك، على أمل إثبات كفاءتي لحكمت، والانتقال لمشروع آخر من مشروعات الجمعية.
رن هاتف سامي المحمول دخل إلى مكتبه، فهمت أن حكمت من هاتفته لأنه يدخل في مكتبه عندما تهاتفه، فهي تحب أن تعرف أخبار العمل، سامي يعمل مدخل بيانات ومعه فتي آخر يدعي عامر، يديران مكتب الجمعية إداريا لأن حكمت تذهب للعمل في إحدى الجمعيات الأهلية الشهيرة، تعمل بها منسقة عمل ميداني وتأتي في الرابعة عصرا، تجلس معنا نحن المنسقات الست حوالي ساعة ثم تذهب لأطفالها في بيتها القريب، في بداية العمل كانت تحاول التعرف علينا، وعمل صداقات، ومعرفة تفاصيل حياتنا الشخصية، تتكلم بحميمية وتجعلنا نحكي عن حياتنا، تفتح موضوعات شائكة وتبدأ في الحكي عن نفسها وزوجها حتى نتجرأ نحن ونحكي كل شيء، فهمت بعد ذلك أنها كانت تختبر جرأتنا، لأن المنسقات الست لابد وأن يتكلمن مع فتيات الليل في الجنس، أنواع الممارسات وتفاصيل أخرى وسوف يكون منوطا بهن تعليم الفتيات كيفية ارتداء الواقي الأنثوي أو إلباس الزبون واقي ذكري، كما كانت حكمت تريد معرفتنا جيدا حتى تعرف كيف تتعامل معنا.
في البداية أظهرت وجه السيدة الحنون، والصديقة ووعدتنا جميعا بمساعدتنا في تنمية مهاراتنا، وأخذت تغرينا بهذا العمل مؤكدة على أنه فرصة لمن تستطيع استغلالها جيدا، وحينما أحست بنفورنا من العمل خاصة مع اكتشافنا أننا لن نجعل الفتاة تترك بيع الجنس وأننا سنساعدها في تعليم بعض الأشياء لحماية نفسها مثل إقناع الزبون بارتداء الواقي الذكري، أخذت تغرينا بالعمل في فرع جمعيتها الآخر، فهي قد بدأت العمل في جمعيتها منذ سنتان وافتتحت مقر في منطقة فقيرة وقامت بتنفيذ مشروعات قليلة لكنها انتهت جميعا، وفي انتظار مشروعات أخرى، وحينما عرض عليها برنامج الأمم المتحدة العمل في مشروع توعية فتيات الليل خافت على صورتها أمام الجماهير الذين عرفوها في المنطقة الشعبية، واشترطت أن يمولوا إيجار مكان جديد يخصص لاستقبال فتيات الليل فقط، وحرصا على أن يكون العمل منضبطا أجرت شقة قريبة من بيتها حتى يكون العمل تحت عينيها، وعينت فتيان من أبناء الجيران ليكونا عينان لها.
بدأت حكمت العمل وهي في الثامنة عشرة، هكذا حكت لنا أثناء جلساتها الودية الأولى، سكرتيرة لدى أحد النشطاء اليساريين في منطقة سكنها، كان مشهور بنضاله وأيضا بعلاقاته النسائية الكثيرة، حكت لنا أنه ذات مرة حاول مداعبتها، جاء من وراء ظهرها وهي تكتب على الحاسب الآلي وتحسس ظهرها، لكنها أوقفته عند حده، وفهم من يومها أنها ليست مثل الباقيات اللاتي يتركونه يداعب جسدهن، كانت قد تخرجت للتو من دبلوم تجارة ونزلت للعمل حتى تساعد والدتها في الإنفاق، فقد فتحت أمها دكان بقاله صغير ، وكان أخيها الكبير يعمل سائق على عربة نقل، لينفق عليها وأخواتها الكثيرات بعد أن هجرهم والدهم وتزوج من سيدة أخرى.
خطبت لابن خالتها موظف الحكومة وكانت تحبه، وتزوجت في شقة صغيرة، ساعدها أخوها في جلبها، ثم عملت فيما بعد بمساعدة من أصدقائها في اليسار في جمعية شهيرة، تعتبر من أوائل الجمعيات الأهلية التي ظهرت في التسعينات وكان من بين أهدافها دعم الجمعيات الناشئة، وتقديم التدريبات لها ولأفراد المجتمع المدني، وتطوير مهاراتهم، يديرها شقيقان، رجل وامرأة، معروفان بنشاطهما السياسي في اليسار.
طورت حكمت مهاراتها وأصبحت بعد عدة سنوات من العمل بهذه الجمعية مسئولة العمل الميداني، وتضاعف أجرها واستطاعت أن تشتري سيارة وشقة بالتقسيط في منطقة جيدة، أقرب لبيت والدتها، فهي وأخواتها يرتبطون بوالدتهم ويسكنون حولها، حتى أنها جلبت ابني أختها للعمل معها في جمعيتها الناشئة بعد أن حرصت على إعطائهما تدريبات في العمل الأهلي، وتعتبرهما ولداها لأنها أنجبت ثلاث فتيات ولم تنجب ذكور.
توسطت مديرة الجمعية التي تعمل بها حكمت لكي تجلب لها مشروع توعية فتيات الليل، هي تدعمها منذ بدأت تفكر في إنشاء جمعيتها، كانت حكمت قد فكرت في إنشاء جمعية في منطقة معروفة بفقرها قريبة من منطقة سكنها، هي منطقة عشوائية جاء إليها الوافدون من الريف والصعيد وسكنوها تحيط بها إحياء غنية ومعروفة، وأسمت جمعيتها "فقيرة" للتنمية، وتعتبر هي الجمعية الوحيدة التي تعمل في هذه المنطقة المليئة بالمشاكل من مشاكل لاجئين من دول أخرى إلى فقر ونقص خدمات.
أي منطقة ثرية لجمعية أهلية ناشئة تستطيع أن تقنع منظمات التمويل الدولية بتمويل مشروعات تنموية فيها، وذلك ليصبح لها منظمتها الخاصة تنميها وتنمو من خلالها، لكي تضمن لبناتها مستقبلهن، وتترك لهن أملاكا ترحمهن من الفقر، الذي عاشت فيه وعانته طويلا، طبعا لم تقل لنا حكمت ذلك وإنما قالت أنها أنشئت الجمعية لخدمة أهل المنطقة، ولتقوم بدورها كاشتراكية وناشطة حقوقية.
استعانت حكمت ببعض الأصدقاء الذين ساهموا معها في تأسيسها لإن إنشاء الجمعيات يتطلب عدد معين كبداية لعمل جمعية عمومية تدير الشئون الإدارية، لإن من أهم سمات المنظمات الأهلية أنها عمل جماعي وليس مؤسسة لفرد، لكنهم فعليا مجرد أعداد، واستطاعت في السنوات القليلة لنشأة "فقيرة" أن تُدرب أقاربها لتطور إمكانياتهم، وتستفيد منهم في تطوير الجمعية، فهي تحرص على توظيف أقربائها ومعارفها حتى تستطيع أن تنمى جمعيتها بطريقتها وأسلوبها، ولا تخرج الأمور عن السيطرة.
عند اختيار فريق العمل اختارت حكمت طبيب المشروع دكتور سمير، وهو طبيب تعرفه يقوم بعمليات إجهاض في الخفاء في عيادته الفخمة، فأي طبيب آخر قد لا يتقبل فكرة المشروع، وأصدقائها في اليسار طلبت منهم أن يرشحوا لها فتيات جريئات، يستطعن التعامل مع فتيات الليل، والحديث في أمور جنسية دون خجل، وبالفعل عينت ست منسقات خمس منهن من وسط اليسار، وواحدة اختارتها بنفسها، قابلتها في أحد التدريبات وفاتحتها في الموضوع، وقبلت الفتاة وبدأت المنسقات تدريبا على البحث المنهجي.
مع الوقت وطدت حكمت علاقتها بسهير وشيرين، وأصبحت سهير عين أخرى لها وسط المنسقات، فقد كان هذا هدفها من تعيين فتاة من خارج اليسار، حتى لا تتواطأ المنسقات بحكم خلفيتهن الواحدة وصداقتهن المشتركة وينظمن أنفسهن ضد حكمت أو يتخاذلن في العمل.
مواعيد العمل من العاشرة إلى السابعة مساء، أخذنا عدة تدريبات في أول شهر ثم أصبحنا نجلس في المكتب، لا نعرف ماذا نفعل، بدأت أنا أقرأ روايات في حين انشغلت الباقيات بتبادل الأحاديث.
بدأت حكمت تتململ، خاصة وأن الاستشاري لم يعلمنا طريقة لجلب الفتيات، بعد انتهاء التدريبات التمهيدية طالبنا بجلب فتيات ليل كل بطريقته، ولا واحدة منا أحضرت أحدا، واحتارت حكمت ماذا ستفعل؟، فكرت في حل أن تبدأ هي في التفكير في جلب فتيات الليل، أولا دكتور سمير يأتي لها بالفتيات اللاتي يطلبن منه إجراء عملية إجهاض، فهو يعتبر مصدر لفتيات الليل، وسوف تعطيه نقوداً على إحضاره لأية فتاة، هذا بخلاف راتبه كطبيب المشروع.
















يناير 2016
حكمت واقفة تنظر لي من بعيد، وأنا أدفع بقدمي الأرض وأطوف على ارتفاع عدة أقدام، ليس لي جناحات، لكنني لا ألمس الأرض بقدمي، أشعر أني أطير دون طيران حقيقي، كأنه قفز في الهواء، تحسدني هي على قدرتي على الطفو، وأنا أتحاشاها حتى لا تؤذيني، كما وأني أحاول إغاظتها في نفس الوقت، استفيق غير راضية تماما عن الحلم، وأقول لعقلي الباطن أنه يجب ألا يلاعبني هكذا مرة أخرى وعليه بشكل حاسم ألا يستدعي حكمت إلى أحلامي مرة أخرى.












قصة رقم(3)
حبيبة
تمددت حبيبة في السرير وهي قلقة، خافت من أن تغط في نوم عميق، فيستغل ذلك أخوها ويقوم بمهاجمتها وفض غشاء بكارتها، لا تنام هذه الأيام إلا ساعات قليلة، عندما يخرج أخيها من المنزل، من شهرين تحولت حياتها إلى جحيم، لم تكن سعيدة في السابق لكنها على الأقل كانت حياة مستقرة.
أدخلتها أمها المدرسة، وكانت حياتها هادئة، لم تكن تفهم ماذا يعمل أبوها، فهو متواجد طوال اليوم بالمنزل، كذلك أمها، عندما سألتها زميلاتها عن عمل والدها لم تعرف بماذا تجيب؟.
- ماما، هو بابا بيشتغل إيه؟.
- بتسألي ليه يا حبيبة؟.
- أصلي البنات بتسألني أبوكي بيتشغل إيه، وما باعرفش أرد.
- هههههه قوليلهم أبوكي بيشتغل تاجر.
- طب وإنتي يا ماما بتشتغلي؟، فيه صحبات ليا مامتهم بتشتغل.
- أنا؟ ههههههه، لا يا حبيبتي أبوكي مستتني.
كانت حبيبة تشعر منذ طفولتها أن حياتها غريبة عن حياة زميلاتها في المدرسة، صحيح لديها أب وأم وأخ في نفس مدرستها لكن هناك شيء ما لم تفهمه إلا عندما كبرت وبدأت تعي الحياة، بيتهم دائماً ممتلئ بالناس، رجال كثيرون وسيدات أقل، دوما هناك غرف مقفلة لا تستطيع الدخول فيها، وصخب وموسيقى عالية، وشرب كثير وسجائر، عندما كانت تسأل صديقاتها هل لديهم ذلك في بيتهم؟. كانوا يجيبون بالرفض ويستغربون ما تحكيه لهم حبيبة، حتى أن واحدة منهن ذات مرة سبت أمها، وقالت عنها كلام سيء عندما أخبرتها حبيبة أن أمها تدخل غرفة النوم مع رجال غير أبيها، وهي لا تعرف ماذا تفعل أمها.
لم تعلمها أمها أبداً مثلما تفعل أمهات صديقاتها، لم تُحذرها من الأولاد الذكور، ولم تعطيها محاذير كثيرة حول غشاء بكارتها، أصلاً لم تُخبرها أن هناك شيء اسمه غشاء البكارة، عرفت ذلك من صديقاتها، بدأت تكون حاجزاً تجاه أسرتها مع السنين، كلما أبدت صديقاتها نفوراً من الحكايات التي تحكيها عن أهلها يزداد الحاجز، قررت أن تكون مثل صديقاتها، خافت من أن تكون مصدر نفور كأمها أو يأتي اليوم الذي تسب فيه بسبب أنها تصطحب رجالاً غير زوجها إلى غرفة النوم، وكان غشاء البكارة هو سلاحها في مقاومة أهلها، اعتبرت أن الحفاظ عليه هو طريقها لأن تكون مختلفة عنهم تماماً.
لم تعد تتكلم كثيراً مع أمها فقط تأكل وتشرب وتنفذ أوامرها، تقوم بواجبات المنزل، وعندما يأتي الضيوف الليليون، تنسحب إلى غرفتها التي تنام فيها مع أخيها، ولا ترضى أبداً بأن تخدم الضيوف كما كانت تفعل وهي طفلة، أصبحت في ال15 من عمرها، وزاد خجلها من الناس، خاصة زوار أهلها قليلي الحياء، الذين يلتهمونها بعيونهم، ويظلوا يحملقون في نهديها المولودين حديثاً، وينظرون في بعض الأحيان إلى ردفيها وحتى إلى مثلثها الحميمي.
- يا بت قومي أقعدي مع الناس بره.
- ناس مين؟.
- صحاب أبوكي.
- طب وأنا أقعد معاهم ليه ما أبويا يقعد معاهم.
- سلمي عليهم ينفع يجيلنا ضيوف وما تسلميش عليهم؟.
- ضيوف إيه يا ماما دا كل يوم فيه ناس بتيجي عندنا.
- قصدك إيه؟.
- ما قصديش بس أنا مالي مش إنتي بتقعدي معاهم إنتي وصحباتك التانيين أنا بقى مالي.
- طب صبيلهم كاسات زي ما كنتي بتعملي زمان وإنتي صغيرة.
- زمان كنت صغيرة وما كنتش فاهمة.
- يا سلام وإنتي دلوقتي فهمتي.
- آه فهمت.
- وفهمتي إيه بقى يا فالحة.
- مش مهم يا ماما أنا ورايا مذاكرة أنا داخلة على ثانوية عامة.
- طب والنبي لو ما سمعتي كلامي لأطلعك من المدرسة اللي جرأتك عليا دي وخلتك ما تحترمنيش ولا تسمعي كلامي، أنا أساسا غلطانة إني دخلتك المدرسة من أساسه، أبوكي قاللي بلاش بس أنا كنت عايزة حياتك تبقى أحسن من حياتي وتاخديلك شهادة.
- ما هو إنتي أهو بتشديني لحياتك يا ماما.
- إيه يا بنتي الكلام الكبير ده، هو ده اللي هاينفعك يا أختي، إنتي فاكره إنك حتى لو دخلتي الجامعة واشتغلتي هاتاخدي كام، برضوا هاتفضلي في ضنك، يا بنتي الفلوس هي اللي بتعملك قيمة في الزمن ده.
- مش عايزة فلوس بالطريقة دي يا ماما،أنا عايزة أتجوز وأخلف زي كل الناس.
- هو أنا يعني مش متجوزة ومخلفة كان الجواز عملي إيه يا موكوسة، أهو أبوكي أهو زي قلته.
- والنبي يا ماما لو بتحبيني ساعديني وما تخلنيش أمشي في الطريق ده.
- أساعدك طب ما أنا باساعدك يا هبلة، لو حوشتيلك قرشين هاينفعوكي للزمن وهايمنعوكي من الذل وتفضلي تتبهدلي زيي كده، إنتي دلوقتي تقدري تكسبي كتير وبعدين ترتاحي.
- مش عايزة.
- طيب نشفي دماغك كده وفي الآخر هاتسمعي كلامي وغصب عنك.
أخوها لم يكن مثلها، منذ كان طفلاً كان مطيعاً لأمه، وعندما بدأ يعي ما يحدث في بيتهم لم يعرف ماذا يفعل؟، أصدقاءه من الجيران يسخرون منه، خاصة وإنهم يسكنون في منطقة عين شمس، صحيح أنها ليست منطقة عشوائية والشارع إلى حد ما كبير إلا أن الجيران جميعهم يعرفون ماذا تفعل أمه وأسباب تردد الناس عليهم كل يوم، أصبح الأطفال يعاملونه في الشارع بازدراء وينعتونه بابن العاهرة، كان هذا يؤرقه لدرجة أنه فكر في الانتحار، لكنه مع الوقت تصالح مع الفكرة، سيظل دوماً ابن العاهرة في نظر الناس ولن يتغير شيء، لكن النقود هي وحدها ما ستشتري له احترام الناس، انقطعت علاقاته بكل من في الشارع، وترك المدرسة بعد الإعدادية، وركز في مساعدة أمه في عملها.
أصبح يستقبل الزوار كل يوم بابتسامة، يصب لهم كاسات الخمر ويحتسي معهم القليل لأن أمه كانت تُريده منتبهاً دوماً، حتى يُراقب لها ما يحدث في المنزل أثناء غيابها في غرفة النوم، كان يفرح بالجنيهات القليلة التي يحصل عليها من الزبائن، وأيضا بالنقود التي تعطيها أمه له بعدما يؤدي عمله على أحسن وجه، أبوه يظل يشرب ليل نهار، لا يستفيق أبداً، وأخته لا تشاركهم ذلك بل تتعالي عليهم وأحياناً تعاملهم مثل الغرباء.
عندما بلغ السادسة عشر أصبح هدفاً لبعض النسوة اللاتي يترددن على بيت أمه، يغازلونه بألفاظ نابية، ومرة تجرأت إحداهن ولمسته في منطقته الحميمية، نام ليلتها وجسده محموم، لم يفهم ماذا فعلت به تلك اللمسة؟، جسده لا يهدأ أبداً، كان ينظر لتلك النسوة بحياد في السابق كان يعتبرهن مثل أمه، جسد ممتلئ مترهل لا فائدة له سوى جلب النقود، عندما بدأ يعي ذكورته كان يُفضل التلصص على الفتيات الصغيرات، ينظر من الشباك على إحداهن وهي تخلع ملابسها، أو يتعلق لأيام بأخرى ويُحب جسدها الصغير وعلامات الأنوثة التي تبدأ في الزحف عليه، لم يتنبه لهؤلاء النسوة الكبيرات في السن، ولم يكن يتخيل أنه سوف يشعر بالإثارة هكذا من مجرد رؤية أثدائهن وهي تترنح أو جلدهن وهو يتعرى.
عندما أتت تلك المرأة في اليوم التالي ظلت تغازله أيضاً، تجرأ ونظر إليها، وبادلها الحديث.
- أصبلك إيه؟.
- اللي تجيبه.
- طب خدي يا موزة.
- والنبي دمك بقى عسل يا واد.
- ما تيجي نشرب كاسين في المطبخ؟.
- وماله، ههههههه.
بدأ يُقبلها في رقبتها ويُمسك جسدها بخوف وهي تضحك عندما دخلت أمه عليهما.
- بتعمل إيه يا واد يخرب بيتك، وإنتي يا أختي ما تلمي نفسك عن الواد.
- الله.. وأنا مالي هو اللي قاللي تعالي نشرب في المطبخ.
- طب روحي يا أختي على شغلك.
- وإنت إيه اللي بتهببه ده، عايز تنام مع الأشكال دي؟، بترمرم؟، دي ست ما فاضلش منها حتة عدله، يا عبيط أنا عايزاك الريس مكاني إنت اللي تشغلهم، وعلشان يسمعوا كلامك لازم يحسوا بقوتك مش يستهبلوك.
- معلش مش هاعمل كده تاني.
- اعمل اللي إنت عايزة بس مش مع النسوان اللي شغالين معايا، استلقطلك بت صغيرة عينيها مغمضة علشان حتى ما تستقلش بيك وتشوفك راجل في عينيها.
- حاضر.
من وقتها بدأ يستعد لأن يكون صاحب العمل، أبوه لا وجود له، وأمه أصبحت تعتمد عليه أكثر وتعامله كرجل، وأصبح يأخذ منها نسبة من الأرباح مقابل أن يحميها ويحمي السيدات اللاتي يعملن معها، حتى الزبائن بدأوا يتفقون معه هو على أسعار الأوقات التي يقضونها مع السيدات.
لاحظ أن الزبائن يهتمون بأخته الصغيرة، رغم أنها لا تجلس معهم إلا مرات قليلة عندما تضطر أمها إلى ضربها وإجبارها على الجلوس مع الزبائن، هو أيضا أصبح يضربها في بعض الأحيان، عندما تدفعه أمه لفعل ذلك، أمه تضغط عليه هذه الأيام لكي يُفقد أخته عذريتها حتى تضطر إلى العمل، وهو يوافقها لكنه لا يريد أن يفعل ذلك، هو فقط يهددها بذلك حتى تستسلم، لكنه إذا قدمها لأحد الزبائن وهي عذراء سوف يكسب أموالاً كثيرة، لن يترك أخته لعنادها، فهي مطلوبة أكثر من أمه فالزبائن يحبون الفتيات الصغيرات، ومن الممكن أن يدفعوا الكثير من أجلها.
مع تزايد العنف عليها قررت حبيبة أن تترك منزلها، أجبرتها أمها على ترك المدرسة وحبستها في البيت، هي تحب شاب منذ أن كانت تلميذة، يعرف حكايتها وسوف يساعدها على الهرب، اتفقت معه أن ينتظرها في شارع قريب، لملمت بعض الملابس في حقيبة صغيرة وانتظرت حتى نام جميع من في المنزل، ونزلت من البيت، اصطحبها الولد إلى شقته، طلب منها أن ينام معها.
- هو أنا هربانة من أهلي ليه مش علشان الزفت ده.. تقوم إنت تطلبه مني؟.
- أنا بحبك وإنتي بتحبيني، إنتي فاكره إني أقدر أصبر وأنا وإنتي في بيت واحد ومقفول علينا باب؟.
- طب ما دام كده ما تتجوزني ويبقى في الحلال.
- يا بت ما أنا هاتجوزك هو أنا قلت غير كده بس إنتي عارفة أنا لسه طالب ما ينفعش دلوقتي.
- مادام ما ينفعش دلوقتي يبقى نصبر.
- على فكرة أنا طلع روحي معاكي في المحايلة، طب الأول إنتي كنتي عند أهلك دلوقتي مالكيش حد ولا حد يقدر يحميكي.
-يعني إيه؟.
-يعني هانام معاكي بالذوق بالعافية زي ما إنتي عايزة.
- حرام عليك دا أنا لجئتلك لما حسيت إنك هاتحميني وهاتصوني.
- إذا كان أهلك اللي من دمك ما صانوكيش أنا هاصونك، إنتي فاكره إني هاتجوز واحدة عيلتها كلها ماشية في الحرام.. ليه علشان أخلف عيال يفضلوا يتعايروا بيهم طول العمر ..يا بنتي إنتي ما تشرفيش أي حد تتجوزيه.
- طب عملت عليا الحوار ده كله ليه من الأول؟، كنت سيبتني عند أهلي وأديني كنت ملمومة في بيت.
- عند أهلك ولا في الشارع كده كده إنتي رخيصة وهاتتباعي.. قولتي إيه هاترضي بمزاجك ولا أقطعك بالماطوه دي.
- خلاص هارضى بس وحياة الغالي عندك ما تخلينيش مش بنت ..أنا ممكن أعمل أي حاجة تانية.
-علشان تعرفي إني جدع أنا مش هاعورك ومش هاخليكي مش بنت، وإعرفي أن إنتي اللي عصبتيني وخلتيني أوريكي وشي التاني.. تعالي بقى يا حلوة.
مارس معها جنس شرجي حتى لا تفقد عذريتها، استسلمت له وهي تؤكد عليه ألا يقترب من عذريتها.
تركت منزل الشاب وهي لا تعرف إلى أين تذهب، لجأت لإحدى السيدات التي تعمل في بيت أمها واستحلفتها ألا تُخبر أمها بمكانها، دلتها هذه السيدة على سيدة أخرى آوتها في منزلها، وقالت لها أنها سوف تنفق عليها وتطعمها وتكسيها علي أن تعمل معها، اشترطت عليها حبيبة أن تكون الممارسة شرجية وفقط وأن تحافظ على عذريتها، وأصبحت تعمل في بيت هذه السيدة ولا تخرج منه إلا قليلاً كما أنها لا تأخذ منها نقوداً أبداً، فقط طعام وملابس ومكان تنام فيه.
هذه السيدة التي تعمل لديها حبيبة هي أخت حنين، ولأن حبيبة تعمل دون إرادتها اقتربت من حنين، وأصبحتا صديقتين مقربتين، حين انتقلت حبيبة للعيش في بيت أخت حنين تعرف عليها أخو حنين الصغير، يعمل صبي ميكانيكي، وهو في مثل عمر حبيبة، أحبها ووعدها أنه سيتزوجها ويرحمها مما هي فيه، تشبثت به حبيبة كآخر قشة لها ممكن أن تحصل عليها في وسط عمق مياه الحياة، الفتي ينفق على نفسه لكنه يعيش مع أمه وحنين، ولا يستطيع أن يتزوج حبيبة في بيته لأنها شقة إيجار جديد تدفع حنين إيجارها، لكنه قرر أن يدخر نقودا وينفذ وعده لحبيبة، أحس أنه لو فعل ذلك سيكون أنقذ فتاة من مصير مظلم ويعوض ما لم يستطع فعله مع أخواته الثلاث اللاتي اضطررن لبيع أجسادهن.
كانت حبيبة مطمئنة لوجوده بجانبها، تشعر أنه يعطي لحياتها السيئة معنا وأمل، وكان هو يشعر معها أنه رجل، وأنه يستطيع أن يحمي شخص آخر أضعف منه ويتحمل مسئوليته، تلك الصفات التي افتقدها مع أهله، حيث كبر وهو يشاهد أشقاءه يتعذبون وأمه هي السبب في ذلك، وكان لا يستطيع فعل أي شيء لهم لأنه أصغرهم وقليل الحيلة، كل ما استطاع فعله أن يهرب إلى العمل لتكون لديه صنعة يكتسب منها حتى لا يضطر أن يعمل قواد مثل أخيه الكبير، وينتظر أموال الرجال الذين يأكلون جسد زوجته ويمتهنون رجولته.
حين توهمت حنين أن جمعية "فقيرة" تسعى لتبني الفتيات اللاتي أجبرن على العمل في مهنة بيع الجسد جلبت معها حبيبة، ظنت أن الجمعية ستساعد حبيبة على إكمال تعليمها وترك المهنة، لكن ذلك لم يحدث، أخذت المنسقات يستجوبن حبيبة كما يفعلن مع باقي الفتيات ليعرفن قصتها، وكانت حبيبة خجولة جدا، لكنها حين تحكي عن أهلها تتغير ملامحها، وتظهر الكراهية عليها، لم أعرف ما حدث لها بعد ذلك، وهل تزوجت واستقرت حياتها كما كانت تتمنى؟، أم أجبرت على فقدان غشاء بكارتها؟، لكن إصرارها كان يستحق التقدير.
حبيبة من الفتيات التي أرقت حياتي، لأنها حاربت لكي تحافظ على نفسها، وبالغت في المحافظة على غشاء بكارتها لكي تشعر أنها لم تفقد نفسها مثل جميع من حولها، ورغم ذلك لم يساعدها أحد، ورغم سنها الصغير، فهي وقتها كانت في 16 من عمرها إلا أنها عاشت أحداث لا تتحملها سيدة ناضجة.














يناير 2006
كان أبي قد قرر الرجوع لقريته التي نشأ فيها، رفضت أمي الذهاب معه، كنت أنا وأختي نعيش معها بعد أن تزوج أخي الكبير، طلب منا أن ننتقل للعيش معه في قريته لكننا تملصنا منه، لم يصر، في الأغلب كان يفضل العيش بمفرده والتخلص منا، وكان يرسل إلينا مبلغ ضئيل نعيش منه، ورغم ذلك يصر على فرض سلطته علينا، يرفض أن نعمل، ويتعامل معي أنا وأختي على أننا عبء يتوق للتخلص منه سريعا، من جانبها كانت أمي تؤكد سلطة أبي في البيت، في ظنها أن سلطة أبي هي ما تحكم سلوكنا، خاصة وأننا فتاتين ويجب أن ترغمنا الشدة على التصرف بشكل صحيح.
كان أبي يعمل في أحد المصانع التابعة للحكومة، عاملا، حصل على دبلوم صنايع والتحق بالعمل بواسطة قريب له، لكنه كان لا يحب العمل، يتغيب ويستنفذ إجازاته كلها، يحب السهر مع أصدقائه ويقضي كل الأيام في الخارج، حين كنا أطفال أنا وإخوتي لم نكن نراه، كان يأتي في آخر الليل، فقط يوم الجمعة نستيقظ لنراه أمامنا، يظل يراقب تحركاتنا، ويثقلنا بملاحظاته وتعنيفه، كنا نشعر أنه غريب بيننا لذا عندما هجرنا ارتحنا أنا وأختي، أمي فقط من حزنت، أحست أنها ضيعت عمرها معه.
كل عمل التحقت به كان يعلن رفضه في البداية، وبعد إصرار مني وإلحاح من أمي يقبل مكرها، حدث ذلك في عملي مع حكمت أيضا، وحين بدأت حكمت تطلب مني أن أسافر معها، لأنها كانت تعطينا بعض التدريبات في أماكن خارج القاهرة للترفيه، رفض بشدة، كانت أول رحلة لقرية متوسطة الحال في فايد، أخذ يوبخ أمي على رغبتها في أن تسمح لي بأن أسافر في العمل وأقضي أيام خارج المنزل، تركتني أمي أذهب معهم عندما بكيت وانهرت وقلت لها أن أبي لا يهتم بنا ولا يضره أن أخسر عملي، وفي النهاية سنظل تحت رحمته ننتظر كل شهر قروشه القليلة.
واجهته أمي وفرضت عليه أن أسافر، ثم بعد ذلك كانت تخفى عنه أسفاري، خاصة وأنه غير موجود، وتمر الشهور دون أن يزورنا، كانت أمي حنونة رغم انصياعها لأبي، فهي في حياتها لم تعرف معنى التمرد، رغم قوتها وتحملها لكل مساوئ أبي إلا أنها تعد امرأة مطيعة لرجلها.














قصة رقم (4)
نورا
صعدت السلالم في حذر، طرقت على الباب طرقات ضعيفة فتح عماد سريعا، هو ينتظرها وراء الباب.
- ما تخافيش يا بت قولتلك مافيش حد هنا أمي خرجت.
- طيب.
- تعالي بقى.
- أجي بقى فين.
- تعالي في حضني.
أحست نور بخجل شديد، وجسدها كله بدأ ينتفض، خفقات تسري في صدرها وقلبها يدق بسرعة، وخدر غريب يسري فيها من رأسها لقدميها، هذا هو الحب الذي تسمع عنه، كأنها في عالم خيالي وسحري، كل لمسة يلمسها لها عماد ترضيها وتلهب جسدها، وتجعلها تحس أنها أنثى، أصبح للجنس معنا لديها، كانت تراه أمرا سيئا في السابق، مجرد سعي وراء المال واستغلال الزبون، ليس بالنسبة لها فهي تريد أن تكون امرأة عادية تحب وتتزوج ممن تحبه ويكون لها بيت وأطفال، لكن بالنسبة لأمها وأختها، فهما تتعاملان مع الجنس على أنه تمثيلية، تقوم فيها المرأة بحركات مبالغ فيها وتصرخ بأصوات عالية ومفتعلة حتى تحصل على أكبر قدر ممكن من المال.
في أوج إحساسها باللذة تركته يفقدها عذريتها، لم تشعر بألم كما تخيلت، كانت إثارتها بجسده أكبر من إحساسها بالألم، يحتضنها بقوة، يحتوي جسدها بذراعيه، ويلمس خدها بخده وهو يهمس في أذنها:
- ماتخافيش مش هاوجعك يا حبيبتي.
-واحدة واحدة.
- واحدة واحدة يا عمري، هادخل فيكي ونبقي جسم واحد.
لم تفكر وقتها في أي شيء، فهي تثق فيه وتعلم أنه سيتزوجها، تحبه ولم تستطع أن تكتفي بملامسات سطحية، استعجلت في ارتداء ملابسها فربما تأتي أمه بين لحظة وأخرى، خرجت من المنزل في هدوء حتى لا يشعر بها أحد، رجعت إلى منزلها وهي فرحة، تشعر بطمأنينة، عماد أملها في حياة جديدة تخلو من مشاجرات وحزن، هو في مثل عمرها، يبلغ عشرون عاما، و يعمل في ورشة نجارة ويستطيع أن يؤسس بيتا، وأهله طيبين يسكنون في البيت المجاور، صحيح أنهم لا يحبون أمها لكن لا بأس، عماد يريدها.
مات أبوها وهي صغيرة واضطرت أمها أن تعمل كومبارس، ومع فقرهم الشديد دفعت أختها الكبيرة إلى بيع جسدها، أغراها أحد القوادين المنتشرين في قريتهم الصغيرة بالحوامدية، أختها الأخرى لم تفعل وإنما أصبحت تعمل بائعة في المحلات، وأخيها صبي نجار دفعته أمه للعمل وهو صغير جدا، أمهم لا تتكفل بأحد، من يريد أن يأكل فعليه أن يعمل، نورا أيضا اختارت ألا تعمل ببيع الجنس، وإنما عملت كخادمة لأن أمها لم تلحقهم بالتعليم.
عماد يعرف بأمر أهلها لكنه لا يهتم فهو يريد أن يتزوجها ويرحمها من أمها، بعد إلحاح منه مارست معه الجنس، هي تثق فيه وتعلم أنه لا يخدعها، معه تطمئن، تشعر بالأمان، وبأنها لها قيمة، تلهفه عليها يزيد من قيمتها كأنثى وتنسى أمر البيع والشراء، هي لم ترد أن تدخل أبدا في هذه اللعبة، تعجبها لعبة الحب أكثر، تجعل جسدها يتنفس، ويزدهر، وتتألق عينيها، ويملؤها الحب بالراحة.
فيما بعد ستجبر على تغيير أفكارها الطفولية عن الحب ستسمر علاقتها بعماد ثلاث سنوات، تعيش فيها علاقة حب خيالية ومفرحة، كانت أحيانا تعطيه نقودها، وتشاركه تفاصيلها وتحكي له عن معاناتها مع أهلها دون خجل، فاتح أهله في الزواج منها لكنهم رفضوا بشدة، حاول إجبارهم على الأمر لكنهم لم يستسلموا وتشاجروا مع أمها، وفضحوا أمرها ، قالوا لأمها أن ابنتها تغوي ولدهم، وأنها تمارس معه الجنس في أثناء غيابهم، كانت هذه هي بداية الأمر بعد أن كانت تقاوم أمها، لم تصبح لها أية حجة، تخلى عماد عن المقاومة من أجلها، فقد أحكم أهله سيطرتهم عليه تماما وسارعوا بتزويجه من فتاة أخري، ومع الوقت نسى ما كان بينهما، هو أول من عرفها على جسدها، وعلى طعم اللذة والسحر.
جسدها نحيف، وسمراء، ولها عيون واسعة وجميلة، جلب لها القواد زبائن من العرب، تتزوجهم لفترة ثم يتركونها، لم تحتفظ بأموالها، تنفقها سريعا، تشعر أن هذه الأموال قذرة، تختلط بسوائل جسدها التي تهدر سدي، فقدت حلاوة الحلم، لن تصبح زوجة مصونة، ولا أما لأطفال، من سيرضى بتزويج ابنه من فتاة تُباع.
تعرفت على بعض الفتيات اللاتي تراهن في أثناء المصلحة، أحيانا تجلب هي الزبائن لنفسها بصحبة صديقاتها، في إحدى المرات وهي تصطاد زبائن تعرفت على جمعية أهلية، لم تفهم أي شيء مما قالوه لها، ارتاحت فقط لمعاملتي أنا و شيرين، قالت لنا أنها تعتبرنا صديقات لها، لأننا نسأل عليها كثيرا ونهتم بحكايتها، لم تكن تعرف أننا نعاملها بود لأن حكمت هي من تريد ذلك، وكانت تريد منا أن نصادق الفتيات، وأن متابعتنا لها جزء من عملنا الذي نتقاضى عليه أجرا، لكن لا ينفي ذلك أنني وشيرين كنا نتعاطف معها وكنا نتمنى أن تساعدها حكمت في أن تترك المهنة.
نورا كانت وقتها في 25 من عمرها، حكت دون خجل أو خوف من أن ننظر لها نظرة سيئة، تخيلت في البداية أننا سنطلب منها أن تتوقف عن ما تفعله، لكننا لم نفعل بالعكس قلنا أننا لا نتدخل فيما تفعله وأن ما يهمنا أن تستخدم الواقي الذكري أثناء الممارسة، لم تفهم شيئا، ولم تستخدم أبدا الواقي الذكري، فالرجل الذي تقابله لن يرض أن تفرض عليه أمرا كهذا، سيسخر منها، وإذا أصرت سوف يطردها، هي في الواقع كانت تعتقد أن جمعية"فقيرة" جمعية غريبة، وكانت تندهش من أننا بدلا من أن نهتم بتشغيلها والفتيات الكثيرات اللاتي يعملن مثلها نساعدها على أن تبيع جسدها.
لم تحب الجمعية وتوجهاتها الغريبة، لكنها كانت ترتاح للحكي معي ومع شيرين، تشكو لنا من سوءات المهنة ونسمعها باهتمام، ولا نمل أبدا من سماعها بل نواسيها حتى عندما تتكرر شكوتها، كانت تشعر بتعاطفنا حتى على الهاتف.
رغم سنها الصغير إلا أنها تعلمت حقيقة هامة وهي أن لا أحد سيغير حياتها، أو يوفر لها الأمان، هي من تفعل ذلك لنفسها، ستضطر إلى خداع أحدهم ليتزوجها، فهي لا تتمنى الاستمرار في بيع جسدها حتى تصبح عجوزا غير مرغوبة مثل أمها، ولا تفكر في أن تجمع أموال من المهنة وتفتح شركة لزوجها مثل أختها، هي تعرف جيدا أنها لا تجيد التعامل مع هؤلاء الزبائن، ولا تملك مهارات وذكاء أختها.
في أحد المرات كانت بصحبة أحد الزبائن العجائز وكان نظره ضعيف، أخذت تضحك عليه وهو لا يراها، وكان عندما يقترب منها تلسعه بالسيجارة، وتضحك، عندما تمل هذه الأجواء وترفض الذهاب إلى الزبائن، تمنع أمها عنها الطعام، وتقول لها:
- هاتي فلوس وأكلي نفسك.
أخيها صغير ولا يستطيع حمايتها هي وأختها، وأهالي المنطقة يعرفون حقيقتهم، ولا يتعاملون معهم، أخوها ينتظر حتى يكبر ويمتلك أموالا كافية وسوف يتركهم جميعا، وأختها الثانية تسعى للزواج هي أيضا.
في كل مرة تذهب لمنزل الزبون تصاحبها قبضة القلب، تخاف من أشياء كثيرة، أهمها أن يتم القبض عليها وتدخل السجن، وأيضا أن يضربها الزبون أو يعذبها أو يحرقها بالنار كما ترى في بعض الأفلام السينمائية، القواد لا يحميها رغم أنه يحصل على نقود أكثر منها، ففي النهاية هي وحدها وضعيفة بصحبة رجل لا تعرفه، يتطلع على أكثر الأجزاء في جسدها حميمية، بل وينتهكه ويتعامل معه بعنف وقسوة.
في إحدى المرات طلب منها أحد الزبائن أن تمارس جنسا مع فتاة أخرى، حتى تزيد استثارته، وافقت مرغمة، يظنون دوما أنها تستطيع فعل أي شيء لمجرد أنها تأخذ نقودا، أخذت تقوم ببعض الممارسات مع الفتاة وهي متقززة وعلى وشك التقيؤ، خاصة عندما شمت رائحة الفتاة، ما يثيرها هي رائحة الرجل، حتى وإن اختلطت بعرقه، افتعلت ضحكات وصخب حتى تداري تقززها، في حين أن الأخرى كانت غير مهتمة، بل تقوم بالأمر بآلية كأنها قامت به من قبل عشرات المرات، وعندما استثار الرجل جدا قام بممارسة الجنس معهما الاثنتين، وشعرت وقتها أنها قطعة لحم مباعة في السوق يقلب فيها الشاري، لا تتميز عن أية قطعة لحم أخري.
في أحد المرات جاءتها على الهاتف مكالمة خاطئة، كانت من أحد الشبان الذين يعملون في لندن، تعرفت عليه، وظلت تحادثه حتى أحبها، وبعث بأهله يخطبونها، وأحضر لها شبكة غالية، لم يراها سوى من خلال الصور التي تبعثها إليه، طيب القلب ويصدقها، لكنها لا تستطيع أن تكون صادقة معه، فقط ما تستطيع فعله أن تمتنع عن بيع جسدها، وتتحجب، معه تعيش حالة فتاة أخرى، كانت تتمنى دوما أن تكونها، فتاة تخجل من أية كلمة جريئة يقولها، وتفرح عندما يغازلها، وتنتظر مكالمته بلهفة،كلما اقتربت منه تشعر أنها تتخلص من ميراث التقزز الذي ورثته، وتخاف أكثر أن ينتهي الموضوع كما تنتهي كل قصص الحب التي تدخلها، يهرب الرجل منها ولا ينظر وراءه، ومنهم من كان يفتعل الحب منذ البداية فقط ليستمتع بجسدها وأموالها التي تغدقها عليه.
توقفت عن بيع جسدها، وعاشت مع أختها في شقتها بمصر الجديدة، وعملت لدى زوج أختها في شركته سكرتيرة، صحيح أنه يعطيها أجرا ضئيلا، ويعاملها بشكل سيء، لكنها ستتحمل حتى تبعد عن كل ما يذكرها بالماضي، وحتى لا يكتشفه خطيبها أيضا، فجيران أختها لا يعلمون عنها شيئا سوى أنها زوجة صاحب شركة، ويعاملونها باحترام، وعندما يعود خطيبها من الخارج ستستقبله في بيت أختها وتبدأ حياة جديدة ترسمها هي بنفسها، وستكون أما حنونة كما تتمنى دوما، لتحارب بذلك صورة الأم القاسية الجشعة التي كانتها أمها.










فبراير 2006
طلب استشاري المشروع من حكمت ترحيلي أنا ونيفين لأن المنسقات الأخريات استطعن عمل علاقات بفتيات ليل، ووعدن بإحضارهن لمقر الجمعية، لكن حكمت لن تفعل ذلك، فلن تتخلى عن اثنتان من المنسقات أنفقت عليهن نقودا لتدريبهن، وتبحث عن أخريات، هكذا قالت لي أنا ونيفين، ستحضر فتيات الليل وتفكر في طريقة، كانت شيرين قد نصحتني بسؤال أصدقائي من الذكور في منطقة وسط البلد عن فتيات الليل، لم أعرف كيف أفعل ذلك، خجلت أن أسأل أحد إذا كان يعرف فتاة ليل، وإذا كان يعرف فكيف يقنعها بأن تحضر إلى جمعية أهلية، وأيضا حكمت أكدت علينا ألا نتكلم عن المشروع مع أحد وإن كنت أشك أن شيرين وهاجر قد التزمتا بذلك، وحتى نيفين ومنال فجميعهن ينتمين إلى اليسار ولهن أصدقاء ومعارف في منطقة وسط البلد.
استطاعت شيرين وهي عائدة من العمل في أحد عربات الأجرة أن تتعرف على فتاة، يبدو من مظهرها أنها فتاة ليل، أخذت رقم تليفونها، وأحضرتها بالفعل إلى مقر الجمعية، مما جعلها أقرب إلى قلب حكمت، حتى أنها في إحدى ثوراتها على المنسقات، وتأنيبهن على أن العمل متوقف، جعلت من شيرين مسئولة علينا، وأمرت بأن نجلس في غرفة في آخر المقر، بعيدة عن باقي الغرف، حتى لا يرانا أي زائر لها ونحن ندخن، لأن أحد الزائرين رآنا وسألها:
- هما دول فتيات الليل اللي إنتي بتشتغلي معاهم؟.
شيرين تخرجت من كلية الآداب، عملت في إحدى الصحف المغمورة، ثم في جمعية من جمعيات العمل المدني، ثم بدأت السنين تمر ولا توجد فرصة عمل حقيقية، كما أنها لم تستطع أن تتزوج أيضا، خُطِبَت أكثر من مرة، لكن كل مرة يحدث شيء ما يُفشل الأمر، هي الآن في الخامسة والعشرين، تنتمي لليسار، لها صداقات عديدة بأفراد منهم، تواظب على النزول لمقاهي وسط البلد، لا تجد نفسها إلا مع هؤلاء الرفاق، تعود في الليل تفتح لها أمها الباب، وتجد أبيها الذي لا يُكف عن انتقادها.
لم يبق إلا هي وأخيها فقد تزوجت أختها وأخٌ لها آخر، تُدخن في غرفتها المشتركة مع أخيها، حيث تنام في آخر الليل تحت السرير وهو ينام فوقه، تقوم بكل الحيل حتى لا يشم أبيها رائحة السجائر، تفكر هل العمل في جمعية "فقيرة" سيستمر؟، هل سيصبح لها مهنة تتطور من خلالها؟، دوما ما أكدت لي أنها تشك في ذلك، فتوعية فتيات الليل بمخاطر الإيدز ليست مهنة تفتخر بها، ربما تستفيد من المرتب في أن تتحرك بحرية، وتعطي لأمها أموالا، وتجعل أبيها يفك سيطرته وتسلطه.
تحالفنا أنا وشيرين ونيفين في مواجهة باقي المنسقات هاجر ومنال وسهير، ربما يفيدنا هذا التحالف في استمرار بقائنا، في الواقع فكرة التحالف فكرة نيفين، فهي عنيفة بعض الشيء، ولازالت تتلبسها روح التنافس من أيام الجامعة وصراعات السياسة، لكن التحالف لن يضر، فقد ولت أيام الانبهار، وظهرت حكمت على حقيقتها، امرأة متسلطة، تزرع عيونا في كل مكان، تحسب علينا كلماتنا وأفعالنا وكل شيء يصل إليها، وهي جالسة في بيتها، كما أنها أصبحت ترمى علينا عبء إحضار فتيات الليل عندما تغضب وتصرخ فينا، لا يكفى أننا قبلنا بمهنة نخجل من أن نقول أننا نعمل بها، وأيضا أصبح علينا أن نحضر فتيات الليل.
أبو شيرين يعمل سائق في هيئة النقل العام، وتسكن في شقة ضيقة في حي شعبي، ولديها شقيق ينتمي للجماعة السلفية، ومنذ انتمائه لها وأحواله المادية تتحسن، استطاع أن يمتلك محلا لبيع الملابس في حيهم الشعبي كما استطاع أن يتزوج وأيضا يزوج أخت شيرين الأكبر منها، تبقت هي وأخيها الأكبر منها بسنتين، والذي يميل إلى الانضمام للجماعة السلفية مثل أخيه لكي تتحسن أحواله، بعد أن مل من العمل في أعمال مؤقتة لا يستطيع أن يدخر منها نقودا.
شيرين الوحيدة التي تختلف عنهم، تقتنع بالاشتراكية وبالتغيير الثوري، وتؤمن بالطبقة العاملة، كانت في أيام الثانوية ترتدي خمارا، حتى وصلت للجامعة، وتعرفت على الجماعة الاشتراكية، وبدأت تشعر أن هناك أفكار أخرى غير تلك الأفكار التي تحتجزها في المنزل وتتعامل معها كعورة، لم تحب القراءة كثيرا وكل تلك الكتب التي يعطونها لها خاصة كتب لينين وماركس والتي لم تفهم منها شيئا في الواقع، لذا اكتفت بالحديث الذي تسمعه منهم ومن المناقشات على المعارض التي ينظمونها في ساحة جامعة القاهرة، وكانت تلك الأفكار هي ما تقويها وتشعرها بقيمتها كإنسانة، أحست بالحرية، خلعت الحجاب في الجامعة، على أن ترتديه عند العودة للمنزل أو الخروج منه فهي مازالت تسكن في حي شعبي وأهلها لن يسمحوا لها بأن تكون سافرة.
أحبت وأحست بأهميتها كإنسانة، لكن دوما ما كانت تقع في رجل يخدعها، يرى أنها ليست جميلة بسبب نحافتها، وشكل أسنانها التي تبرز قليلا من وجهها، لكنه مع ذلك يدخل معها في علاقة ويوهمها أنه يحبها ويتركها بعد أن يمل منها، المحزن أنهم جميعا ينتمون لجماعتها الاشتراكية و يرددون نفس الحديث عن المساواة بين البشر وبين الرجل والمرأة، كما يرددون نفس الحديث عن حق المرأة في العيش حياة حرة، لكنهم مع ذلك يراوغون ويكذبون وكثيرا ما يتقولون على الفتيات اللاتي يرتبطن بهم في علاقات عاطفية.
أفقدتها تلك الأحداث ثقتها بالجماعة الاشتراكية التي انبهرت بها في السابق، وبالذكور، وبدأت تشعر بعدم الأمان، حتى أنها أصبحت تفضل الابتعاد عنهم وتنسج صداقات مع أناس غير اشتراكيين، واندهشت عندما أحست أنهم متسقين مع أفكارهم وأنفسهم أكثر من الاشتراكيين.
احتفظت بصداقة بعض الرفاق الذين يعاملونها بصدق وإنسانية، واستعدت لأن تخوض الحياة وتحارب لتحصل على عمل ملائم، ربما تتحسن ظروفها ولا تفكر في الزواج كوسيلة للخروج من منزلها ومن سطوة أبيها.















يناير 2016
سلم عريض وطويل..كأنه ممتد لطوابق عدة، أنزل عليه بحذر، لكن بعد وقت أشعر بالدوار، أشعر أن درجاته لن تنتهي، وأنني سأسقط عليه.. تنتظرني في نهايته تهاني، إحدى الفتيات اللاتي كن يعملن معي، أظل أنزل بأقدامي بحذر ثم تقابلني تهاني بفتور ، يقتل فتورها حماسي، أداري شعوري بافتقادي لها، أسألها عن أحوالها تجيب بجمل مقتضبة، ثم تتوالي مشاهد لي معها ونحن نعمل معا، وباقي الفتيات، ونحن نأكل معا ونضحك، أو و نحن نتبادل الحكايا، تمشي هي بعد نزولي آخر درجة من السلم دون أن تودعني وينتهي الحلم.











قصة رقم (5)
كريمة
يبتسم لها كلما تقف في البلكونة، شاب وسيم، له لحية وشارب وشعره أسود وعيناه سوداوين، حينما ترى ابتسامته تخجل وتدخل حتى وإن كانت تضع الغسيل على الحبال أو تقوم بأي شيء في البلكونة، مرة قال لها:
- هاتي رقم تليفونك.
لم ترد ودخلت مسرعة، لكنه ظل مهتم بها يطلب منها رقم هاتفها.
طول فترة دراستها الثانوية وحتى في المعهد المتوسط الذي التحقت به لم تتكلم مع أي شاب، كانت تخجل وتهرب، حاول عديد من الشباب التعرف عليها لكنها كانت ترفض، وبعد أن تخرجت أصبحت لا تخرج من المنزل، فقط تخرج للبلكونة في منتصف النهار، وقد تتلصص على هذا الشاب الوسيم، هي تراه جميل جدا، مثل ممثلين الأفلام، صوته وملامحه وطوله، فهي تحب الرجل طويل القامة ممتلئي الجسم، لم تتوقع أن يهتم بها فهي متوسطة الجمال وممتلئة، وأيضا خجولة وتتلعثم عند التحدث، ليست مثل أختها التي تدرس في كلية الألسن، والتي تهتم بشعرها وملابسها وتتحدث مع الشباب بجرأة حتى أنها تقول لها أن لها أصدقاء من الذكور، أصدقاء وفقط لا تحبهم مثل الأفلام، ولا هم يقعون في غرامها.
أما كريمة فهي منعزلة منذ أن كانت طفلة في المدرسة، قد تصاحب فتاة أو اثنتين، ودوما ترى أنها أقل من صديقاتها في كل شيء، في الجمال والملابس والشجاعة والذكاء، زوجة أبيها هي السبب، هي من تعاملها بشكل سيء، وترفض أن تعطيها نقودا كافية لشراء ملابس جيدة، دوما ما تعطيها أقل من أخيها الطبيب وأختها طالبة الألسن.
ليس ذنبها أنها ليست ابنتها، وليس ذنبها أن أبوها سافر إلى تركيا في أحد المرات، بسبب سعيه في تجارة ما، وتزوج هناك من أمها دون أن يخبر زوجة أبيها، وعندما عاد بعد عدة شهور تكتم على الأمر، لكن الأمر فُضح أمام زوجته حين ماتت أمها وهي تلدها وبعث أهل أمها بالطفلة لأبيها.
وقتها ثارت زوجة أبيها، عرفت ذلك من حكاياتها لصديقاتها، حين تظن أن كريمة لا تسمعها، ثم استخرجت لكريمة شهادة ميلاد كتبت فيها أنها أمها، هي لم تكن تريد أن تكون أمها على الورق لكن زوجها أخذ يسترضيها ويقول لها أنها يتيمة وليس لها غيره، وبإمكانها أن تربيها كابنتها، وافقت لكنها لم تستطع أن تعاملها كابنتها، فكلما تراها تتذكر خيانة زوجها لها وخداعه، تحاول أن تكون رحيمة بها، لكنها لا تستطيع أن تعاملها مثل ابنها وابنتها اللذان أنجبتهما من رحمها، لو كانت يتيمة لا تعرف لها أما لكان الأمر أصبح سهلاً، لكنها ابنة ضرتها التي شاركتها في زوجها.
أحست كريمة بقسوة زوجة أبيها منذ الصغر، وجعلها ذلك تشعر أنها غير مرغوب فيها، خاصة وأن أبيها مشغول بشئونه ولا يهتم بها، حتى أختها وأخيها يعاملونها بتعالي، ويطلبون منها أن تقوم على خدمتهم، ورثوا كراهيتها عن أمهم، يسكنون في المطرية، وأبوها تاجر، أحبت الشاب الذي يسكن أمامهم، تمنت أن يتزوجها ويرحمها من قسوة البيت، أعطته رقم هاتفها، كتبتها في ورقة وشبكتها بمشبك غسيل ورمتها له في بلكونته.
-رقم تليفونك يا قمرة؟.
أشارت له برأسها نعم، حتى لا يسمع أحد من الجيران صوتها وهي تتحدث إليه.
- أكلمك الساعة كام؟.
رمت بورقة أخرى مكتوب عليها "بعد نص الليل، هارنلك أنا وبعدين تتصل"، رمى هو أيضا لها برقم هاتفه، ودخلت مسرعة، بعد أن نام الجميع، رنت عليه، وقبل أن يسمع صوت الهاتف.
-الو.
-الو.
- أخيرا سمعت صوتك، طب ما إنتي صوتك حلو أهو.
- ......
- إيه إنتي بتتكسفي؟ ما هو ده اللي عاجبني فيكي كسوفك.
- يعني أنا عاجباك بجد؟.
- طبعا أمال عوزت أكلمك ليه؟.
- أصلي أنا يعني ولا حلوة ولا رفيعة زي بقيت البنات.
-إيه اللي بتقوليه ده، فيه واحدة تقول على نفسها كده؟.
-يعني إنت شايفني حلوة؟.
-طبعا يا قطة أمال باعاكسك ليه؟.
أخذا يتكلمان كل ليلة، رغم حصار زوجة أبيها لها إلا أنها لم تكتشف مكالمتها الليلية مع حبيبها، وكلما تكلمت معه تحبه أكثر، أحست أنها أخيرا وجدت السعادة وأحست بالأمان.
- بحبك يا بت.
- بجد؟.
- آه بجد.
- طب ما تيجي تتقدملي.
- إنتي مالك مستعجلة كده.
- آمال إيه يعني أية آخرة الحب ده.
- آه دخلنا بقى في جو المسلسلات العربي، يا بنتي المسلسلات دي بوظت دماغك.
- والنبي يا أخويا هو الحب والجواز شغل مسلسلات؟.
- طب مش لما أشوفك الأول وأعرفك، ونقعد مع بعض نتكلم.
- ليه إنت لسه ما عرفتنيش؟.
- آه إنتي خيال في التليفون، أنا عايز أقعد معاكي كده وأحس بيكي.
- لا إنت عارف إنه مش هاينفع، عايز تقعد معايا تعالي أخطبني.
- خليكي كده معقداها لغاية ما أطفش منك.
لم ترد مقابلته رغم إلحاحه، وذلك لخوفها من زوجة أبيها فلو عرفت أنها قابلت شاب سوف تخبر أبيها وربما يضربها،كما أنها لا تعرف إذا قابلته ماذا ستقول له، على الهاتف تشعر بحرية أكثر حتى أنها لا تتلعثم في الكلام، أما إذا قابلته وجها لوجه لا تعرف ربما تموت من الخجل وتخرج الكلمات من فمها مكسورة، كما أنها تخاف أن يقول لأصحابه الشباب أنه قابلها ويُسَوِء سمعتها، إذا كان يريدها فليأتي إلى أبيها ويخطبها.
في أحد الأيام ألحت عليها زوجة أبيها في أن تذهب للسوق لشراء الطعام، هي تفعل ذلك كل يوم، لكن زوجة أبيها في ذلك اليوم كانت تطلب منها الإسراع في الخروج، حتى أنها نست حافظة النقود، خرجت من المنزل ومشت عدة خطوات في الشارع ثم تذكرت أنها نست شيء، رجعت إلى المنزل، رنت جرس الباب لكن زوجة أبيها تأخرت في فتحه، تساءلت أين ذهبت؟، ثم فتحت لها وهي متوترة، وملابسها غير مرتبة، ظلت كريمة في المنزل ولم تنزل ثانية رغم أن زوجة أبيها سبتها وأمرتها أن تذهب، دخلت غرفة نومها وجدت الشاب الذي تُحبه مختبئ وراء الباب، توقف ذهنها للحظات، لم تفهم الموقف، ثم صمتت لا تعرف ماذا تفعل؟، جرى الشاب مسرعا خوفا من أن تصرخ كريمة وتفضحه، ثم أخذت زوجة أبيها تهددها حتى لا تخبر أباها.
سقطت كريمة مغشيا عليها، جلبوا لها الطبيب فقال أنها منهارة وأنها تعاني من صدمة نفسية، سألها أبوها عن سبب صمتها وانهيارها ولم تجب، فضلت ألا تخبره بشيء، ربما لأنها تعرف أنه لن يُصدقها وأن زوجة أبيها سوف تقلب حياتها جحيما.
وبالفعل رغم أنها لم تشِ بزوجة أبيها إلا أنها لم تُطق وجودها في المنزل وزَوَجَتها من رجل يكبرها ب25 عاما، كانت وقتها في العشرين من عمرها، وهذا الرجل كان مطلق ولدية ابنة عمرها عشر سنوات، وافق أبيها وهي لم تجرؤ على الرفض، لم تعرف كيف تتمرد منذ أن كانت صغيرة فهي دوما مطيعة ومستسلمة للقسوة، كما أنها فضلت أن تخرج من بيت زوجة أبيها ربما يكون هذا الرجل حنون معها ويعوضها عن ما عاشته، بعد أن غشت في الشاب الذي أحبته، وعرفت أنه كان يتقرب إليها فقط ليفعل معها ما كان يفعل مع زوجة أبيها.
بعد الزواج عرفت أنها هربت من جحيم زوجة أبيها لجحيم مماثل، فزوجها بخيل، رغم أنه ميسور الحال، فهي تعيش معه في شقته التمليك في مدينة نصر ولديه سيارة فاخرة، لكنه يعاملها على أنها طفلة ساذجة، لا تفهم في أي شيء ولا تستحق أي شيء، يهينها، ويمارس معها الجنس بشكل آلي، يهتم بنفسه وفقط ولا يهتم بها، كما أنه لا يجلب لها ملابس أو هدايا ويعطيها مصروف ضئيل يكفي بالكاد متطلبات المنزل.
أنجبت منه طفلتان وصبي، وطفلته التي أنجبها من زوجة أخرى أصبحت تبلغ 17 عاما، الطفلة لم تحبها أبدا، منذ زواجها من أبيها وهي تعاملها بشكل سيء، ومن مفارقات الزمن أنها هربت من زوجة أبيها لتصبح هي أيضا زوجة أب، لا تُحب ابنة زوجها لكنها مع ذلك لا تتعامل معها بشكل سيء، فالفتاة لا تقترب منها، فقط تعاملها كخادمة تعطيها الأوامر، وأبوها يُشجعها على ذلك.
زوجها بالإضافة إلى إهانتها يضربها بعنف إذا فعلت شيء لا يرضيه، حينما ضربها للمرة الأولى ذهبت إلى بيت أبيها، لكنهم أعادوها إليه في نفس اليوم، بعد أن وبخوها، وحملوها الخطأ، عرفت أنها لم يعد لها مكانا آخر تذهب إليه، وتحملت كل أفعال زوجها السيئة.
تعرفت على جارة لها، سكنت في العمارة حديثا، تعيش هي وأختها بمفردهما، امرأة في منتصف الثلاثينات لكنها تبدو أصغر من عمرها بكثير، تهتم بمظهرها وبشعرها الذي تلونه باللون الأحمر، وأختها أصغر منها بسنوات قليلة وهي أيضا أنيقة وممتلئة بالأنوثة، تقربتا إليها الأختان وعاملوها كصديقة مقربة، وهي أحبت ذلك حيث أنها وحيدة ولا تخرج من المنزل، فزوجها حينما يخرج مع الأطفال يتركها في المنزل ويرفض اصطحابها معهم و يقول لها:
- إنتي تقعدي هنا، إنتي تعرفي إنتي في الخروج في الأماكن النضيفة؟.
صديقتها تخرج كثيرا تسهر في ديسكوهات وتأكل في مطاعم فاخرة، وتذهب إلى الساحل الشمالي والغردقة وأماكن فاخرة، أقنعتها أن تعمل معها وهي تزور تلك الأماكن مثلها، قالت لها أنها ستجلب لها زبائن من الرجال يضاجعونها ويعطونها مالا، كانت وقتها كريمة حامل في ابنها، وافقت على الفور، فهي تريد أن تعيش حياتها، وترى الدنيا، قضت طوال عمرها بين الجدران، أولا جدران بيت زوجة أبيها، ثم جدران بيت زوجها العجوز الذي لا يعرف قيمتها.
أول مرة جلبت لها صديقتها زبونا كانت مرعوبة، ليس من زوجها هي تفعل ذلك نكاية فيه، لكنها كانت لا تعرف كيف ستتصرف وماذا ستقول للزبون؟، أو ماذا ستفعل؟، خاصة وأنها حامل، لكنها اندهشت عندما عاملها الرجل بشكل جيد، أفضل بكثير من زوجها، أحست أنها أنثى لأول مرة في حياتها، لا طفلة بلهاء كما يعاملها الجميع، الرجل يقول لها كلاما حلوا، ويلعب معها ألعاب لم تجربها أبدا في حياتها، مع كل لمسة لجسدها أحست أنها تكتشف الأنثى فيها، تأوهت لأول مرة بصوت عالي ودون خجل، شجعها الرجل على ذلك فأصبحت تتأوه بصوت أعلى، تطلق تلك الأنثى التي حبست منذ ولادتها، مع كل آهة جديدة.
كانت تخجل من زوجها، معه تكتم أي صوت، تصمت وفقط، لم تكن لمساته تمتعها، بل كانت بالأحرى تثير فيها التقزز ليس فقط لأنه كبير في السن، وسريع في حركاته، ولكن لأنه لا يهتم بها ويتعمد التحقير منها حتى وهو يتمتع بجسدها، أما الرجل الآخر يشعرها أنها قطعة حلوى يتلذذ بالتهامها، شاب، ممتليء العضلات، جسده مليء بالشعر ورائحته تزيد من خدرها، وجدت نفسها تلتهمه هي أيضا، تقوم بفعل بعد أن عاشت سنينا من السلبية، تلتهم شفتيه، وتشم رائحته بتلذذ، تقول ما يخطر ببالها دون خوف، تعيش أدوار الأنثى التي طالما شاهدتها في التلفاز وتمنت أن تكونها، الأنثى القوية، المبهرة، المسيطرة.
اكتشفت بعد ذلك أن جارتها القوادة تجلب لها الزبائن متوسطي الحال، كما أنها تعطيها خُمس الأجر الذي تحصله من الزبون، في حين تحتفظ بالزبائن الذين يدفعون أكثر لها ولأختها، تعرفت بالصدفة على سائق تاكسي، كامل، ارتاحت له، تعرفت عليه عن طريق قوادتها، توقفت عن العمل فترة بسبب الولادة، لكنها تنتوي العودة للمهنة والاستمرار فيها.
جاءت إلى جمعية "فقيرة" مرة واحدة، تحمل رضيعا على ذراعيها بالكاد يبلغ شهرين، قمت و شيرين بعمل جلسة تسجيل لها، كانت تعتقد أن الجمعية تُساعد الفتيات على العمل في مهنة بيع الجسد، ربما قال لها كامل ذلك، أو ذهنها هو ما فهم تلك الفكرة، ضحكت شيرين مما قالته كريمة، لكننا شعرنا أن تصورها هذا شيء مرعب، فربما تكون الجمعية تُسهل الدعارة بمعنى ما، كما يعتقد كامل وكريمة وربما باقي الفتيات اللاتي يأتين لديهن نفس الفكرة.
طيبة كريمة وقلة خبرتها لم تغفر لها نيتها في الاستمرار في المهنة، واعتبارها مخرجا لها من بؤس حياتها بالنسبة لي ولشيرين، خاصة وأنها عملت فيما سبق مدرسة في مدرسة خاصة، وزوجها ميسور الحال، وليست مضطرة إلى فعل ذلك، وزاد من موقفنا السلبي تجاهها أن طفلها صغير جدا، ويحتاج لرعاية، واستنكرت مع شيرين بعد أن انهينا جلستنا معها أن تصطحب كريمة ابنها أثناء عملها، كانت كريمة أول فتاة نفقد تعاطفنا معها، وكانت أول حالة تجعلنا نفهم أن بيع الجسد ليس سببا مباشرا للفقر كما كنا نعتقد.








فبراير 2006
استعدت هاجر للخروج من العمل فلقد تأخر الوقت وتريدنا حكمت أن نجلس لساعات أخرى، ترغب حكمت في إبقاءنا حتى التاسعة، جلست هاجر مرة أخرى بعد أن وبختها حكمت، وأخذت تشكو لنا أنها أصبحت تتأخر على ابنها وأصبح صعبا عليها أن تتابع مذاكرته، وتساعده في عمل الواجب، كل يوم تلح كي تخرج من العمل مبكرا، في السابعة على الأقل، ولأن منزلها بعيد عن العمل، تستغرق في طريق العودة ساعة ونصف، وأحيانا ساعتين، تترك ابنها مع دادة، وتظل قلقة إذا تأخر الوقت عن السابعة، فقد تتركه أم محمد وترحل، أو قد تتركه مع أحد أطفالها.
هذا أول عمل لها، بلغت منتصف 28 ولم تعمل من قبل، فهي فتاة وحيدة توفى أبوها وهي في الثامنة من عمرها، ربتها أمها وحدها، كانت تتركها كثيرا في المنزل أثناء عملها كموظفة حكومة، وبعد التخرج تزوجت من زميل لها، كان يوفر لها حياة مريحة، لذا لم تحتاج إلى العمل، أنجبت طفلا ثم نشبت الخلافات بينها وبين زوجها وتطلقا، ولم يهتم بالإنفاق على الطفل.
أصبحت أمها تنفق عليها، وتحضر لها الطعام، لكن ابنها يرتاد مدرسة لغات، ومصاريفها باهظة، وشيئا فشيئا تخلى طليقها عن دفع المصاريف، فاضطرت إلى البحث عن عمل، كما اضطرت هاجر إلى اختلاق أكاذيب حول أنها تعرفت على فتيات في المنطقة التي تسكن بها، وأنها ستحضرهن إلى مقر الجمعية، لتضمن استمرارها، فقد أصبحت المنافسة بيننا على أشدها، أصبحت كل واحدة مننا حذرة، وترغب في إثبات أنها تستطيع التفوق والقيام بالعمل بجدارة.
وما وضعنا في هذا الصراع سلوكيات حكمت، والتي تعمدت تقريب بعض المنسقات لها، وتجاهل الأخريات، كما أنها تختلق مشكلات بسبب كلمة قالتها إحدانا، أو تصرف ما، مما جعلنا نشك في بعضنا البعض، لكن اتضح في النهاية أن سهير هي الجاسوسة التي تنقل لها كل ما نفعله، حكمت تتعامل معنا بتعالي، خاصة هاجر التي تشعر أنها منحلة، ذلك بسبب السجائر والتحدث عن الجنس بحرية، خاصة بعد أن بدأت سهير تنقل لها الحكايا والأحاديث، وتهويلها في تصوير الأمر، فسهير فتاة تقليدية محجبة حاصلة على دبلوم تجارة، متزوجة ولديها طفلتان، لذا فهي تشبه حكمت، وعقلها منغلق أيضا.
لكن الوضع أصبح مزعجا لهاجر فهي دائما المتهمة بالحديث عن الجنس بجرأة وبكثرة، ودائما ما تتعامل معها حكمت بقسوة وتعنفها على تصرفاتها، وترى أنها خفيفة ولا تأخذ الأمور على محمل الجد، وهذا جعل المنسقات يبتعدن عنها، خوفا من أن يحسبن عليها.
تقربت سهير مني، باقي المنسقات يعاملنها بتجاهل، يشعرون أن أحاديثها مملة، كذلك هي تشعر أنها لا تنتمي لهن، هاجر تسخر من حديثها، ونيفين تتعالي عليها، أما منال ورغم أنها قريبة في السن منها ، فمنال عمرها 36 عاما تكبرها بعامين، لكنها تحب أن تتحدث مع الأخريات، كل ذلك جعل سهير تحاول محادثتي أنا، وأنا استمع جيدا، كانت تشكو من الأخريات لأنهن يعاملنها على أنها سيدة مسنة، وكانت توحي لي وسط الحديث أنها قريبة من حكمت وأن حكمت تحكي لها أسرارها الخاصة، لم اهتم بالأمر كثيرا فقد كنت أحاول الابتعاد عن أية صراعات، وأترك لشيرين ونيفين أمر إدارة الأمور لأنهما تجيدان فعل ذلك، شيرين مثلا تستنطق سامي وعمر وتحاول مصادقتهما لمعرفة أخبار حكمت.
عندما كشف أن سهير تنقل أخبارنا لحكمت، الذي كشف ذلك سامي، بدأت أتعمد تجاهلها، حاولت هي تبرير الأمر لي مرة قائلة أنها لم تكن جاسوسة علينا، وإنما هي صديقة لحكمت، كانت تعرفها قبل العمل معها، وعدتها بأن تطور مهارتها وإمكاناتها، وأكدت لي أن حكمت هي التي وطدت العلاقة بها، وأنها هي التي تتصل بها، وتطلب منها أن تصعد إلى بيتها ومرة قالت لي أنها كانت تنقل الحوارات التي تدور بيننا لحكمت لأنها أقنعتها أنها تساعدها حتى تُحافظ على الجمعية التي مازالت في بدايتها، وأنها قالت لها :
-دول مش زينا، دول بنات خفيفة، أنا بس مخلياهم علشان بيدخنوا وبينكشوا شعرهم وبنات الليل هايحسوا إنهم زيهم.
رغم ذلك اختلقت سهير أكاذيب حول أنها تعرفت على فتيات ليل، وستحضرهن إلى المقر، عرفت أن هاجر وسهير يكذبان بشأن أمر التعرف على فتيات الليل لأنهما لم يستطيعا جلب أية فتاة، فقط حكايات عن التعرف عليهن، وحدها شيرين من أحضرت فتاة لذلك اختارتها شيرين مسئولة عن المنسقات، وذلك أثار غيرة سهير لأنها اعتقدت أنها الأحق بحكم السن، و الخبرة، فسهير رغم أنها حاصلة على دبلوم تجارة، إلا أنها سعت لتطور نفسها، تأخذ كورسات لغة انجليزية، وانضمت كمتطوعة لإحدى منظمات العمل الأهلي، والتي تهتم بحقوق المرأة والنسوية، وأثبتت كفاءتها، وحضرت عدة تدريبات، واحتفظت بشبكة علاقات طيبة بأفراد يعملن في منظمات مدنية.
هي متزوجة ولديها طفلتان، زوجها لديه ابن من زواج سابق، تربيه وتعامله كابنها، زوجها أكبر منها بسنوات كثيرة، يعمل كسائق تاكسي، تخجل من قول ذلك، فتقول أنه مهندس، عينيه خضراء وطفلتاها كذلك، لكنه سمين، هو طيب لكنها تفتقد الرومانسية في حياتها، لذا قد تعجب بصديق لها في الكورس لأنه يشعرها أنها مازالت فتاة صغيرة، في بداية تقربها مني حكت لي عن شاب يلاحقها وأنها قد تقابله في كافيهات لكن بعد أن توترت علاقتنا قالت لي أنها عرفته لأيام قليلة لكنها امتنعت عن مقابلته مرة أخرى لأن زوجها هو الأهم لديها وأنها تحبه كثيرا.




قصة رقم (6)
سناء
أُصيب أبوها في حادثة سير، سائق على سيارة نقل، ينقل البضائع بين المحافظات، تعاطي مخدرات أكثر من اللازم وفي ظلام الليل انقلبت به السيارة، تركته تلك الحادثة مقعد الفراش لا يقوى على العمل، وهي أكبر أشقاءها، لم يلحقها والدها بالتعليم، فقط أدخل شقيقيها الذكور إلى المدرسة وبقيت هي وأختها الأصغر في المنزل، لأن أبوها كان يرى أن الفتيات مصيرهن الزواج، ضاقت بهم الحال وأصبح لزاما عليهم أن يعملوا.
أحست هي بالمسئولية تجاه أشقائها، كانت وقتها في 16 من عمرها، تعيش في بيت فقير في بني سويف، عملت كوافيرة لبعض الوقت، وأصبحت تعول أسرتها ورفضت أن تترك أشقاءها يعملون، ثم تعرفت على إحدى الزبونات في المحل الذي تعمل به توسطت لها لتعمل مضيفة في أتوبيس سياحي، و بدأت تتعلم كيف ترتدي ملابس حسنة المظهر وكيف تجعل شكلها جيد وتهتم بشعرها ومظهرها، كانت تتعرض لمعاكسات وإغواء من الرجال الذين يرتادون الأتوبيس الذي تعمل به.
فتاة صغيرة ملامحها مقبولة ومظهرها جيد، كانت قد أحبت شاب من أقاربها ووعدها بالزواج، ثم أفقدها عذريتها وتخلى عنها، أقنعتها الصديقة التي جلبت لها العمل بالاستجابة للرجال وتقاضي نقود مقابل ممارسة الجنس معهم، مع السنوات أصبحت هي من تجلب الزبائن للفتيات، وهي من تقنع الفتيات الصغيرات بالعمل في تلك المهنة، اكتشفت أن مهنة القوادة تجلب نقودا أكثر، ومع ذلك استمرت في بيع جسدها.
أغوت أحد الرجال الذين يعملون في التجارة، شاب من أسرة غنية يمتلك شركات ومتزوج، أصبحت تجيد التظاهر بأنها فتاة راقية، السنوات التي قضتها في التعامل مع الناس في مجال السياحة جعلتها تتطور وتجيد التعامل، تتحدث بلباقة، وترتدي ملابس فاخرة و تصفف شعرها.
تزوجته وجلب لها شقة، وكان ينفق عليها بشكل جيد، أنجبت منه طفلة، ثم حدثت بينهما مشاكل كثيرة، فطلقها وتنكر لها ولابنته، خاصة عندما أحس أنها تريد جلب أكبر قدر ممكن من المال منه، عادت إلى مهنتها بعد الطلاق، وكانت تترك طفلتها الصغيرة لدى أختها، التي تزوجت في بني سويف، فقد توفى أباها وأمها ولم يتبق لها سوى أشقائها، الذين تزوجوا هم أيضا، كانت تعيش في بيت أبيها، عندما قبض عليها بتهمة القوادة، حكم عليها بالسجن لأن الفتاة التي كانت تجلب لها الزبائن كانت قاصر.
تركت طفلتها التي كانت تبلغ وقتها عامان لدى أختها، في السجن عرفت معنى الذل، فهي استطاعت أن تعيش في الحياة بعد فقدان حماية أبيها ورعايته وإعالته المادية لها، بالتحايل، تعلمت المراوغة، والكذب والتمثيل، وتصنع القوة في اللحظات التي تحتاج ذلك وتصنع الضعف في أوقات أخرى، عرفت أن معظم الرجال يخضعون تحت وطأة الإثارة، ويرضون عندما تكون ممارستها للجنس جيدة ومشبعة، وقتها ممكن أن يعطونها ما تطلب من مال، كما عرفت كيف تقود الرجال ذوى الشخصيات الضعيفة، أما في السجن فالأمر مختلف، هي عزلاء تماما.
هي أضعف بكثير من السيدات في السجن، وسلاحها في الإغواء ليس له قيمة، خاصة وأنها ليست على مستوى عالي من الجمال، فهناك سجينات كثيرات أجمل منها، سرعان ما بدأت السجينات في ضربها وإذلالها، ولكي تجد مكانا بينهن أصبحت خادمة لهن، تغسل ملابسهن، وتقوم على خدمتهن، وصاحبت في السجن سيدة أقوي منها، سيدة اسمها فتحية، قوادة أيضا، لكنها محترفة أكثر من سناء، عملت في هذه المهنة أكثر من 15 سنة، وكانت لها عدة شقق تديرها، ثم وشى بها أحد العاملين لديها لكي يضع يديه على أموالها، كانت سناء وقتها عمرها 25 عاما، وفتحية 45، يبدو من ملامح فتحية أنها كانت رائعة الجمال في بداية شبابها، لكن سنوات عملها جعلتها أكثر خشونة، كما أصبح صوتها خشنا بفعل تناول المخدرات والتدخين المتواصل.
لم تفهم سناء لما تتحول سيدة إلى الانجذاب الجنسي تجاه سيدة أخرى مثلها، فسناء تنجذب للرجال لأنهم مختلفون عنها، رائحة مختلفة وجسم قوي وعضلات مشدودة، وشيء قوي يدخل فيها ويجعلها تستلم تماما للذة، أما أن تثيرها فتاة أخرى لديها جسد مثل جسدها فلم تفهم ذلك.
منذ أول يوم لدخولها للسجن اقتربت منها فتحيه، أخذت تسألها عن حياتها وتهمتها، وتعطيها طعاما وسجائر، قبلت سناء لأن لا أحد يزورها، وليس لديها أموال تشتري بها سجائر، أحست أن فتحية صديقة طيبة وارتاحت لها، ثم بعد ذلك تفاجأت بنظرات فتحية، تُشبه نظرات الرجل عندما يريد الجنس، تحملق في جسدها، وتلمسها بشكل غريب يختلف عن لمسة صديقة.
-بت يا سناء.
- نعم يا معلمة.
- أنا هاتجوزك.
- إيه.
- هو إيه اللي إيه هاتجوزك، إنتي ما تعرفيش إننا في السجن بنتجوز بعض ولا إيه.
- لا أول مرة أعرف الموضوع ده.
- طب أديكي عرفتي أهو يا أختي، إنتي عاجباني وأنا هاتجوزك.
- أنا ممكن أغسلك هدومك طول ما أنا قاعدة هنا وأعمل اللي إنتي عايزاه انشاله أغسلك رجليكي كل يوم.
- يعني إيه مش عاوزة تتجوزيني يا بت ولا إيه؟.
- لا أبدا أنا ماقولتش كده، بس أنا ماليش في الستات الصراحة.
- وماله أعلمك، دا أحسن من الرجالة يا هبلة، وبعدين إحنا هنا كلنا نسوان هانجيب رجالة منين يعني؟.
- أوامرك يا معلمة.
-أيوة كده اتعدلي دا أنا هابقى جوزك يا بت هههههههههههههه.
اندهشت سناء عندما وجدت السيدات يتعاملن مع الأمر بعادية، ولم ينظرن لها أو لفتحية التي أجبرتها على الدخول معها في علاقة جنسية باستغراب، بل أن معظمهن يتخذن رفيقة ويعتبرونها زوجة، السيدة الأضعف تحتمي في السيدة الأقوى منها، مثل علاقة الرجل والمرأة في الحياة الخارجية.
نامت مع فتحية في سريرها، أخذت تلتهم جسدها، وهي متقززة، لا تستطيع الرفض، لكنها أيضا لا تستطيع مجاراتها في الأمر، فقط استسلمت لها، حاولت الاستمتاع حتى لا تتقيأ، لكن رائحة فتحية نفرتها أكثر، كل يوم تطلب منها فتحية أن تضاجعها، قبلت ذلك لأن حماية فتحية لها جعلت خدمتها للسجينات تتوقف، ومرات ضربها تتباعد، وإذا حدث وتشاجرت معها إحداهن، تلجأ لفتحية التي تأخذ لها حقها، فتحية تنفق عليها وتوفر لها طعاما جيدا وسجائر حشيش أيضا، وفي النهاية هذا الزواج يحميها من الوحدة والعزلة على الأقل هي تجد صديقة تحكي معها وتشكو لها، وتشاركها الطعام والشراب.
مرت سنوات السجن ثقيلة خرجت بعد 3 سنوات لتجد شقيقيها وقد قاطعاها، نسا أنها هي التي أنفقت عليهما حتى يقفا على أقدامهماا، أختها أيضا لم تعد تعاملها جيدا، لكنها على الأقل لم تقطع علاقتها بها.
- ما كنتيش بتزوريني في السجن ليه يا سعاد؟.
- ما إنتي عارفة خفت من جوزي.
- يا بنتي أنا مظلومة، دي تهمة لفقتهالي البت صاحبتي في الشغل، علشان كنت أحسن منها.
- يا سناء مش مهم، أنا والله كنت عايزة أزورك بس خفت لا جوزي يعرف ويطلقني.
-و النبي طب هو لما يعرف إني زورتك هايعمل إيه؟.
- ما أنا مش هاقوله.
- ولما يلاقي منى بنتي مش موجودة مش ها يعرف؟، وبعدين قوليلي كان بيتعامل معاها إزاي وأنا في السجن؟.
-لا الشهادة لله كان بيقول منى مالهاش ذنب، عيلة صغيرة وماتوعاش، و أنا هاقوله بعتهالك مع واحدة جارتنا.
- آمال ما كنتوش بتستعروا مني ليه لما كنت بابعتلكوا الفلوس ولما جهزتك علشان تتجوزي، ريحي بالك يا سعاد أنا هانزل مصر، أشوف شغل وأربي بنتي.
- أنا ما أنكرش فضلك عليا، ربنا معاكي يا سناء وينور لك طريقك.
أخذت ابنتها وقررت أن تعيش في القاهرة، تزوجت مرة أخرى من أحد زبائنها، متزوج من ابنة عمته، تزوجها سرا، عاشت معه سنة، كان يضربها بعنف، ويشك بها كثيرا، كلما يأتي إلى الشقة التي استأجرها لها يسألها أسئلة كثيرة ويظن أنها تجلب الرجال إلى البيت في غيابه، هي تفعل ذلك فعلا، فهو يترك لها أموالا قليلة، لا تكفيها هي وابنتها، فكانت تعوض باقي المصاريف خاصة وأنه منعها من العمل سواء كوافيرة أو في السياحة، تزوجها فقط ليتمتع جنسيا، يأتي لها مرة في الأسبوع أو حينما يسمح وقته لينام معها قدر ما يستطيع، لا يهتم بابنتها، بل أحيانا يتأفف من وجودها ومن إزعاجها له، حذرها أكثر من مرة من الإنجاب، وكان يشرف بنفسه على أخذها حبوب منع الحمل، مما يعني أنه يراها سيدة للمتعة وفقط.
كلهم يعاملونها بنفس الطريقة، منذ كانت في ال16 من عمرها وحتى الآن هي بالنسبة لكل رجل عرفته جسد يتمتع به وبالتهامه، وبلمسه بالطريقة التي تناسبه، أحيانا بعنف وأحيانا ببطء، اللذة بالنسبة للرجال الذين عرفتهم لذة جسد يلتهم آخر، حتى لا يتشارك معه تجرع اللذة، فهي في كل الأحوال ليست إنسانة، حتى أنهم لا يهتموا بإمتاعها، أو بمعرفة إذا كانت هي أيضا قد وصلت لذروة اللذة أم لا، إصراره على عدم الإنجاب جعلها تنفر منه أكثر وتشعر أنه زواج عابر.
تطلقت مرة أخرى وقررت ألا تتزوج، فالرجل حينما يتزوج يمتلك المرأة، ويضعها تحت رحمته، كما أنه لا يجهد نفسه في إرضائها أو إشباعها، أو إعطائها نقودا لترضى أن تفتح له ساقيها، فهي تفتح ساقيها بواجب مقدس لا تستطيع أن تقاومه، يتعامل معها كشيء يمتلكه وفقط، مهنتها هي ما تبقت لها، ظلت تزاولها على أمل أن تجد رجلا يعولها ويكفيها ماديا ونفسيا، تعرفت على أحد الرجال، وسيم و "ابن ناس"، معظم زبائنها "ولاد ناس" وأغنياء، لكن هذا الرجل تعلقت به، لا تستطيع القول أنها أحبته فهي لا تحب أحد ولا حتى نفسها، لكنها تحب صحبته، علمها كيف تستمتع بالحياة، من قبل كانت تدخن الحشيش والسجائر وقد تتعاطى "الترامادول" لكن ليس بشكل دوري، أما مع وائل تعلمت شيء آخر، شيء ساحر.
-إيه اللي في إيدك ده؟.
-دي بوردة.
-إيه؟.
-بودرة ما تعرفيهاش؟.
-ما أعرفهاش إلا في الأفلام.
-أديكي هاتعرفيها في الحقيقة يا موزة.
-لا يا أخويا أنا مش ناقصة ضياع.
-ضياع إيه يا هبلة، البودرة دي هي اللي هاتوديكي الجنة.
-ولما أدمنها هاجيب فلوسها منين؟، دا أنا بالعافية باصرف على نفسي وعلى تعليم البت.
- جربي بس وما تفكريش.
تعاطت البودرة معه عن طريق الأنف، أحست أنها في حياة أخرى، جسدها خفيف ولا تفكر في أي شيء، غاب كل ثقل الحياة وقسوتها، وكل الأشياء التي تؤرقها اختفت، هي فقط تطير وتشعر باللذة، لكنها لذة التخفف من كل شيء، مارست الجنس مع وائل وكان مختلفا عن أي جنس مارسته طوال حياتها، كأنها بلا جسد، خفيفة جدا، هذه الخفة هي ما تمنتها طوال حياتها، أن تتحرر من الأثقال التي تُكبل يديها ورجليها، بدء من أهلها وأشقائها الذين لم يحفظا جميلها، وحتى ابنتها التي تعلقت في رقبتها، والتي أدخلتها مدرسة خاصة لتضمن لها تعليما جيدا وتضمن لها مصيرا أفضل منها.
فيما بعد أصبحت تأخذ البودرة بالحقن، واكتشفت أن ذلك يعطيها تأثيرا مضاعفا، تعمل طوال النهار وتبيع جسدها، حتى تستمتع آخر الليل بهذا المسحوق الساحر، استمرت مع وائل، رغم أنه أصبح فقيرا، فقد أفقدته المخدرات أهله، طردوه بعد أن أصبح مصدر إزعاج لهم، عاش معها في شقتها التي تؤجرها إيجار جديد، عادت تعمل كوافيره لتضمن دخلا ثابتا يمكنها من دفع إيجار الشقة، ولأن بيع جسدها يأتي حسب الظروف.
مع يأسها من أن يعطف أهل ابنتها عليها ويعطوها نقودا،خاصة وأنها رفعت على زوجها الأسبق قضية نفقة ولم تحصل منه على شيء، أخرجت ابنتها من المدرسة، أصبحت تأخذها معها إلى بيوت الزبائن، وتستخدمها في بعض الأحيان لكي تتسول من الزبائن نقودا أو تطلب منهم هدايا.
عندما وصلت منى لسن 12 بدأت تجذب زبائن سناء، وأبدى أكثر واحد منهم إعجابا بها وبأنوثتها التي بدأت تظهر، لم تتردد سناء في بيع ابنتها أيضا، مثلما لم تتردد في بيع جسدها، كان تبريرها لنفسها أنها في كل الأحوال ستمارس الجنس، وغالبا سيكون مع شاب يستغلها، يوهما أنه يحبها ثم يتركها ويتعامل بخسة، فلما لا تمارسه وتستفيد منه، وعدها أحد مخرجي الدرجة الثالثة أن يقدم ابنتها في برنامج للأطفال، ويجعلها تشتهر وتمثل في المسلسلات والأفلام، وطلب منها أن تبيت معه، وافقت وأخذت ابنتها في الحمام في الكافية الذي يجلسون فيه.
- ياللا يا منى إيه رأيك تروحي تباتي عند عمو.
- لوحدى؟.
- آه.
- طب ليه مش إنتي اللي بتباتي معاهم وأنا باجي معاكي؟.
- المرة دي إنتي بقى اللي هاتباتي.
- ليه بقى؟.
- هو قال هايخليكي تمثلي، مش إنتي عايزة تمثلي وتشتهري؟.
- بس أنا هاعمل إيه؟.
- مش هاتعملي حاجة إنتي بس إسمعى كلامه واللي يقولك عليه إعمليه.
- هاعمل إيه يعني يا ماما مش فاهمة؟.
- ما تخافيش بقى، هايجيبلك الأكل اللي بتحبيه ولعب كمان يا ستي.
خرجت سناء من الحمام وأخذت المخرج جانبا:
- بص ما تعملش معاها جنس كامل دي لسه صغيرة وهاتترعب، ويمكن تتعور ولا تموت في إيدك.
- يا ستي ما تخافيش أنا بس هالعب معاها.
- هاتديني فلوس دا غير أنها هاتمثل.
- أيوة ما أنا وعدتك.
-طب هات.
- خدي يا ستي، بس المهم هي موافقة؟.
- آه بس هاتلها آكل من اللي بتحبه ولعبة.
دخلت منى مع المخرج إلى شقته، لم تفهم لماذا لم تأتِ أمها معها، فأمها هي من تدخل مع أي رجل غرفة النوم وتتركها هي في الخارج تشاهد التلفاز، بدأت تخاف.. ماذا سيفعل معها هذا الرجل؟.
- ماتخافيش مالك وشك أصفر كده ليه دا إحنا هانلعب.
-هانلعب إيه؟.
-هانلعب عروسة وعريس.
-يعني إيه؟.
- يعني إقلعي هدومك وأنا هابقى عريسك.
- ليه هو أنت كنت أتجوزتني وعملنا فرح؟.
- يا ستي اعتبري أن أنا أتجوزتك وعملنا فرح.
- لكن إنت عمو وأكبر مني المفروض أتجوز واحد من سني.
-بصي يا منى بطلي لماضة وإسمعى اللي باقولك عليه ونفذيه وبس.
بدأ يتحسس جسدها، نزع ملابسها وأخذها إلى السرير، أخذ يداعب ثديها الصغير جدا وهي تضحك.
- يا عمو إنت بتعمل كده ليه؟.
- شفتي بقى أنا بازغزك.
ثم أخذ يلمس مثلثها الحميمي وبدأت تتوجع، وغرس فيها شيء كبير كأنه عصا، أخذت تتوجع وهو لا يهتم، ثم صرخ فيها بصوت عالي فارتعبت وصمتت حتى لا يضربها، حتى انتهى مما يفعله وتركها بعد أن قذف بشيء مقزز عليها.
دخلت الحمام وأخذت دشا حتى لا تتقيأ.. فهمت ماذا تفعل أمها في غرفة النوم مع الرجال، وعرفت أنها لن تحب ذلك أبدا فلعبة عروسة وعريس مؤلمة ومقززة.
عندما ذهبت لأمها طلبت منها ألا تتركها تذهب مع أي رجل.
- ماما مش عايزة أروح مع حد تاني ده وجعني قوي وكنت هارجع.
- معلش يا حبيبتي ها نعمل إيه علشان نعرف نعيش وتعرفي تلاقي الحاجات اللي بتحبيها، مرة على مرة هاتتعودي.
تعرفت على "فقيرة" عن طريق صديقة لها، كانت الجمعية تقوم بعمل تدريب على التوعية بمرض الإيدز، ارتاحت للحكي معي، وعدتها حكمت أن تجلب لها أدوات الكوافيرة لتعمل بها، وتكون أرباح عملها لها وحدها، ولا تعود مضطرة للعمل في محل لدى أحد، لكن حكمت لم تفِ بوعدها، ومع ذلك ظلت سناء تتردد عليها، أملا في أن تستطيع أخذ أية أموال منها، ومرة جلبت أحد أصدقاءها لكي تُساعده الجمعية في الشفاء من الإدمان، وبالفعل ساعدته حكمت وألحقته بأحد الجمعيات التي تعالج الإدمان مجانا.
حينما طلبت منها أن تحكي حكايتها وتسجل ما تقول وافقت بشرط أن أكون وحدي معها، فهي لا ترتاح لأحد غيري، على حد قولها، وحكت لي أشياء كانت تخجل من حكيها في السابق، خاصة موضوع السجن، والزواج من سجينة، حتى أن ملامحها كانت تتغير عند حكي هذه الأمور، فهي تحافظ على صورة لها أمام الناس وتخشى من اهتزازها، واعترفت أنها تتعاطى البودرة، أظهرتُ وجها محايدا عندما حكت لي كل ذلك، رغم أني تفاجأت فعلا، خاصة من أمر زواجها في السجن من امرأة، وأخذت أتخيل كيف كان ذلك يحدث قبل أن أنام لعدة ليالي، لكني جاهدت أن أبين لها أني لا أحكم عليها أو أدينها، من داخلي لم أكن أشفق على سناء، خاصة عندما عرفت بأمر تسريحها لابنتها، كانت منال هي ما عرفت ذلك وحكته لي فيما بعد.





مارس 2006
انشغلت نيفين بمشاكل مع زوجها، حكت لنا أنهما يتشاجران كثيرا بسبب أنها بعد طفلتها الأولى حملت على سبيل الخطأ، ثار زوجها وهددها بالانفصال، وطلب منها إجهاض الطفل، وذلك لأنهم لا يمتلكون المال، تركها تفكر وحدها وذهبت لبيت أحد أصدقاءه، بعد أن هددها بالانفصال، هداها عقلها أن تُجهض نفسها بنفسها، أحضرت "إريال" تلفيزيون قديم، أدخلته داخل الرحم، فتحت به رحمها، أجهضت، سبب لها ذلك فيما بعد مشاكل صحية، استمرت لفترة في جهازها التناسلي، عاد هو وكأن شيئا لم يكن، كان ذلك قبل شهر من التحاقها بالعمل، ورغم مرور عدة شهور على الإجهاض إلا أنها لازالت تعاني، فقد سبب لها ذلك قرحة في المهبل.
حكت لنا أن زوجها قال لها "إنتي اللي المفروض تاخدي بالك، تاخديلك برشام ولا لولب ولا أي زفت من اللي الستات بياخدوه"،وأنها استأنفت حياتها معه لكن شيء ما كُسر داخلها، علمت أنه به شر ما، مع معاشرته اكتشفت أن وهم المساواة بين الرجل والمرأة مكانه الوحيد ذهنها، وذهن الكثيرات من فتيات اليسار، اللاتي يدخلن وسط اليسار بنية صافية، وحماس وأمل كبير في حياة مثالية، يصدقن ما يقوله الذكور، ويتمثلنه في تصرفاتهن وأفعالهن وسلوكياتهن في الحياة، يُدخِّن، يتعاملن مع الرجل بندية، يثقن في ذواتهن، يعتقدن في أحقيتهن في أن يشعرن بجسدهن، وأن يملكن القرار في ممارسة الجنس مع أحبائهن دون شروط المجتمع، والتي تفرض نمطا ما قد لا يتفق مع إنسانيتهن، ثم يفاجأن بعد فترة أن نفس الذكور يصمونهن، ويتبادلون عنهن الحكايا، ويقولون عنهن من وراء ظهورهن أنهن عاهرات، وربما يشاركهن في ذلك بعض نساء اليسار، واللاتي لم يتخلصن تماما من سطوة التصور الذكوري الذهني للمرأة في مجتمع نامي.
عندما عرفت نيفين بفكرة المشروع تحمست لها، أولا لأنها تحتاج إلى العمل، وكذلك زوجها، فهما منذ فترة بلا عمل، يطلبان المساعدة من أمها من حين لآخر، وزوجها ينزل أعمالا متعبة، ولا تتناسب مع مؤهله الجامعي، ويتركها سريعا، عرض عليها أحد الأصدقاء هذا العمل، وافق زوجها وقال أنه سيجالس ابنتهما الصغيرة، إلى أن تعود من العمل، أتمت الخمس والعشرين عاما، عملت في مهن عديدة، لم تستمر فيها طويلا، فإنجابها لطفلتها عطلها بعض الشيء، لكن مع حاجتهم الشديدة للمال كان لابد أن تعمل.
نيفين تقرأ عن الاشتراكية وعن الثورة في روسيا، وعن لينين وتروتسكي وكل هؤلاء الثوريين العظماء، وانخرطت في الصراعات بين فصائل الاشتراكيين حين انضمت إليهم أيام الجامعة، كانت هذه هي حياتها، تزوجت من رفيق لها، أنجبت طفلة، عجنتها ظروف الحياة الشاقة، لكن أكثر ما أدهشها أنها اكتشفت أن رفيقها وزوجها ليس مثلما توقعت، فقد اتسم ببعض الأنانية، ربما الفقر هو ما أظهرها.
أما منال فقد وعدتها حكمت أن تعطيها مرتبا أكبر من باقي المنسقات لأنها أكبر منهن وأكثر خبرة، على أن تجتهد في عملها، و ألا تخبرهن بشيء، ثم بعد ذلك حنثت بوعدها وأصبحت تعطيها راتبا مثل باقي المنسقات، على الرغم من أنها تعرف جيدا أن ظروفها أسوأ بكثير، وأنها تدفع إيجار شقة بالنظام الجديد، وابنها التحق بالمدرسة منذ عام.
جاءت منال من قريتها البعيدة لتتعلم في جامعة القاهرة، سكنت في المدينة الجامعية مثل باقي فتيات الأقاليم، كانت فتاة عادية محجبة، في كلية دار العلوم، تعرفت على شاب وتزوجته، كان شاعر عامية، بعد الزواج اكتشفت وجهه الحقيقي شخص مستهتر وغير مسئول، يحب السهر على مقاهي وسط البلد، ويصاحب عليها فتيات أخريات، ويتهمها أنها نكدية، من حظها السيئ أنها أنجبت منه سريعا، ولم تكمل دراستها الجامعية، انشغلت بالعمل حتى تُساعده في تحمل مسئولية البيت، وبعد عدة سنوات لم تعد تحتمل، خاصة وأنها كانت مستقرة في عملها بإحدى الصحف، كانت تقوم بالتصحيح اللغوي، تزوجت مرة أخرى من رجل عادي، أقل منها في التعليم، تخيلت أنه سيعوضها عن حياة البؤس والإهمال التي عاشتها مع زوجها الأول، لكنه كان أكثر سوء، يشرب المخدرات ويضربها وأيضا لا يتحمل مسئولية البيت، كما أنه كان يعايرها بأنها تزوجت قبله، أنجبت منه وأصبح لديها طفلان لا تعرف كيف ستربيهما.
أصرت على الطلاق وعادت إلى أهلها في الشرقية، لكنهم رفضوا أن يتحملوا مسئولية أطفالها، طلبوا منها أن تترك طفليها لأبيهما، وتعيش معهم وينفقون عليها، تركت أهلها واصطحبت طفليها وعادت إلى القاهرة، وعاشت ظروف طاحنة، خاصة بعد أن تركت عملها المستقر عندما حملت بطفلها الثاني، ظنا منها أن زوجها سيعولها ولن تحتاج إلى عمل.
انغلقت الأبواب في وجهها ورفض كل رجل أن يُنفق على طفله الذي أنجبه منها، عملت مرة في مصنع سكر، كانت تقوم بتعبئته في الأكياس، وعملت أعمال كثيرة فقط لتستطيع أن تُطعم طفليها، ثم توسط لها أحد أصدقائها لتعمل لدى حكمت.
قررت حكمت أن تبدأ في التدخل، أرسلت سامي وعمر بسيارتها لاصطياد فتيات ليل، عاد الشابان مع فتاتان نورا وسميرة، دخلت نورا مقر الجمعية فتفاجأت بوجود ست شابات وسيدة كبيرة في السن ضخمة الحجم، أحست أنه كمين، فهي كانت تتخيل أنها "مصلحة" مع الشابان، ستنفرد هي بواحد، وتأخذ سميرة الآخر، آثرت الصمت حتى تفهم ماذا يحدث، على الجانب الآخر تهافتنا نحن على الفتاتين، أخذ فريقي يتقرب من نورا بينما منال وسهير وهاجر التفوا حول سميرة، رأت حكمت هذا التهافت ولم يعجبها.
بدأت شيرين بالتحدث مع نورا وحدثتها عن الجمعية وخدماتها، التزمنا بتعليمات حكمت التي حفظناها منها أثناء التدريبات التمهيدية، وهي أن نتقرب من فتيات الليل بشكل ودي وعمل علاقات صداقات معهن، والبدء بالحكي عن أنفسنا حتى ترتاح الفتاة وتحكي هي أيضا عن نفسها، وألا نبين للفتاة أي حكم أخلاقي أو إدانة لما تفعل بل نبدي تفهما، استطاعت شيرين عمل علاقة صداقة من نورا وظلت تهاتفها كذلك أنا عاملتها كصديقة، كانت نورا فتاة سمراء من الحوامدية تجبرها عائلتها على العمل بهذه المهنة، ساذجة بعض الشيء وبها طفولة، أما سميرة فكانت أكثر خبرة منها وتحكي أكاذيب عن نفسها.
فكرت حكمت في حل آخر وهو أن نذهب إلى كافيهات حول مقر الجمعية ونتعرف على الفتيات وكان سامي وعمر يذهبان معنا، العدد الكبير كان معوقا وبالكاد استطعنا أن نتعرف على عدد قليل من الفتيات، كما أن وجود سامي وعمر كان سببا في عدم تركيزنا، لأن الجلسة كانت تتحول لترفيه ومزاح بلا عمل.
ثم أصبحنا نذهب دون الشابين، نجلس في الكافية نتناول مشروبات، ونتحدث عن حياتنا، تعرفت أنا وشيرين على فتاة تسكن في منطقة شعبية قريبة من الجمعية، توهم زوجها أنها تعمل خياطة لكنها تجالس الرجال على الكافيهات، وفي بداية طريق العمل بالجنس، حيث تعرفت على سيدتين أقنعاها أن تعمل معهما ويجلبن لها زبائن مقابل 150 جنيه في المرة، وأعجبتها الفكرة، فهي لن تبذل مجهودا وستأكل وتشرب وتأخذ مبلغا كبيرا، عندما حكينا لحكمت عن هذه الفتاة طلبت منا أن نخبرها أننا نريد التعرف على القوادتين للعمل في الجنس.
لم ارتاح للفكرة وكذلك شيرين، وكانت طريقة حكمت تخيفنا، أولا لأنها تنطوي على كذب وإيهام للفتاة، وثانيا لأننا مضطرتان أن نمثل دور فتيات ليل لجلب القوادتين إلى حكمت ، وهذا أمر مرعب بالنسبة لنا حتى ولو على سبيل الخداع ، فهي فقط كانت تريد أن تقابلهما وهي ستقنعهما بالتعاون معها.
أخذت موعد مع القوادتين وقلت أني سوف أقابلهما بفتاة أخرى ستعمل معهما، وجلبتهما إلى مقر الجمعية، وتركت حكمت تحادثهما، خافت القوادتين جدا واضطرتا أن تُظهرا تماسكا، ألحت حكمت عليهن في أن يجلبن لها الفتيات لتقديم كشف طبي مجاني لهم، وخدمة قانونية تتمثل في استخراج أوراق رسمية أو مساعدة قانونية، وافقت القوادتين لأنهما أحستا أنهما في كمين، رغم تأكيدات حكمت أنها لا تدين عملهما ولا تتدخل فيه، لكن فكرة الكذب من البداية أفقدت حكمت وجمعيتها المصداقية، فإذا كانت جمعية تهدف إلى خدمة الفتيات وتقدم فقط خدمات طبية وقانونية فلما كذبت عليهما إحدى العاملات بالجمعية وقالت أنها ستعمل في المهنة معهما، هذا الكذب وتلك الحيلة جعلت القوادتين ترتعبان وخافتا أن يكون كل ذلك حيلة من الشرطة حتى يُقبض عليهما متلبستين.
ترك ذلك الموقف انطباع سيء لدى، أحسست أن حكمت تستخدم كل الوسائل فقط لجلب عدد من الفتيات حتى يستمر المشروع بأي شكل، أصبحت أذهب إلى البيت محبطة، لا أحترم هذا العمل الذي أضطر فيه أن أوهم الآخرين أني فتاة ليل، ولم أجرؤ على أن أحكي لأمي ذلك، أحسست أني أنحدر، بعد أن عملت في الصحافة ونشرت بعض المقالات في صحيفة هامة، كما نشر لي عدد من القصص القصيرة في أكثر من صحيفة، أصبحت أتقاضى أجرا كبير ا نسبيا لكن في عمل متدني لا أكتسب خبرة في أي شيء ولا أطور مهاراتي، وإنما أمثل دور فتاة ليل، وأتعامل مع قوادات، وأجلس على كافيهات أستمع لسخافات، ومما زاد من استيائي تعامل حكمت مع قواد يدعي "كامل" عرفها عليه دكتور سمير.
يعمل كامل سائق تاكسي، ويجلب الفتيات لسمير لعمل عمليات إجهاض، أو للكشف عن أية أمراض جنسية يُصبن بها، اتفقت حكمت معه أن تعطيه مبلغا على كل فتاة يجلبها إلى مقر الجمعية،كان هذا الاتفاق مريحا لنا لأن ضغط حكمت ومطالبتها لنا بأن نجلب فتيات قل، وأصبح همها أن نستطع عمل علاقات قوية بالفتيات اللاتي يجلبهن كامل لكي يستمررن بالتردد على الجمعية، وأصبحت المنسقات يتنافسن أيضا في التقرب وملاحقة الفتيات اللاتي يجلبهن كامل، ويستخدمن الحيل في الاحتفاظ بصداقات معهن، حتى أن أمر التنافس وصل لفتيات الليل أنفسهن.
أصبح العمل مستقر نسبيا بعد الاتفاق مع كامل، لم نعد نجلس على الكافيهات القريبة من المقر، نقضي يوم العمل في الجمعية، نأكل سويا وننتظر أية فتاة يحضرها كامل، واستمر التنافس وأخذت الأيام تمر متشابهة، بدأت أستغل الهدوء في القراءة، فأنا لا أحب الحكي، كما لا أحب الاشتراك في أحاديث مكررة ومعادة.












فبراير 2016
أجلس على حافة شباك، أشعر بالهواء، أنظر لأسفل أجد الأرض بعيدة جدا، فقدت الشعور بالاطمئنان فجأة، لابد أن أنزل إلى الأرض، أظل أتشبث بحافة الشباك، حتى لا أسقط، لكني أعرف من داخلي أني لابد وأن أنزل إلى الأرض، أحاول التفكير في طريقة النزول وألمح سلم قريب حديدي، يشبه سلم العاملين في العمارات القديمة لكنه ليس دائري إنما مستقيم، بحيث أن نزولي عليه سيجعلني أشعر بالدوار وأني على وشك السقوط، أنزل الدرجات وأنا أمسك بيديا الاثنتين حديد الدرابزين، وفي نهاية السلم اكتشف أن هناك مسافة عالية ينتهي عندها السلم وأن الأرض لا زالت بعيدة نوعا ما، أفكر في احتمالية القفز وعواقبها، ينخلع قلبي فزعا وأنا أهم بالقفز، أصل للأرض مع بعض الوجع المتخيل، وفي تكرار لنفس الحلم أسقط وأشعر بوجع السقوط وفزعه، وأوقظ نفسي شفقة عليا من الوجع الذي أشعر به.









قصة رقم (7)
صباح
وهي ذاهبة على الطريق وقف ميكروباص به حوالي عشر شبان، الطريق هادئ في وقت الظهر، في إحدى قري القليوبية، نزل أحد الشبان وأخذ صباح من ذراعها، وأدخلها داخل العربة، أخذت تصرخ لكن أحدا لم يسمعها، تصاعدت صيحات المنسقات وحكمت وهن يسمعن التفاصيل التي تحكيها صباح، جلبتها منال من أحد البارات إلى الجمعية.
أخذوا يتناوبون على اغتصابها، الفتيان العشرة، فقدت وعيها أكثر من مرة لكنهم لم يرحموها، أبقوها عندهم في أحد الشقق يوما كاملا ثم تركوها ترحل، ذهبت إلى أهلها، قالت لهم ما حدث، وجهها به خدوش وجسدها، لم يعرف أبيها ماذا يفعل فهو فلاح عجوز يستأجر قطعة أرض يزرعها، ولديه ابن صغير، وثلاثة فتيات منهن صباح، كانت وقتها في ال16 من عمرها، عم الحزن في منزلها، هم يعرفون هؤلاء الشباب، هم عصابة تسرق وتهاجم الناس ويعملون بالبلطجة ولا أحد يقدر على مواجهتهم.
شعرت المنسقات بالاستياء، و امتلأت عينوهن بالتعاطف تجاه صباح، وأخذوا يعاملونها بلطف، وضعت صباح وجه الفتاة المستكينة، هي لا تعرف ماذا يريدون منها؟، ولا لماذا يفتحون جمعية مثل هذه؟، لكنها استطاعت أن تكسب تعاطفهن، لم ترتاح لهن جميعا، ولم تفهم كيف تستفيد منهن، عرضوا عليها خدمات طبية وطبيب أمراض نساء يكشف عليها، لا تهتم بذلك، ممكن أن يساعدوها أيضا في استخراج بطاقة شخصية، ربما تكون هذه الخدمة أمر مفيد فهي منذ أن أصابتها إحدى الفتيات في وجهها بمطواة و هي عرضة لمضايقات الأمن، يستوقفونها وأحيانا يحتجزونها داخل القسم، ومما يزيد الأمر سوء أنها ليس لديها بطاقة شخصية.
طلبوا منها أن تسجل معهم قصة حياتها، اضطرت أن تعيد قصة الاغتصاب بالتفصيل، يسألون في أدق التفاصيل وهي لا تستطيع تكرار الكذبة بنفس التفاصيل، حاولت أن تخفي عنهم أنها كانت تعرف هؤلاء الشباب، ليسوا جميعا كانت تعرف فتى منهم كانت تمشي معه، أغراها ببعض النقود، وهي كانت صغيرة جدا، وكانت تعجبها جرأتهم وأن الناس يخافون منه، أحبته كما تفعل باقي الفتيات، لكنه خسيس اتفق مع أصدقاءه واستدرجها، وهددوها بالمطاوي، إذا لم تنم معهم جميعا سيشرحونها، لم تكن تستطيع أن تقول ذلك لأبيها وأمها، كانوا سينعتونها بالفاجرة وربما يطردونها من المنزل، هي اغتصبت بالفعل، لا فرق بين قصتها التي تحكيها للجميع، وما بين الحقيقة ربما تكون قد أخطأت عندما تعرفت على هذا الشاب لكنها كانت صغيرة وعقلها "خفيف" وتعلقت به.
يومها بدأ الشاب أولا باغتصابها، كان في السابق يخطف منها قبلة، أو يمسك نهديها في هدوء الشارع، وطلب منها أكثر من مرة أن تصطحبه إلى بيته لكنها كانت ترفض، في هذا اليوم وعدها بالزواج وأعطاها نقودا، استأمنته على نفسها وذهبت معه إلى المنزل وجدت شبان كثيرون، هي تعرفهم فهم بلطجية البلد، وكانت تخاف منهم كما يفعل الجميع، خلعت ملابسها وبدأ هو أولا، دخلها بعنف، تألمت، شعرت أن عصا كبيرة تخترقها، تمزق لحمها، لكنها لم تجرؤ على الصراخ، ثم جاء الثاني والثالث، جميعهم يدخلونها بعنف، ويخربشون جسدها، ويشدونها من شعرها، بكت وكلما تبكي تستفزهم فيضربونها، قالت في نفسها لا بد أن تظهر جرأة، فجميعهم مخدرون تحت تأثير "الترامادول" وربما يقتلونها فعلا، توقفت عن البكاء وأوهمتهم أنها راضية، لو عرفوا أنها ستخبر أحدا سيقتلونها ويدفنون جسدها في أي مكان.
ظلوا طوال الليل يمارسون معها، طلبت منهم برشام أعطوها حبة "ترامادول"، وشربت معهم بعض الحشيش، بعد أن ملوا منها قالت أنها سوف تذهب لمنزلها، قالوا لها:
- لو حد عرف هاندبحك.
- مش هاقول لحد.
عندما حكت لأهلها، قالت لهم أنهم اغتصبوها داخل عربة ميكروباص، وإنهم هددوها بالقتل، ظلت لأيام لا تخرج من المنزل، لا تعرف ماذا تفعل؟، بدأت الجروح في جسدها تشفى، لم تعد تستطيع التعامل مع أهلها، هم لم يلوموها على شيء لكنها أصبحت لا تحب العيش في المنزل، ذهبت للفتيان مرة أخرى وأخذت منهم نقودا، أصبحوا يعاملونها بعنف أقل، فقد عرفوا أنها تذهب إليهم بإرادتها، ويعطونها المخدرات وسجائر الحشيش، تركت المنزل وقالت لأهلها أنها ستعمل خادمة في القاهرة، لكنها ذهبت مع الولد الذي رافقته في البداية، عرفها على البارات، وأصبحت تعمل هناك ريكلام، تجالس الزبائن، وتنام معهم آخر الليل، عملت ببارات وسط البلد، وبارات الهرم، نامت في بيوت الزبائن، وأحيانا كانت تؤجر شقة مع عدد من الفتيات، تزوجت من أحد الرجال، تعرفت عليه في البار، لكنها ملته سريعا، لماذا تنفق عليه أموالها، وهو لا يحميها ولا يساعدها؟.
أنجبت طفلة، لا تعلم أهي من زوجها أم من أحد الزبائن، ولا تهتم، هي حتى لم تكن تنوي أن تنجب، كيف تجلب لهذه الدنيا طفلا، وأنثى أيضا، لن يكون مصيرها أفضل من مصير أمها، كانت تريد أن تجهض الطفل منذ علمت بأنها حامل، لكنها علمت بالحمل في الشهر الرابع، وذهبت لأحد الأطباء الذي تعرفه إحدى صديقاتها لكنه خاف من أن يقوم بعمل إجهاض لها، لأن الشهر الرابع شهر خطر وحجم الطفل يزيد، واحتمالية أن تموت كبيرة، هي لم تكن تهتم حتى لو ماتت فالموت راحة لها، لكن الطبيب خاف من أن يُسجن.
تغيرت حياتها منذ جرحت في وجهها جرح بطول خدها الأيمن، في إحدى مرات ذهابها مع الزبائن تصادف أن يكون الزبون بلطجي، بعد أن انتهى منها قرر ألا يعطيها الأموال التي اتفقت معه عليها، سبته وظنت أنها ستستطيع أن ترهبه مثلما تفعل مع باقي الزبائن.
- إنتي بتشتميني يا .... ولا حصلت في حياتي أن مرة تشتمني.
- ليه إنت مين يعني.
- أنا هاعرفك أنا مين .. هاعملك علامة في وشك تفكرك بيا طول العمر يا روح أمك.
امسك بالمطواة وجرح وجهها جرح طويل شق خدها الأيمن، أخذت تصرخ غير مصدقة ما حدث لها، ذهبت لمستشفى وخيط لها الطبيب الجرح، اضطرت أن تكذب عليه لأنه كان مصرا على عمل محضر، قالت له أن سيارة ضربتها وفرت سريعا ولم تستطع توقيفها.
ترك الجرح وخياطته السيئة علامة في وجهها، عرفت من يومها معنى الاحتجاز في القسم، وعنف أمناء الشرطة وضربهم لها، واحتجازها لأيام كثيرة، لأنها دائما تتعرض للتوقيف، ويسألونها عن الجرح الذي في وجهها، ويطلبون منها بطاقة تحقيق الشخصية وعندما تخبرهم أنها ليس لديها بطاقة يصطحبونها على قسم الشرطة، إذا لم تكن قوية كانت ماتت منذ زمن بعيد، أصبحت مع الوقت تحمل مطواة، وتستطيع أن تتشاجر مع أي إنسان يضايقها، ماعدا الشرطة طبعا، فقد علمها جرح وجهها أن عليها أن تكون شرسة لتستطيع العيش في هذه الحياة القاسية.
عندما تذهب مع الزبون تطلب أخذ النقود أولا، تخبئها في ملابسها، أو في أي مكان بالشقة حتى تنتهي المصلحة ثم تستعيدها وهي ترتدي ملابسها، تضعها في كيس بلاستيك وتضعها في مهبلها، فقد عانت كثيرا من جشع الزبائن، بعد أن يواقعونها يضربونها ويأخذون الأموال، أو يرفضون إعطائها، وتضطر إلى التشاجر، لا أحد يحميها فهي لا تعمل مع قواد، لماذا تعمل مع قواد ويأخذ أكثر مما تأخذ، هي في النهاية من تبيع لحمها.
حتى وهي حامل كانت تبيع جسدها، بعض الزبائن كانوا يحبون ذلك، ويرون أن كونها حبلي أمر مثير جنسيا، ومنهم من كان يدفع أكثر، وهي لم تكن تكترث لحياة الطفل، حتى لو مات في بطنها من عنف الممارسة فإن ذلك أفضل له ولها، ولم تكن تشعر بألم لأنها دوما ما تتعاطي "الترامادول" وتزيد عليه بالحشيش، زوجها أصر على أن يكتب الطفلة باسمه، وادعي أنها ابنته، فهو يرى أنها الصلة الوحيدة التي يستطيع بها أن يستمر في استغلالها وأخذ أموالها وفرض سيطرة ما عليها، وهي لم ترفض فقد أراحها من هم شهادة الميلاد، ومن مواجهة أهلها بطفلة لا تعرف من هو أبوها، تركت الطفلة لأمها، بدعوة أن العمل بالخدمة لا يتيح لها فرصة رعايتها، وأصبحت لا تزورها كثيرا، فهي تريد أن تنسى أنها أنجبت.
استخرجت لها الجمعية البطاقة، وكانت كلما يقبض عليها تتصل بهم وكانوا يسعفونها، يذهب المحامي إلى القسم ليضمنها، كما تابعوا إحدى القضايا التي عليها، قضية تحريض على الفسق ورطها فيها أحد أمناء الشرطة، مع الوقت أصبحت تطمئن لهم وتذهب إلى الجمعية لتجلس هناك ترتاح قليلا وتشرب مشروب دافئ، تضحك معهن، لكنها تعلم جديا أنهم يعاملونها بزيف، يضطرون أن يضحكوا في وجهها لكنهم من داخلهم لا يحبونها، لا أحد يحبها، لماذا يحبها أحد ؟، فتاة تبيع جسدها، وتتناول المخدرات.
أصبحت تمرض كثيرا، ذهبت إلى الجمعية لتعرف سبب ضعف جسدها المتزايد، قاموا بعمل تحليل لها واكتشفت أن لديها مرض الكبد الوبائي بي، لا تعرف ما هو هذا المرض ولا تهتم، فقط تعرف أنها تصاب بالإجهاد حتى أنها قد تضطر إلى أن ترقد في السرير لأيام، حذرها الطبيب في الجمعية من أن تمارس جنسا مع الزبائن، وطلبوا جميعا منها أن تستخدم الواقي الذكري إذا اضطرت إلى فعل ذلك، لكنها ستمارس ولن تستخدم الواقي فكيف ستنفق على أهلها وابنتها؟، وحتى زوجها الذي يفرض عليها ضريبة، وكيف ستعيش؟، وبالنسبة لنقل العدوى إلى رجال آخرين فهذا أمر محبب بالنسبة لها، كل رجل يسعي لممارسة الجنس معها بنقود ويترك زوجته، أو حتى لا يفكر في ممارسته مع زوجة، يستحق أن يصاب بالمرض، لو لم يكن هناك رجال يسعون إلى شراء جسدها أو انتهاكه لما اضطرت من البداية إلى بيعه.
في كل مرة تمارس فيها مع رجل بعد أن عرفت بأمر مرضها تفرح لأنها تركت له ذكرى في جسده، وتفرح أكثر عندما تتخيل أنه هو أيضا سينقله لزوجته وربما لأطفاله فيما بعد، تفرح لأنها لن تموت سدى، فقد استطاعت أن تنتقم بطريقتها من هذه الحياة، ومن الرجال الذي أكلوا جسدها، ومضغوه وتركوه عفنا، وكلما يزداد جسدها ضعفا لا تخاف من الموت..لا.. قد تخاف قليلا، لكنه بالتأكيد أرحم من حياتها، التي لم تشعر فيها بأية لحظة راحة، تعلم أن لا أمل في شفائها، فهي لن تسعى للعلاج ولا تملك رفاهية الحصول عليه، وأن حياتها ستطول قليلا، لكنها مجرد إطالة لمزيد من بيع الجسد ومزيد من شجارات وعنف ومزيد من احتجاز وسجن.









إبريل 2006
في إحدى عمليات التجسس غضبت حكمت كثيرا من نيفين، أحست أنها تتعالي عليها وتتعامل على أنها مثقفة وتقرأ كتب معقدة، في حين أن حكمت لا تقرأ، ورغم انضمامها لليسار بشكل ظاهري وإدعائها أنها اشتراكية تناصر الفقراء، ومواظبتها على حضور أية تظاهرات أو فعاليات في الشارع إلا أنها لا تفهم شيئا عن النظرية الماركسية، ولا تعرف من هو تروتسكي أو ستالين وطبعا جرامشي التي كانت نيفين تستشهد به كثيرا في أثناء حديثها مع المنسقات، افتعلت حكمت مشكلة مع نيفين وطردتها، مما آثار ذعر المنسقات وزاد من وطأة الصراع، وزاد من استيائهن من العمل والخوف من فقدانه في نفس الوقت.
أصبحت أنا وشيرين فقط في تحالفنا، واستمر القلق لكننا استقرينا على أننا سنظل في العمل إلي أن تطردنا حكمت، ففرصة عمل أخرى وبنفس الراتب أمر شبه مستحيل في ظل تفشي نسبة بطالة عالية، وفي ظل ندرة الوظائف الحكومية التي أصبحت تتوافر للمحسوبيات أو بالشراء بمبالغ عالية، كن نراهن على إثبات الكفاءة والعمل بجد حتى ننتقل للعمل بمشروع آخر لدى حكمت.
استبدل برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز الاستشاري العجوز، بفتاة مغربية قصيرة القامة تدعي مليحة، قالت حكمت أنها عملت في نفس المجال في بلادها، مليحة أنيقة وقليلة الحجم وذات شعر ساحر كأغلبية المغربيات، تركت لدينا انطباعا جيدا خاصة مع روعة حذائها وملابسها وصوتها الهادئ، فهي تجيد التحدث باللهجة المصرية.
عندما بدأت مليحة العمل اكتشفنا أنها نشيطة جدا ومنظمة وحادة الطباع، عندما شعرت بتكاسلنا أظهرت وجهها الآخر، وضعت مليحة قواعد صارمة للعمل، الحضور في العاشرة صباحا ومن تتأخر عشر دقائق تُوبخ، أعطتنا تدريبات بسيطة، وكانت تلح علينا في أن نسجل كل ما تعلمنا إياه، لأنها كانت ترى أن الذاكرة المكتوبة أكثر أمانا، وقامت بعمل توصيف وظيفي لنا، تضمن النزول إلى الميدان، موضحة أن الطرق القديمة التي كانت تستخدمها حكمت ليست علمية، كما نسفت كل ما علمته لنا حكمت، مع بعض السخرية والتعالي.
فأولاً توصيفنا الوظيفي يفيد بأننا منسقات ميدانيات، يقتصر عملنا على النزول للميدان والتعرف على فتيات الليل والتعريف بالجمعية وخدماتها ثم استقبال الفتيات في المقر، وملء بعض الاستمارات بشكل يومي لعمل رصد دقيق لتفاصيل المشروع، كما أنه من مهام وظيفتنا الاشتراك في التدريبات التي تنتوي مليحة تنظيمها للتوعية بمرض الإيدز للفتيات اللاتي يترددن على المقر.
أكدت لنا مليحة أنه لا يجب أن تكون هناك علاقة صداقة مع فتيات الليل بل يجب أن يكون الحديث بين المنسقة والفتاة محايدا، يقتصر على الحديث عن الجمعية، ولا مانع من الاستماع للفتاة ولحكاياها أو شكواها أو أي شيء تقوله، ولا يعني ذلك أن يكون الحديث جافا بل لابد من وجود تعاطف واهتمام من المنسقة، لكنها شددت على أنه لا يجب على المنسقة كشف أية معلومات عن نفسها، لا عنوانها، أو مكان سكنها، أو أية تفاصيل عن حياتها الخاصة، أو رقم تليفون منزلها، لأن تلك المعلومات قد يتم استغلالها من قبل فتيات الليل.
كما أشارت مليحة أن حياة المنسقة الجنسية أمر يخصها وليس من المفروض الحديث عنه مع فتاة الليل، على خلاف ما علمتنا حكمت، لأن ذلك قد يكون مدخلا تحاول منه فتاة الليل استقطاب المنسقة للعمل معها، وليس شرطا أن تكون المنسقة تشبه فتاة الليل أو لديها آراء مشابهة حول الجنس لتعرف أن تتعامل معها، فعامل الجذب الوحيد الذي لابد أن تستخدمه المنسقة هو الخدمات الطبية والقانونية وفكرة التوعية بالأمراض.
عرفنا أن حكمت لم تكن ذات خبرة، وأنها فقط اعتمدت على خبرتها الحياتية في التعامل مع الناس، وأن كل الحديث حول خبرتها في العمل الميداني تم نسفه من قبل مليحة التي كانت أكثر جدية وتحديدا، كما بدا للمنسقات أن هناك صراع سلطة بدأ يظهر بين مليحة وحكمت، حيث أن مليحة كانت تأتي للجمعية كل يوم وتظل موجودة طوال وقت العمل، تجلس على رأس مائدة كبيرة وضعت في الغرفة التي نجلس بها، نظل حول المائدة ممسكات بكراسات وأقلام ندون ما تعلمنا مليحة، على عكس الاستشاري القديم الذي كان يتواجد فقط وقت التدريب، ثم جاء في زيارات خاطفة لمتابعة سير العمل.
بدأت حكمت تشعر بالقلق من مليحة، أحست أنها تنافسها، خاصة وأن مليحة أظهرت كبرياء في التعامل معها ومع باقي الطاقم الإداري من أقربائها، كما أظهرت شدة في التعامل معنا، كانت تجتمع بنا منذ بدء العمل وحتى نهايته، ولا تجرؤ أية واحدة منا على التملص منها أو حتى عمل أحاديث جانبية.
شعرنا بأن الآتي أصعب، فنحن مطالبات ببذل مجهود مضاعف لنرضي مليحة، كما أن فكرة النزول للميدان أثارت خوفنا، فمليحة تريد منا أن نذهب إلى أماكن تجمعات الفتيات، كافيهات ومقاهي في الشوارع المعروفة بازدهار بيع الجسد فيها، كما أنها تُريد أن نذهب إلى بارات ورغم إصرارها على حضورنا في العاشرة صباحا إلا أنها أيضا تطالبنا بالتأخر ليلا لأن الفتيات يجتمعن في هذه الأماكن في المساء، وبذلك سيمتد وقت العمل من 8 ساعات إلى أكثر من 11 ساعة.
أوضحت أنا و شيرين أن التأخر عن العاشرة مساء صعب بالنسبة لنا لأننا نسكن في منطقة شعبية مع الأهل، وسهير وهاجر لديهما أطفال ولابد من أن ترعاهما، منال هي من وافقت وأظهرت ترحيبا بالعمل الميداني، بدأت مليحة تهددنا بأن من يمتنع عن العمل الميداني فليترك العمل، وأظهرت أنا مهارات أخرى لأجعل مليحة ترضى عني، وتعفيني أو تقلل حصتي من العمل الميداني.
فمن ضمن أهداف المشروع عمل دراسة تعتمد على مقابلات مسجلة تقوم بها المنسقات مع فتيات الليل اللاتي يترددن بشكل دوري على الجمعية، كما أن المشروع يستهدف عمل تدريبات دورية لفتيات الليل واستخدام ألعاب ووسائل أخرى لتدريب فريق من فتيات الليل تُصبحن فيما بعد قيادات شعبية، يقمن هن أيضا بدور التوعية في أماكن عملهن.
أظهرت تعاونا مع مليحة وقدرة على التنظيم مما جعلها تتقرب مني وتترك لي عدة مهام، وهذا جعل حكمت تتوجس مني أيضا، لأنها أحست أني ربما أصبح جاسوسة لمليحة التي هي بالنسبة لها ذراع جهة التمويل وعينها عليها في المكان.
طلبت مليحة مني أن آتي إلى منزلها لكي أقوم ببعض الأعمال، وافقت حكمت وأصبح ذلك مثار حسد المنسقات علي لأني أصبحت مقربة من مليحة، زكيت شيرين عند مليحة، لكنها لم تكن تهمها كل تلك الاعتبارات، كانت تتعامل بشكل آلي ونفعي تام، فهي من أصول مغربية لكنها في الواقع تعيش في بلجيكا وتعمل بجد واجتهاد وكل ما يهمها أن تكتسب خبرات جديدة، وأن تنجز أعمال حقيقية في مصر ليضاف ذلك إلى سجل عملها مع الأمم المتحدة.
ورغم إظهارها للتواضع، بشكل تمثيلي معنا ومع فتيات الليل، إلا أنها كانت تتعامل بشكل طبقي صرف، تشعر من حولها دوما بأنها أعلي منهن في المكانة والترتيب الوظيفي، والخبرة.
ذهبت إليها في الشقة التي تؤجرها، تسكن في شارع هادئ في الدقي، في الدور الثالث، شقتها تشبه تلك الشقق التي يسكنها المؤجرون الأجانب الذين يجيئون إلى مصر في أعمال مؤقتة، تضع مليحة ستائر خيش على الشبابيك، ومصابيح ورقية على شكل بيضاوي، أول يوم ذهبت لها عاملتني بلطف زائد، جعلتني أرى شقتها، بدء من غرفة النوم وحتى الحمام، ثم أدارت موسيقي هادئة وفتحت جهاز "اللاب توب" خاصتها، ظللت هادئة، لكن شعرت بالملل بعد وقت فمليحة تتبادل معي بضع كلمات ثم تعود للعمل، أخذت تحكي لي عن طريقة جلبها لستائر الخيش وأنها اشترتها من وكالة البلح، وابتسمت في مجاملة لها، وأنا أقول في نفسي أن هذا الخيش تضعه السيدات اللاتي أعرفهن كممسحة أمام الحمام.
كانت مليحة تحاول عمل علاقة هادئة بي، ليست علاقة صداقة بالطبع فمليحة تعتبرني موظفة لديها، ولن تعاملني أبدا كصديقة لكن لا بأس من أن تُوهمني ببعض الألفة والود، أعطتني بنطالا، فقد أدخلتني في غرفة نومها في إحدى مرات ترددي على منزلها، وأخذت تتحدث معي وهي ترتب دولاب ملابسها، اندهشت من كم الملابس التي تملكها مليحة والتي تبدو غالية الثمن، وساعدتها في تنظيم ملابسها، رغبة مني في أن أعاملها بحميمية مماثلة، أخرجت مليحة بنطالا كحليا قالت لي أنها لم ترتديه قط لأنه أكبر من مقاسها، وطلبت مني أن أقيسه، خجلت من الرفض، فأنا نفسيا لا أقوى على فعل شيء كهذا، واضطررت إلى قبول البنطال بعد أن تبين أنه على مقاسي، لكني في داخلي أحسست بإحراج شديد وكأن مليحة تتصدق علي بملابسها.
حاولت تفسير الأمر وتذكرت أني في إحدى المرات أتيت إلى العمل وأنا مرتدية بلوزة ضيقة وشفافة وعلقت حكمت على ذلك، وقالت لي أن هذه البلوزة سيئة وأحضرت لي بلوزة واسعة من ملابسها، ارتديتها، وكانت مليحة موجودة في الجمعية في هذا اليوم، وتعاملت مع الموقف بشكل طبيعي، لأن حكمت من بداية العمل وهي تعطي لجميع المنسقات ملابسها، ونحن لا نشعر بالحرج من ذلك بل نفرح به لأننا كنا نعتبر حكمت صديقة ويسارية مثلنا، ولا مانع من قبول أشياء منها، لكن مليحة ليست صديقة كما أنها في داخلها لا تقتنع بالمشاركة وتبادل الأغراض بين الأصدقاء، وأكيد من داخلها تتعامل مع الأمر على أنه هدية لتكسب بها ودي.
اصطحبت شيرين معي في إحدى المرات، رشحتها لمليحة لتقوم ببعض الأعمال، لكن مليحة ركزت أكثر على توطيد علاقتها بي، كانت تريد أن تكتفي بمنسقة واحدة تكون عين لها في جمعية "فقيرة" لكن بلطف وبدون تصريح بذلك، فهي في النهاية غريبة عنا وليست مصرية وأكيد مهما بلغ استيائنا من حكمت إلا أننا في النهاية سندافع عنها لأنها ابنة بلدنا، هكذا فكرت مليحة كما توقعت،كما أن مليحة يعجبها هدوئي قالت لي ذلك مرة، إنها تفضلني لأني أبتعد عن المشاكل ولا أتحدث كثيرا كما أني أظهر ذكاء وقدرة على التعلم السريع.
أخذت شيرين تسخر من مليحة بعد أن ذهبنا إلى منزلها، خاصة وأنها أحست أن مليحة تتعمد وضع حواجز كثيرة ولا تتعامل بطبيعية، وسخرت أكثر من فكرة أننا ظللنا جالستين لا نجرؤ على عمل كوب شاي أو الأكل، لأننا في بيت مليحة ولا نستطيع أن نشتري الطعام، فهذا يعتبر قلة ذوق، ومليحة تظل تعمل لساعات طويلة دون تفكير في طعام أو مشروب، فقط جهزت لنا مشروبا في الصباح عندما أتينا، ظللت أتردد على بيت مليحة بين وقت وآخر، أساعدها في تصميم بعض الألعاب لتستخدمها في التدريبات.
من جانبها أحست حكمت أن البساط يُسحب من تحت قدميها وأن مليحة أصبحت هي المديرة الفعلية للمشروع، خاصة مع ميل المنسقات إلى الاستجابة معها والخوف منها، فقررت أن تستخدم حيلة أخرى وهي التقرب منا مرة أخرى بشكل لطيف، تُصر على عمل حفلات أعياد ميلاد لنا، وبين وقت وآخر تجالسنا وتغني معنا بعض الأغاني التي تتردد في وسط البلد، أو قد تجلب لنا بعض الملابس أثناء أسفارها في تدريبات خارج مصر، وتستضيفنا في شقتها لتبادل الحكايا، كما حرصت على أن تظهر لنا طيبتها وتعاطفها ورفضها طريقة معاملة مليحة القاسية.


قصة رقم (8)
رانده
ذهبت للجامعة، فتاة متدينة محجبة لا تعرف شيء سوى المذاكرة، كانت الجامعة بالنسبة لها عالم مفتوح، انبهرت به، أخيرا تستطيع أن تتعامل مع الذكور بحرية دون إدانة من أبيها وأمها، بالطبع لن تخبرهما بذلك، لكنها تستطيع أن تتحدث مع الذكور سواء في قاعة المحاضرات أو في الممرات أو في الكافتيريا، وسوف تستطيع أن تحب كما تمنت دائما.
قضت طوال حياتها في الاجتهاد والمذاكرة، في الواقع أجبرها أهلها على ذلك حتى تأخذ شهادة مهمة، استطاعت أن تدخل كلية التجارة، ليس أمرا ذا شأن، فهي ليس لديها طموح ولا تعرف ماذا تريد أن تكون، فقط تريد أن تحب رجلا ويبادلها نفس المشاعر، تماما كما ترى في الأفلام والمسلسلات، هي بيضاء وجميلة، يقول لها الكثيرين ذلك سواء المعاكسات في الشارع أو صديقاتها، لكنها لم تشعر أنها جميلة حتى الآن، تريد أن تشعر بذلك من رجل يُحبها ويتمناها.
أحبت زميل لها في نفس القسم منذ الأيام الأولى في الجامعة أخذت تنظر له خلسة أثناء المحاضرات، شاب طويل، لونه خمري، وشعره ناعم وملامحه رائعة الجمال، لم ينتبه لها، ربما لأنها ممتلئة الجسم، بعد عدة شهور تعرفت على شاب، لم يعجبها في البداية لأنه غير وسيم، لكن مع الوقت اكتشفت أن دمه خفيف ويحب المزاح، بدأت تهرب من حضور المحاضرات لتجلس معه في الممرات والكافية، اندهش لسذاجتها، وعدم معرفتها لكثير من أمور الحياة، علمها شرب السجائر، والجلوس على الكافيهات خارج الجامعة، لكنها أحست مع الوقت أنه لا يُحبها فعلا وأنه فقط يقضى وقتا معها.
كان أبوها يمتلك شركة خاصة وكانت أحوالهم المادية جيدة، وكانوا يسكنون في شقة في مدينة نصر، في حي فاخر، ثم تعثر عمل والدها وفقد شركته واضطروا إلى الانتقال إلى شقة في حي بائس، في مدينة نصر أيضا، كانت وقتها في السنة الثانية في الجامعة، أثر ذلك على نفسيتها وأشعرها بالخوف من المستقبل، ليس لديها سوى أخ واحد، وهو لازال يتعلم أيضا، أصبح أبوها غاضبا طوال الوقت، وتحولت معاملته لها ولأخيها وحتى لأمها، حاول أن يعمل لدى أحد أصدقاءه وزاده ذلك الأمر غضبا.
في المسكن الجديد تعرفت على جارة لها في العمارة، سيدة مطلقة ولديها طفلين، في أوائل الثلاثين من عمرها، لم تهتم أمها بالتعرف على الجيران لأنها كانت تري أنهم أقل منها اجتماعيا وكانت تتعالي عليهم، مع تحول الظروف أصبحت أمها مكتئبة وميالة إلى العزلة مما خفف قبضتها على رانده، وكان أبوها إما يعمل كثيرا ليستطيع أن يحافظ على المستوى الذي تعودوا عليه، أو غاضب، وأخيها غير مهتم مثل كل الذكور الشباب الذين في مثل عمره سوى بنفسه فقط، كانت جارتها أماني هي من تهتم بها وتسمع حكاياها، وتستشيرها في أمورها الخاصة والعاطفية، تقربت إليها أماني وأغرتها طلبت منها أن تلعب معها ألعاب جنسية ليستمتعا:
- إنتي بيضة قوي يا بت يخرب بيت حلاوتك.
- والنبي بلا نيلة ما بيقعش في طريقي غير الشباب الكسر علشان مليانة.
- علشان هبل، دي البنت البقلوظة دي بتبقى موزة.
- إنتي بتقولي إيه؟.
- ما تيجي يا بت ألعب معاكي.
- تلعبي معايا إزاي يعني؟.
- تعالي جربي كده هاتنبسطي.
- استغفر الله العظيم.
- إيه هاتعملي لي شيخة يعني ما بتلعبيش مع نفسك؟.
- نفسي ممكن بس ما اتكشفتش على حد.
- طب وإنتي هاتتكشفي على راجل دا عليا أنا.
انجرت وراء إلحاح جارتها، وأصبحت تترك لها جسدها لتعبث فيه، تمارس معها أماني جنسا فمويا، وأعجبها ذلك جدا، شعرت أنه جنس شهي ومليء باللذة، يدان ناعمتان تلمسان جسدها، تعاملها بحنو، تدلك جسدها بلطف فتسري الدماء في عروقها، لم تتخيل أبدا طوال حياتها أنها ستستمتع من لمسات امرأة لجسدها، ارتبطت اللذة دوما في خيالها برجل يافع، لديه شعر كثير على صدره، يضمها بحنان، ذراعاه قويتان، تضع رأسها على صدره ويحتضنها طويلا، الآن هي تختبر شيء جديد لم يمر علي ذهنها، أصبحت تأتي لها كل يوم لتمتعها، تحب كونها فتاة مثيرة بالنسبة لأماني، و وردتها السحرية التي كانت تلمسها في الليل لتشعر باللذة، وتحب نعومتها، وشعور المتعة الذي يحدث من تلمسها لها ومداعبتها لبرعمها، أصبحت وردتها تجذب أماني حتى أنها تغمض عينيها شبقا وهي ترتشف عسلها.
كما علمتها أماني كيف تتصرف مع الرجال وتكون جريئة، ولا تخاف من التعرف على أحد، وأن تكون قوية ومغرية، لكنها لم تكن تريد سوى رجل تحبه وتتزوجه فيما بعد، وافق أبوها على خطبتها من ابن عمها، ووافقت هي خاصة بعد عدة محاولات مع زملاء في الجامعة انتهت جميعها بالفشل لأنهم كانوا يتسلون بها ويقضون معها وقتا وفقط.
لم تحب ابن عمها أيضا، رغم أنه كان وسيلتها في الخروج إلى أماكن لم تراها أبدا، كان أبوها يسمح لها بالخروج معه لأنه يثق فيه، فقط لأنه ابن أخيه ورانده من لحمه ودمه، علمها ابن عمها السهر في الديسكوهات، وعلمها تناول المخدرات، برشام بأنواع مختلفة، لم تكن تعرف أنه يعيش حياته بهذا الشكل، كان يبدو مهذبا ومتدينا، ثم بدأت تمل منه، فهو يتحرش بكل فتاة يراها، وطلب منها بشكل صريح أن تمارس معه الجنس، وعندما رفضت بدأ يهملها، تركته ولم تقل لأهلها السبب.
لكنها كانت تحب أن تذهب إلى الديسكو وأن تتناول الحبوب المخدرة، فقد أدمنتها، لم تعرف من أين تأتي بالمال لذلك، أقنعتها أماني أن تمارس جنس مع الرجال لتجلب المال، رفضت وقاطعتها، لكن بعد يومين لم تستطع مقاومة تأثير إدمانها للمخدرات، فعرفتها أماني على جار لها، رجل كبير في السن، وقالت أنه سيعطيها الأموال التي تريد، واشترطت رانده أن يكون جنسا سطحيا لأنها لا تريد أن تفقد عذريتها، وافق الرجل لأنه أحب فكرة أن يضاجع فتاة عذراء وفي جمال رانده.
استأذنت من أمها أن تذهب لجارتها كما تفعل كل ليلة، دخلت في شقتها، ثم جاء الرجل بعد قليل، كان الرجل يضاجع أماني وينفق عليها، وكانت تحكي له على رانده وجمالها، كما أنه رآها عدة مرات، فهو يقطن في نفس العمارة، وهو مطلق ويعيش وحده، لم تتكلم معه رانده كثيرا ولم تعرف ماذا ستفعل، لكن أماني كانت هي التي تتحدث وأدخلتها غرفة النوم وساعدتها في خلع ملابسها ووضع مكياج لها، وقالت لها أنها ستكون جالسة بالخارج حتى تطمئن ألا يحدث أي طارئ.
دخل الرجل، في أوائل الخمسينات، له كرش كبير، أصلع ويرتدي نظارات، لم يعجبها شكله، بدا لها أنه من طراز قديم، ومضحك، أخذ يتحدث كثيرا ويقول كلاما حول جمالها وبياضها، وملامحها لكنها لم تسمع ما يقول فقد أعطتها أماني حبة مخدرة حتى تتجرأ وتتقبل ما يفعله لها الرجل، أخذ يمارس معها جنسا فمويا، ويتلمسها في نعومة ولطف، فقد أكدت عليه أماني أن يفعل ذلك لأنها أول مرة لها وقد ترتعب منه، أحبت رانده ذلك، ولم تشعر أنه شيء غريب عما تفعله لها أماني، بل تمتعت لأنها لم تتوجع معه، رغم أن فكرتها عن الجنس مع الرجل أنه مؤلم ومخيف.
عندما رجعت إلى شقتها، وبدأ مفعول المخدر يزول، أخذت تبكي وتستغفر الله، أحست أنها أصبحت خاطئة وتفعل أشياء مشينة، لكنها مع ذلك كررت هذا الفعل مع الرجل مرات معدودة ثم قررت أن تبحث بطريقتها، كانت تذهب إلى الديسكوهات على أن ترجع إلى بيتها في العاشرة مساء، صاحب الديسكو طلب منها أن تكون ريكلام، تجلس على ترابيزة وإن طلب أحد الجلوس معها توافق وتطلب مشروبات وطعام ثم تأخذ نسبة من الحساب من صاحب الديسكو، فعلت ذلك لتوفر ثمن المخدرات، ومع الوقت أصبحت تتفق مع الزبائن على عمل جنس سطحي معهم، وتعرفت على فتيات يعملن ريكلام هن أيضا.
في أحد المرات كانت أمها تفتش في أغراضها ووجدت حبوبا مخدرة وقالت لأبيها على الفور، رجع أبيها من العمل غاضبا، وأخذ يضربها بعنف، كانت هذه أول مرة يضربها فيها، ثم أصبح يفعل ذلك كثيرا، أدخلوها إحدى المصحات لمعالجة الإدمان، قضت في المصحة 3 أشهر، وحبسها أبيها شهرين آخرين وضاعت عليها السنة الدراسية، لكنه لم يستطع أن يستمر في حبسها حتى تستطيع إكمال دراستها.
ساءت علاقتها بابيها وأمها، وحتى أخيها أصبح يعاملها باحتقار، عادت للجامعة، ورجعت المراقبة تشتد عليها، فهم يراقبون جدول محاضراتها، وتعود بعد وقت المحاضرات سريعا، لكن ذلك لم يمنعها من أن تهرب من المحاضرات وأن تقابل صديقاتها اللاتي تعرفت عليهن في الديسكوهات، وأصبحت ترتاد البارات التي تفتح في الصباح، تشرب بيرة وتمارس جنسا سطحيا مع الزبائن في بيوتهم أو مكاتبهم، فقط قررت ألا تعود للمخدرات مرة أخرى، لكنها تحب أن يكون معها نقود فأبيها لم يعد يعطيها إلا القليل خوفا من أن تعود للحبوب المخدرة مرة أخري،كما أنها تستمتع بالجنس الفموي والسطحي وتجبر الزبائن أن يفعلوه لها، وهم يحبون ذلك لأنهم يرون أنها جميلة، وقد ترافق صديقاتها في الذهاب إلى بيوت الزبائن والجميع يمارس الجنس في نفس الغرفة، مع الشرب وتدخين الحشيش.
هي تحب أن تكون متسلطة مع الزبائن وتتكبر عليهم، يعطيها ذلك إحساسا بالقوة، وتلك الطريقة تجدي نفعا مع الرجال فهم يحبون أن تعاملهم هكذا نظرا لجمالها ولأنهم يرون أنها "بنت ناس" بسبب طريقتها في الكلام ومظهرها الخارجي، خلافا للفتيات الأخريات اللاتي تصاحبهن والذي يبدو من مظهرهن أنهن فقيرات.
عندما كانت رانده تأتي إلى جمعية "فقيرة" كانت تتعامل بتعالي، لا تتحدث مع أحد، فقط تحضر تدريبات أو ترافق صديقات لها وتظل تتحدث معهن دون إعطاء أدنى اهتمام للمنسقات، كما أنها لم تحكي أبدا عن نفسها وإنما كانت تأتي للجمعية باعتبارها صديقة لفتاة عملت فيما بعد منسقة ميدانية وكانت تزورها.
عرفت قصتها فيما بعد من صديقتها هذه، حكت لي كل التفاصيل، وقالت :
- رانده بنت ناس مش محتاجة فلوس.
- أمال ليه حابه الموضوع ده.
- المخدرات هي اللي وصلتها لكده، وكمان اتعودت على جو الديسكوهات والبارات ومش قادرة تبطله، ساعات أبوها بيحبسها فترة بس بترجع تاني، عاجبها أنها تتحكم في الرجالة وهما يتجننوا على بياضها وجمالها ويسمعوا كلامها، هي أصلا من جواها بتبقى عايزة تذلهم وتتكبر عليهم.


يوليو 2006
بعد ما أظهرت اجتهادا في العمل، اقترح فايز محامي جمعية "فقيرة" والشريك الوهمي لحكمت أن يكلفني بحضور إحدى الفعاليات الخاصة بالجمعية، فايز هو صديق حكمت وهو المحامي الذي يتولى أمور الشئون القانونية بالجمعية، وهو مستشار حكمت في كل الأمور، يبدو من الخارج شريك في الجمعية وذا منصب قيادي هام لكنه فعليا ليس له رأي في أي شيء، فحكمت هي من تسير الأمور دوما وهي التي تتخذ القرارات الهامة في الجمعية.
في أحد الأيام دعيت "فقيرة" إلى تجمع لبعض الجمعيات الأهلية والقيادات الطبيعية في المجتمع، في محافظة أسيوط، إحدى الفعاليات المتكررة والشكلية والتي ليس لها جدوى في الواقع، أحست حكمت بذلك فهي بعد مشروع التوعية بمرض الإيدز خرجت من إطار الجمعية المبتدئة التي تتلهف على حضور أية تدريبات أو تجمعات، لكن فايز كان له رأي آخر وهو أنه لا مشكلة في حضور أية فعاليات حقوقية أو تنموية تدعى إليها الجمعية وذلك لعمل علاقات تعارف في وسط الجمعيات الأهلية يضمن انتشار اسم "فقيرة".
نظرا لأنه حدث غير هام اقترح فايز أن يُرشح إحدى المنسقات في مشروع الإيدز فهن يجلسن أياما طويلة بلا عمل، فكر فايز فيا لأني أظهرت جدية في العمل ومهارات تفوق باقي المنسقات كما أن لي خبرة في العمل بالصحافة، هكذا قال لي عندما جلسنا نتحدث بشأن السفر، اعترضت حكمت في البداية لأني أصبحت في ذهنها محسوبة على مليحة، ثم فكرت في أن ذهابي لهذا الحدث سوف يحسن علاقتها بي.
شرح فايز لي ماذا سأفعل وأعطاني نقودا لتكاليف السفر، سوف أذهب إلى محافظة أسيوط لحضور ملتقي لعدد من الجمعيات الأهلية والقيادات الطبيعية في المجتمع برعاية وزارة الشئون الاجتماعية.
فرحت بالفرصة لأنها تعني أني مميزة عن باقي المنسقات، خاصة عندما رأيت نظرات الحسد في عيونهن، لكني ارتعبت من مسئولية جديدة علي القيام بها، فأنا لن أرافق أحدا في هذا السفر وإنما سأذهب بمفردي وسيكون عليا عبء تمثيل الجمعية وحدي، لم أستطع الرفض فهي فرصة جيدة بالنسبة لي لأنها خارج عمل التوعية بالإيدز مما يعني أن حكمت أصبحت ترى أني أصلح للعمل في مشاريع أخرى للجمعية.
كان هناك يومان فقط للاستعداد، علي أن أحجز تذكرة القطار بنفسي، ذهبت إلى محطة السكة الحديد في رمسيس لحجز التذكرة، أتوتر من هذه الأفعال التي يراها الآخرون أمورا عادية، أخبرت أمي بأني سأسافر لمدة يومين في أسيوط لحضور عمل خاص بالجمعية، وافقت أمي لأنها اعتادت على سفري بين وقت وآخر منذ التحاقي بالعمل في"فقيرة"، كان ذلك في الشتاء كلما اقترب موعد السفر يزيد توتري، فسرت ذلك بأني محبطة هذه الأيام، كما أن الشتاء نفسه يزيدني كآبة فوق كآبتي الطبيعية والتي ولدت بها، ذهبت لإحدى صديقاتي لاستعارة شنطة سفر، فأنا لم أبتاع شنطة سفر جديدة رغم سفري مرات عدة، هذه المرة سأحتاج لملابس ثقيلة.
وأنا عائدة من زيارة صديقتي انتابتني الهواجس من أني قد أفقد تذكرة القطار، أو أفقد نقود الرحلة، أخذت أفتح حقيبة يدي لأتأكد من وجود كل شيء، دقائق وتعاودني نفس الهواجس رغم أن شيئا لم يتغير، فأعود أفتح حقيبة يدي وألمس التذكرة والنقود بيدي، هذا أول سفر أخوضه بمفردي، رغم أني أصبحت في التاسعة والعشرين من عمري إلا أني طوال حياتي لم أسافر بمفردي أبدا، دوما ما أسافر مع آخرين، أسرح بذهني وأترك للآخرين مهمة قيادتي وتنبيهي ومعرفة التفاصيل الصغيرة اللازمة، فأنا أعيش داخل ذهني أكثر من عيشي تفاصيل الواقع الخارجي.
نمت وأنا مازلت قلقة وانتابتني أحلام مخرفة وتضخمت هواجسي في الأحلام، استيقظت في السابعة صباحا، ارتديت الملابس التي جهزتها من الأمس ثم لم تعجبني فارتديت ملابس أخرى، ثم أخرى، ارتديت بنطلون جينز اشتريته قريبا، لم أتردِ حزام عليه، أحسست أنه لا يحتاج لذلك، ظلت نصف ساعة أفعل أشياء غير مهمة حتى أؤخر خروجي من باب الشقة ثم توترت لأن موعد القطار اقترب فسحبت الحقيبة وودعت أمي:
- سلام يا ماما.
- سلام يا حبيبتي ربنا يوفقك وترجعي بالسلامة.
- ربنا يخليكي خدي بالك من نفسك وأنا هاكلمك أول ما أوصل.
- لا كلميني أول ما تركبي القطر وبعدين لما توصلي كلميني.
- طيب يا حبيبيتي بس إنتي ما تقعديش ترني أنا اللي هاكلمك.
- طيب بس أوعي تنسي علشان بأفضل قلقانة لغاية ما تتصلي.
ركبت المترو وأنا أجر حقيبة السفر ثم بدأ البنطلون في الانزلاق، لعنت نفسي لأني لم أرتدِ الحزام، دوما ما أفعل الأشياء بارتجالية، رفعته بيدي، واطمأننت على وجود جميع الأوراق اللازمة، خرجت من المترو أسرعت في المشي لأن الوقت يجري سريعا، سرعتي في الحركة تجعل البنطلون ينزلق أكثر والحقيبة تتخبط على الطريق، أرفع البنطلون وأمسك بالحقيبة وأتخيل آراء الناس في الشارع عني.
في محطة السكة الحديد سألت كثيرا عن القطار الذاهب لأسيوط، أجابني أكثر من شخص وقفت على الرصيف في انتظار القطار، وتأكدت من اللوحات المعلقة أن هذا مكان قطار الصعيد، وأنا أتخيل أني أركب قطارا آخر يذهب بي إلى محافظة أخرى.
يأتي القطار أصعد فيه وأسأل مرة أخرى أحد الركاب الذين يستعدون للجلوس:
- هو ده القطر اللي رايح أسيوط؟.
- آه.
أخرج التذكرة من حقيبة يدي، أمسك بها جيدا وأقرأ رقمها ثم أسأل أحدهم:
- هو كرسي رقم 75 فين؟.
- مكتوب على كل كرسي الرقم بتاعه.
- شكرا.
ألعن الرجل الذي رد عليا بتعالي في سري، وأندهش من رد فعل بعض الناس السلبي إزاء توتري، أجد أحد الشباب جالسا في مقعدي.
- خلاص مش مشكلة هاقعد في كرسي تاني.
ثم أجلس في أحد الكراسي بجوار الشباك، يأتي رجل.
- لو سمحتي ده الكرسي بتاعي، إنتي مش عارفة رقم الكرسي بتاعك؟.
أقوم ثم أذهب للشاب الذي يحتل كرسيا.
- معلش بقى أنا عايزة أقعد في الكرسي بتاعي.
يقوم الشاب، أجلس، إنه أيضا بجوار الشباك أطل على الخارج وأقول لنفسي أنه حان وقت الهدوء، أسترخي وأجلب رواية لغادة السمان، استعرتها من نفس الصديقة التي أعارتني حقيبة السفر ، أبدأ في القراءة وأنا أتلذذ بالهدوء الداخلي بعد وقت من التوتر، النهار له طعم ساحر أثناء السفر، أعيش داخل الرواية، هذه أول مرة أقرأ لغادة السمان، أعجبتني جرأتها وأحاسيسها الأنثوية، بعد حوالي ساعة يعاودني التوتر، أنظر لأسماء المحطات المتوالية ثم أسأل رجل قريب:
- هي محطة أسيوط قربت؟.
- لسه بدري.
أحاول استعادة أية معلومات جغرافية حول موقع أسيوط بين المحافظات وأفشل، لأني دوما ما كنت سيئة في الجغرافيا، أحاول استعادة الاسترخاء ثم بعد نصف ساعة أسأل رجل آخر:
- لسه بدري؟.
- آه.
- يعني قد إيه كده؟.
- ساعة كمان.
أعود للقراءة، أنهيت الرواية ولا زال القطار سائرا، كل ما أعرفه أن أسيوط أقرب بكثير من الأقصر وأسوان.
أضع الرواية في الحقيبة وأبدأ في النظر للخارج، سوف أعرف بنفسي متى يصل القطار إلى محطتي، النظر في الشارع أثناء تحرك العربة أمر ممتع بالنسبة لي، أستطيع التفكير بصفاء في ذلك الوقت، وأشعر أني قريبة جدا من ذاتي، لا يعكر صفو وصالي مع ذاتي أي شيء، أنسى وجود أناس حولي وأشعر أني أطير في هذا الشارع الطويل الواسع الذي لا ينتهي، وإذا ظهرت مساحات خضراء أتخيل أني أجري فيها وأشم الهواء النقي، كما أستطيع أن أفحص أفكاري التي تقلقني وأنقيها.
سألت مرة أخرى ثم بدأت في الاستعداد، وصل القطار إلى أسيوط، أمسكت بحقيبة السفر وحقيبة يدي وقمت من على الكرسي وأنا أشعر بأن جسدي متعب قليلا، خرجت من محطة القطار وبدأت في السؤال عن الفندق الذي سيعقد فيه الملتقي، تصادف أنه قريب جدا من محطة القطار، مشيت إليه، دخلت، إنه فندق درجة ثالثة، سألت عن اسم السيدة التي ستتولى الأمر اكتشفت أنها لم تحضر بعد، ثم اكتشفت أنه ليس هناك حجزا في الفندق باسمي، عرفت أن هواجسي تحققت، دوما ما تتحقق هواجسي تجاه الأمور، إذا قلقت من شيء يحدث في الغالب، هاتفت فايز:
- ألو أستاذ فايز ، أنا وصلت ومالقيتش حجز باسمي.
- فعلا، طب ما تقلقيش أنا هاتصرف.
هاتف فايز السيدة التي دعت الجمعية لهذا الملتقى، إنها تعمل في وزارة الشئون الاجتماعية، لم تكن قد وصلت بعد، جلست أنتظر في صالة الاستقبال في الفندق، أخذت أتأمله، اللون الأحمر غالب عليه، وصلت السيدة بعد حوالي ساعة.
- معلش أنا ما أعرفش موضوع الحجز إيه مشكلته بس إنتي هاتباتي معايا في أوضتي.
- ماشي مافيش مشكلة.
توترت، السيدة يبدو أنها في منتصف الأربعين، محجبة، كيف سأشاركها الغرفة وأنا لا أعرفها من قبل، حاولت تقبل الأمر فالرحلة كلها تمثل تحدي بالنسبة لي، حاولت أن أجعل الأمر إيجابيا وأتعامل معه على أنه تجربة جديدة أخوضها، وسوف أتعلم منها الاعتماد على الذات والتصرف بمفردي، والأهم التصرف كفتاة ناضجة.
أخذت السيدة تتحدث كثيرا، وأراحني ذلك فأنا أجيد الاستماع، ووضع علامات التفهم على وجهي، تكلمت السيدة عن تدوير القمامة وأنها أمر مربح جدا، وأن كثير من جامعي القمامة يجنون أموالا كثيرة، خاصة من الزجاجات الفارغة وزجاجات العطور غالية الثمن كما يستفيدون من كل شيء حتى الزجاجات البلاستيكية الفارغة، كل شيء له ثمن.
اكتشفت فيما بعد أن هذا الملتقى للجمعيات الناشئة حديثا والتي تنتوى وزارة الشئون الاجتماعية تدعيمها، وأنها في معظمها جمعيات تنموية تعمل في محيطها القريب، حضرت عدة جلسات وتجنبت بقدر الإمكان التحدث في أي منها لأني أتوتر بشكل كبير عند الحديث أمام الآخرين خاصة الغرباء، تناولت الطعام في مطعم الفندق والذي كان متوسط الحال، فلم أستمتع به ثم خرجت بعد الجلسات لليوم الأول لأتعرف على محافظة أسيوط، اكتشفت أن شوارعها تشبه كل شوارع القاهرة، محلات كثيرة وواجهات مكتوب عليها باللغتين الانجليزية والعربية، كما أن الناس يرتدون ملابس مثل القاهرة ولا أثر لأية حياة ريفية.
عند المساء اضطررت إلى الاستماع لأحاديث السيدة، التي حاولت أن تكون خفيفة الظل، ولم أستطع مشاهدة التلفاز لأن السيدة لم تترك لي فرصة لذلك، وابتهجت عندما أخبرتني السيدة أنها ستسافر في الصباح الباكر وأنها ستترك لي الغرفة يوما كاملا لأن الملتقي سينتهي بعد غد، نامت في سرير مجاور لي بعد ما دخلت الحمام، لم أستطع النوم أحسست أني غير مرتاحة، ظل الأرق لساعات أفكر في أشياء كثيرة، أما السيدة فنامت سريعا وخشيت من إشعال التلفاز حتى لا أوقظها، ثم نمت بعدما شعرت بالإجهاد الشديد خاصة وأن السفر قد أتعب جسدي.
استيقظت بعد ساعات قليلة على صوت منبه هاتفي الذي ضبطته لألحق بجلسة العمل، لم أجد السيدة، امتننت لذلك دخلت الحمام وتركت الباب مفتوحا، غسلت وجهي وأسناني وارتديت ملابسي سريعا، تناولت الإفطار وحدي، لم أستطع مصادقة أحد ممن في الملتقى، معظمهم يكبروني في السن ولم أجد أشياء مشتركة أحدثهم فيها، كان اليوم أكثر تفاعلا حيث تم تقسيم الجمعيات لمجموعات وعرضت كل مجموعة فيما بينها عمل الجمعيات التي أتوا منها، قمت بعرض عمل جمعية "فقيرة" في المشاريع الأخرى، فقد مدني فايز ببعض المعلومات عن المشاريع التي يقومون بها في المقر الآخر، والذي زرته أحيانا عندما تحتاج حكمت لحشد موظفيها في ندوة أو تدريب أو أي نشاط تقوم به.
وزعت منشورات جمعية "فقيرة" على الجميع وأحسست أني بذلك قمت بدوري الذي علي فعله، وبعد انتهاء اليوم ودعت الناس بكلمات رسمية، ثم أخذت أتجول في الشوارع مرة أخرى، ولم أجد كافيه يمكن الجلوس عليه لكني أحببت أن أكتشف المكان.
في الليل شاهدت التلفاز ودخنت بحرية ثم عاودتني الهواجس، انتابني هاجس مخيف من أني قد أغفو والسيجارة مشتعلة فتحترق الغرفة والفندق كله فسارعت بإطفاء السيجارة، وقررت ألا أدخن بمفردي في هذا اليوم، ثم انتابني هاجس آخر وهو شبح المرآة فأنا أخاف من الأشباح منذ كانت طفلة، وكانت الأشباح أهم الأمور التي تفزعني في الحياة، وعندما كبرت لم أستطع التخلص من هذا الخوف رغم اقتناعي بالأفكار المادية، يعاودني التفكير في الأشباح خاصة مع تزايد كآبتي وإحباطي، أخذت أنظر إلى المرآة الكبيرة التي أمام سريري ثم خفت من تضخم الهاجس وركزت في التلفاز، تركت النور مضاء والتلفاز وحاولت النوم لكني لم أستطع فوجود السيدة رغم أنه مزعج إلا أنه كان يحميني من هواجسي.
نمت بصعوبة، استيقظت في الصباح، جررت حقيبتي وذهبت إلى محطة القطار، لم أتناول الفطور في الفندق، اشتريت طعاما في الطريق وأخذت أتناوله في القطار، لم أقلق هذه المرة من الطريق لأني أعرف أن نهاية طريق القطار في رمسيس، لكن تصادف وجود كرسيي بجوار الحمام، حيث روائح البول ذلك الأمر الوحيد الذي أقلقني في طريق العودة فأنا أمتلك حاسة شم وسمع قوية أعتقد أني ورثتها عن جدتي.
لففت الإيشارب - الذي أضعه دوما على صدري- على أنفي، وأخذت أتنفس من خلاله غير مهتمة برأي الناس حولي، لأن رائحة البول غطت على أية اعتبارات أخرى، ذهبت إلى البيت وأنا متعكزة المزاج فالرحلة لم تكن ممتعة، كما أني لم أنم جيدا في الأيام السابقة، تزايد لدي الشعور بالوحدة، نمت سريعا بعد أن تناولت الطعام الذي جهزته أمي، أخذت أحلم بأشباح يحاولون خطفي وإيذائي.
















فبراير 2016
أجري وراء منال، أقرر أن أضربها، هي تجري مني وتختبئ، في جو مغامرات مثل أجواء أفلام الأكشن الأمريكية، ثم يتصاعد غضبي وأقرر أن أقتلها، وأفكر في طريقة لقتلها، وعندما تصبح قريبة مني أفكر في طفليها، أتسائل في نفسي من سيربيهم إذ أنا قتلتها، أنفض عن نفسي رغبتي في قتلها، ألهث حتى ألحق بالعمل حتى لا توبخني مليحة فأجد أمامي حكمت بوجهها الغاضب المعهود، أختبئ منها في سريري أنام كثيرا، وأرفض كل محاولات أمي لإيقاظي لألحق بالعمل، أستيقظ مجهدة كما هو معتاد حينما أحلم بحكمت.











قصة رقم(9)
سلوى
امرأة نحيفة ترتدي نظارة، شعرها مجعد ودائما تربطه، عيناها تدور دوما ولا تستقر، زوجها يبدو أنه أصغر منها في السن وأنها تتحكم به، تدير شقتها، تُسَكِن لديها الفتيات، وتجلب لهن الزبائن، تتعاطى الحشيش فقط لكن زوجها يُدمن على الحبوب المخدرة، ترددت سلوى على مقر" فقيرة" وكانت تتعامل فقط مع حكمت، ذلك لأنها متعالية ومتوجسة، حكمت هي من استطاعت أن تجد معها طريقة للتواصل.
على الأرجح تواصلت معها حكمت بطريقتها المعهودة، الإغراء بالمال، فربما اتفقت معها على أن تعطيها نقودا مقابل كل فتاة تجلبها لتتردد على الجمعية، كما فعلت مع كامل القواد في بداية العمل.
كانت سلوى تُرسل بالفتيات ليقمن بتسجيل قصة حياتهن أو ليتلقين الخدمات التي تُقدمها الجمعية، وكانت تأتي وهي وزوجها فقط في المناسبات الهامة، مثل التدريبات التي تنظمها الجمعية للفتيات، لا تتكلم كثيرا، وإذا تكلمت فإنها تنطق بصوت حاد وطريقة حادة، لا تبتسم أبدا، وعندما يدور الحديث عن العمل بالجنس تدافع باستماتة عن هذا العمل وكأنه مهنة راقية تفتخر بها، تُجاريها حكمت في رأيها، لأنها لا تريد أن تخسرها، وتحذر المنسقات من الاقتراب منها لأن حكمت ترى أن سلوى امرأة "عقربة" وتخاف من أن تغضبها إحدى المنسقات فتخسر علاقتها بها.
اكتفيت بالملاحظة والمراقبة من بعيد كالعادة، لاحظت خوف الفتيات اللاتي يعملن مع سلوى منها، وأنهن يحذرن في التحدث أمامها، كما لاحظت أنها تغار جدا على زوجها سامح والذي يبدو أن المخدرات قد خربت أسنانه وهيئته ولم يحتفظ بأية وسامة كانت لديه في السابق.
ترى سلوى أن هذه المهنة هي ما تضمن النقود للفتاة وتجعلها تعيش دون فقر أو خوف من المستقبل، لديها فتيات جميلات يُجدن التعامل مع الرجال، فهي تحرص على أن تختار مستوى من الجمال لا تحيد عنه، لأن زبائنها من الأغنياء الذين يدفعون الكثير ليستمتعن بالجميلات، حتى الفتاة الفقيرة التي تعثر عليها بالصدفة أو بمعرفة الأصدقاء، تُعلمها كيف تلبس وكيف تصفف شعرها وتضع مكياجا لكي تبدو الفتاة جميلة.
زوجها هو من كان يسعي للتحدث مع الجميع، شاب في أوائل الثلاثينات، يغلب على حديثه المزاح ويضحك كثيرا، ويتخيل نفسه فتى جذاب تتلهف عليه النساء، ذلك لأنه الذكر الوحيد في البيت الذي تديره زوجته، وتتقرب إليه الفتيات ليجلب لهن زبائن أفضل، كما أن زوجته تحوطه بغيرتها وحبها الجنوني مما جعله يُعطي لنفسه تقديرا أعلى بكثير مما هي عليه، لا يعلم أن زوجته تتشبث به لأنه أصغر في السن ولأنها تعلم جيدا أن لا أحد ينظر إليها أو تغريه أنوثتها المنقوصة.
حكت إحدى الفتيات اللاتي جلبتها سلوى لنا عنها، تدعى رضوى، قالت لنا أن سلوى تسرق نقودهن وتعطيهن مبلغا ضئيلا جدا مما تحصله من الزبائن، كما أنها تعامل بعض الفتيات بشكل جيد وأخريات بشكل سيء، خاصة الفتيات اللاتي لا مأوى لهن ويضطررن إلى العيش معها في منزلها، تعاملهن كخادمات لها، وتتعمد أن تتجسس عليهن، كل فتاة تطلب منها أن تتجسس على صديقاتها لكي تعرف كل ما يدور بين الفتيات اللاتي تسرحهن.
شعرت أن هذه أكثر نقطة تتشابه فيها سلوى مع حكمت، كما حكت رضوى أن سلوى حينما تجد إحدى الفتيات تتقرب إلى زوجها تعاملها بقسوة، فهي لا تعطيها نقودا ولا تتحدث معها، كما أنها تجلب لها الزبائن السيئين الذين يطلبون عملا كثيرا ويسبون الفتيات ويعاملوهن بسوء، وإذا تجرأت إحدى الفتيات ومارست الجنس مع زوجها أو توهمت أنها تستطيع أن تخطفه منها، تخطط لها وتدبر لها عملا في بيت الزبون ثم تبلغ عنها البوليس لكي يُقبض عليها.
فقد تحدتها إحدى الفتيات في مرة ومارست الجنس مع زوجها، وقالت لها:
- وأنا مالي يا أختي هو اللي عايزني.
- عايزك إيه يا جربوعة أنا الست هنا يا روح أمك.
- طب اسأليه كده، وكمان هانتجوز ويجبلي شقة.
- والنبي وهو بقى هايجبلك منين هو حيلته حاجة.
كان سامح قد وعد الفتاة وتدعى شهيرة بوعود كثيرة لترضى أن تمارس معه الجنس، لكنه لم يكن ينتوي أن يفعل شيئا لأنه لا يستطيع العمل بدون سلوى، هي من تحتفظ بالعلاقات بالزبائن وهي من تتعامل معهم، سامح مجرد صورة لرجل حتى يظهر أمام الناس أنه حماية لها.
لكن سلوى خافت أن يكون كلام شهيرة صحيحا، وأن يكون سامح قد فكر بالفعل في هجرها وتأجير شقة لهذه الجربوعة، خاصة وأن شعرها أشقر وطويل وملامحها جميلة وشابة، و أن يكون فكر في إدارة عمل جديد لنفسه، وأن يخطف زبائنها ويهدم عملها، تشاجرت مع سامح الذي كَذَب كل ما قالته شهيرة واتهمها بالكذب وأخذ يسترضى سلوى خوفا من غضبها:
- عايزني أسامحك نمشى البت دي وما تشتغلش معانا تاني.
- اللي تشوفيه بس زباين كتير بيطلبوها علشان حلوة ولونة.
- حلوة مين يا حمار أنا اللي معلماها إزاي تتزوق وإزاي تتدلع، وبعدين علشان كده اطفاست عليها يا طفس، مش قولنا ما تقربش للبنات اللي باسرحهم.
- ولا قربتلها دي كدابة، ولا عمري ابص لواحدة غيرك.
- والنبي يا روح أمك دا أنا من ساعة ما عرفتك وأنا باقفشك مع أي مرة باجيبها.
- هما اللي بيغروني علشان أجيبلهم الزباين المريشين.
-وإنت ما بتسترجلش ليه، إنت المفروض تخشن معاهم علشان يحترموك وتعرف تشغلهم.
لكي تتأكد سلوى من أن سامح لا يخدعها وأنه لن يتركها فكرت أن تُنكل بشهيرة، أولا لتضمن اختفائها التام من حياتها، وتضمن أن سامح باقي معها، وثانيا لتكون عبرة لأية فتاة تتحداها، حتى لا تظن باقي الفتيات أنها ضعيفة ويفكرن في تكرار الفعل وإغواء زوجها، خططت لحبسها بمساعدة سامح الذي وافق ليثبت لزوجته ولائه، وبالفعل قبض على شهيرة متلبسة وسُجنت، ولم تعبأ سلوى بخسارة زبون فهو زبون غير مهم بالنسبة لها، كما أنها أشاعت بين الزبائن أن شهيرة قُبِض عليها لأنها كانت تصاحب ضابط شرطة ثم تركته فقرر أن ينتقم منها .
لم يهتم الزبائن بشهيرة، فمن يقبض عليها تتوه، ويبحثون عن غيرها، أما الفتيات اللاتي يعملن مع سلوى خفن كثيرا، خاصة وأن سلوى لم تهتم بتبرير الأمر لهن، واكتفت بالصمت حتى يتأكدن أنها تستطيع الانتقام من أية فتاة تتجرأ عليها.
اشتكت رضوى أيضا لنا أن سامح يتحرش بها ويستغل غياب سلوى ويُلح عليها في ممارسة الجنس معه، وهي لا تعرف ماذا تفعل؟، إذا صدته بعنف سيضعها في رأسه ويعاملها بشكل سيء، وإذا استجابت له سوف تدفعها سلوى إلى السجن، رضوى فتاة في منتصف العشرينات، هربت من أهلها وقادتها الظروف للعمل بهذه المهنة، ملامحها جميلة ولها ضحكة جذابة، لم تستمر طويلا في بيت سلوى، أجرت لنفسها شقة إيجار جديد في حي فقير بمساعدة زبون لها، ظل ينفق عليها وقتا ثم هجرها، اضطرت للعمل كمضيفة في بارات وسط البلد، وتحول شكلها كثيرا بعد تركها لسلوى، فلم تعد تهتم بمظهرها، وارتدت الحجاب حتى لا يضايقها أحد في الحي الشعبي الذي تسكن به، ترددت عدة مرات على المقر لكنها اختفت.

















أغسطس 2006
المنسقات بدأن يتذمرن من العمل المجهد، واتفقن جميعا على أن ساعات العمل لابد ألا تزيد عن 8 ساعات لأن ذلك كان اتفاقهن في البداية مع حكمت، واستغلت حكمت ذلك التذمر لتؤكد سلطتها، وتشعر أنها صاحبة السلطة الأعلى لا مليحة، فاضطرت مليحة أن تضع جدولا للعمل الميداني، كل منسقة تنزل إلى الميدان 4 أيام في الأسبوع و تجيء يومين إلى مقر الجمعية، واليوم الذي تنزل فيه الميدان لا تأتي إلى المقر على أن تقضي في الميدان يوم عمل كامل، كما نظمت الجدول بحيث تنزل أربعة منسقات كل يوم إلى الميدان وتظل منسقة في المقر لتستقبل الفتيات في حالة مجيئهن إلى المقر، لأننا أصبحنا 5 فقط بعد رحيل نيفين.
اضطررنا لقبول ذلك خاصة وأن حكمت ما يهمها هو إتمام العمل كما يريده برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز، والذي تعتبر مليحة ممثلة له، حتى يستمر المشروع قائما والتمويل موجود، حاولت كل واحدة منا توفيق ظروفها لتتناسب مع العمل مساءا أربعة أيام في الأسبوع.
اضطررت أن أصارح أمي بعملي أخيرا، أظهرت أمي قلقا فحاولت طمأنتها مؤكدة أن الجمعية تحاول تغيير عمل فتيات الليل وتحسين حياتهن حتى يبتعدن عن تلك المهنة السيئة، وأني سأضطر إلى النزول في المقاهي التي يجلسن فيها لأقابلهن.
- طب وبعدين وافرض أتقبض عليكي.
- ما تخافيش يا ماما ما هي حكمت هاتجيبلنا كارنيهات باسمنا من الأمم المتحدة.
- والكارنيهات دي هاتنفعك في إيه يعني؟.
- لو لا قدر الله جه بوليس ولا حاجة الكارنيهات دي تخليهم ما يقبضوش علينا.
- إنتي إيه اللي زنقك على الشغلانة المهببة دي؟.
- يعني هاعمل إيه هو فيه شغل أساسا، إحنا بنتخرج ونفضل ندور زي النحل، وما بيعرفش يشتغل إلا اللي معاه واسطة أو اللي أبوه بيجيبله شغلانة.
- معلش حظكوا مهبب إنتي واخواتك، آمال أنا علمتكوا ليه علشان تتمرمطوا؟، قال وكنت فاكرة الشهادات هاتحميكم من الممرمطة.
- هو إحنا بس كل الشباب كده لازم يطلع عينينا علشان نلاقي شغلانة ونستمر فيها.
- ربنا يحميكي يا بنتي من كل شر .
بدأ العمل الميداني بالنسبة لي في منطقة وسط البلد، اخترت أن أنزل مع شيرين، وكانت منال تصاحبنا لأنها كانت تعرف المقاهي التي تجلس عليها فتيات الليل، رغم أني كنت أجلس في منطقة وسط البلد كثيرا إلا أني كانت أجلس في مقاهي المثقفين التي نادرا ما تستقبل فتيات الليل، وإذا سمحت بجلوسهن يكون ذلك بشكل عرضي.
تعرفت على مقاهي جديدة تجلس فيها فتيات الليل بحرية، تلتقط الزبون وتجلس معه ثم تذهب معه إلى منزله، كما أن تلك المقاهي مليئة بالقوادات والقوادين، كنت خائفة في بداية العمل الميداني، الخوف الأكبر من أية حملة أمنية تقبض على فتيات الليل وتأخذني معها، وأضطر أن أذهب إلى قسم الشرطة، ويجيء أحد من أهلي هناك، كان ذلك المشهد يملأ ذهني عند النزول من المنزل للذهاب إلى الميدان"مكان تواجد فتيات الليل" كما تسميه مليحة.
كما كنت خائفة من فتيات الليل والقوادات، تعاملت فقط مع الفتيات اللاتي يجلبهن دكتور سمير وكامل السائق وكانت الفتاة تعرف بأمر الجمعية، وتجيء بنفسها كما أنها تأتي وهي واثقة من سمير أو كامل، أما في الميدان فالأمر مختلف كيف لها أن تثق بي، ولا تَشُك أني صحفية وجئت لأفضحها، أو عميلة من الشرطة.
كانت منال أكثر هدوءا منا وكنا نعتمد عليها وعلى مبادرتها في التعرف على الفتيات، خاصة وأن مليحة حكت لنا في وسط اجتماعاتها المطولة والتي تحب أن تحكي فيها عن عملها في نفس المجال في المغرب، أنها تعرضت في أحد المرات لضرب من أحد القوادين، لدرجة أنه أسقط لها سنتيها الأماميتين، واضطرت أن تركب سنتين جديدتين، وذلك لأنه كان يظن أن مليحة ومن معها يحرضن الفتيات عليه لكي يتركن العمل.
كنت أنزل كل يوم إلى الميدان وأنا متوقعة أن يتم القبض علي أو يتم ضربي من قبل قوادة أو قواد أو حتى فتاة ليل تشك في أمري، و خيالي كان يهيئ لي أني ربما أتعرض للخطف والاغتصاب على أيدي أحد الرجال في المقاهي التي أذهب إليها، أمي أيضا كانت تظل قلقة طوال فترة تواجدي في الميدان.
أصبحت أذهب إلى الميدان مع منسقات أخريات، لأن مليحة حرصت على التنويع في كل فريق ينزل، وساهم ذلك في ابتعادي عن شيرين قليلا، نزلت إلى مقاهي الهرم، وكانت هاجر تدعي معرفتها بها لأنها تسكن في تلك المنطقة منذ عدة سنوات، لكنها في الواقع لم تكن تعرف أي شيء، فقط أسماء لبعض المقاهي، بدأت أنا وهاجر في نتواجد في منطقة الهرم والتعرف على الفتيات، واللاتي كان أغلبهن فتيات صغيرات في السن بلا مأوى، وكان التعرف عليهن سهل.
بعد عملي في "فقيرة" جعلتني التدريبات الكثيرة التي تتحدث عن الجنس وأمراضه وطرق الوقاية من مرض خطير ومميت كالإيدز أتقزز من الجنس، وبدأت أبتعد عن جسدي وأنفر منه، زاد الأمر بعد سماعي لحكايات الفتيات، أصبح جسد الرجل رمز لاعتداء، أو استغلال أو تخلي، وكان الماكيت البلاستيك، الموجود في الجمعية لتعليم الفتيات عليه طريقة ارتداء الواقي الذكري، يجعلني أنفر من جسد الرجل، فقد أصبح بالنسبة لي قطعة من البلاستيك لا حياة فيها مللت من كثرة رؤيتها، وجسد المرأة أصبح رمزاً للقهر والذل والضياع، واكتسب الجنس معنا شريرا لدي، بعد أن كان في خيالي تجربة حب.
لكني مع ذلك لم أتخلَ عن فكرة الزواج، كان حلمي البعيد الذي أتمنى تحقيقه، أتمنى أن أنجب عدة أطفال حتى إذا لم أستطع الزواج وكبرت في السن على الإنجاب قررت أن أتبنى طفلة وأربيها وتصبح ابنتي.
في الميدان عندما كنت أعثر على فتاة صغيرة بلا مأوى كنت أتماهى معها، أتخيل نفسي في مكانها، وأتجاوب نفسيا مع الأمر ، عندما أذهب إلى منزلي وأنام في سريري أتخيل الفتاة التي قابلتها، وأعيد معايشة حكايتها، أول مرة تبيع جسدها، حادثة اغتصاب حدثت لها، أو تخلي وقهر أوقعها فيه رجل أحبته، كنت أشعر بوطأة كل ذلك وكأني من تعرضت له بالفعل، وكنت أتمنى لو أني أستطيع إبعادهن عن المهنة أو إيجاد مكان يؤويهن ويرحمهن من القهر، وحينما تزداد وطأة إحدى الحكايا على قلبي أشاركها مع أمي.
أمي من جانبها تعشق الحكايا المأساوية، تتلذذ بمشاهدة البرامج التي تنقل الحوادث البشعة وتحب أن تبكي أثناء مشاهدة المسلسلات الحزينة، لذا كانت تستمتع بحكاياتي وتظل تتحسر على حياة الفتاة التي أحكي عنها.
بدأت الجلسات المسجلة، كان الاستشاري قد صمم استمارة لمقابلة متعمقة عبارة عن مجموعة من الأسئلة تسألها المنسقة لفتاة الليل ليتم بعد ذلك استخراج النتائج وتحليلها وعمل دراسة مكتوبة لصالح برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز، طورت مليحة الاستمارة بمساعدة مني، حيث أضافت إليها بعض الأسئلة.
من تنجح من المنسقات في عمل إحدى هذه الجلسات تشعر بالفخر، لأنها بذلك تثبت كفاءتها وقدرتها على إقناع فتاة الليل بعمل حديث مطول عن حياتها، ودخولها في هذه المهنة وأيضا تجعلها توافق على تسجيله، قمت وشيرين بعمل عدة جلسات معا، ثم تكلفت بتفريغ أشرطة التسجيل للدراسة، وأفرحني هذا العمل كثيرا، فأنا أميل للأعمال العلمية وللأعمال التي أنفرد فيها بنفسي دون جهد التعامل مع الآخرين.
في الواقع كنت أكثر المنسقات إجهادا في التحاقي بهذا المشروع، لأني كنت أقاوم انطوائيتي المزمنة، حتى أستطيع القيام بعمل علاقات مع فتيات الليل وأستطيع القيام بالعمل الميداني، حتى عند التحاقي باليسار وزيادة عدد معارفي وأصدقائي حافظت على انطوائيتي تلك، أنعزل بشكل دوري في منزلي خاصة مع تركي لأحد الأعمال وأمتنع عن مقابلة الآخرين أو أحتفظ ببعض الصديقات المقربات، ولم أستطع رغم سنوات الجامعة والعمل بعد ذلك نسج علاقات اجتماعية سوية.
فقط صديقة أو اثنتان أظل أقابلهما أو أهاتفهما بشكل دوري، في عملي مع "فقيرة" كانت أعتمد بشكل نفسي على شيرين أتحالف معها وأثق فيها، وكذلك شيرين كانت تثق في، حتى عندما أصبحت مميزة لدى مليحة لم تحسدني شيرين على ذلك، بل تمنت لي الخير وكانت تدافع عني في غيابي عندما تبدأ باقي المنسقات حديثا سيئا عني.
ظللت مقربة من شيرين، و لاحظت التغييرات التي بدأت تصيبها، ارتدت الحجاب بشكل دائم، فقد كانت شيرين ترتدي الحجاب أمام أهلها في نزولها من المنزل ورجوعها إليه، وتخلعه في الشارع، كذلك كنت أفعل مثلها، وفي الواقع حكمت كانت تفعل ذلك هي أيضا، لأنها رغم أنها لا تسكن في منطقة شعبية حاليا إلا أن أمها وباقي أهلها يسكنون في أماكن قريبة منها وكذلك أهل المنطقة يقدرونها ولا تستطيع خلع الحجاب لأن ذلك سيجعلهم ينفرون منها.
شيرين أصبحت تخاف من العنوسة، وزاد كرهها للعمل في "فقيرة" أحست أنه لا أفق واضح، لن تنتقل للعمل في مشروع آخر لدى حكمت وستظل في هذا المشروع المشئوم، ومع الوقت أحست أن الأموال التي تتقاضاها من هذا العمل حرام، فهي تتبعثر ما أن تحصل عليها، اقتربت من فتى متدين، طلب منها أن تتحجب، ووعدها بالزواج، أحست أن هذا هو المخرج لها، أن تتزوج رجلا لديه إمكانات مادية عالية ينفق عليها ولا تعود تحتاج إلى العمل، انزعجت من ذلك وخفت من فقدان شيرين في العمل، لكني ساندتها في كل الأحوال، فإذا أرادت أن ترتدي الحجاب فهي حرة، وإذا أرادت أن تُزيد وزنها وتتخلص من نحافتها فهي أيضا حرة، وبدأت أراقبها وهي تزيد في الاقتراب من الدين شيئا فشيئا، وأسألها هل هي فعلا مقتنعة بذلك أم تفعله لتتقرب من ذلك الفتى؟.
أكدت لي شيرين أنها مقتنعة تماما بالتغيرات التي تحدث لها رغم أن منال وهاجر أظهرن استيائهن وظللن يؤكدن أن شيرين تتخفى وراء الالتزام الديني فقط لتتزوج، تركها ذلك الفتى لكنها ظلت مرتدية الحجاب ومع تشديد مليحة قبضتها علينا، وضغطها في العمل قررت شيرين ارتداء النقاب وترك العمل.









قصة رقم (10)
شيماء
أحبت شيماء ذلك الفتى، تعرفت عليه عن طريق صديقة لها في المدرسة، كان صاحب لصديقها، شاب لطيف، من نفس عمرها، كلاهما في سن 18، أعجبته بسبب جمالها، شعرها الطويل الذي يصل لما بعد خصرها، والذي تعتني به جيدا ليبدو ناعما وجميلا، وقوامها الممشوق وأناقتها، اتفقا على الزواج بعد أن يتخرجا من معهد سياحة وفنادق، تقابله تقريبا كل يوم، تكذب على أمها وتقول لها أنها تذهب لدى صديقتها وتذهب معه إلى السينما أو للجلوس على كافيهات مدينة نصر و مصر الجديدة.
هي تسكن في حلمية الزيتون، لديها أخت وأخوين، أبوها وأمها يعملان بالحكومة، في مناصب لا بأس بها، يمكن القول أن شيماء تنتمي للطبقة المتوسطة، أبوها يملك سيارة، واستطاع أن يلحقها بالتعليم الخاص بعد أن فشلت في الدخول إلى ثانوية عامة، لكنها رغم ذلك غير راضية عن أبويها، ترى أنهم يقيدون حركتها، ودوما ما يسألونها عن سبب خروجها بعد المعهد، ويحاسبونها حسابا قاسيا عندما تتأخر حتى العاشرة.
بعد عدة مقابلات أخذ صديقها يُلح عليها في أن يتقابلا في مكان مغلق، كانت ترفض، وهو يحاول إقناعها بأنه يحبها وينوى الزواج منها، ثم وافقت أخيرا، بعد أن وثقت أنه طيب ويُحبها بالفعل، ذهبت معه إلى شقة صديق له، فوجئت بوجود أربعة آخرين من أصدقائه، اندهشت لوجودهم، فقال لها أنهم سوف يرحلون، جلست معه بعض الوقت ثم أخذها في إحدى الغرف، أخذ يقبلها ويحتضنها، ثم طلب منها أن تخلع ملابسها، وافقت، لكنها رفضت أن تمارس معه الجنس.
- ماتخافيش أنا مش هأذيكي.
- لا برضوا مش هاعمل كده غير لما نتجوز.
- طب إيه رأيك نلعب سوا، وممكن أنام معاكي من حتة تانية.
- حتة تانية يعني إيه؟.
عرفها أنه هناك جنس يُمارس عن طريق فتحة الشرج، وأن ذلك لن يؤذيها ولن يؤثر على غشاء بكارتها، وافقت مع إلحاحه وإحساسها بالحب تجاهه، شعرت ببعض الألم، كلما يلجها تصرخ وتخرجه، ظل كذلك بعض الوقت ثم اكتفى بالنوم فوقها، وبعد أن انتهي منها فوجئت بأصدقائه يدقون على باب الغرفة ويصيحون.
- إيه يا عم انتوا رحتوا فين، إنت بستسهبلنا ولا إيه يا على إنت فاكرنا إيه.
-لا والله.
- يعني إيه إزاي تدخلوا كده وإحنا قاعدين بره، إنت فاكرنا إيه ....
-إيه الكلام ده يا عم ما تقولش كده.
- لا زي ما إنت عملت إحنا ها نعمل.
- إنت بتقول إيه يا عم إنت دي صاحبتي.
- ما حدش قالك تركبلنا قرنين، وإحنا مش هانقبل كده.
فزعت شيماء، فهذا يعني أن الأصدقاء الأربعة سوف يمارسون معها الجنس،حاول علي طمأنتها، وبهدوء قال لها أن الموقف لابد أن يمر بسلام، وطلب منها أن تستجيب لهم، حتى يستطيعوا الخروج من الشقة، لأنهم لن يتركوهما يخرجان قبل أن ينفذا ما أرادوه، لم تعرف شيماء ماذا تفعل، خاصة وأن علي لم يقل لها أنه سيدافع عنها ويحميها، بل أظهر أنه موافق على ما يريدون فعله بها.
اضطرت أن تستجيب لهم، وبدأ كل واحد منهم ممارسة الجنس معها من الخلف، تركوها في الغرفة ودخل كل واحد منهم بالتناوب، كانت تتألم، لكنها لم تستطع الشكوى، فقد كانت خائفة منهم، اصطنعت الجرأة، حتى لا يؤذونها أكثر، عندما انتهوا ارتدت ملابسها ورحلت، ذهب معها على لتوصيلها، لم تتكلم معه، أخذ يعتذر، ويوضح لها أنه لم يكن لديه حل آخر ، فهم أصدقاؤه وقد شعروا أنه أهانهم عندما دخل معها الغرفة وهم جالسون بالخارج.
لم تهتم بالحديث معه، ولم تسأله لماذا أحضرها في شقة بها أصدقاؤه، عرفت بحدسها أنه متفق معهم، وأنه قام بعمل هذه اللعبة حتى يمارسوا معها الجنس جميعا، لم تشعر بالكراهية تجاهه وتجاههم فقط بل كرهت نفسها، لأنها طاوعته ووثقت فيه، ولم تفهم لماذا هو خسيس هكذا رغم أنه صغير في السن؟، أين تعلم تلك الخساسة؟.
حاول التأكيد على الاستمرار في العلاقة معها بدعوى أنه ليس له ذنب فيما حدث لكنها لم ترد عليه، ذهبت إلى منزلها، خافت أن يلاحظ أحد من أهلها أي شيء، أخذت تبكي في الغرفة التي تتشاركها مع شقيقتها، لم تكن موجودة، فهي طالبة في الجامعة ولم ترجع للمنزل بعد، انهارت في غرفتها وأخذت تنظر لنفسها في المرآة، أحست أنها منتهكة، وأحست بألم جسدي كبير، هم اغتصبوها لكنها وافقت، ماذا كانت ستفعل غير ذلك؟، كان من الممكن أن يحتجزونها في الشقة ويغتصبونها برغم إرادتها وربما قتلوها ورموا بجثتها في أي مكان، أو احتجزوها لعدة أيام ثم تركوها ووقتها لن تعرف ماذا تقول لأهلها، ستصبح فضيحة كبيرة وستظل تحمل وصمة العار لها ولأهلها طوال العمر.
حاولت التماسك، فهي لن تستطيع فعل أي شيء لهم، لن تستطيع إبلاغ الشرطة، أو إبلاغ أهلها، كما أنها لن تقدر على الانتقام منهم وحدها، قررت أن تنسى ما حدث، وتمتن لأنهم لم يفقدوها عذريتها، لازالت فتاة ، يمكنها أن تتزوج رجل آخر، كأنها تعرضت لحادثة وجُرحت فيها، أخذت مسكن لتخفيف الألم في فتحة الشرج لديها، واستمرت تنزف منها لعدة أيام، لكنها لم تخبر أحدا بما حدث.
حاول على مهاتفتها لكنها لم ترد عليه، وقطعت علاقتها به تماما، حتى أنها لم تعد تتكلم مع صديقتها التي عرفتها عليه، خوفا من أن يكون قد فضحها وحكى لها ما حدث، بدأت للنزول إلى الفنادق لكي تتدرب على العمل في مجال السياحة، تعرفت هناك على صديقة جديدة، فتاة أكبر منها تعمل مضيفة في أحد البارات الملحقة بالفندق الذي تتدرب فيه، عرفتها الفتاة على مهنة جديدة تستطيع أن تكسب منها دخلا كبيرا، ذهبت بها إلى بيت قوادة تدعى زينب، هذه القوادة تساعد الفتيات في تكوين أنفسهن، تعرفهن على زبائن، وتأخذ أجرهن وتساعدهن في أن يشتروا شقة تمليك وسيارة فيما بعد، تعامل الفتيات كأنهن شقيقاتها، تخاف عليهن، وترعى مصالحهن، أحبت شيماء الفكرة، فهي تتمنى أن يكون لها شقة تخصها وسيارة، كما تتمنى أن تستقل عن أهلها ماديا حتى لا يعودوا يتحكمون بها.
أكدت على زينب أنها تريد أن تحتفظ بعذريتها، فهي لا تريد فقدانها، لأنها في يوم من الأيام ستتزوج وتستقر ويكون لها بيتا، وافقت القوادة على ذلك، وعرضت شيماء أن تمارس جنسا شرجيا مع الزبائن، كان ذلك أمر جيد بالنسبة للقوادة، لأن الزبائن من منطقة الخليج يحبون الجنس الشرجي أكثر من المهبلي، ويدفعون فيه أموالا أكثر، كما أن معظم الفتيات اللاتي يعملن بمهنة بيع الجسد، لا يوافقن على ممارسة جنس شرجي، يعتبرون أنه جنس حرام، كما أنهن يخفن من حدوث أمراض لهن، أو أن تصاب تلك المنطقة بالاتساع.
بدأت شيماء في الذهاب إلى بيوت الزبائن، على أن ترجع إلى بيت أهلها في الثامنة ليلا، حتى لا يشكوا في أي شيء، وتركت نقودها لدى زينب، هي تثق فيها، لأنها تعاملها بحنان وتخاف عليها، كما أنها رأت فتيات أخريات يعملن لديها، وقد استطعن أن يمتلكن شقة خاصة بهن وسيارة أيضا، ومنهن من تزوجت واستقرت في حياتها وتركت المهنة، وأصبحت قوية مع زوجها لأنها هي صاحبة الشقة التي يسكن بها، ومنهن من قررت الاستمرار بالمهنة حتى يكون لها رصيد في البنك وتعيش براحة بعد ذلك.
جاءت شيماء إلى الجمعية للكشف الطبي لدى دكتور سمير، أرادت أن تتأكد من أن عذريتها لم تُمس، زينب هي من تعرف دكتور سمير، تذهب إليه هي والفتيات اللاتي يعملن معها لكي تكشف كشف نساء، أو تطمئن على عذرية، أو يقوم بعمل عملية إجهاض لإحداهن إذا أخطأت ونست أخذ حبوب منع الحمل.
أعطى لها دكتور سمير الميعاد في مقر الجمعية لأنه كان يُريد أن يجلب زينب وشيماء إلى حكمت، حتى تشعر أنه يُنفذ وعده ويجلب لها الفتيات كما وعدها، كما أنه سيأخذ ثمن الكشف من زينب وشيماء، وسيأخذ نقودا من حكمت لأنه جلب لها فتيات، فهو مستفيد في كل الأحوال، قبلت شيماء أن تقوم بعمل جلسة وتحكي عن نفسها وتكون مسجلة، لأنها تثق في زينب ودكتور سمير.
كانت تتكلم بغضب عندما حكت عن حادثة اغتصابها على أيدي الشباب، وفيما بعد أصبحت تتكلم برضا عن المهنة، فهي تفعل ذلك باقتناع تام، ورغبة منها في أن تمتلك نقودا كثيرة، وكانت تُبرر ذلك بأن الذكور أغلبهم يتعاملون بدناءة مع الفتيات، وأن الحب والمشاعر وهم يستغلونه ليصلوا فقط إلى ممارسة الجنس، دون أن يدفعوا ثمن له، سواء بالزواج أو بدفع نقود.
كانت ترى أن معظم الشباب هذه الأيام خنازير، هم من يجعلون الفتاة تفقد عذريتها ثم يتركونها، أو يعرفون الفتاة على الجنس لمتعتهم، وبعد ذلك ينعتونها بالعاهرة لأنها وافقت وسلمت لهم جسدها، وهم في كل الأحوال يستبيحونها كأنها قطعة لحم، وأكدت أكثر من مرة أن الأموال هي من تعطي للفتاة قيمة هذه الأيام وهي ما تضمن لها مستقبلا جيدا، حتى لا تحتاج لأي رجل، حتى إذا تزوجت تكون قوية فأموالها ستجعل زوجها لا يستطيع التحكم فيها أو قهرها.
















نوفمبر 2006
ترك شيرين للعمل جعلني أواجه كل تلك الصعوبات وحدي، دون إحساس أن هناك من يقف في ظهري ويدعمني ويكمل بعض النواقص في شخصيتي، شيرين ارتدت النقاب وأصبحت سلفية، أخويها الاثنان كذلك ويديران محلا لبيع الملابس، شيرين استسلمت تماما، أحست أنها تكبر وأنها لن تستطيع تحقيق نجاح مهني مع ضغوط مليحة ومراوغات حكمت، وفي ظل مشروع موصوم ويشعرها بالذنب بشكل يومي، كما أنها كأية فتاة، تريد أن تتزوج ويصبح لها بيتها الخاص، وتنجب أطفالا، قامت بعمل شبكة علاقات مع فتيات سلفيات، أثناء ذهابها للجامع للصلاة، وطبعا امتنعت عن التدخين، وتخلصت من كل ملابسها القديمة، نجحت الأخوات في جلب عريس لها، لم يرَ وجهها سوى ثلاث مرات، ورأت أخته وأمه ملامحها كاملة، وبدأت شيرين تستعد للزواج من فتى ملتحي سلفي.
لم يكن ترك شيرين للعمل أمرا مفزعا لي فقط بل وتحولها إلى أقصى اليمين أيضا، ظللنا صديقتين ولم أحاول معاتبتها أو تأنيبها على شيء بل تقبلتها كما هي تماما وبكل تغييراتها، لكن ذلك أقلق ذاتي، أعرف جيدا أني لن أتحول لأقصى اليمين مثل شيرين، لكني أيضا أعرف إمكاناتي النفسية، فأنا أيضا لست قوية في تمردي على قيم المجتمع البالية وأمراضه، كما أنني أميل إلى مزيد من العزلة، تخيلت نفسي أفعل مثل شيرين لكني عرفت أني لن أفعل ذلك، فقط سأتخلى عن تمردي وأسعى للزواج، لأني أيضا أريد أن يكون لي بيتي الخاص وأرتاح من صراعاتي مع أختي ومن خوف أمي الشديد علي.




فبراير 2016
أقابل شيرين فوق سطوح قديم، أعرف أنه سطوح بيت جدتي الذي تربيت فيه، تحمل شيئا ملفوفا بملاءة وسخة، أسألها ما هو تفتح الملاءة وتريه لي نصف جسد لامرأة، النصف السفلي، ممتليء وعليه دماء جافة، أفزع وأسألها ما هذا تخبرني أنها قتلت إحداهن، وتريد مني أن أخبئ هذا الجزء من الجثة لها، لا أعرف لماذا قتلتها لكني أساعدها، أحفر في الأرض وأدفن نصف الجسد، ثم أتركها ترحل، أظل قلقة من أن ينكشف أمري وأمرها، ولا ألوم نفسي داخل الحلم على تواطئي معها، حينما استيقظ أفشل في تفسير الحلم، ليس به أية رموز يمكن حلها، أندهش أكثر من جرأتي في مساعدتها وعدم اكتراثي بأمر المقتولة.










قصة رقم (11)
عزة
فتاة قصيرة قليلة الحجم ترتدي عباءة سوداء واسعة، وطرحة سوداء تخفي معظم وجهها، عمرها 15 عاما، تحتل مكانا بجوار أحد المحلات في ميدان طلعت حرب، هذا هو منزلها الذي تعيش فيه، تفرش كرتونة في الليل لتنام عليها، تتكلم بسرعة، حامل في شهورها الأخيرة، و ترتدي عباءة واسعة حتى لا يعرف البائعين في منطقة وسط البلد أنها حامل، لو عرف أحد ذلك سوف يعاملونها بشكل سيء، هي تبيع المناديل، تأكل أي طعام، وقد يعطف عليها أحد ركاب السيارات بنقود كثيرة، فتستطيع جلب الطعام الذي تشتهيه.
وصلت لأواخر شهور الحمل ولا تعلم ماذا ستفعل؟، كيف ستذهب لمستشفى وتلد وهي ليست متزوجة؟، وحتى ليس لديها شهادة ميلاد، سيسألونها عن والد الطفل، هي نفسها لا تعرف كيف ستتصرف فهي مازالت طفلة ولا أحد بجوارها، ولا تستطيع البوح لصديقاتها بائعات المناديل الأخريات أنها حامل، سوف ينعتونها بصفات سيئة ويسألونها من الذي نام معها، وستفقد سمعتها الطيبة التي تجعل من حولها يُشفق عليها ويعاملها كطفلة مسكينة.
منذ تركت منزل أبيها في بولاق الدكرور وهي تنام في الشارع، تفرش كرتونة وتنام، وفي أيام الشتاء تتغطي بكرتونة أخرى، يحميها العسكري الذي يحرس المنطقة المجاورة، لذلك لم تحدث لها حوادث اختطاف أو اغتصاب كما حدث لبعض زميلاتها من البائعات اللاتي يعشن في الشارع، واحدة من صديقاتها اختطفها بعض الشباب في سيارة، في أحد الأيام، كان ذلك في منتصف الليل، كانوا خمسة من الشباب، ذهبوا بها إلى بيت أحدهم، وقاموا بعمل " حفلة عليها" فقد مارسوا الجنس معها، وأخذوا يضربونها، ويسبونها، ولم تنفع توسلاتها وبكائها في أن تجعلهم يرحموها، وبعد أن انتهوا منها رموها في الشارع الذي أخذوها منه، لم تستطع إبلاغ الشرطة، فهي لا تعرف المكان الذي أخذوها فيه، ولا تعرف أسماءهم، كما أنها في نظر الشرطة فتاة متسولة، ولا أحد سيلتفت إليها، وعندما تدخل قسم الشرطة أكيد سوف يحتجزونها بتهمة التسول.
عزة لم تكن ترغب في أن يكون هكذا مصيرها، أن تكون فتاة شارع متسولة، لكن هذا هو قدرها الذي حدد لها منذ أن كانت في رحم أمها، فقد كانت جنينا في بطن أمها عندما أحبت أمها رجلا آخر غير أبيها، وتركته لأجل هذا الرجل، هي لا تعلم تحديدا متى أحبت أمها هذا الرجل، لكنها تعرف أن أمها تشاجرت مع أبيها وهي حامل بها، وقالت له أنها تُحب رجلا آخر وأن الطفل الذي في أحشائها منه، ورغم ذلك انتظرت حتى تلد، ثم بعد أن أتمت عزة أربعين يوما تركتها لزوجها ورحلت، لم ترٍَ عزة أمها أبدا.
عندما بدأت تعي الحياة عرفت أن لها أخ وأخت من أمها التي هربت، كان أبوها قد تزوج من أخرى، سيدة طيبة تعاملها بحنان، ورغم أنها أنجبت من أبيها أطفالا آخرين إلا أنها كانت تعطف عليها، خاصة وأن أبيها كان يتعامل معها بقسوة، ويضربها كثيرا ويطردها من المنزل، وكان كلما يطردها أبيها، تنتظر زوجة أبيها حتى ينام وتفتح لها باب المنزل، عزة لم تكن تعرف إلى أين تذهب فهي لا تعرف لها أهلا آخرين غير أبيها وزوجته وأخواتها، كما أن زوجة أبيها كانت تشفق عليها لأنها أيضا كانت هاربة من أهلها، وتعرف مرارة العيش بدون أهل.
في أحد الأيام ملت عزة من عنف أبيها وقررت عدم العودة، قالت في نفسها أنها ربما تقابل أحد يُشفق عليها ويرحمها من كل هذه القسوة، نزلت إلى وسط البلد، حكت قصتها لبائعة مناديل قابلتها بالصدفة، علمتها البائعة كيف تبيع المناديل هي أيضا وعرفتها على باقي البائعين في المنطقة والذين أظهروا رحمة بها، لصغر سنها، كانت وقتها في 13 من عمرها، ظلت تُحافظ على نفسها من إغواء الشباب، وتطلب الحماية من أصدقائها، حتى أقنعها أحد أصدقائها في يوم من الأيام أن تأتي معه، اصطحبها إلى الجراج الذي يعمل به وينام فيه، شاركته في تدخين البانجو، وغابت عن الوعي، استيقظت وقد فقدت غشاء بكارتها، لا تتذكر ما حدث بالفعل، لكنها عرفت أنه كان يتعمد فعل ذلك لينام معها، تشاجرت معه وطلبت منه أن يتزوجها، رفض، هي في النهاية ضعيفة ولا تستطيع إجباره على شيء، طلبت منه ألا يخبر أحدا بما حدث حتى لا يتجرأ عليها الشباب ويطلبون أن يناموا معها، التزم بذلك فقط.
ازداد رعب عزة بعد أن فقدت غشاء بكارتها، كانت تعرف أنها إذا ظلت محتفظة به فذلك يعني أنها ربما تستطيع التزوج وتغيير مصيرها، الآن هي ستظل هكذا طوال حياتها، بلا بيت، وبلا رجل يحميها ويُنفق عليها، أحد البائعين عرض عليها أن يُساعدها، ويرحمها من النوم في الشارع، قال لها أنه سيأخذها إلى بيت أهله الذي يُملكونه وستعيش معهم، على أن تقوم ببعض الأعمال المنزلية لهم، حتى ترضى أمه أن تبقيها، ذهبت معه، لأنها تريد أن تنام تحت سقف، أخذت تقوم بأعمال المنزل وأم صديقها محمد تعاملها كخادمة وكذلك أخواته، لم تهتم بذلك طالما تجد طعاما وبيتا يؤويها.
في الليل بدأ محمد يتسلل إليها، يلمس جسدها، ويغويها، رفضت لكنه بعد عدة محاولات هددها بأن يطردها من المنزل، استسلمت له فهي ليس لديها شيء لتخسره.
-إيه دا إنتي مش بنت، أمال عاملة لنا شريفة وأي حد يعاكسك تبهدليه؟.
-أنا خفت أقولك، بس والمصحف الواد عبد الشافي هو اللي ضحك عليا منه لله، في مرة قاللي تعالي نشرب سيجارة بانجو وأنا طاوعته صحيت لقيته نايم معايا ابن الكلب.
-يا سلام هاصدقك أنا، تلقيكي إنتي اللي طاوعتيه وكنتي مبسوطة.
-لا والمصحف، أنا افتكرت سيجارة وخلاص هو اللي ضحك عليا وخدرني.
- أمال ما قولتليش ليه وأنا كنت أضربلك أمه.
- خفت أتفضح والناس كلها يتجرأوا عليا، وهو منه لله ما رضيش يتجوزني، قلت استر نفسي علشان أعرف أعيش في الشارع، ما أنا ممكن كنت ما أقولكش وأضحك عليك، يعني إنت كنت ها تعرف، كنت أعور نفسي وأقولك دم أهو.
-يا سلام وأنا بقى عبيط.
تبكي عزة بشدة.
-والمصحف أنا غلبانة وطالع عيني من ساعة ما أتولدت ومش عارفة إمتى هارتاح يا ربي.
- طب خلاص يا بت ما تتسهوكيش.
- والمصحف ما باتسهوك أنا صعبانة عليا نفسي ومش عارفة أعمل إيه، مش لاقية حد يحميني.
-أنا راجلك وهاحميكي وأي حد ما يستجريش يقربلك.
ظلت تضاجع محمد في الليل بعد أن ينام أهله، إلا أن اكتشفت أمه ذلك وتشاجرت معها وطردتها من المنزل، رجعت للنوم في الشارع مرة أخرى، ثم أصبحت بطنها تكبر وهي لا تفهم ماذا يحدث لها، في البداية ظنت نفسها مريضة لكن صديقة أكدت لها أنها حامل، ذهبت إلى محمد وأخبرته بالأمر، لم يبدِ أي اهتمام وحاول التنكر لها، وعرفت هي أنها لو أظهرت القوة سوف يُصر على تنكره، فهي في النهاية ضعيفة ولن تقدر عليه، وإن فضحت أمره أيضا لن تحصل على شيء، فالكل سوف يُحملونها هي الخطأ لأنها سلمت نفسها له، خاصة إذا أخبرهم أن عبد الشافي هو من أفقدها عُذريتها.
تعاملت معه بضعف، وألحت عليه ألا يفضحها، وقالت له أن ابنه في بطنها فكيف يستطيع أن يتخلى عنه، استجاب محمد لها ووعدها أن يؤجر لها شقة لتعيش فيها، ويتزوجها أيضا، لكن عندما تتحسن ظروفه، أوهمته أنها تصدقه، وظلت تُطيعه وتعامله بضعف حتى يُنفذ وعده لها، وظلت تنام في الشارع وبطنها تكبر وهي تخفيها بعباءة واسعة.
في أحد الأيام تعرفت على سيدة تدعى منال، أخذت تسألها عن حياتها، صارحتها بكل شيء، فوعدتها بأن تساعدها، تشبثت بها كغريق، وذهبت معها إلى الجمعية التي تعمل بها، كشف عليها الطبيب وطمأنها على صحتها، وقال لها أن موعد ولادتها قد اقترب، حين شعرت بآلام الولادة هاتفت منال، ذهبت إلى مستشفى الجلاء، كانت الآلام مرعبة، لا تستطيع تحملها،كل الأطباء أخذوا يعنفونها لصغر سنها، وعرفت منال كيف تتعامل بخصوص الأوراق المطلوبة منها، ودفعت لها كل مصاريف الولادة.
بعد أن أفاقت عرفت أنها ولدت فتاة، كانت مثل القمر في حلاوتها، احتضنتها، وظلت منال بجوارها لترشدها كيف تتصرف، شعرت وقتها أن منال هي أمها، أرضعت الطفلة وهي تضحك في طفولية، زارها محمد، وفرح بطفلته جدا، أخذ يحملها وهو مندهش، وقال لها أنه أجر شقة لها في منطقة فيصل، وأنه سيتزوجها، لكن لأنها ساقطة قيد سوف يكتب ورقة عرفية حتى تستطيع العيش معه دون مشاكل.
تكفلت الجمعية بحل مشكلة الأوراق وساعدوها في أن تتزوج محمد بشكل رسمي، وهو طلب منها ألا تبيع مناديل مرة أخرى وتتفرغ لتربية الطفلة، وهو سيتكفل بالإنفاق عليها، لم يقبل أهله بزواجها منه، لكنها لم تهتم يكفيها أنه معها.
أحيانا يعاملها بقسوة، ويجهدها في أعمال المنزل، ويعايرها أنه "لمها من الشوارع"، لكن لا بأس فكل النساء المتزوجات يتعرضن للمعاملة القاسية من أزواجهن، فهي راضية لأنها أخيرا أصبحت ست بيت ووجدت رجلا يحميها.


يناير 2007
بقى لي في عملي مع " فقيرة" علاقتي الطيبة مع مليحة، وكذلك مع حكمت فأنا لم أخسر حكمت ولم أدخل معها في مواجهات، وركزت على تكثيف عملي، حتى أُثبت نفسي أصبحت أعمل 11 ساعة، أذهب إلى العمل في الصباح ثم أذهب إلى الميدان مساء، حتى أني قبلت بالذهاب إلى أحد البارات في وسط البلد بصحبة منال، والتي كانت أكثر جرأة مني، ورغم أن برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز قد وعدنا بعمل كارنيهات باسم المشروع تجنبا لأية مضايقات أمنية قد تحدث لنا في أماكن تجمعات فتيات الليل إلا أن هذه الكارنيهات تأخرت كثيرا.
ذهبت ومنال إلى بار في وسط البلد، كانت هذه أول مرة أذهب فيها إلى بار، كنت خائفة، طمـأنتني منال وأخذت تتحدث حتى تخفف من توتري، دخلت إلى قاعة واسعة مظلمة، جلست على مائدة جانبية، كان المكان يخلو من الزبائن ومن الفتيات أيضا، اندهشت.
- إيه ده دا فاضي!.
- آه ، الزباين بيبتدوا يجيوا بعد شوية إحنا جايين بدري.
- بدري إيه الساعة 7.
- ههههههه سبعة دي بدري دول بيسهروا للصبح، علشان إنتي ظروف وقتك والبيت أنا جيت بدري معاكي.
- طب وبعدين هانعرف نكلم بنات؟.
- آه ما تقلقيش يمكن نلاقي واحدة ولا أتنين.
ظللت متحفزة، خاصة مع ظلمة الصالة، حيث أن البار به مكان للرقص مفروش بسجادة حمراء يأتي منه نور خافت، والهدوء يعم المكان، ثم فجأة دخل ثلاثة رجال، وقال أحدهم لنا:
- قوموا معايا.
نظرت لمنال وجدت وجهها شاحبا فارتعبت، لم أكن أفهم ماذا يحدث.
- بطاقتك إنتي وهي.
- إحنا شغالين في جمعية بتساعد الستات.
- جمعية إيه؟.
- جمعية بتساعد الستات.
- طب وإيه اللي يقعدكوا في البار؟.
- علشان إحنا بنقدم خدمات قانونية للستات اللي ظروفهم وحشة.
هاتفت منال أستاذ فايز محامي الجمعية، في حين هاتف الضابط رجلا آخر وطلب منه الكشف عن بطاقتي وبطاقة منال، ثم طلب أستاذ فايز من منال أن تُعطي الهاتف للضابط، ظل الضابط ينظر إلينا في احتقار مختلط بشك إلى أن شرح له أستاذ فايز الأمر، ولم يتركنا إلا بعد أن تأكد من خلو سجلنا من أية جرائم.
خرجت وأنا أرتعش من داخلي وحاولت منال تهدئتي.
- يا لهوي يعني إحنا معرضين نروح القسم وممكن نتسجن كمان؟.
- لا قسم إيه ما إنتي شفتي سابنا لما فايز كلمه.
- والنبي طب افرض وقعنا في ظابط رخم وخدنا على القسم.
- يا ستي ما تقلقيش إنتي طلعتي جبانة.
- ليه يعني إنتي ما خفتيش دي مصيبة، أنا مش عارفة هما مش راضيين يطلعوا لنا الكارنيهات ليه، وحكمت كمان مش مهتمة، لو هي اللي بتنزل للخطر زينا ما كانتش كبرت دماغها.
- يا ستي روقي إنشاء الله خير.
دخلت منزلي وأنا مازالت خائفة، لم أجرؤ على إخبار أمي، تناولت طعامي ونمت، في العمل في اليوم التالي كانت تلك الواقعة محور الحديث بين المنسقات فقد انتقل إليهن الخوف، مليحة أخذت تُخفف من حدة الحدث حتى لا يُؤثر ذلك على العمل الميداني وخطتها في تكثيفه.
ارتعبت أكثر مع إصرار حكمت ومليحة على التقليل من شأن الحدث، فاحتمالية أن يقبض علي بوصفي فتاة ليل أصبحت قريبة، وقتها سأخسر أهلي وأوصم طوال العمر، وأخسر فرصتي في زواج اجتماعي مقبول، حكمت أصبحت أكثر تخوفا هي الأخرى من داخلها، فهي أيضا لها مخاوفها، مخاوف من أن تغلق جمعيتها ويتم سحب الترخيص بسبب هذا المشروع المشبوه، أو توصم هي أيضا بأنها تتعامل مع فتيات ليل في جمعيتها وتُسهل عملهن، وتظل تلك الحادثة ملتصقة بها وببناتها، كما أنها تخاف أكثر من فقدان مبلغ التمويل والذي جعلها تتفرغ تماما لجمعيتها وراكم رصيدها في البنك، عرفت ذلك من سامي فقد حكي لنا أن حكمت قلقة هي أيضا لكنها لا تستطيع وقف العمل الميداني لأنه من ضمن شروط العمل مع مؤسسة التمويل.



قصة رقم (12)
سميحة
في إحدى المشاجرات الكثيرة قررت أن تضرب زوجة أبيها، لقد ملت من جبروتها، أمسكت ب"الشبشب" وأخذت تضربها بعنف، وسط صراخ زوجة أبيها وإلحاح أختها الصغيرة في أن تتوقف، جمعت ملابسها في فورة غضبها وارتدت ملابس الخروج وخرجت من المنزل بلا رجعة، لم يهتم أحد من الجيران بتفقد الأمر لأن زوجة أبيها معتادة على التشاجر معها بشكل يومي، أختها الأصغر أكثر طاعة لذا فهي لا تتشاجر مع زوجة أبيها كثيرا، ذهبت إلى موقف الميكروباصات، سوف تنزل إلى القاهرة، ملت من قريتها، في القاهرة فرص عمل كثيرة وأرض الله واسعة مثلما يقولون.
فكرت كثيرا في الهرب من المنزل لكنها كانت تتراجع، تخاف من التشرد، وليس لديها شهادة لتعمل بها، فقد امتنع والدها عن تعليمها هي وأختها بعد موت أمهما واهتم بزوجته الجديدة، الآن أصبحت لا تطيق العيش في هذا البيت، زوجة أبيها سليطة اللسان، وتريد منها أن تكون خادمة، حتى أنها تعطيها طعاما أقل هي وأختها وتجعلهما تعيشان في بؤس.
ذهبت إلى القاهرة، في ميدان رمسيس، إلى أين ستذهب، لا تعرف أحدا هنا، ركبت ميكروباصا دون تفكير ، ذهب بها إلى منطقة لا تعرفها، حدائق القبة، انزوت في إحدى الشوارع مكومة حقيبة ملابسها بجوارها، فتاة في عمر العشرين بيضاء وجميلة، ظلت هناك إلى أن حل المساء، تكسو ملامحها الحيرة والخوف، وعندما رآها شاب كان يصلي في جامع قريب استغرب جلستها خاصة وأنها تستند على الحائط في توجس، عرف منها قصتها وأخذها عند أهله، أرجعتها أسرة الشاب إلى والدها رغم أنها قالت لهم أنها لا تريد أن تعود، وحكت لهم عن زوجة أبيها القاسية، وقتها وقعت سميحة في غرام هذا الشاب، شعرت بطيبة قلبه وحنانه نحوها.
بعد أيام قليلة من عودتها إلى بيت أبيها أتت أسرة الشاب تطلبها للزواج، فرحت، وتخيلت أنها ستتزوج بمن أحبته، لكنهم طلبوها لأخيه الأكبر، موظف حكومة، ليس في وسامة أخيه أو طيبته، زوجها أبيها، وقبلت هي لأنها لم يكن لديها رأي فأبوها هو صاحب القرار، عاشت في منزل الأسرة، في شقة تخصها، ظلت لفترة أسيرة حبها لزوج أخيها لكنه لم يستجب لها، ارتضت بقدرها رغم أنها لم تحب زوجها، لأنه بخيل، ويعطيها أموال قليلة، ولا يهتم بأي شيء سوى بنفسه.
عاشت معه سنوات طويلة أنجبت منه صبي وفتاتين، اضطرت للنزول للعمل مع دخول أولادها للمدارس حتى تستطيع تربية أطفالها، ولأنها بلا شهادة عملت راعية لمسنة، في أحد الأيام لاحقها أحد الرجال أثناء ذهابها للعمل، ظل يسير ورائها بسيارته، صدته وتعاملت معه بعنف، أخذ يًُلاحقها لعدة أيام، وظل يُلح حتى تقابله في كافيه، قابلته وأعجبها أن تكون جذابة حتى بعد أن أنجبت ثلاثة أطفال و أجهد جسدها العمل الشاق:
- إنتي قمر بس إنتي اللي مش عارفة قيمة نفسك.
- والنبي أنا عجزت من الهم.
- ماتقوليش كده أنا أشيل عنك الهم واستتك كمان.
- هههه تستتني إزاي بقى؟.
- أرحمك من الشغل والشيل والحط وهاديكي مرتب شهري.
- مرتب إيه؟.
- مرتب وتبطلي شغل.
- طب وإنت هاتستفيد إيه؟.
- تبقى شغالة عندي أنا، تقعدي معايا طول النهار، نتفسح سوا نلعب سوا نحب بعض.
- لا يا اخويا أنا مش واحدة من إياهم.
- يا عبيطة لو إنتي واحدة من إياهم أنا هاجري وراكي ليه، إنتي صعبتي عليا وعايز أساعدك، وكمان أنا بصراحة حبيتك من أول ما عينيا وقعت عليكي.
- يا سلام وحبتني ليه بقى؟.
- حبيتك علشان قمر بيضا وقشطة وجسمك ملفوف، وكمان عجبني إنك بتتكسفي ومحترمة نفسك، وكفاية إنك شقيانة علشان خاطر عيالك وشايلة مسئولية بيتك.
ظل يلح عليها ويلاحقها، حتى انصاعت له، أحبت فكرة أن ترتاح من العمل الشاق، وتأخذ نقودا دون مجهود، لكن فكرة أن ترافق رجلا آخر وهي متزوجة وأم ظلت تُقلقها، عرف هو أن ذلك ما يؤخر موافقتها فأخذ يبرر لها أنه يحبها، وأنها ضيعت سنوات شبابها مع رجل لا يهتم بها ولا يعطيها حقها بل يستغلها ويستغل مجهودها ونقودها لتربي له أطفاله، كما أخذ يعلي من شأن أمومتها ويغريها بأن يساعدها في أن تربي أطفالها وتحسن تعليمهم.
استسلمت له وأحبته لأنه هو من سيساعدها على تخطي صعوبة الحياة، كانت تقابله يوميا، هو أيضا متزوج لكنه غير سعيد في زواجه، بسبب أن زوجته نكدية على حد قوله كما أنها ليست في جمالها ورشاقتها، كانت سميحة وقتها قد دخلت الثلاثين، استمرت معه سبع سنوات، تقابله في شقة استأجرها لها في مدينة نصر، وأحيانا كثيرة يخرجان للجلوس في كافيهات أو لمشاهدة بعض الأماكن، لم يعرف زوجها شيئا ولم يُلاحظ، طالما أنها تنفق على البيت وترحمه من المطالبات المالية، وتتولي مسئولية رعاية الأطفال وتعليمهم، حتى بعد أن قللت من ممارسة الجنس معه لم يهتم، أحيانا يقترب منها وهي لا تمانع، هو بالنسبة لها ستار يحميها من عيون الناس، فالمرأة المتزوجة لها حماية من أقاويل الناس أكثر بكثير من المُطلقة، وهي لم تفكر في الطلاق، أين ستذهب، هذا هو بيتها وبيت أطفالها وزوجها لا وجود له ، فهو شبح يعيش معها.
بعد أن وصلت سميحة ل37 بدأ رجلها يعزف عنها، أحس أن جسدها بدأ يشيخ، وحتى رغبتها الجنسية تنطفئ، وجد فتاة أكثر شبابا وترك سميحة لأجلها، لم تصدق سميحة ما يحدث، ظنت أن السنوات التي قضتها معه جعلته لا يستطيع الاستغناء عنها، هي كانت تعتبره زوجها وحبيبها، ظلت لأيام ضحية للصدمة، ما كان يقلقها أكثر هو كيف ستنفق على أطفالها، فهو كان يعطيها مرتبا كبيرا يكفي متطلبات أطفالها الثلاث، ظلت تائهة لا تعرف ماذا تفعل، لن تستطيع القيام بعمل شاق مرة أخرى، لقد اعتادت على الرفاهية، الراحة والجلوس في الكافيهات الفخمة، واحتساء العصائر ومعاملة الناس لها باحترام، كيف سترجع كخادمة سواء لمسنة أو لغيرها، لم يعد جسدها في لياقته السابقة، وأطفالها كبروا ويحتاجون أكثر ما يوفره مرتب خادمة، استجمعت قواها، فهي ليس لديها وقت للانهيار، وزوجها مهما فعلت لن يُسعفها حتى مع زيادة مرتبه وسنوات خدمته في الحكومة، فقد اعتاد على الاعتماد عليها ماديا.
قررت أن تبحث بنفسها عن رجل يكفلها، فلعبة الإغواء هي ما تبقت لها، بدأت بالفعل في إغواء أحدهم وأصبحت أكثر قوة في فرض شروطها، سترافقه على أن يكفل لها راتبا شهريا، هي تكتفي بذلك مرافقة رجل لفترة من الزمن على أن يُنفق عليها، تختار من يملك سيارة ويكون كبير في السن، فمن يملك سيارة سيكون قادر ماديا على إعالتها، وتختار كبير السن لأنه سيراها شابة بالنسبة له، حتى بعد أن دخلت سن الأربعين وتهدل جسدها وامتلأ، لكن بياضها مازال مطلوبا، كما أنها تُطور من أدائها الجنسي دائما لتُعوض ذلك.
لا أعلم كيف تعرفت سميحة على الجمعية، ومَن جلبتها من المنسقات الميدانيات، غالبا هي منال لكن لا أتذكر جيدا كيف جلبتها، خاصة وأن سميحة لا تعتبر فتاة ليل بالمعنى الشائع، فهي تحتقر فتيات الليل، وترى أنهن عاهرات، لاحظت ذلك من انزواء سميحة وابتعادها عن التعرف على الفتيات في أية احتفالية تقوم بها الجمعية أو أي تدريب، استطاعت سميحة فقط أن تتعرف على الفتيات اللاتي يشبهنها، المتزوجات ولديهن أطفال والممتلئات في الجسم والذي يبدوا من مظهرهن أنهم ربات بيوت.
تنفر من الفتيات المتأنقات أو النحيفات أو اللاتي يستخدمن ألفاظ بذيئة في حديثهن اليومي، ورأيتها في أحد الأيام وقد أحضرت ابنتيها لأنها كانت حفلة لا تتكلم عن فتيات الليل أو أي شيء له علاقة، فتاتان في عمر المراهقة محجبتين كأمهما ويشبهونها، خجولات ولا يتكلمن كثيرا، وسميحة تبدو كأم صارمة ومتحكمة، أم عادية كاللاتي نراهن كل يوم، وعندما بدأت إحدى الفتيات في المزاح بألفاظ نابية انفعلت سميحة بسبب حضور بناتها ورحلت وهي تؤكد على ضرورة احترام الأدب.
حتى عندما حكت عن تجربتها لم تستخدم أية ألفاظ صريحة، وكانت دائما خجولة في شرح تجربتها، محجبة وترتدي ملابس محتشمة، وعينيها طيبة، فقط مرة واحدة تغيرت ملامحها، كانت في المقر بوسط البلد، وكانت قد مر على ترددها على الجمعية سنتان وأصبحت تتعامل على أنها صديقة للجمعية، وقتها أخذت تضحك وتعطي تليفون أحد الرجال لفتاة أخرى صادقتها من الجمعية.





يناير 2007
ظلت مليحة على إصرارها في انتظام العمل الميداني وانتظام العمل في الدراسة، فرغت الجلسات المتعمقة لفتيات الليل، وساعدت مليحة في كتابة بعض من الدراسة وكانت مليحة تُطلعني على ما تقوم بعمله في هذه الدراسة، والتي كانت من أهم مخاوف حكمت، ففكرة نشرها في مصر أمر خطير لأنها ستثير ضجة كبيرة، وسيتجمع الجميع ضد جمعيتها، التيار المتدين الذي ربما يلاحقها ويؤذيها وباقي أفراد الفريق، والشرطة التي ستكذب وجود بغاء في البلاد وستتهمها وربما تسجن من جراء ذلك، أخذت وعدا من برنامج الأمم لمكافحة الإيدز ألا ينشروا الدراسة في مصر وأن يستخدموها عندما تطبع داخل مجال عملهم الإداري أو خارج مصر.
نسبت مليحة لنفسها الفضل في عمل الدراسة وقامت بعمل مقدمة طويلة وتحليل للنتائج دون أن تعترف بفضل المنسقات وعملهن على إتمام الجلسات المتعمقة، كما حرصت حكمت على إخفاء أية أوراق متعلقة بالدراسة عنا لأنها دوما كانت تتملكها الهواجس بأن واحدة من المنسقات ستأخذ فكرة المشروع وستعمل عليه وتجلب عليه تمويلا، حتى أنا التي فرغت الأشرطة لم أحتفظ بأية ورقة عنها وكنت دوما مراقبة من حكمت حتى لا أحتفظ بأي شيء عن الدراسة.
مر عام على العمل وقررت " فقيرة" عمل حفل تعرض فيه المشروع الذي قامت به وتعرض الانجازات التي حدثت وذلك بحضور ممثلين عن عدد كبير من الجمعيات الأهلية، وقبلها فكرت مليحة في عمل فيلم تسجيلي قصير عن المشروع يعرض في هذه الحفلة ويكون لدى برنامج الأمم المتحدة، فكرة الفيلم اعتمدت على تقديمنا نحن المنسقات لعملنا، حجزت مركب في النيل وطلبت منا تسجيل بعض الجمل عن عملنا لكننا جميعا توترنا ولم نستطع الصمود أمام الكاميرا واضطرت مليحة إلى التخلي عن فكرة عمل الفيلم التسجيلي.
يوم الحفلة تكلمت حكمت ونسبت لنفسها كل الانجازات والتي في الواقع حدثت نتيجة عمل مضني وساعات عمل طويلة للمنسقات الخمس واللاتي أصبحن أربعة برحيل شيرين، فحكمت كانت تذهب إلى بيتها في الرابعة عصرا لتذاكر لأولادها ونحن كنا ندور في الشوارع وحتى في أيام إجازاتنا في أماكن تجمعات فتيات الليل الخطرة للتعرف على الفتيات وجلبهن إلى الجمعية، وحكمت هي من حصدت الفضل المادي والمعنوي كذلك مليحة فعلت، لكن مليحة وبشكل فعلي قامت بعمل أكثر تنظيما وكانت لها جهودها في إدارة عملنا كما أنها في بعض الأحيان كانت تنزل معنا إلى الميدان.
تكلمت منال وهاجر بضع دقائق في الحفل لأني و سهير كنا الأكثر توترا ولم نستطيع مواجهة الجمهور، لكني ساعدت مليحة في تنظيم الحفل بكل تفاصيله، كما حضرت ممثلات عن الجمعيات النسوية التي رفضت المشروع منذ البداية وتبادلن التهاني مع حكمت.
بدأت أشعر بالاطمئنان زالت مخاوف كثيرة وشعرت أني أكثر استقرارا برضا مليحة عني، خاصة مع نية استمرار المشروع سنوات أخرى حسب ما خطط برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز، عرفت أني سأستمر في العمل أنا وباقي المنسقات، لكن ظهرت تحديات جديدة، فقد فكرت مليحة في عمل مقر ثان للمشروع في منطقة وسط البلد، وفكرت في تعيين منسقتين إداريتين للمشروع كل واحدة في مقر، ولأنها تتعامل بفوقية مع المنسقات الميدانيات وترى أننا مجرد عاملات ميدان قررت قبول فتيات يجدن اللغة الانجليزية وخريجات مدارس لغات.
وبالفعل تم قبول فتاتين الأولى تدعي ريهام والثانية حسناء، وآثارنا ذلك، فقد شعرنا أننا أحق بهاتين المهنتين فحن من أوصلنا المشروع لنجاحه ولا معنى لشروط اللغة ومدرسة اللغات، إلا إذا كان البرنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز والذي يدعي خدمة المهمشين ومناصرتهن يتعامل بشكل طبقي هو أيضا، ويرى أن هناك تراتبية علمية يقبل على أساسها الموظفين لديه.
حاولت حكمت تخفيف حدة الغيرة لدينا لكنها مع ذلك لم تخفف من تعاملها المزدوج، فقد كانت تتعامل مع المنسقتين الجديدتين باحترام شديد، في الوقت الذي استمرت فيه في الضغط على المنسقات الميدانيات وإهانتهن، كذلك كانت مليحة تفعل وامتد الأمر لطريقة تعامل المنسقتين الجديدتين واللتين كانتا تتعالى علينا أيضا.












فبراير 2016
يجري ورائي شخص ما، لا أتبين ملامحه لكني أعرفه وأخاف منه، يمسك بسكين، ينتوي ذبحي وأنا أظل أصعد سلالم، واختبئ وراء أبواب، وهو رغم ذلك يستطيع اللحاق بي، يمسكني أخيرا ويهيئ رقبتي للذبح وأنا فزعة، تأتي فتاة أخرى ملامحها غريبة تنقذني من يديه، تواجهه بجرأة وتأخذ السكين من يديه بالقوة، أتنفس بصعوبة وأنا لا زالت أشعر بالخطر.












قصة رقم(13)
هيام
- هاتدفع كام؟.
- 30.
- لا قليل.
- لا حلو كده.
- لا خليهم خمسين.
- هما 30 واعوضهالك المرة الجاية إحنا هانروح من بعض فين.
- ماشي.
ذهبت معه إلى بيته، قضت معه ساعة، ورجعت لا تعرف ماذا ستفعل؟، تبحث عن زبون آخر لهذا اليوم، أم تستأنف عملها في عرض السلع على الموظفين في المصالح الحكومية، سوف تستأنف عرض السلع ربما يقابلها زبون بالصدفة وهي تفعل ذلك، لا تجلب زبائنها من موظفين الحكومة فقط، ممكن أن تقبل بأي زبون، جيران أمها، أو أي رجل عابر في الشارع، هي لا تحب الجلوس في الكافيهات، ولا تعرف البارات أو الملاهي، ولا تُريد أن تعرف، فهي تخاف من الظهور ومن أن يُفضح أمرها.
لديها طفل صغير وزوجها مريض بالغضروف، العمل بالبناء قضى على ما تبقى له من صحة، لم تندم أبدا أنها تزوجته، فهو طيب ويحبها، عاندت أهلها لتتزوجه، أو ربما فعلت ذلك فقط لتنتقم من أمها التي لم تحبها أبدا، فقد أنجبتها وتركتها وسافرت إلى الخليج لتعمل ممرضة هناك وتركتها هي وأخيها الأكبر لأبوهما، كانت الأموال أهم لديها من ابنتها، قضت أهم سنوات طفولتها دون أم، حتى عندما سافروا لها وعاشوا معها هناك وكان عمرها أن ذاك 6 سنوات لم تهتم بها أيضا، وإنما انشغلت بإنجاب أشقاءها الخمس الآخرين، وحملتها هي عبء تربيتهم، أصبحت بديلة لأمها التي لم تشبع أبدا من الأموال مهما كدستها.
لا تتذكر أن أمها كانت حنونة معها، لذا هي تحاول أن تكون أما حانية مع ابنها الوحيد، وتوفر له كل شيء، تُحب أباها فهو الذي رباها، لكنه مع ذلك لم يمنع عنها ظلم أمها وكراهيتها، فقد اهتمت بتعليم كل أبنائها ووصلوا إلى التعليم الجامعي، إلا هي تربية أخواتها كانت عبئها الأكبر الذي جعلها تفشل في التعليم، وتحصل بالكاد على دبلوم تجارة، حتى عندما رجعوا مرة أخرى إلى مصر ظلت أمها تسافر وتترك أخواتها في مسئوليتها.
عندما تقدم لها ابن عمها عامل البناء وافقت على الفور رغم رفض والدها ووالدتها، هو يُحبها منذ كانا صغيرين، رغم أنه يعيش في المنيا إلا أنه كان يؤكد أنه يحبها، قررت أن تتزوجه لتتخلص من الحياة مع أمها، هددتها أمها أنها ستقطع علاقتها بها ولم تهتم، تزوجته رغم أنفها، وعاشت معه في بيت أهله بالمنيا، لكن حدثت خلافات، أمه كانت تريدها خادمة، تعاملها بشكل سيء وتُجبرها على خدمتها وخدمة أولادها، ولا تشعر بالخصوصية في بيتها، تتناول الطعام مع العائلة وتطبخ للعائلة وتخدم العائلة، وزوجها ليس له رأي في أي شيء.
أصرت على الخروج من منزل أهله، وطلبت منه أن يؤجر لها شقة في أي مكان، ذهبا إلى دمياط، وأجرا شقة وعمل هو في البناء، لكنه مرض وأصبح لا يقوى على العمل، واضطرت هي إلى أن تعمل واتخذت قرارها بأن ينزلوا إلى القاهرة، أجروا شقة في المرج، ولم تطلب من أمها أية مساعدة مالية رغم أن أمها تملك أموالا كثيرة، لأنها تعرف أنها لن تُساعدها، لأنها لازالت تلومها على زواجها من ابن عمها.
قررت النزول للعمل، عملت أول الأمر سكرتيرة في جريدة مغمورة، ثم عملت مربية في مأوى للأطفال اليتامي، كانت وقتها قد أنجبت طفلها، وكانت تضطر للمبيت في هذا المأوى أيام الأسبوع ما عدا يوم الخميس، ثم فكرت أن تعمل بمفردها، تجلب السلع من الموسكي وتلف على قدميها في الشوارع وعلى المصالح الحكومية لتبيعها، وما تربحه تنفقه على زوجها وابنها، أقنعتها صديقة لها بذلك، وكانت الاثنتين تقومان بجولاتهما معا، أثناء عملها في بيع السلع قابلت معاكسات كثيرة، وكانت تصدها، وترفض أية محاولة للإغواء، لكن الرجال كانوا يقولون لها أنهم سيعطونها أموالا مقابل النوم معها، أصبحت هي وصديقتها يستجيبان، تتعاطي في المرة من 30 إلى خمسين جنيه، أو قد ينفق عليها اًحدهم ويعطيها مبلغا شهريا.
مع الوقت تجرأت وأصبحت هي من تصطاد الزبائن، سائق ميكروباص تظل تنظر إليه فيستجيب لها، وقد يجلب لها أصدقاءه، لا تمانع إذا كان هناك عدد من الرجال، في أحد المرات ذهبت مع رجل وأحضر خمسة من أصدقاءه، فذلك يعني أموالا مضاعفة في وقت أقل، لكنها مع ذلك قد تتعرض لبعض العنف، في إحدى المرات بال أحد الرجال فيها، وعندما اعترضت وسألته لماذا فعل ذلك سبها وكاد يضربها لولا تدخل أصدقاءه.
مرة أخرى رفض أحد الزبائن إعطاؤها أموالها، وعندما غضبت تشاجر معها وخطف هاتفها المحمول وأخذ يسبها بصوت عالي حتى يفضحها، لم تخاف منه وأصرت على أن تأخذ هاتفها وأموالها، وتجمعت الناس حولها ليعرفوا سبب المشاجرة، ناصرها أحد الرجال عندما وجد الزبون يضربها بعنف.
- فيه إيه يا بني بتضربها ليه؟.
- دي بنت... عايزة تاخد أجرتها وأنا مش هاديهالها.
- أجرتها إيه؟.
-أصلها شر.. وأنا نمت معاها وعايزة الأجرة.
- استغفر الله العظيم ..ربنا يرحمنا، طب ما تديهالها مش إنت اتفقت معاها، يعني إنت فاكر نفسك أحسن منها.
- آه أنا أحسن منها ومش هاديها حاجة وكمان هاخد موبايلها علشان قلت أدبها عليا.
- يا بني ما تاكلش عرق وليه، مش كفاية عامل ذنب لا وعايز تفتري عليها.
أعطاها الرجل الهاتف والأموال، مشت وهي مستاءة، ونظرات الناس لها توجعها، جاء اليوم الذي أصبحت فيه امرأة محتقرة، لم تهتم ولعنت الزبون، لو لم تكن ظروفها سيئة لما اضطرت إلى فعل ذلك، زوج مريض وطفل كيف ستطعمهم، لا أحد يهتم بمساعدتها حتى أمها الغنية، لا يوجد ذنب في الدنيا أكثر من ذلك، كلهم يتكلمون عن الشرف، لأن كل واحد بطنه ممتلئة، ولا يخاف من أن يأتي الغد دون أن يكون لديه طعام ليطعم أطفاله، الشرف فقط في أن يعيش الإنسان وهو يجد طعاما يأكله وحياة لا يخاف فيها من موت أطفاله وذويه من الجوع أو المرض.
أن تفتح ساقيها لأي رجل يدفع ليس هو الشر الوحيد في الدنيا، الشر الأكبر أن يوجد فقراء معدمين وأغنياء لا يشعرون بأي شيء سوى أنفسهم.
منذ كانت مراهقة كان يتم استغلالها، كانت تنام في نفس الغرفة مع أخيها الأكبر، كان ينتظر حتى يأتي الليل ثم يأتي لسريرها، يلمس جسدها، يُعريها ويمارس معها جنسا سطحيا، لم تجرؤ على منعه، أو الاستيقاظ والصراخ في وجهه، ماذا ستقول له؟، وماذا ستقول لوالدها أو لأمها الغائبة دوما؟، كانت تُضطر إلى التظاهر بأنها نائمة، وكان هو يفعل ذلك كل ليلة، حتى أنها كرهت وقت الليل، وكرهت أخيها وكرهت أمها.
منذ مراهقتها وهي تشعر أنها مذنبة لأنها صمتت على انتهاك أخيها لها ولم تفضحه، لكنها بالفعل لم يكن لديها الجرأة لو فعلت ذلك كانت أمها ستوبخها وتنحاز لأخيها الأكبر لأنه ذكر، وطفلها البكر.
هي لا تستمتع مع الزبائن، وتتمنى أن تجد عملا يريحها من هذه المهانة، والعنف ونظرات الزبائن، الذين رغم استمتاعهم بجسدها إلا أنهم يحتقرونها في عيونهم وفي الألفاظ التي ينعتونها بها وهم يضاجعونها.
حينما تعرفت هيام على جمعية "فقيرة" عرفت من خلال مخالطتها للفتيات هناك أن ما تتقاضاه من أجر ضئيل جدا، هناك فتيات يتقاضين في الساعة 300 جنيه ومنهن من تتقاضى أجرها بالدولار، في حين أنها تضاجع موظفين الحكومة المملين والصنايعية والسائقين، لكنها مع ذلك لم تطمح لتطوير مهنتها كما نصحتها بعض الفتيات، حيث أعطوها بعض النصائح كأن تغير ملابسها وتنزل في الوزن، وتضع مكياجا، وتهتم بشعرها، هي فقط أرادت مهنة ثابتة وبأجر معقول.
توسطت لها إحدى المنسقات للعمل في إحدى الجمعيات الأهلية، انتظمت في العمل، وحاولت إثبات أنها جديرة به، حتى أنها كانت تبذل مجهودا مضاعفا حتى بعد أن حملت بطفل آخر، وظلت متحملة مضايقات المديرة ومشاحنات العمل وصراعاته واستمرت فيه سنوات عدة، ولم تفكر أن تعود للمهنة مرة أخرى، بل أصبحت تقرأ بعض الكتب وتتعلم كيف تستعمل الحاسوب لكي تزيد من مهاراتها.




مارس 2007
دعيت الجمعية لتدريب قانوني على مبادئ حقوق الإنسان، وكان التدريب عبارة عن توعية قانونية مدة 3 أيام في أحد الفنادق الفاخرة، سينتهي باختبار وجوائز أولها "لاب توب" وأجهزة الكترونية.
تحمست حكمت للتدريب وقررت أن تذهب هي وفايز وتأخذ حسناء معها، وقالت لفايز أن حسناء هي من ستضمن فوز الجمعية بالجائزة الأولى، فهي فتاة ذكية وخريجة مدارس لغات، لكن فايز كان له رأي آخر، ورشحني، مؤكدا أني أستطيع الفوز بالجائزة الأولى، اعترضت حكمت لكن فايز أصر، ووافقت حكمت في النهاية لأنها كانت ستتركني وفايز نحضر التدريب وحدنا، تحمست عندما هاتفني فايز وحكي لي عن التدريب، لأن تلك التدريبات ترفيه يخرجني من ضغط العمل، وزاد حماسي عندما أخبرني فايز عن الجوائز مؤكدا أن حكمت تريد أن تفوز جمعيتها بالجائزة الأولى.
استيقظت مبكرا في يوم التدريب، وذهبت إلى هناك، كان الفندق فخما بالفعل، وجدت فايز وأناس كثيرون، وتولت التدريب جمعية قانونية يديرها عدد من المحامين، تفاعلت مع التدريب لأثبت لفايز تفوقي، كما أني تحررت قليلا من خوفي من التحدث أمام الغرباء، فقد اكتسبت بعض الثقة في نفسي، اكتشفت أن التدريب سهل فهو تدريب على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعلى الاتفاقيتين الخاصتين بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبالسياسية والمدنية، لقد تدربت عليهم من قبل وأعرفهم جيدا.
في اليوم الثالث أصرت حكمت أن تصطحبنا إلى التدريب لتعرف نتيجة الاختبار، استعددت على رغم أني أعرف كل ما في التدريب من معلومات، تسببت حكمت في تأخيرنا لأنها طلبت منا أن نأتي إليها عند منزلها ونذهب جميعا في سيارتها، مرت جلسة أخيرة، ثم الاختبار التحريري في وأثناء الغداء أخذت حكمت تتوقع النتيجة، وتؤكد لي أنها هي التي اختارتني لحضور التدريب، لأنها تثق في فوزي، ثم مع تغير ملامح فايز وبعض الكلمات التي قالها لحكمت فهمت الأمر، وأن حكمت لم تختارني ولا تثق فيا كما تدعي.
أثناء الغداء جاء أحد المحامين الشباب ليعلن لفايز أننا فزنا بالمركز الأول معا، وأن جائزة "اللاب توب" من نصيب جمعيتنا، فرحت حكمت وأخذت تُزيد من كلمات الإطراء لي، ثم في الجلسة الأخيرة عند إعلان الجوائز بدأ رئيس الجمعية التي ترعى التدريب بتوزيع الجوائز بدء من الأخيرة، نادى على اسم حكمت وأعطاها سماعة هاتف على اعتبار أنها الفائزة بالجائزة الأخيرة، وهذا يعني أن درجاتها في الاختبار متدنية، واعتبرت حكمت ذلك إهانة لها، في حين اعتبرته أنا انتقام القدر من حكمت التي تستخف بي وتكذب أيضا علي، ثم تم توزيع الجوائز حصلت أنا على الجائزة الرابعة "كاميرا ديجيتال"، وفايز على الثالثة وكانت تليفون حديث، وحصل على الجائزتين الأولى والثانية اثنان من رؤساء جمعيتين يشتركان مع الجمعية الراعية للتدريب في مشروعات ينفذونها سويا.
استفزني ذلك وأصريت على فهم الأمر، فادعى رئيس الجمعية أن التأخير عن موعد التدريب، والتفاعل أثناء التدريب هو الذي حكم النتيجة، رغم سخطي على الجمعية الراعية للتدريب وتأكدي أن عالم حقوق الإنسان عالم زائف مليء بالفساد والعفن، مثل باقي المؤسسات في مجتمعنا، إلا أني فرحت أني حصلت على "كاميرا ديجيتال" فلو كنت فزت ب"اللاب توب" كانت حكمت ستعطيه لابن أختها الذي يعمل معها في الجمعية.



قصة رقم(14)
ندى
أصبحت ندى في حماية عماد برشامة، في السابق كانت ترتعب عندما تسمع اسمه، فهو بلطجي معروف في منطقة الهرم، يفرض إتاوات على المقاهي، خاصة تلك المقاهي الفقيرة التي تفتح طوال الليل، والتي تبيت عليها الفتيات اللاتي ليس لديهن مأوى، كما يأخذ عماد برشامة أية فتاة يريد، لا تستطيع أية فتاة الرفض، لأنه يخطفها ويترك لها علامة بوجهها، كانت ندى تخاف منه هي وباقي الفتيات، وعندما يهل بعصابته على أي مقهى يسود الصمت، سمعت كثيرا عن حوادث مع فتيات حاولن مقاومته أو الهروب منه.
لا أحد يعرف لعماد برشامة أهل، يقال أنه يعيش في الشارع منذ كان طفلا صغيرا، وأنه عمل في كل شيء، في بيع المخدرات، وفي النصب على الناس، وهو الآن لديه عصابة من الشباب الذين يعيشون في الشارع، يفرض الإتاوات على الناس، ويؤجره البعض لأعمال البلطجة والشجار مع الآخرين، وقد يصل الأمر للقتل.
كانت ندى تتجنب التعامل مع البلطجية بقدر الإمكان مثلها مثل كل الفتيات بلا مأوي اللاتي يعشن في شوارع الهرم، واللاتي يتزايد عددهن كل يوم ويتضخم، تكذب حول أهلها، لذا لا أحد يعرف الحقيقة حول نشأتها، القصة المكررة التي تقولها أنها بنت ناس وأن أبوها متوفي وأمها متزوجة من طبيب نفسي، وأنها هربت لأنه كان يتحرش بها، وكانت تدعي أنها لها أختا هربت معها، لكن الفتاة كذبت ذلك، وقالت أن ندى لا أحد يعرف عنها شيئا.
بعد عدة سنوات من العيش في الشارع أصبحت تعرف كيف تتعامل مع البلطجية، تسترضيهم، وتنفذ لهم ما يطلبون، وبعد وقت من معاشرتهم أصبحت تبيت لديهم، يطعمونها، ويعطونها ملابس، أصبحت صديقة لهم، وعلموها كيف تنصب على الناس.
تصطاد الزبون، تشير له فيوقف سيارته.
- هاتاخدي كأم؟.
- اللي تدفعه.
- طب اطلعي.
- هانروح فين.
- على بيتي.
عندما يصل الزبون للمنطقة التي يقف فيها البلطجية يُقفون سيارته، عادة يكونوا واقفين في منطقة هادئة من شارع الهرم الواسع، الذي يمتلئ بعدة مناطق خطرة يستطيع فيها البلطجية العمل دون خوف من الناس أو الشرطة.
- أقف يا روح أمك.
- فيه إيه؟.
- البت دي تلزمنا.
- خدوها.
- هي تبعك؟.
- ولا أعرفها.
- آمال مركبها معاك ليه يا ....
- شقطتها من الشارع.
- شقطتها طب قب باللي معاك يا ابن .. لحسن نشرحك.
يترك لهم الزبون نقودا أو متعلقاته الشخصية ويأخذون ندى ويتركوه يرحل.
ثم أصبحت تشترك معهم في الأعمال الأكبر، ساعدتهم في النصب على رجل غني، أوقفت سيارته كما تفعل، وأخذ منه بلطجية عماد برشامه مبلغ كبير من المال وجهاز "لاب توب" تحت تهديد السلاح.
أحس الرجل بالإهانة، وقرر أن ينتقم من الفتاة التي أهانته ومن عماد برشامة، خاصة وأن جهاز "اللاب توب" خاصته كان فيه أشياء كثيرة خاصة بعمله وكان يحتاجه، بحث عن بلطجية في شارع الهرم، فهو يتردد على بارات شارع الهرم ويعرف أناس كثيرون يساعدونه، اتفق معهم على أن يبحثوا عن الفتاة ويؤدبونها ومن معها، أعطى لهم مواصفاتها ومواصفات البلطجية، ندى لم تأخذ حذرها وتبتعد عن البارات فترة من الزمن، بل نزلت ودارت دورتها كما تفعل كل يوم، وهي تظن أن الرجل سيسكت عن السرقة مثل باقي الزبائن.
خطفها البلطجية وأتوا بها إلى الرجل في بار آخر.
- أيوة هي ، وديتي اللاب توب فين يا....
- ما أعرفش بتتكلم عن إيه؟.
- ما تعرفيش بتسرقيني أنا.. أظاهر ما تعرفيش أنا مين يا ...،آمال فين اللي كانوا معاها؟.
- إحنا عرفنا نعتر فيها، بس عماد برشامة قاعد في شقة ملغمة ما نقدرش ندخل عليه، معاه سلاح، لازم نصطاده وهو في الشارع وعلى غفلة.
- بصي يا بت لو ساعدتيني اعتر على عماد برشامة ده اللي بيقولوا عليه هاسيبك ومش هاعمل فيكي حاجة.
- ماشي.
اتفقوا معها أن تساعدهم في عمل كمين لعماد برشامة ووافقت فهي في كل الأحوال لا تنتمي لأحد، كما أنها تخاف على حياتها، ولا حيلة لها في أي شيء، منذ تركت منزلها وهي تساير الظروف حتى تحافظ على حياتها، وحتى تستطيع أن تجد لقمة تأكلها.
اتصلت بعصابة عماد برشامة على الهاتف دون أن تحذرهم من أن هناك بلطجية يتعقبونهم، قالوا لها على المكان الذي سيتواجدون فيه، مقهي في شارع جانبي يجتمعون فيه دوماً، أبلغت الرجل.
- لا ياروح أمك هاتروحي معانا.
- طب ليه بقى أنا مالي.
- ليه هو إحنا عبط ما يمكن عملالنا كمين إحنا، إنتي مالكيش أمان يا بت وتبيعي أبوكي.
- إنت مش سمعت المكالمة؟.
- ما أعرفش يمكن متفقين على كلمة سر ما بينكوا.
أجبروها على الذهاب معهم، قاموا بالهجوم على المقهى وفاجئوا عماد برشامة، وبعد قليل من المقاومة وبعض الجرحى سلم عماد برشامة النقود و"اللاب توب" لأن الذين هاجموه كانوا أقوي منه وأكثر عدداً وسلاحاً، تركوا له ندى ورحلوا، لم تعرف ندى ماذا تفعل، ظلت تبكي وتبوس أقدامهم، أخذوها على خرابة وقاموا بذبحها، حتى تكون عبرة لمن يتجرأ على خيانتهم.
هي فتاة في 16 من عمرها، لا تملك إيه أوراق رسمية ولا أحد يعرف اسمها الحقيقي، عمرها العقلي أقل بكثير من سنها، فهي تتعامل كطفلة في العاشرة، تتبول على نفسها لا إرادياً، وقد تتبرز، لا أحد يعلم أهي تفعل ذلك تعمدا أم أنها مريضة، ولا أحد يهتم، حتى عندما تعرفت على الجمعية وأصبحت تأتي لترتاح قليلا من الدوران في الشارع وتشرب مشروباً ساخناً وقد تأكل، لم تهتم حكمت بالكشف عليها لتعرف أهي مريضة بالتبول اللاإرادي أم لا، فهي بالنسبة لها رقم يُسجل حضوره، أول مرة تأتي إلى الجمعية نامت في الحوش لأنها أتت مبكرة جداً، وكانت لا تجد مأوى لتنام فيه، وتذكرت عنوان الجمعية الذي أعطته لها المنسقات في ورقة مطبوعة في أحد مقاهي الهرم وذهبت إلى هناك.
تبرزت على نفسها في الحوش ووسخت ملابسها، قامت أم عليا التي تعمل في الجمعية بتنظيفها وغسل ملابسها، أعطتها حكمت ملابس تخص ابنتها الكبرى، أخذت المنسقات ينظرن إليها في اندهاش بحثاً عن أي خجل في وجهها بسبب ما فعلته، لكنها تعاملت بطفولية تُبين أنها حتى لا تتعمد إخفاء خجل، أو أنها تعي أن ذلك فعل يثير التقزز اجتماعياً.
لا تتكلم كثيرا تضحك وفقط، وقد ترد ببعض الكلمات، أخذت تتردد على الجمعية بين وقت وآخر، تذهب مع الزبائن لتأكل، لأنها قد تستمر لأيام دون طعام، تتركهم يمارسون معها الجنس، تشرب معهم حشيشاً وسجائر، وقد تأخذ منهم نقوداً قليلة، لكنها لا تجيد الاتفاق على سعر لها، أو تفرض شروطها كما تفعل باقي الفتيات في المهنة.
فيما بعد وبعد عدة شهور وجدتها في كوافير في منطقة وسط البلد، تخصص هذا الكوافير في تأجير بدل الرقص للفتيات، وتوفير "أوردرات" لهم ليرقصوا في الأفراح البلدي، معظمهن فتيات مشردات، لا يجدن الرقص ولا يعرفن شيئا لكنهم يرتدين بدلة رقص مؤجرة وشعراً مستعاراً ويضعن مكياجا بمعرفة الكوافير، ويذهبن إلى المكان الذي يقول عنه صاحب الكوافير أو زوجته، ثم بعد أن تنتهي الليلة وترقص كيفما اتفق تأخذ خمسين جنيه، لا تستطيع المناقشة أو الرفض فالرجل صاحب الكوافير يقول أنه يخصم ثمن أجر بدلة الرقص والشعر والمكياج.
عملت ندى مع هذا الكوافير، وعندما رأتني ومنسقة أخرى لم تهتم بوجودنا، ربما خوفا من أن يعرف صاحب الكوافير أو ربما لم تكن تهتم فعلا،اختفت لفترة طويلة ثم عادت للتردد مرات قليلة، عرفت المنسقات خبر ذبحها من الميدان، كان خبرا مفزعا للجميع، لم يعرفوا أتم دفنها أم لا ،ولا أي شيء عنها سوى خبر عن القتل وفقط.














يونيو 2007
عاد استيائي القديم من العمل، وشعرت أني أملك ذكاء وخبرة ومهارات أكثر من ريهام وحسناء، فهما في النهاية شابتين لا تفهمان شيئا في هذا المشروع وسوف تتعلمان من البداية وعلى يدنا نحن المنسقات.
تم فتح مقر وسط البلد، وأصبحت كل منسقة تريد العمل به لأن ذلك سيكون أقرب لمنزلها، لكن حكمت تعاملت مع الأمر بسرية ومحاباة، كما عين المشروع ثلاث من فتيات الليل كمنسقات ميدانيات، في النهاية اختارت حكمت أن أذهب أنا وفتاتين من فتيات الليل اللاتي أصبحن منسقات إلى مقر وسط البلد، لأنها تخاف من منال وهاجر وتحذر منهما، فهي تعتبرني فتاة مستكينة هادئة لا أقوم بعمل أية مشاكل وأعمل في صمت، ورغم أني لا أنقل لها أية أخبار لكني مع ذلك لا أثير خوف حكمت، فهمت رأيها فيا من اختيارها لي.
استمتعت بالهدوء في مقر وسط البلد والذي عينت حكمت عليه شابا قريبا لزوجها ليكون عين لها وليدير هو المكان، وكان توصيفه الوظيفي مدخل بيانات، لكنه كان يقوم بكل العمل الإداري ومعه مفتاح المكان، وكانت ريهام هي المنسقة الإدارية، ومليحة تأتي كل بضعة أيام لتتفقد الأحوال، استمر العمل الميداني كما هو وإن كان أقل إثارة للخوف بالنسبة لي فقد اعتدت عليه وأصبحت أكثر مهارة، واستمرت التدريبات الدورية، واستمر أيضا تعامل ريهام المتعالي، حتى أنها أغضبت مليحة أيضا.
لا أعلم لما العمل بين النساء لا يخلو من غيرة ونزاع على السلطة، وصرحت مليحة لي بأنها أصبحت ترتاب من ريهام وتكره طريقتها في التعامل في حين أن ريهام كانت في هذا الوقت قريبة من حكمت، لأنها ارتبطت عاطفيا بأحد أقرباءها، مما آثار تخوف مليحة منها واعتبرتها تابعة لحكمت.
رغم أني منذ بدء العمل كنت حريصة ألا أتورط في أية مشكلة، و أية أعمال جاسوسية سواء لصالح حكمت أو لصالح مليحة، ودوما ما كنت أتعامل بهدوء ، رغم محاولة الاثنتين جري إلى أرضية التجسس، وكنت أراهن طوال الوقت على العمل المضني وإثبات الكفاءة لكي يحتفظا بي، إلا أني مع ريهام تحولت، وغيرتني الغيرة، وأصبحت أتعامل بحقد مع ريهام، ربما لأن ريهام لم تعطيني التقدير المطلوب كما أعطتني ذلك حكمت ومليحة، وتعمدت أكثر من مرة إهانتي والاستخفاف بي خاصة أمام فتيات الليل اللاتي أصبحن منسقات، وهذا آثار غضبي وأشعرني بأني أقل من ريهام وأضعف، لذا أصبحت متحفزة تجاهها، كما أثارني أن ريهام لا تفعل شيئا، ففي الواقع هي نزلت بضع مرات إلى الميدان معي ومع منسقات أخريات، لكنها أصبحت تأتي إلى المقر تفتح حاسوبها المحمول وتتبادل بعض الضحكات مع باقي المنسقات ثم لا تنتبه لأي شيء، تتحدث وفقط حول أنها تكتب بعض القصص عن فتيات الليل، وأنها تفكر في عمل فيلم تسجيلي عنهن.
كنت أعرف جيدا أن ريهام تتقاضي أضعاف أجري في الوقت الذي تعمل فيه أقل من نصف عملي ومجهودي، لذا تحينت الفرصة وأبلغت حكمت أن ريهام تُفكر في عمل فيلم تسجيلي عن الفتيات أو مسرحية أو ما شابه، وأنها تقضي وقت العمل في كتابة سيناريو لذلك العمل ولا تفعل شيئا آخر، عرفت لمن ألجأ فرغم أن مليحة أيضا تكره ريهام إلا أن حكمت هي من بيدها كل الأمر، أصرت حكمت على طرد ريهام، بعد أن افتعلت معها مشاجرة.
رغم أني تعرضت في هذا العمل لمكائد أيضا وبعض الأقاويل والافتراءات وغضبت من ذلك كثيرا إلا أني انجررت لطريق التجسس بإرادتي، بل وبإصرار وحقد لم أشعر بهما من قبل.
بيني وبين نفسي شعرت بالسوء لأن ذلك جعلني اتغير، فقدت براءتي واستطاعت حكمت أن تنتصر علي، بعد أن حاولت ألا انجر إلى اسلوبها الخبيث أصبحت جاسوسة، دوما كنت أريد أن أكون طيبة ولا أؤذي أحد في الحياة، هذه المرة قمت بعمل شر اختياري، تساءلت في نفسي هل أنا شريرة؟، لكني مع بعض الشعور بالذنب أكدت أن الظلم الحقيقي موجود في مجتمعي الطبقي بكل تفاصيله، وأنا فقط دافعت عن نفسي في مواجهته، وريهام هي من بدأت بالشر معي وبشكل صريح، في السابق كنت أستطيع استخدام الشر وبسهوله لكني اخترت ألا أفعل، فلا أحد يستحق الأذى في وجهة نظري، لكن ريهام هزت صورتي أمام نفسي وأشعرتني بالضعف وبالعجز عن مواجهتها، وكان لابد من الرد.
بعد سنوات عدة سأقابل ريهام في دار الكتب، ستكون ريهام إما لطفلة وحامل في شهرها الأخير في طفل آخر، وسأكون إما لطفلين، أنا في دار الكتب لأني أقوم بعمل استقصاء خاص بموضوع صحفي لموقع الكتروني أعمل به، وريهام تعمل على رسالة الدكتوراه خاصتها، وسنتبادل حديثا عن الماضي، وستقول لي ريهام أنها لا تتذكر شيئا عنه، وستعاملني بود وألفة تجعلني أغفر لنفسي فعلا قمت به في وقت ضعف.






فبراير 2016
يجتمع بعض الذكور علي، يأخذ كل واحد منهم قطعة من جسدي، ينهشونها بأياديهم العارية، أشعر بألم متفرق في كل أنحاء جسدي خاصة المناطق السرية، لكني لا أستطيع إيقافهم، أشعر بألم حارق في أحشائي، لكني لا أقوي على دفعهم عني، أتركهم يفعلوا بي ما يشاءون واستسلم لخدر الإغماء، لا أريد أن استفيق منه أبدا، واستيقظ وأنا ألهث و أشعر ببقايا الألم.












قصة رقم(15)
قمر
ملامحها جميلة، فتاة بيضاء وعينيها زرقاء، نصف وجهها يُشع جمالا والنصف الآخر محترق، تحمل على ذراعها طفلة رضيعة، وتهرب بها خائفة من أن ينفذ أيمن النص وعده ويخطف الطفلة، فهو لعنة حياتها، حينما تركت منزلها وهي صغيرة لم تكن تعلم أن كل ذلك سوف يحدث لها، كانت تظن أنها ستهرب من قهر زوجة أبيها، التي كانت تكويها بالنار غيرة من جمالها، فقد ورثت جمال أمها المتوفية، وتزوج أبوها مرة أخرى من امرأة دميمة وشريرة، كانت تسخن الملعقة على البوتجاز وتحرقها بها في رجلها أو ذراعها، وأبوها لم يفعل شيئا ليحميها.
هربت ونزلت إلى شارع الهرم، باعت مناديل، لكن جمالها كان لعنة عليها، اختطفت كثيرا واغتصبت مرات عدة، وفي النهاية أصبحت ترضى بمضاجعة أي رجل حتى لا تُغتصب، لكنها مع ذلك لم تسلم من العنف، ظل أيمن النص يُلاحقها، بلطجي في الشارع يريدها لنفسه، يريد فقط أن يحتجزها في بيته ويضاجعها وحده، في البداية انصاعت له لأنه بلطجي يحمل سلاحا، كما أنه مخدر دائما من تأثير الحشيش والحبوب المخدرة، وافقت أن تعيش معه، لكنه كان يضربها كل يوم، ويشك بها، وكانت تخدمه وتضاجعه ولا يعطيها نقود ولا يعاملها معاملة حسنة، وحينما طلبت منه أن يتزوجها رفض.
بعد عدة شهور لم تعد تتحمل السجن الذي وضعها فيه، هربت منه، لكنه أقسم أن يعاقبها، سكب على وجهها مية نار، وتركها وهرب، أسعفها الناس في الشارع، وأدخلوها المستشفى، عندما سألها الأطباء عن المعتدي قالت أنها لا تعرفه.
نزلت شارع الهرم مرة أخرى فهي لا تعرف أحد، كانت تطلب من بعض أصحاب المقاهي أن يحموها من أيمن النص، بعضهم رفض وآخرون وافقوا وهكذا ظلت تعيش في حماية الرجال، وتنام على المقاهي، وتضاجع من ترغب حتى تحصل على مال أو طعام، ثم بدأت بطنها تكبر، عرفت أنها حامل، فالفتيات بدون مأوى يتعلمن كل أمورهن من ممارستها في الحياة، كان الوقت قد فات على عمل عملية إجهاض، فهي ليس لديها أي وعي عن الحمل وأعراضه، ولا كيفية إجهاضه، كما أنها لا تملك مالا لتقوم بعمل عملية، ولا تعرف أحدا يساعدها في فعل ذلك.
فتيات الشوارع لا يملكن سوى الإنجاب، وترك أطفالهن في الشارع يعشن معهن ظروفا وحشية، منهم من يموت بسبب عدم إعطاءه التطعيمات الضرورية، أو عدم ملائمة حياة الشارع له، ومنهم من يعيش ليصبح طفل شارع ويتشابه مصيره مع مصير أمه التي ربما لن يستطيع التعرف عليها أبدا. أنجبت قمر في مستشفى حكومي واحتفظت بالطفلة، لم يعلمها أحد كيفية العناية بها أو إرضاعها، أو تنظيفها، كانت الطفلة تتلوى من الجوع كل يوم، والحظ وحده هو من ساهم في استمرار حياتها، عندما علم أيمن النص أنها أنجبت فكر في اختطاف الطفلة ليحرق قلبها عليها، هي بغريزة الأمومة ظلت تهرب منه خوفا على ابنتها، رغم أنها لا تعرف كيف ترعاها أو تُطعمها لكنها مع ذلك خافت أن تفقدها.
بعد هروب ومطاردات متكررة عثرت قمر على سيدة طيبة استوقفتها في الشارع عندما سمعت صراخ طفلتها، أوقفت سيارتها وسألتها:
- يا شاطرة.
- أيوة.
- بنتك دي؟.
- آه والمصحف.
- ما تحلفيش مصداقكي، طب بتعيط ليه؟.
- ما أعرفش.
- هي عندها قد إيه.
- والنبي ما فاكره، بس يجيلها شهرين ونص.
-يا حبيبتي ومالك ممرمطاها كده ليه؟.
- .....
- إنتي بترضعيها من صدرك؟.
- لا صدري ما فيهوش لبن.
- آمال بتأكليها ازاي.
- ما أعرفش أهو زي ما تيجي، واحدة تحن عليها وترضعها، أو اشتريلها لبن وأديهولها.
- إركبي، قوليلي بقى إيه حكايتك.
- أنا عايشة في الشارع، وخلفت البت دي.
- وأبوها مين؟.
- ما أعرفش أبوها مين الصراحة.
- إنتي اسمك إيه؟.
- قمر.
- ده اسمك الحقيقي.
- آه بس ما عنديش شهادة ميلاد، أنا هربانة من أبويا ومماعيش أي حاجة تثبت اسمي.
-بصي يا قمر تيجي أتفق معاكي على حاجة؟.
-إيه؟.
-بصي أنا هاربي بنتك الغلبانة دي، بس هاعتبرها بنتي واكتبها باسمي واسم جوزي، وهاخدك معايا تربيها وتشتغلي عندي في البيت إيه رأيك؟.
-موافقة.
-بجد!! يعني مش هاتندمي؟.
-لا بس المهم أبقى جنبها وأربيها.
ذهبت قمر مع السيدة وعرفت أن اسمها رحمة، وزوجها رجل غني يعيش في مدينة نصر، وهي لا تنجب رغم أنها شابة صغيرة، تردد زوج رحمة قليلا، خاصة عندما رأى تشوه وجه قمر.
- إيه ده يا رحمة إيه البنت اللي إنتي جايبهالنا دي؟.
-وفيها إيه؟.
-فيها إيه إيه دي وشها محروق بمية نار إحنا ناقصين مصايب.
-دي بنت غلبانة وبنتها صغيرة وبتعيط من الجوع صعبت عليا، مش يمكن إحنا نكون السبب في أنها تعيش.
-طب وقمر دي؟.
-والله قمر دي غلبانة، وبعدين أنا ما يهونش عليا أحرمها من ضناها، وهي موافقة نكتبها باسمنا.
أطعمت رحمة الطفلة الرضيعة، جهزت زجاجة حليب صناعي للأطفال ووضعت الببرونة في فم الطفلة، ضمت الطفلة إلى صدرها كما ترى معظم الأمهات، وأخذت تُرضعها، شعرت بأحاسيس تمنتها كثيرا، تخيلت أنها طفلتها هي، وأن الله بعثها إليها في ذروة إحساسها بالسخط واليأس، ليقول لها أن هناك أمل جديد في الحياة، لم تكن رحمة فقط أمل لقمر في حياة جديدة بل كانت أيضا في أشد الحاجة إليها.
وفرت لقمر غرفة بها سرير ودولاب للملابس وجهاز تلفاز، وكانت تأخذها معها في كل مكان، لكنها كانت تُصر على أن تأخذ الطفلة إلي سرير خاص وضعته في غرفة نومها، قريب من سريرها الذي تنام عليه مع زوجها، لتكون بجوارها طوال الليل، لم يمانع زوجها ذلك رغم الإزعاج الذي تسببه الطفلة له، لأنه عرف أن تلك الطفلة هي من أخرجت زوجته من حزنها العميق.
أصبحت قمر تقوم بأعمال المنزل وترعى طفلتها، تفعل ذلك وهي راضية وممتنة، أحبت رحمة كثيرا، وأحست أنها أهلها الذين افتقدتهم، ولم تكن تغار حين تحمل رحمة طفلتها،أو حين تقول للآخرين أنها ابنتها.
كانت تقول لنفسها أنه لا بأس أن تُشارك طفلتها مع امرأة أخرى، فذلك أفضل من فقدانها تماما، أو من موتها إذا كانت استمرت في الشارع أو اختطفها أيمن النص، مع الأيام أصبحت علاقة رحمة بقمر تزداد قوة وتزاد الثقة بينهما، أمام الناس تعاملها كخادمة لكن بينهما تعاملها رحمة كأخت ولم تتعال عليها أبدا.
قابلتها في مقاهي الهرم، كانت طفلتها صغيرة، وهي لا تعرف كيف ترضعها، جلبت لها هاجر كوب زبادي وخلطته بماء دافي واشترت لها ببرونة وأعطت لطفلتها هذا الخليط، كنت وقتها لا أعرف شيئا عن الأطفال خاصة حديثي الولادة، وكانت الطفلة تبكي كثيرا، حملتها بين ذراعي وكنت وقتها أتلهف على أن يكون لي طفل، تمنيت أن آخذ الطفلة وأربيها أنا لكن ماذا أقول لأمي، وكيف أتبني طفلة وأنا أسكن في حي شعبي، بالتأكيد كان الناس سيتقولون عني ويتهمنوني أني أنجبتها وأدعي أني أتبناها.
ثم قابلتها بالقرب من مقر الجمعية، كنا نجلس في الخارج بجوار سيارة تحليل كان يبعثها لنا البرنامج الوطني لمكافحة الايدز كل فترة لعمل تحليل للفتيات، على الفيروس المسبب للإيدز وفيروس وبي وسي مجانا، حكت لي عن رحمة، ورغم اندهاشي من موافقتها على إعطاء ابنتها لأخرى، وكأنه قصة فيلم سينمائي شهير إلا أنها كانت تبدو ممتنة بالفعل، وشاكرة لرحمة أنها أنقذتها من عذاب العيش دون بيت.












أغسطس 2007
أصرت مليحة على اختيار المنسقة الإدارية لمقر وسط البلد للمشروع هذه المرة، واختارتني، لم أكن أعلم ذلك، وحتى عندما أقدمت على إيذاء ريهام لم أكن أتخيل أني سأحل محلها، قاومت حكمت في البداية لأن إصرار مليحة يعني أني عينها في هذا المقر، ثم مع إصرار مليحة ومساندة برنامج الأمم المتحدة لها وافقت، وأقنعتني حكمت أنها هي من اختارتني لأكون منسقة، لأنها تؤمن بذكائي وقدرتي على التطور والترقي، ومع ذلك اقتطعت الثلث من مرتبي الذي قرره لي برنامج الأمم المتحدة، وأقنعتني أنها كافحت لتجعل البرنامج يرضى بإعطائي مبلغ راتبي الشهري والذي كان في الواقع ضعف راتبي وأنا منسقة ميدانية، وأنهم كانوا يريدون مبلغ أقل لأني لست خريجة مدارس لغات، كم أني لا أجيد الانجليزية، وذلك لتحتفظ بولائي لها.
من جانبها قالت مليحة لي أنها من أصرت على أن أتولى هذا المنصب، وأنها تتمنى أن أكون عند حسن ظنها، وأن أستطيع إدارة المكان، أثارت هذه الترقية كراهية منال وسهير لي، وأصبحن يتوجسن مني ويتعاملن معي بحذر، ورغم أني لا أتقابل معهما إلا في الاجتماعات أو تدريبات تكلفنا بها حكمت إلا أني استأت من ذلك.
كانت ترقيتي نقلة لي، أولا لأنها أشعرتني بالأمان وكذلك تضاعف مرتبي وأصبحت أتقاضى أجرا لا أحلم به في 2007، ولم أكن أعلم أني وفقا لبرنامج الأمم المتحدة كان من المفروض أن أتقاضى أكثر ما آخذه لكن حكمت أخفت عني ذلك وكانت تأخذ الباقي لنفسها، هذه الترقية أفرحتني كثيرا وجعلتني أنتبه لملابسي، وأفكر في مزيد من العمل المضني والجاد، وأشعرتني أني بدأت على طريق تكوين مهنة ومراكمة سنوات الخبرة فيها، ومليحة كانت تدفعني دفعا إلى العمل وتُساعدني، لكن حكمت كانت تضغط عليا وتطالبني بالولاء وبشكل صريح، وجدتني أتغير، أصبحت أتعامل بتعالي على المنسقات فأنا الآن مديرتهن، أصبحت أُدير عمل أربعة منسقات فقد جلبت لي حكمت منسقة جديدة، وكنت أسمع توجيهات حكمت بأمانة وأقسو عليهن، حتى كرهتني المنسقات وأصبحن يتكلمن عليا بالسوء وفي بعض المرات ثارت مشاجرات بيني وبين البعض، وذلك أعادني لاستيائي القديم، فأنا دوما أدعي مناصرة الكادحين لأني منهم ولأن هذه أفكاري ومبادئي، كيف أتحول فجأة لأكون عصا في يد الإدارة.
زاد قلقي النفسي ورغم المبلغ المرضى بالنسبة لي أصبح العمل مدعاة للتوتر، وبدأت المنسقات الميدانيات اللاتي يعملن معي ينظرن لي بريبة ولم يعدن يتبادلن معي الحديث أو يكلمنني بود.












قصة رقم (16)
شهد
أخذت الحشيش في ملابسها، علمتها زوجة أبيها كيف تُخفيه، كانت وقتها في سن ال 15عاما، أجبرتها زوجة أبيها على ذلك، وأبوها ظل صامتا.
-متخافيش هاتروحي في الحتة الهادية اللي ورا السوق، هاتلاقي الراجل مستنيكي في ورشته، ها تديله الحاجة وتيجي، ما حدش هايشك فيكي علشان عيلة.
- طب واشمعنى أنا يا مرات أبويا؟.
- يعني أودي أختك الصغيرة اللي عمرها خمس سنين؟.
-ليه ولا أنا ولا أختي أنا خايفة يقبضوا عليا.
- متخافيش ما قلتلك ما حدش هايشك فيكي.
مشت وهي ترتجف، تنظر حولها وحين ينظر لها أي رجل ترتعب وتظنه سيقبض عليها، ألبستها زوجة أبيها عباءة واسعة حتى لا تظهر البضاعة منها، ولبست طرحتها السوداء، وصلت للورشة التي وصفتها لها زوجة أبيها.
- هو الأسطى إسماعيل هنا؟.
- أنا الأسطى إسماعيل عايزة إيه يا شاطرة؟.
- أبويا المعلم فتحي بيسلم عليك وبيقولك الأمانة معايا.
- معاكي فين؟.
كانت مرتدية جلباب تحت العباءة، انتحت جانبا بجوار الحائط وأعطته ظهرها، رفعت العباءة وفكت القماشة التي ربطتها زوجة أبيها حول خصرها وأعطتها له.
- يا بنت العفريتة، دي فكرة مين دي يا بت؟.
- فكرة مرات أبويا منها لله؟.
- هو المعلم فتحي عنده بنات حلوين كده؟.
- إوعي كده، إنت مش خدت أمانتك، سلاموا عليكوا يا أخويا.
-وعليكم السلام يا حلويات.
ذهبت إلى زوجة أبيها وهي تبكي وتشكو لها أن الرجل عاكسها، وكاد يلمس جسدها.
-طب وماله ما إنتي كبرتي وخراط البنات خرطك.
أصبحت زوجة أبيها تُرسلها لتسلم البضاعة لأناس آخرين، ومع الوقت قوي قلبها وأصبحت لا تخاف، وعندما أصبحت في السادسة عشر من عمرها رآها أحد أمناء الشرطة الذين يستضيفهم أبوها في منزله حتى يرضوا عنه ويتركوه يتاجر في الحشيش بحرية، اشتهاها هذا الأمين وطلب من أبوها أن يتركه ينام معها، تردد أبوها قليلا، خاصة وأن أمها المتوفية كانت طيبة، وكانت لن ترضَ أن يحدث ذلك لابنتها، لكن زوجته ألحت عليه حتى يوافق، وحينما قال لها أن شهد لن توافق أخبرته أنها ستضع لها حبة مخدرة في الشاي، حتى ترضى أن تفعل ذلك.
أفاقت شهد في الصباح وهي لا تذكر شيء مما حدث بالأمس، لكنها أحست أن رأسها يدور وصداع رهيب يتملكها، كما أحست بحرقة في نصفها الأسفل، أخبرتها زوجة أبيها بما حدث، واتهمتها أنها تعاطت من حبوب أبيها لكي تنام مع أمين الشرطة، ظلت تلطم خديها وهددت بأن تحرق نفسها، لكن أبوها ضربها، وأصبح يجلب لها أمناء الشرطة إلى المنزل لتمارس معهم الجنس، وإذا رفضت يطردها من المنزل، ولأنه لا أهل لها سوى أبيها وزوجته وأختيها اللتان تركتهما أمها أطفالا تعود، لا تعرف إلى أين تذهب، تتعاطي حبة مخدرة وتترك نفسها لمن يريد، ثم أجبرها أبوها أن تعمل في بار يسهر فيه أحيانا، عرف أن المضيفة تأخذ بقشيشا كبيرا فأجبرها على العمل في هذا البار.
وضعت شعرا مستعارا لونه أصفر لتكون جميلة، وأصبحت تضع مكياجا وترتدي ملابس عارية نوعا ما، وتستقبل الزبائن في بيت أبيها الذين تتعرف عليهم في البار أو الذين يجلبهم لها أبيها.
في إحدى المرات وهي تقوم بتوصيل البضاعة وشت بها إحدى الصديقات التي ترافق أمين شرطة، قبض عليها، أخذت تبكي بانهيار.
- إنتي بتعيطي ليه إنتي متلبسة البضاعة ملفوفة حوالين وسطك.
- والمصحف يا باشا مرات أبويا اللي بتخليني أحطها كده وأوصلها للزباين.
-ليه وإنتي عيلة صغيرة وما عندكيش عقل علشان تسمعي كلامها؟.
-هاعمل إيه هاروح فين لما ما بارضاش بتطردني من البيت، هابات في الشارع يعني؟، ما تقبضوا عليها هي، مش هي اللي بتاجر في الحشيش وإنتوا عارفين؟.
- أبوكي هو اللي بيتاجر؟.
- لا أبويا لا.
- إحنا مش عارفين حاجة، أنا كل اللي أعرفه إني قبضت عليكي وإنتي معاكي حشيش، وها تتسجني يا حلوة.
- أبوس رجلك يا باشا لو اتحبست إخواتي هايتبهدلوا ومرات أبويا هاترميهم في الشارع.
- طب خلاص فتحي مخك معايا وأنا أحميكي من مرات أبوكي وأبوكي كمان.
- ازاي يعني؟.
- شوفي إنتي بقى.
أصبحت ترافق الأمين من وقتها، استمرت معه حوالي سنة، وبالفعل أصبح قوة في مواجهة زوجة أبيها، كانت لا تجرؤ على مضايقتها.
عندما جاءت شهد إلى مقر "فقيرة " كانت تنطق الحروف ببطء شديد حتى أن المنسقات ظنوا أنها متأخرة عقليا، لكنهم فهموا أن ذلك من تأثير جرعة المخدر التي تأخذها كل يوم، لم تتمنَ شهد شيئا سوى أن تستطيع تعليم أختيها، حتى تختلف حياتهما عن حياتها، كما أنها حملت زوجة أبيها كل الذنب، ولم تعترف أن أبيها هو الذي أدخلها المهنة وأجبرها على الاستمرار فيها إلا بعد المراوغة من المنسقة التي تسألها.










ديسمبر 2007
بعد أن تيقنت حكمت من أني أعتبر ممثل جيد لجمعيتها كلفتني بالذهاب في أحد التدريبات في تونس، كان تدريبا على حقوق المرأة والعمل على قضاياها، كنت في ذروة صراعي مع المنسقات وفرحت بهذا التدريب، أخيرا سوف أسافر خارج البلاد، أحسست أني أتطور وأن أفق مهنتي قد بدأ يتحدد، ذهبت لعمل جواز السفر، إجراءات التأشيرة وكل شيء وأنا ممتلئة بإحساس الترقب، فرحت أمي أيضا لكنها كانت قلقة كعادتها، كانت تونس وبلاد المغرب العربي دولا جذابة بالنسبة لي، أسمع عنها وأعرف أنها ثرية بالتفاصيل، ارتفع حماسي على رهبتي هذه المرة، فقد بدأت أفكر في نفسي ككيان مستقل وامرأة لها شأن تتطور في مهنتها وتكتسب مهارات، وتستطيع أن تتجاوز الصعاب.
اشتريت بعض الملابس، كان الوقت شتاءا، واشتريت حقيبة سفر، موعد الطائرة كان في المساء، ظللت طوال يوم السفر مترقبة ومتخوفة، ودعت أمي وأكدت عليها أني سأهاتفها، وحتى أن لم أستطع مهاتفتها فعليها ألا تقلق، لممت شعري وارتديت بلوفر رمادي وبنطلون جينز، واتفقت مع أحد أصدقائي من العاملين في الجمعية أن يُقلني إلى المطار وذلك لأكسر الرهبة، فأنا لازلت أشعر برهبة من ذهابي بمفردي، كانت أريد من صديقي أن يصطحبني إلى الداخل لكن إجراءات الأمن منعت دخول غير المسافرين، وفقت في طابور طويل لكي أودع حقيبتي وبرودة صالة المطار تمتد إلى داخلي، طلبت مني إحدى السيدات أن أحمل لها حقيبة لأن حمولتها زائدة، حقيبة ظهر صغيرة وافقت وأمسكت بالحقيبة، وتذكرت كل أفلام الثمانينات التي يتهم فيها البطل في قضية مخدرات لأنه أخذ حقيبة من أحد الغرباء في المطار ، فقلت للسيدة:
- لا معلش مش هاينفع.
ولعنت سذاجتي وضعف شخصيتي اللذان جعلاني أوافق دون تردد على أخذ الحقيبة من السيدة.
أودعت حقيبتي وانتظرت في الصالة لحين موعد إقلاع الطائرة، وأنا أتأمل الحضور وأقاوم انقباضه القلب، ثم ذهبت إلى الطائرة في باص صغير، وصعدت سلم الطائرة، قابلتني مضيفة مفتعلة في تعاملها مع المسافرين، جلست في كرسيي، ثم جلست بجواري سيدة محجبة تبادلت معها الحديث، اكتشفت أنها تعمل في إحدى الجمعيات التنموية، وأنها ذاهبة لنفس التدريب، وأن هناك سيدة أخرى تجلس بجوارنا هي أيضا ستحضر التدريب تعمل في جمعية ثالثة، وظلت السيدة تتحدث كثيرا وشعرت أني دائما سيئة الحظ في أسفاري، دوما ما أتعثر في سيدات ثرثارات يُفقدنني متعة الشعور بالتجربة، أخذت السيدة تسخر مني عندما فزعت عند إقلاع الطائرة من المطار، اضطررت أن أتجاهلها حتى أستمتع بالطائرة وحدي، وأخذت أنظر من شباك الطائرة، ولم أرَ سوى ظلام حالك لكني سرحت بأفكاري بعيدا.
وصلنا جميعا إلى فندق فاخر في العاصمة تونس، كان الوقت ليلا، ذهبنا لغرفنا لننام، كنت قد أحضرت معي عدد من علب السجائر لأنهم أخبروني أن السجائر في تونس غالية الثمن، غرفتي بها سرير كبير وكرسيين والغرفة مجهزة بشكل جيد، والإضاءة فيها جيدة، استمتعت بالوحدة فيها،كما أني تخلصت من وهم الأشباح، فقد تخلصت من كآبتي وأصبحت أكثر إحساسا بذاتي، دخنت سيجارة وأخذت أشاهد التلفاز، وهاتفت أمي لتطمئن واستسلمت لنوم هادئ وأنا بداخلي رغبة في ارتشاف كل شيء في تونس.
بدأ التدريب في التاسعة، قاعة واسعة مليئة بالحضور، وكل فرد يقدم نفسه وجمعيته، اضطررت أن أتحدث فلا يوجد أي عذر لأمتنع عن الحديث، وقفت في هدوء واندهشت من هدوء صوتي وقلبي، وأخذت أعرف جمعيتي ومشروعي الذي أعمل عليه، ورددت على الاستفسارات التي انهالت عليا بعد الحديث عن المشروع وأنا محافظة على هدوئي، وبعد جلوسي أحسست أني أكتشف نفسي، وقوتي التي بدأت في الظهور.
أثار حديثي عن مشروع التوعية بالفيروس لمسبب لمرض الإيدز لفتيات الليل انتباه الجميع، يتحدثون عنه، ويعلقون علي عندما أتحدث، و يسعون للتعرف علي ليسألوني عن أشياء خاصة بالمشروع، وعن فتيات الليل، وأحسست أن ذلك أمر جيد فقد أصبحت معروفة ومحور اهتمام بسبب مشروعي، لكن بدأت أستاء عندما سخر البعض من المشروع، خاصة رجل من السعودية وآخرين، وأخذت زميلتي في الجمعية التنموية تعطي لي النصائح في طريقة تعاملي مع الحضور، وطريقة تعاملي حتى أثناء تناول الطعام، أو في رحلات الترفيه التي ينظمونها لنا.
أحسست أن هذه السيدة تفرض وصاية عليا من منطلق أني مصرية مثلها، وأن المشروع موصوم وهي تريد أن تخفف من تلك الوصمة، لم أهتم وأخذت أتعرف على فتيات من سني من اليمن ومن الجزائر وتونس، وقضيت أيام التدريب في مرح وضحك وأخذت أصور كل شيء ب"كاميرتي الديجتال"، وعندما سهرت مع الجميع في أحد الكافيهات رقصت مع فتاة سورية رغم استياء زميلتي المصرية التي قالت لي:
- يعني شغالة مع فتيات ليل وجاية ترقصي كمان، إنتي ناقصة يا بنتي عايزاهم يقولوا علينا إيه؟.
لم أهتم بميل زميلتي المصرية إلى الوصاية، وإلى معاملتي بشكل سيء بسبب المشروع الذي أعمل فيه، وأخذت أقلل من الحديث معها خاصة وأنها تكبرني بحوالي 15 عاما، وعرفت منها أثناء ثرثرتها الطويلة أنها تدير ملجأ للمعنفات في جمعيتها، وأن المعنفات في وجهة نظر جمعيتها هن السيدات اللاتي يضربهن أزواجهن، وليست فتيات الشوارع أو فتيات الليل، وأنها إذا تصادف وتعاملت مع فتاة ليل فإنها تطردها فورا ولا تستقبلها في ملجأها.
أخذت أتذوق الطعام التونسي بنهم، شربت شاي بالصنوبر وأخذت ألتقط لنفسي صورا وأنا أسير في شوارع تونس بصحبه فتاتين من اليمن، كانتا مرحتين وأخذتا تتحدثان عن القات بسخرية محببة، وفي النهار كنت أتنزه مرة أخرى وحدي وأعجبت بلون المباني الموحد والنوافذ الزرقاء الساحرة.
كما أحببت قوة نساء تونس وعدم وجود حجاب، وتواجد النساء في أماكن العمل وتحقيقهن لأنفسهن، كنت ألتقط صورا للجميع، وأعقد صداقات معهم، وغالبية الحضور رحبوا بمرحي وأحبوه، شعرت من داخلي أني أصبحت أكثر حرية في التعامل مع البشر. يوم العودة جلست في كرسي بجوار زميلتي المصريتين لكني تجاهلتهما تماما لأتمتع بالرحلة، و أخذت ألتقط صورا لنفسي داخل الطائرة وأستمتع بالوجبة الشهية، وكان الوقت ليلا لكني عند اقتراب الطائرة من مصر رأيت أنوار محببة بالنسبة لي وأخذت أحتضن بعيوني الشوارع الصغيرة التي تظهر من شباك الطائرة.
هاتفت فايز ليقلني من المطار لأن الوقت كان فجرا، رحب هو بالأمر، فأنا أرتعب من ركوب سيارة تاكسي في ذلك الوقت، أوصلني فايز إلى منزلي، وجدت أمي مستيقظة ومتلهفة على رؤيتي، كانت هذه الرحلة مريحة لي رغم بعض المنغصات، قدمت تقريرا لحكمت عن الرحلة.





فبراير 2016
في معبد مهيب، كتلك المعابد التي زرتها في الأقصر، لكن الحلم يدور في إضاءة تشبه إضاءة الأفلام السينيمائية القديمة، أجلس وأنا أرتدي زيا من الكتان، مثل جداتي المصريات القدامي، يبدو شكلي مثلهن، أو هكذا أتخيل، أتعبد لإيزيس، انظر لجمع من الفتيات، يجلسن مثلي، نحن كاهنات المعبد، نعيش فيه، نقيم طقوس العبادة القديمة، تلك التي لم أعرفها إلا في الكتب، لكن خيالي انشغل طويلا بتخيلها، أدخل في حالة من النشوة الروحية، لا أعرف سببها، أريد أن استمر في هدوء المعبد وسحره الخيالي، ولا أستيقظ.











قصة رقم (17)
أم دينا
في زاوية من الكافية تجلس أم دينا، امرأة في منتصف الخمسينات، شعرها ملموم في هيئة كعكة، وبه بعض الخصلات البيضاء، ملامحها قبيحة، حواجبها ثقيلة، وعيناها بارزتان، تدخن الشيشة، صوتها أجش، عرفت ومنسقة جديدة التحقت للعمل معي اسمها تهاني أن أم دينا قوادة، لكن صوتها وهيئتها جعلتنا نخاف من الاقتراب منها، ورغم أن الوقت في منتصف النهار والمقهى تقريبا فارغ إلا مني وتهاني وأم دينا وفتاتين تجلسان في منضدة أخرى، إلا أننا لم نجرؤ على الذهاب والجلوس معها كما نفعل مع باقي الفتيات، ظللنا ننظر لها وفقط.
نادتنا أم دينا حيث عرفت من الشاب الذي يُقدم لها الطلبات أننا نعمل في جمعية تقدم الخدمات للفتيات، وأرادت أن تعرف ما حكايتنا، في البداية ظنت أننا فتاتان جديدتان، واستعدت لتتعرف علينا لتضمنا إلى الفتيات اللاتي "تسرحهن".
جلست وتهاني معها ، تكلمنا عن الجمعية كما نفعل دوما، والخدمات التي تقدمها، ،حكت لنا أم دينا باسترسال جعلنا نندهش، قالت أن لديها 3 أبناء، فتاتين وولد، ابنتها الأولى زوجتها من أمين شرطة، بعد أن حرصت على تعليمها وأخذت دبلوم تجارة، وابنتها الأخرى دخلت كلية الحقوق، وابنها أيضا يتعلم، ويساعدها أيضا، وحكت لنا أنه في إحدى المرات تأخرت ابنتها في الجامعة ساعة، فضربها أخيها وكسر لها ذراع، مدللة على أنها تحافظ على ابنتها، ولا تريد لها أن تمشى في طريق سيء، وتتمنى أن تكون محامية مشهورة.
حكت أيضا أن زوجها مات وأطفالها صغار جدا، مما اضطرها إلى النزول للعمل، عملت في بداية حياتها خادمة، لكنها ملت من معاملة أصحاب البيوت السيئة، ثم أصبحت ترافق العرب، تتزوجهم لفترة، ينفقون عليها ويجلبون لها ذهبا وهدايا كثيرة من الخليج، وأنها فقط تقوم بخدمات للفتيات، من تريد أن تعمل وتكسب نقودا تساعدها في التعرف على زبائن، الآن هي تجلس في ذلك المقهى في شارع الإسعاف، تتعرف على الرجال أو هم يأتون إليها لأنها أصبحت مشهورة في المنطقة، ومعروف أنها قوادة.
هي لم تعد تنام مع أحد فقد كبرت على ذلك، قد يأتي لها بعض الزبائن العرب الذين تعرفهم من أيام الماضي، وقتها ممكن أن تستقبلهم في بيتها وتضايفهم وتجلب لهم فيما بعد فتيات صغيرات، لكنها أبدا لا "تُنجس" بيتها، فقد كبر أولادها وتتمنى أن تستطيع تزويج ابنتها زواجا جيدا مثل أختها.
في رأي أم دينا مهنة القوادة أفضل من مهنة بيع الجسد، وأنها مهنة لا تجعلها تخجل أمام الناس، فهي مجرد وسيط تعرف الرجل على المرأة وتكسب نقودا، لكنها لا تقوم هي بالفعل المشين، فكرت أنها تقول هذا الكلام أمامنا فقط لأنها تظن أننا ربما ننظر إليها بمنظور الأخلاق، لكنها أكيد لا تتكلم هكذا أمام زبائنها، أو الناس الذين يعرفونها، وربما تكون مقتنعة من داخلها أن بيع الجسد مهنة سيئة لكن القواد لا ينغمس تماما فيها، أو هكذا تقنع نفسها، فيما سبق كانت تتزوج عرفيا من العرب ولم تنام مع أحد أبدا بدون زواج، العرب قالوا لها أن العرفي ليس حراما فهو زواج، ومسموح به في الشرع، لكن حتى الفتيات اللاتي ينمن مع الرجال مضطرات إلى فعل ذلك، فالحياة قاسية و"الفقر وحش".
طالت جلسة أم دينا معنا، وأخذت تحكي عن حياتها باستفاضة،كما وعدتنا أن تأتي للجمعية لكي تستفيد من خدماتها، وأخذت أرقام هواتفنا لكي تكلمنا عندما تريد أن تذهب إلى مقر الجمعية.
وأخبرتنا أنها لا تحتاج أية مساعدة قانونية فزوج ابنتها أمين شرطة في قسم قريب، يحميها ولا يجعل الشرطة تقترب منها، وإذا حدث ووشت بها إحدى الفتيات يستطيع إنقاذها فورا، كما أنه يُساعدها في بعض الأحيان في ترهيب الزبائن الذين يتطاولون عليها، أو الفتيات اللاتي يتجرأن عليها، لم أفهم كيف يساعدها لكني تخيلت أنه ربما يقبض على أي رجل أو فتاة تضايق أم زوجته ويهدده، أو يقوم بعمل "كعب داير" له، و"كعب داير "تعني أنه إذا أراد مضايقة أحد يدعي أن لديه قضية في مكان ما، ويتركه يتجول على الأقسام وهو مقبوض عليه حتى يعرفوا ما تهتمه، بعض أيام يقضيها في الحجز في أكثر من قسم إلى أن تكتشف الشرطة أن سجله نظيف، وأنه لا تهمة عليه ثم يتم الإفراج عنه، بعد أن يكون ضرب في أماكن الاحتجاز أو عومل معاملة سيئة، وسرقت نقوده ومتعلقاته من قبل أمناء الشرطة، أو من قبل زوج ابنة أم دينا نفسه، فيعود لا يستطيع التصدي لأم دينا أو التعامل معها بشكل سيء .
فوجئت في أحد الأيام برقم غريب يهاتفني:
- ألو.
-ألو.
- أنا كريم أم دينا إدتني رقمك.
- ليه؟.
- أقابلك فين بقى؟.
-تقابلني ليه؟.
-هي أم دينا ما قالتلكيش؟.
-قالتلي على إيه؟.
-هي قالتلي أقابلك النهاردة بالليل، وأخد رقمك اتفق معاكي.
-على إيه مش فاهمة؟.
-مش فاهمة إيه هي خدت مني فلوس وقالتلي إنك هاتقابليني.
-طب لو سمحت ما تتصلش هنا تاني، وأم دينا ضحكت عليك، نصبت عليك في فلوس، أنا شغالة في جمعية بتقدم خدمات للستات وقابلتها علشان نعمل خدمة ليها، وهي خدت رقم تليفوني واستغلته.
-طب أنا آسف.
ضحك علي باقي من يعملون معي عندما حكيت لهم هذا الموقف، وقالوا لي أن أم دينا "قبضت علينا"، وحدث ذلك الموقف مع تهاني ومع منسقتين نزلوا إلى نفس المقهى وتحدثن مع أم دينا، اتفقت أم دينا مع زبائن وهما جالستين معها وأخذت منهما نقود، وحين خرجتا من المقهى وجدت الرجلين يحدثانهما، ويقولون أن أم دينا اتفقت معهما أن يقضيا الليلة معهما، ارتعبت المنسقتين وخرجتا من المقهي بسرعة وتخيلوا أن الرجلين ربما يختطفونهما.
نصحتنا حكمت ألا ننزل إلى هذا المقهى فترة من الزمن حتى تنسانا أم دينا، لكنها لم تعترف بخطورة النزول للميدان التي تقع على عاتقنا، في حين أنها تكون مطمئنة في بيتها مع بناتها في ذلك الوقت.
اضطررت إلى التعامل بهدوء مع الرجال الذين تحدثوا معي على الهاتف في الأيام التالية، وقلت لهم أن الرقم خاطئ وأني لا أعرف سيدة اسمها أم دينا، لأني لن أستطيع تغيير رقم هاتفي لأني أعطيته لفتيات كثيرات قابلتهن في الميدان، وإذا غيرته سوف أفقد التواصل معهن.

مايو 2008
كلفتني حكمت بسفر آخر، كان هذه المرة إلى السودان، كان اجتماع للشبكة العربية لمكافحة الفيروس المسبب لمرض الإيدز، يحضره عدد من المتعايشين، وعدد من ممثلي الجمعيات العاملة في مجال التوعية بالفيروس المسبب للإيدز، هاتفت إحدى السيدات التي سترافقني إلى الرحلة، أعطتني حكمت رقم الهاتف لكي أرتب معها الأمر، سيدة تدعى أمنية، واتفقت معها على أن أتقابل معها في المطار، لم أحتاج لتأشيره وجواز سفري كان جاهزا، أحببت فكرة السفر إلى السودان كنت أسمع عنها كثيرا من أصدقائي، اختفت رهبتي وذهبت إلى المطار في تاكسي، قابلت أمنية، سيدة محجبة وفي منتصف الأربعينات، بشوشة الوجه، ويبدو أنها قد أصيبت بجلطة خلفت في وجهها رعشة، خاصة في عينها اليسرى، تعرفت علي أمنية في ود وجلست معها أنتظر الطائرة، وكالعادة استمعت لثرثرتها، لكن صوتها كان هادئا وروحها خفيفة، فارتحت لها ولم أشعر بملل، ثم في الطائرة جلست بجوارها، وأتى شاب وسيم في أوائل العشرينات وجلس بجوار أمنية، وأخذت تحدثه بحميمية ففهمت أنها ربما تعمل معه، وعرفتني عليه:
-وائل بيشتغل في جمعية في إسكندرية مع المتعايشين وهايحضر معانا المؤتمر.
- أهلا وسهلا.
أخذت أمنية تُثرثر طوال الرحلة مع وائل وانعزلت داخل ذاتي مستمتعة بالرحلة التي كانت في وضح النهار، انتظرنا نحن الثلاثة في المطار في شمس النهار المحرقة، فقد كانت درجة الحرارة في الخرطوم عالية جدا.
انتظرنا حوالي ساعة حتى أتت سيارة الأمم المتحدة بعد أن أحرقتنا الشمس، وصلنا إلى الفندق بعد الغروب، ولم يكن معد لنا عشاءا وفق الميزانية، ولحظي السيئ لم يكن هناك طعاما ترحيبيا على عادة الفنادق في غرفتي، قررت أن أكتفي بمشاركة أمنية في فاكهة الترحيب التي وجدتها في غرفتها، وفكرت أن أخرج لأتناول الطعام في الخارج وأقنعت أمنية بذلك، لكن الجميع حذروني من الخروج في الليل، لأني قد أتعرض للاختطاف.
الفندق لم يكن فاخرا، كما أني أحسست بغربة وخوف من تحذيرات الزملاء من حوادث عنف واختطاف، نمت في غرفتي وأنا أشاهد التلفاز و مترقبة لحدوث أي شيء، حتى أني ظللت أنظر إلى باب الغرفة عدة مرات.
في اليوم التالي بدأت فعاليات المؤتمر، تناولت الفطور مع وائل وأمنية وبدأت أتعرف على وائل ودخلت معه إلى القاعة التي سُيعقد فيها المؤتمر، ثم فوجئت بالتفاف عدد من السودانيين والترحيب بوائل في حين أنهم تجاهلوني تماما، وكنت قبل الدخول أتحدث مع وائل عن رهبتي من العمل في مجال التوعية بالفيروس المسبب للإيدز ، ثم عرفت أن من التفوا حول وائل هم متعايشين مع الإيدز ، لم أفهم لماذا تجاهلوني؟، أخذت أتفحص المكان والحضور ثم فهمت من حديث وائل أنه متعايش مع الإيدز هو أيضا، كانت هذه أول مرة أتعامل فيها مع متعايشين مع الإيدز، وخجلت من حديثي عن الرهبة الذي قلته لوائل وانتظرت حتى تركه من يحدثونه.
- أنا آسفة أنا ما كانش قصدي أتكلم بالشكل ده، أنا فعلا باتكلم بعفوية.
- لا ولا يهمك.
- إنت شغال في جمعية إسكندرية؟.
-آه بعد ما عرفت إني متعايش أتعرفت عليهم وطلبوا مني اشتغل معاهم في التوعية.
-تمام.
أقيمت فعاليات الاجتماع في قاعة واسعة والتف الحضور في موائد مرسومة في شكل دائرة، كان هناك كثير من الحضور، لم أحتاج إلى التحدث لأن الاجتماع كان بهدف تنسيق الأمور التنظيمية للشبكة، وأنا في الواقع أول مرة أسمع عنها ولا أعرف ماذا تفعل الشبكة، فحكمت لم تكن ترحب بتطوير أنفسنا في العمل في مجال الإيدز، أو بسعينا لفهم سير الأمور، لأنها دوما ما كانت تخشى من فهم المنسقات لأنها كانت تتوجس أن تخرج واحدة وتفكر في عمل جمعية وتتلقى تمويلا على نفس المشروع لتصبح منافسة لها.
حاولت فهم الأمور من خلال المنشورات التي أخذتها في بداية الاجتماع، وفي أثناء الاستراحات بين الجلسات أخذت أتعرف على الحضور، تعرفت على متعايشة سودانية انتقل إليها الإيدز عن طريق المستشفى، وهي تجرى لها إحدى العمليات، وعرفت أنها متزوجة ولديها أطفال، وأنها لم تيأس بل ثابرت وعملت في مجال التوعية بالفيروس المسبب للإيدز وأسست جمعية خاصة بذلك، وعرفت أن هناك متعايشين من معظم الدول العربية يحضرون الاجتماع، لكني لم أتعرف عليهم جميعا، تعرفت على فتاة جزائرية نقل إليها المرض من زوجها الذي توفي وتركها وحيدة، وأعجبت بمعنوياتها المرتفعة أيضا.
زار الحضور عدد من الجمعيات التي تعمل في مجال الإيدز في السودان، وتعرفت على شاب جزائري يعمل في نفس عملي، وقال لي أن مليحة تدربهم على العمل وأنها تذكرنا كثيرا أثناء العمل، وتحكي مواقف حدثت لها في مصر، فهمت وقتها سر غياب مليحة المتكرر ، فقد استعان بها برنامج الأمم المتحدة للتدريب في دول أخرى، مما يعني أنها أثبتت كفاءتها معهم، بعد انتهاء يوم العمل جلست مع أمنية ووائل لتناول الطعام، وتعرفت على حكاية وائل فهو شاب متوسط التعليم، كان يعمل في مهن غير ثابتة، انتقل له الفيروس عن طريق الحقن، لأنه كان مدمن مخدرات، وذات يوم أتى له صديقه الذي يجلس معه لتناول المخدرات وأخبره أن لديه فيروس سي، فذهب لعمل تحليل بوزارة الصحة ليطمئن على نفسه، وفوجئ أنه مصاب بالفيروس المسبب لمرض الإيدز، وكانت الكارثة مضاعفة حين اكتشف أن زوجته انتقلت إليها العدوى وكذلك ابنته الصغيرة.
عمل في إحدى الجمعيات في الإسكندرية، وقام بعمل عدد من المقابلات التليفزيونية دون إظهار وجهه، وأصبح همه في الحياة أن يحافظ على حياة أسرته، ويوعي الناس عن ذلك المرض اللعين.
تعاطفت معه خاصة بعد معرفة أمر ابنته، وحكي لي أن وزارة الصحة لا توفر الأدوية التي تعطى للمتعايشين حتى تحافظ على صحتهم، وتؤخر الوصول إلى المرحلة النهائية من المرض، والتي تنهار فيها المناعة تماما، وتظهر الأمراض الكابوسية مثل السرطان وأمراض أخرى.
وأخذ يلعن وزارة الصحة ويُحملها عبء عدم توفير الدواء، كما يُحملها ذنب التعامل بشكل سيء مع المتعايشين، وقال أنه هدد أحد الأطباء مرة بأنه سيحقنه بدمه الملوث، ارتعبت منه بعد أن قال هذا الكلام، وكنت أتعامل معه بحميمية كصديق.
تركته وذهبت مع أمنية لغرفتها عندما حل المساء، أخذت أمنية تحكي أيضا عن نفسها، وتشكوا لي من زوجها ومعاملته السيئة لها، بدأت حكايتها منذ شبابها فهي كانت شابة مجتهدة تعمل في إحدى الجمعيات الأهلية وتطورت في مهنتها إلى أن أصبحت مدربة، وأخذت تحكي في مرح عن طرافتها وحماسها، حتى أنها كانت تخلع حذائها وتعمل في الجمعية بحرية، ثم تعرفت على زوجها الذي كان زميلا لها وتزوجته، بعد قصة حب قصيرة، ومنذ أن تزوجته وهي تأخرت في مهنتها، انشغلت بإنجاب الأطفال، واضطرت إلى الجلوس في المنزل لرعايتهم، ثم رجعت للعمل لكن في مهنة لا تحتاج للمجهود فأصبحت سكرتيرة تنفيذية في إحدى الجمعيات، وهو ظل يتطور في عمله بمساعدتها ودعمها ليس المعنوي فقط وإنما المادي أيضا، وبعد أن كبر الأولاد أصبح يتجرأ عليها، حتى أنه نعتها مرة بالعاهرة، وحين ذكرت هذه الكلمة ارتعشت عيناها، وحكت أنه تسبب في إحدى المشاجرات بحدوث جلطة لها.
تعاطفت معها وأحسست أني في يوم واحد حملت أحزان عدد لا بأس به من البشر، وأن قلبي مثقل بالهموم، أخبرت أمنية بمخاوفي تجاه وائل وأني ارتعبت منه عندما قال أنه سيحقن أحد الأطباء بدمائه، سخرت مني أمنية وقالت أنه طيب.
ذهبت غرفتي لأنام أخذت أطمئن على قفل الباب جيدا، رغم أن أمنية في غرفة مجاورة لكني كنت قلقة من داخلي، أخذت أحلم بأحلام مفزعة، استيقظت في الصباح بمزاج سيء، تعاملت مع وائل بنفس الحميمية خوفا من أن يلاحظ في سلوكي أي تغيير، لكني لم أكن أريد التعرف على أحد آخر، ولم أكن بمرحي الذي كنت عليه في تونس، قررت أن أشاهد دون أي تفاعل.
ركزت على التمتع بالطعام وصحبة بعض السودانيين اللطفاء، في منتصف الاجتماع فكرت أن أذهب لغرفتي لإحضار شيء منها، وأخطأت ودخلت غرفة أمنية، وضعت المفتاح في باب أمنية فانفتح، رجعت دون أن أدخل غرفتها وأخبرت أمنية بالأمر، هونت أمنية من الحدث وقالت لي أن معظم الفنادق هكذا.
- إزاي يعني ممكن واحد بالليل يتلخبط في أوضته فيفتح أوضتي عادي؟.
- يا ستي مش هايحصل كده إنشاء الله.
- لا يا أختى أنا هاجي أنام معاكي في أوضتك.
- تعالي تنوريني.
- معلش أصل أنا جبانة وباخاف جدا.
-لا إحنا أخوات وأهو نرغي مع بعض.
لململت حقيبتي ووضعتها في غرفة أمنية ونمت معها على سريرها، ورغم أن مشاركة السرير مع غريبة أمر مُزعج بالنسبة لي إلا إنه أفضل من الترقب في غرفتي، والهلع من حدوث أمر عنيف أو اقتحام الغرفة،أخذنا ندخن السجائر سويا ونحتسي الشاي، واستأنفت أمنية الحديث عن زوجها وقهره لها.
في اليوم الثالث كان اختيار المندوبين من الدول وكان علي و أمنية ووائل اختيار واحد منا ليكون ممثلا عن بلدنا في الشبكة، أصرت أمنية على عدم التصويت لوائل الذي أخذ يُقنعني بالتصويت له، هاتفت حكمت وسألتها بشكل مباشر هل أصوت لوائل أم لا؟، فأنا لن أتخذ قرارا دون الرجوع لحكمت، فقالت لي حكمت لا، فامتنعت عن التصويت أمام استهجان معظم الحضور الذين اندهشوا من امتناعي وأمنية عن التصويت لوائل، فهو متعايش ويعمل في مجال التوعية، وأحق بهذا المنصب، واضطررت أن أعتذر لوائل كثيرا والذي خاب أمله في، وأؤكد له أني لا أستطيع فعل شيء دون الرجوع لحكمت.
زار الجميع جمعيات أخرى وأثناء ذهابهم اقترح البعض الذهاب إلى السوق لشراء بعض الأشياء كتذكار، نزلت معهم ، واشتريت ثوبا سودانيا، لونه أحمر، ارتديته في السوق، على ملابسي، وأخذت ألتقط لنفسي الصور وأضحك، وغازلني البعض في الشارع ونادوني ب"الحلبية"، بسبب لوني الخمري والذي لا يشبه السودانيات، ثم التقطت صورا للبعض والذين تعرفت عليهم في هذه الرحلة، وقضيت يوما آخر بصحبة أمنية ولم أتبادل حديث كثير مع وائل، كانا سنغادر في عصر اليوم التالي واقترحت عليا أمنية أن نذهب إلى منزل إحدى السودانيات التي تعرفها جيدا لرسم حنة، وافقت لأني لا أريد ترك أمنية، فهي رفيقتي في السفر ولا أريد أن أظل بمفردي.
ذهبت إلى بيت دافيء، وتعامل معي الجميع بترحاب، تناولت فولا وهريسة، ورسمت على يدي وصدري من الأعلى رسمه جميلة، ثم ذهبت إلى المطار في تاكسي بصحبة أمنية ووجدت وائل ينتظرنا، ركبنا جميعا الطائرة، عند الوصول تركتنا أمنية لتلتحق بزوجها الذي ينتظرها، وتبقى وائل الذي استمر يُعاملني بلطف، وركبنا معا عربة أجرة لتوصيلنا إلى منازلنا، أخذ وائل يتحدث عن حياته، زوجته وابنته، ويحكي لي عن البرامج التي استضيف فيها، وطلب مني ألا أعطى صوره لأحد و ألا أقول لأحد أنه متعايش، أقسمت له أني سأمسح الصور التي يتواجد فيها، وأني لن أخبر أحدا عنه، فهو يخاف من أن ينتشر أمر مرضه ويصبح موصوما.













قصة رقم (18)
بوسي
بطنها منتفخة، كبيرة جدا، لا تستطيع المشي بها، ورغم ذلك تبيت في الشارع على المقاهي، لا مأوي لها، عمرها 15 عاما، تُدخن بشراهة، وأحيانا تُدخن الحشيش، لا تستمع لنصائح المنسقات الذين اندهشوا من منظر طفلة حامل، كانت بوسي من أوائل الفتيات اللاتي تعرفنا عليها في الميدان، سعت حكمت لكي تبحث لها عن جمعية تُوفر لها مأوى عند الولادة، كانت هناك جمعية شهيرة تديرها سيدة تنتمي للتيار الديني، هذه السيدة كانت توفر في جمعيتها مأوى لفتيات الشوارع، مكان يبيتون فيه ويستحمون ويتناولون الوجبات، ما أن يتم إلحاق الفتاة بالجمعية حتى تُصبح في أيدي المشرفات، يعطونها ملابس إسلامية، ويمنعونها من التدخين ومن الخروج بمفردها، ويعطونها مصحف ويعطونها دروسا دينية، كما أنه لا يوجد بالمأوي أي تلفاز أو أية موسيقى، ويُحرم على الفتيات الرقص أو الصخب، وحين تخالف أية فتاة ذلك تواجه بحدة المشرفات.
ذهبت بوسي إلى المأوى، فرحت في أول الأمر لأنها سيكون لديها بيت تختبئ فيه من برودة الليل، وتطفل الرجال ووحشيتهم، دخلت إلى غرفة جماعية بها عدة أسرة، تُشبه غرف المستشفيات، السرائر من المعدن، لها دولاب من معدن خاص بها موضوع بجوار السرير، وهناك عدة فتيات ينمن في سرائرهن، أخذن يَنظُرَن إليها في فضول، تعرفت على بعض منهن.
أعطوها ملابس واسعة وحجاب لترتديه، ذهبت إلى الحمام، حمام واسع كبير به عدة حجرات صغيرة حتى يساع أعداد الفتيات، أخذت دشاً ساخناً جعل أعصابها تهدأ وجعل الجنين يتحرك في بطنها، نامت على السرير أحست بوجع ظهر دام عدة سنوات من النوم في الشارع، نامت يوما كاملا.
استيقظت في السابعة، وجدت مشرفة توقظهن جميعا.
- قومي صلي يا أخت.
- بوسي.
- يا أخت بوسي.
- طيب بس أنا بصراحة ما باعرفش.
- ما بتعرفيش إيه؟.
- ما باعرفش أصلي.
- استغفر الله العظيم، ليه عمرك ما صليتي خالص؟.
- بصراحة آه.
- طيب ما تقلقيش أنا هاعلمك وأكسب فيكي ثواب.
علمتها المشرفة كيف تصلي، لم تستطع بوسي أن تركع وتسجد فأحضرت لها المشرفة كرسي لتصلي عليه، ثم تناولت إفطاراً جماعياً مع الفتيات وذهبوا لدرس ديني، لم تفهم منه بوسي شيئا، كان معظم الدرس يتحدث عن التوبة من الخطايا، وأن الله يتقبل التوبة في أي وقت.
أحست بوسي برغبة حارقة في تدخين سيجارة خاصة وأنها مدخنة شرهة، سألت إحدى زميلاتها في الغرفة:
- هو أنا ينفع أشرب سيجارة؟.
- إيه إنتي بتقولي إيه إنتي عبيطة؟.
- ليه؟.
- كده علشان ما ينفعش تشربي سيجارة هنا، وأصلا شرب السجاير حرام، أصلي إنتي لسه جديدة بس بكرة تعرفي القواعد.
- يعني إنتي كنتي بتشربي سجاير.
- آه أيام ما كنت عايشة في الشارع بس الحمد لله ربنا تاب عليا.
حاولت بوسي التماسك، سألتها مرة أخرى:
- طب ما فيش تليفزيون يلهينا؟.
- تليفزيون إيه أديكي قولتي يلهينا، إنتي عارفة أن التليفزيون بيلهي عن ذكر الله؟.
-إيه يعني إيه؟.
-بصي استهدي بالله كده واقعدي استغفري، هاتلاقي نفسك اتطمنتي ونفسيتك بقت هادية، إنتي خلاص بقيتي على وش ولادة، استغفري ربنا واقري قرءان علشان ربنا يقومك بالسلامة.
- ما باعرفش أقرا.
-مش مهم خلي أي حد يقرالك أهو يكسب ثواب فيكي.
يئست بوسي وشعرت بملل كبير، ذهبت للمشرفة لتسألها أن تخرج قليلاً.
-بصي يا أخت بوسي للأسف ما بينفعش الخروج لوحدك، إحنا بنعمل رحلات أسبوعية ليكوا علشان نفسحكوا ونخرجكوا، والخروج هايكون طبعا بالحجاب والعباية علشان الاحتشام، للأسف لو عايزة تخرجي لوحدك يبقى ما ترجعيش بقى تاني هنا.
-لا أنا بس كنت باسأل.
أخذت بوسي تتحمل الملل حتى تلد، فهي لا تريد أن تلد في الشارع، فهي لن تجد أحد يرعاها أو يقدم لها طعاماً أو شراباً، لكنها مع ذلك بدأت تتضايق من تكرار المشرفات والبنات لها في الجمعية بأنها مخطئة ويجب أن تتوب عن ما فعلت حتى يُسامحها الله، هي تشعر أنها لم تخطيء في شيء.
كل حياتها مرت دون اختيار منها، فهي لم تختار أن يضربها أبوها بقسوة، ولم تختار أن تُولد في أسرة فقيرة ومع عدد كبير من الأطفال، كما لم تختار أن يتركها أبوها وهي في العاشرة لكي تخدم لدى إحدى الأسر وهي لازالت طفلة، وتُحرم من أمها وأخواتها وتنام في المطبخ في برودة الشتاء وحر الصيف، لم تختار أن تعامل كخادمة وتأكل طعاماً سيئاً، وتسمع صراخاً يومياً من سيدة المنزل وشتائم لا تنتهي، وفي النهاية يأخذ أبوها النقود كل شهر دون أن يهتم بالسؤال عن أحوالها أو يطمئن عليها.
حتى عندما هربت من منزل السيدة التي تعمل لديها لم تختار أن يتم اغتصابها، أو التعامل معها بعنف، أو أن تضطر إلى مضاجعة الرجال لكي تعيش وتأكل وتجد مكان لتنام فيه والذي يكون غالبا كرسي في مقهي.
ولدت بوسي في إحدى المستشفيات، كادت أن تموت بسبب ضعف جسدها، ولدت بعملية قيصرية لأن جسدها جسد طفلة وغير مهيأ للولادة الطبيعية، تحملت آلام الولادة وما بعدها، وكانت الجمعية تهتم بتغذيتها وإعطاء الأدوية لها في موعدها، انتظرت أسبوعين حتى تعافت تماما ،ثم أخذت طفلتها وهربت، لم تستطع أن تعيش أكثر من ذلك في هذه الجمعية، فهي تشعر أنها كتلة من الذنوب والخطايا، ودوما ما يشعرونها بالذنب وبأنها نجسة ويجب أن تتطهر، كما أنها لم تستطع أن تحفظ كل الأدعية التي أخذوا يلقنوها لها، ولم تستطع تعلم القراءة والكتابة أو التوقف عن التدخين.

أغسطس 2008
كانت مليحة تغيب لفترات ثم تعاود التردد على مقر وسط البلد، كانت تتردد عليه أكثر من ترددها على مقر " فقيرة" الآخر، ذلك لأنها لا تريد أن تتعامل مع حكمت كثيرا، أصبحت تتابع العمل مع حسناء على الهاتف أو من خلال "الايميل"، لم تكن تخبرني عن سبب تغيبها، وعرفت أنا خلال سفري إلى السودان أنها تدرب فريقا آخر في الجزائر، في إطار عملها مع البرنامج الوطني لمكافحة الايدز التابع للأمم المتحدة.
تصادف عند بداية عمل مليحة مع برنامج الأمم المتحدة في مصر أن مرضت، حكت لي مرة في إحدى حالتها المزاجية الرائقة حين كنت أذهب إلى منزلها أنها في نفس اليوم الذي اتفقت فيه مع برنامج الأمم المتحدة على أن تكون استشارية للمشروع وتدرب في مصر شعرت بدوار وأغمي عليها، وحين نقلوها إلى إحدى المستشفيات احتجزوها وأجروا لها عملية فتحت فيها بطنها جرحا كبيرا، لم تقل ماذا كان مرضها، قالت فقط أن العين هي ما فعلت بها ذلك، في حديث لا يخلو من سخط، وفهمت من إشاراتها أنها تعتقد أن المنسقات قد حسدوها مما سبب لها مرضها، اندهشت من اعتقادها أن الحسد ممكن أن يهبها مرضا، كنت قبلها قد عرفت من حكمت التي كانت تحب الحديث عن الآخرين أن مليحة كان لديها سرطان في عنق الرحم، وأنها أزالته، ولم أعرف بالتحديد هل أزالت الرحم أيضا أم أزالت الورم فقط.
مرة فقط شاهدت الحزن في عيني مليحة، كنا في عيادة الطبيب سمير وكانت تشرف على نظافة العيادة وأدواتها، وقالت لي أنه لابد للمرأة من أن تقوم بالكشف الدوري على منطقة الرحم والمهبل حتى تكتشف وجود أورام في وقت مبكر، لا أعرف هل بالفعل كانت تعاني من السرطان؟، لكني كنت اندهش من نشاطها في العمل، كانت تعمل طوال الوقت، ولا تحب الراحة.
كانت تحكي لي عن حياتها بشكل متقطع في فترات الاستراحة من العمل، أهلها أثرياء في المغرب، عملت في مشروع مع الأمم المتحدة في المغرب قبل وجوده في مصر بسنوات، واستطاعت أن تثبت كفاءتها مما جعل البرنامج يتمسك بها، ورغم ذلك هي تعيش في بلجيكا، لم أستطع فهم التفاصيل جيدا حول إقامتها في بلجيكا، لكنها كانت محافظة، أظهرت في حكاياها أنها مازلت عذراء رغم أنها في ذلك الوقت كانت تجاوزت الثلاثين بسنوات قليلة، واستنكرت مرة أخرى تحرر إحدى صديقاتها وقيامها بعمل علاقة كاملة مع أحد الشبان دون زواج، وكانت تقارن نفسها بها وأنها كانت تحتفظ باحترام الرجال على خلاف صديقتها تلك.
تزوجت مليحة من شاب أمريكي، اختفت فترة ثم عادت وزفت إلينا الخبر، أكدت لي أن زواجها لن يعوق عملها مع الأمم المتحدة، وأن زوجها يشجعها، ولن يتضايق من سفرها الكثير،كان ترددها على مقر وسط البلد الذي أديره يزعج حكمت، لأنها كانت تريد أن يكون كل العمل تحت سيطرتها.








فبراير 2016
في فصل دراسي، أمام ورقة الإجابة، لكني لا أعرف كيف أجيب عن الأسئلة، أظل أبحث بعيني عن من يساعدني، وحين أمل أقوم لأمشي، اكتشف أني لا أرتدي حذاءا في قدمي، حافية أنا، أخجل أمشي بسرعة لكي أرجع إلى منزلي قبل أن يلاحظ أحد ذلك، لكني اكتشف أني أرتدي ملابس النوم أيضا، أجري ثانية وأحاول تجنب الجميع، الخجل يبطء حركتي، وأظل أدور في شوارع كثيرة دون أن أنجح في الوصول إلى منزلي، أقرر أني لا بد أن استعد للامتحان القادم حتى لا أضطر إلى إعادة السنة الدراسية ، ويغضب والدي مني ويمنعني من الذهاب للجامعة، ثم يحل الليل، ويزداد رعبي من الرجوع في آخر المساء، أدخل واكتشف أن الساعة الثانية صباحا، تهمس لي أمي أن اختبيء في الغرفة قبل أن يراني والدي، استيقظ وأنا أكره الحلم.









قصة رقم (19)
شمس
أمسكت شمس بالموسي، كانت قد اشترته قبل أن تصعد مع الزبون إلى منزله، أشارت له في الشارع فتوقف بسيارته، اختارت سيارة فاخرة حتى تقضي ليلة ثرية قبل موتها، غالبا الزبائن أصحاب السيارات الفاخرة يُغدقون عليها الطعام والشراب، وقد يكون معهم بودرة مخدرة أو برشام، احتست معه خمر مستوردة، وشربت سيجارتين من الحشيش، بعد أن أكل جسدها غاب عن الوعي، تركته ودخلت الحمام، هو متفق معها على قضاء الليل، قربت الموسى من شرايين يدها اليسرى، غرست طرف الموسى في يدها، لا تشعر بألم، لا تعني تلك الوخزة أي شيء فقد جربت آلام أشد منها بكثير.
آلام ضرب أخيها لها عندما كانت طفلة في أسيوط، عندما كان يفاجئها وهي تلعب مع الذكور، كان يبرحها ضربا، أبوها توفي، وأصبح أخيها هو من يدير الأسرة، ولها خمسة أشقاء آخرين وأم، يعيشون حياة فقيرة جدا، حتى أنها لم تلتحق بالتعليم لا هي ولا أشقائها، أخيها يعمل كمزارع أجير واضطرت هي أيضا إلى النزول للعمل منذ كانت صغيرة، هي وجميع أشقائها حتى يستطيعوا العيش.
بسبب جمالها أخذ يتهافت عليها الشباب، أحبت شاب عندما كبرت، وتركته ينام معها كما يريد، لكنها تكتمت على الأمر حتى لا يعرف أخيها، وبعد أن تركها هذا الشاب، تعرفت على غيره لكنها كانت أكثر خبرة هذه المرة، وكانت تعرف ماذا تريد، فقد استطاعت أن تنصب على أحدهم في مبلغ كبير من المال، خبأت المبلغ في بيتها، لكن الرجل لم يكن سهلا، فقد أبلغ عنها الشرطة واقتادوها إلى السجن، حيث حكم عليها بخمس سنوات، كانت وقتها في سن ال 19عاما.
عرفت داخل السجن كل شيء، الألم النفسي والرعب من المجرمات الكبار، والخوف والوحشة، كما ضربت كثيرا من سجينات استغلوا ضعفها، وتعلمت شرب "الترامادول"، والحشيش، وتخلى عنها أهلها، رغم أنهم عثروا على المال وأخذوه لأنفسهم، لكنهم مع ذلك لم يزوروها في السجن أبدا، قضت عقوبتها وعندما ذهبت لأهلها طردوها ولم يعطوها أية نقود.
اضطرت إلى النزول إلى القاهرة، ذهبت إلى شارع الهرم، كانت تبيت على المقاهي، وأحيانا في بيوت الزبائن، تزوجت من أحد الرجال، أوهمها أنه يُحبها ثم بعد ذلك أصبح يريد منها الأموال التي تتحصل عليها، تركته، لكنه لم يطلقها، أخذ يبتزها، الآن هي لا تريد الحياة بلغت من العمر 25 سنة لكنها تشعر رغم ذلك أنها عجوز، وأنها اكتفت من الحياة.
انغرز الموسى أكثر في جلدها سحبته ليقطع الشرايين لكن أصبعها لم يقو على ذلك، لا تعرف أأصبحت ضعيفة أم أنها تخاف من الموت، جرح صغير في يدها ينزف دما، أخذت تتأمل الدماء في ثبات، تحاول إعادة غرز الموسي لكنها لا تستطيع.
- إيه اللي بتعمليه ده يخرب بيتك؟.
- يوه خضتني.
- بتعملي إيه عايزة تلبسيني مصيبة؟.
- ما تخافش دا أنا اتعورت.
- اتعورتي ؟ والموس اللي في إيدك ده بيعمل إيه؟.
- ما أعرفش لقيته على الحوض.
- قومي إلبسي وإمشي أنا مش عايز مصايب.
- يا عم طيب لما النهار يطلع هاروح فين دلوقتي.
- لا دلوقتي إنتي هاترمي بلاكي عليا.
- استنى بس كلها ساعتين والنهار يطلع.
-لا إمشي دلوقتي بدل ما أشرحك أنا بالموس، وبعدين إنتي هاتخافي من إيه هايغتصبوكي لا سمح الله.
طردها الزبون من منزله حتى قبل أن تكمل ارتداء الحذاء، لم تعرف ماذا تفعل فالساعة الرابعة صباحا، نامت على السلم بجوار شقته، وانتوت أن تصرخ بصوت عالي وتفضحه إذا فتح الباب وطردها مرة أخرى، فهي ليس لديها شيء لتخسره هو من يخاف على سمعته أمام جيرانه.
حدث لها نزيف، استمر طويلا، لعدة شهور، كما أنها أصيبت بحساسية على صدرها من نومها في الشارع، تسعل كثيرا مثل الفتيات الضائعات في أفلام الأبيض والأسود، حينما ذهبنا لمقاهي الهرم قابلناها هناك، ترددت على الجمعية مرات قليلة، كانت تذهب إلى مقر وسط البلد لترتاح قليلا، فهناك سرير، عبارة عن أريكة تفرد فتصبح سرير، كانت تستطيع النوم هناك في هدوء.
كنت أشفق على حالها ولا أعرف ماذا أفعل لها، أخذت أقنعها بأن تذهب لطبيب لكي تعرف سبب استمرار النزيف وسبب السعال المتواصل، دكتور سمير لا يأتي إلى مقر وسط البلد إلا يومان في الأسبوع في وقت متأخر، وغالبا تكون الفتيات غير موجودات، كنت أعرف أن شمس غير مهتمة بمعرفة سبب أمراضها، ولا تهتم أيضا بمعالجتها، لن تفعل ذلك، أشفقت أكثر عليها عندما أخبرتني شمس أنها تمارس جنسا وهي تنزف منذ شهور.
- إزاي؟.
- عادي.
- والزباين ما بيعرفوش إنك بتنزفي؟.
- ولا بيفرق معاهم دول بهايم يا دفا.
- وإنتي ما بتتعبيش.
- باتعب بس هاعمل إيه هاكل منين ده آكل عيشي وبعدين أنا نفسي أموت أصلا.
-يا حبيبتي بعد الشر عليكي إنشاء الله ظروفك تتحسن.
-ازاي خلاص أنا حياتي انتهت على كده.
لم أقابلها مرة أخرى، لكن صورتها وهي تبتسم في طفولة ظلت تلازمني لبعض الوقت، أحيانا كنت ألعن هذه الحياة التي تدفع وردات مثل شمس إلى حياة بائسة وقصيرة مثل حياتها، وأنا أقف عاجزة لا أستطيع أن أفعل شيء، فقط أقف أتفرج مثل باقي الناس.








نوفمبر 2008
جلب برنامج الأمم المتحدة طبيبة نفسية، هي قريبة لإحدى العاملات في البرنامج، تدعى دكتورة إلهام، تظهر في برامج التلفاز، فتاة جميلة الملامح، متعالية بعض الشيء، لم تحبها حكمت من أول لقاء، ربما لتعاليها، كانت تتردد على مقر وسط البلد يومان في الأسبوع، أخذت حكمت تشدد علي أن أعاملها بصرامة، وألا أترك الفتيات يتحدثن معها كثيرا، لم أفهم سبب كراهية حكمت لها، ولم أستطع رفض أوامر حكمت، إلتزمت بما قالته لي ، وبدأت الطبيبة تنزعج مني، وتعاملت معي بحدة، وعندما ضاقت بنا شكت إلى برنامج الأمم المتحدة، حتى أن مسئولة البرنامج والتي تتعامل مع حكمت في الأمور المالية والإدارية عقدت اجتماع معنا في مقر وسط البلد، بحضور دكتورة إلهام وإخصائية نفسية شابه كانت قد جلبتها لتساعدها في عمل جلسة استماع للفتيات، ومليحة وحكمت وكانت مسئولة البرنامج وتدعى وسيمة لطيفة معي حتى أنها كانت تترجم لي بعض الكلمات التي كانوا يقولونها بالانجليزية، لكني شعرت أن حكمت تعمدت إظهار أني أنا المخطئة، وتضايقت من تعاملي مع وسيمة، هي دوما تشعر بالخطر، وكأن أحدا سيسلبها ممتلكاتها، عندما شعرت أن حكمت تتعمد إظهاري كفتاة حمقاء أمام برنامج الأمم المتحدة تخليت عن التزامي بأوامرها وتعاملت بلطف مع دكتورة الهام، حتى أنني في أحد المرات جلست معها جلسة علاج نفسي وأخذت أحكي لها عن حياتي.
وعيون حكمت في المكان نقلوا لها تغير معاملتي مع دكتورة إلهام، وفي العمل بشكل عام حيث لجأت إلى التعامل بلطف مع المنسقات على خلاف ما تأمرني به حكمت.



قصة رقم (20)
هايدي
فتاة سمراء ملامحها جميلة، ترتدي الحجاب وملابس محتشمة، تعمل بائعة في المحلات، تطلقت من زوجها الذي يضربها بعنف، بعد أن أنجبت منه طفلة، عندما عادت كان أخيها قد تزوج مع والدتها في شقتها، واضطرت إلى العيش معهم جميعا بصحبة طفلتها، في شارع السودان، خجولة ومحافظة، ولا يبدو من ملامحها أنها لعوب، بل هادئة وتميل إلى الرزانة.
زوجها تزوج مرة أخرى، ولا يسأل عن ابنته ولا يرسل لها أموالا، تقدم إليها عن طريق إحدى الجارات، فرحت مثل أية فتاة يأتيها عريس، كانت قد أنهت دبلوم التجارة وجلست في منزلها تنتظر فرصة للزواج، قالت لها الجارة أنه "كسيب" ويعمل نادل في الفنادق، تزوجته وعاشت في السنة الأولى في استقرار، وبعد أن أنجبت طفلتها بدأ يترك العمل، وتسوء أحوالهم المادية، اضطرت هي للنزول للعمل.
عملت بائعة في محل ملابس، تقف طوال 12 ساعة وتعود تجده نائما، والطفلة أحوالها سيئة، وحين تطلب منه الاهتمام بها يضربها بعنف ويأخذ منها نقودا ليشرب بها سجائر ومخدرات، قررت أخيرا أن تتركه، فهي التي تعمل وتنفق عليه، أمها لم ترحب بالطلاق لكن مع إصرارها استسلمت، تعرف أن أمها كانت ترفض الطلاق لأنها لا تريد أن تأويها في بيتها، فالشقة بالكاد تسع أخيها وزوجته، لكنها كانت قد ملت من ضرب زوجها لها، وجسدها بدأ يتأثر بالعمل المجهد والمشاجرات اليومية.
أصبحت أمها هي من ترعى الطفلة، رفضت ذلك في البداية ، لكن هايدي أعطتها جزء من راتبها حتى ترضى برعاية الطفلة، لا توجد روضة أطفال تعمل طوال 12 ساعة، كما أنها تخاف أن تترك ابنتها في مكان غريب في النهاية أمها لن تؤذي الطفلة، هذا غير حصة تدفعها شهريا لتساهم في الطعام والمصاريف مع أخيها.
ذات مرة حدثتها إحدى زبوناتها عن عمل إضافي يحسن دخلها ويرحمها من عمل البائعة المجهد، عرفت فيما بعد أنها قوادة وأن هذا العمل هو ممارسة الجنس مع غرباء، الساعة من مائة لمائة وخمسين جنيها، غير الطعام الجيد، بالنسبة للتدخين أو الشراب هي لا تهتم بهما، وافقت، فهي تعمل طوال الشهر ولا تتقاضى سوى أجر ضئيل، 12 ساعة 6 أيام في الأسبوع، إذا جلبت لها القوادة رجلا كل يوم سوف يزيد أجرها، سوف تعطي أمها نقودا وأخيها لكي يعاملونها بشكل جيد ولا يتأففون من وجودها، أو يتمنون أن تتزوج مرة أخرى لتريحهم، كما أنها سوف تستطيع أن تلحق ابنتها بمدرسة جيدة وقد تدخر نقودا تنفعها في المستقبل، ولن تضطر أن تنتظر فرصة زواج من رجل يعولها وربما يكون عنيفا وسيئا مثل زوجها السابق ويتحكم بها ويهينها كما كان يفعل.
هي بذلك العمل ستتحسن ظروفها ولن تحتاج لأحد، أخذت تقنع نفسها بذلك، وبالنسبة لممارسة الجنس مع الغرباء، حسمت الموضوع داخل ذهنها، فزوجها كان يضاجعها وهي التي تنفق عليه ذلك يعتبر حقا له لا تستطيع أن تمنعه منه، حتى إذا كانت متعبة من العمل أو ليس لديها رغبة فيه، أما في العمل ستفعل ذلك لأجل المال ولكي تحسن حياة ابنتها التي ليس لها ذنب في كل ما يحدث، كما أنها ربما تستمتع وإن لم تستمتع فهو عمل وفقط.
أول مرة تقابل زبونا كانت خائفة جدا، وخجولة أيضا، فكرة أن تتعرى أمام غريب كانت تخجلها.
- إقلعي هدومك.
-.........
-إيه مالك ساكتة ليه؟.
- مافيش.
- أمال إيه متلخبطة ليه كده هي ديه أول مرة ليكي؟.
- بصراحة آه.
- طب ما تقولي كده، هههههههههه، دا إنتي لقطة، أموت أنا في الست اللي بتتكسف.
-...........
- ما تخافيش دا أنا هامتعك خالص، أقفلك النور؟.
- آه ياريت.
- طب تعالي بقى يا بطة نلعب سوا.
أخذ الرجل يخلع لها ملابسها، كان يتعامل معها بلطف، ولم يهينها كما كان يفعل زوجها حين تلعب المخدرات برأسه، حتى أن زوجها في بعض الأوقات كان يضربها وهو يضاجعها ويسبها بأفظع الألفاظ.
أعجبت هايدي الزبون جدا حتى أنه أعطاها خمسين جنيه خارج الاتفاق الذي أتفقه مع القوادة، وقالت لها القوادة أنه "انبسط" منها، أصبحت القوادة تجلب لها الزبائن الهادئين خريجي الجامعات والشباب المهذبين الذين يحبون فتيات عاديات، غير تلك اللواتي يبدوا من مظهرهن وأدائهن أنهن فتيات ليل، فبعض الزبائن ينفرون من الفتيات اللاتي يضعن المكياج بشكل صارخ أو يتحدثن بصوت عالي أو يرتدين ملابس ملفتة وعارية، يفضلون فتاة هادئة وصوتها منخفض وغير جريئة في الممارسة، عرفت القوادة ذلك وأصبحت تختار لهايدي زبائن يناسبونها.
هايدي أيضا أصبحت تقوم بالأمر بآلية، ولم تسعَ لأن تتعلم حيل جنسية لتغوي الرجال، كانت تتصرف على طبيعتها، بخجل وبطاعة، ولا تشعر الرجل أنها أقوي أو أكثر رغبة، كما لا تُبادر بفعل شيء أثناء الممارسة، هي تستلم وفقط، وكانت تفضل الزبائن من كبار السن لأن هؤلاء لا يجهدونها، وينهون ممارستهم سريعا، وأيضا يعطونها أموالا أكثر .
كما كانت هايدي تحرص على ألا تتعرف على أية فتاة أخرى حتى لو تصادف الأمر ووجدت معها في نفس المصلحة، فقط تتعامل مع قوادتها التي تجلب لها الزبون، ثم تتبادل مع الزبون بضع كلمات قليلة، وتنتهي من عملها وترحل، فهي لا تحب هذه المهنة ولا تريد أن تستمر فيها، ترى أنها فترة مؤقتة وستنتهي.
هي تعرف أن القوادة تأخذ أكثر منها، رغم أنها هي من تقوم بالعمل، لكنها لا حيلة لها فهي لا تعرف أن تجلب الزبائن بنفسها، ولا تستطيع حماية نفسها من الغرباء، القوادة تضمن حمايتها واختيار زبائن لا يؤذونها.
فيما بعد عملت مع قواد آخر، "كامل" سائق التاكسي، ورغم ذلك عرفت أنه يستغلها هو أيضا، عرفت ذلك من الزبائن أنفسهم، حيث أنها تسألهم عن المبلغ الذي دفعوه للقواد، لكن ميزة كامل أنه يوصلها إلى منزلها بعد أن تنتهي المصلحة، كما أنه يحميها أكثر فالزبائن عادة يقدرون القواد الذكر و"يعملون له ألف حساب"، في الواقع هي لم تقع في مشكلات في مهنتها حتى الآن، فهي هادئة ولا تميل لافتعال مشاكل، وطاعتها تجعل الأمر يمر سريعا، كما أن عدم احتسائها للخمور أو تعاطيها للمخدرات يجعلها تجيد التعامل وتتحكم في أعصابها وتتصرف بروية، وإن شعرت أن الزبون يميل إلى استخدام العنف تتحمل ذلك وتجعل الأمر يمر بأقل قدر من العنف، ولا تعود تتعامل معه مرة أخرى.
عندما ذهبت إلى الجمعية كان ذلك بضغط من كامل، هي خجولة ولا تحب أن تتعامل مع أحد، خاصة مع ناس يعرفون بمهنتها، لكن كامل طمأنها وقال لها أنهم لن يتعاملوا معها بشكل سيء، أنهم فقط يقومون بعمل بحث عن أحوال البنات، ويقدمون كشف طبي مجاني.
في الجلسة كانت خجولة جدا، وتتحدث بصراحة شديدة، لم تجهدني وشيرين في الأسئلة أجابت عن كل شيء بصراحة، هي تعرف لماذا تفعل ذلك وما هدفها منه، ومتصالحة مع نفسها رغم أنها ترى أن هذه المهنة شيء سيء، وتحتقر باقي الفتيات اللاتي يعملن بها، خاصة تلك اللاتي يلفتن النظر إليهن، ويرتدين ملابس تظهر ماذا يفعلن.












نوفمبر 2008
فكر برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإيدز في نشر التوعية في المحافظات، وكانت جمعية "فقيرة" هي الجمعية التي تدرب جمعيات أخرى للعمل بنفس المشروع، ليس فقط على فتيات الليل وإنما على الفئات الأكثر عرضة، وتشمل مدمنين المخدرات بالحقن، والمثليين جنسيا، واختارتني حكمت لأكون مع فريق يتكون من ابن أختها وصديقة لها ألحقتها بالعمل بالمشروع مؤخرا، لزيارة الجمعيات في الصعيد، وتعريفهم بالمشروع الجديد، واختيار الجمعيات التي تُرحب بالتدريب على التوعية بالفيروس المسبب لمرض الإيدز.
ولأن ابن أخت حكمت هو المسئول فقد اختار فنادق درجة ثالثة، وأخذ يُخفض من ميزانية الرحلة، واعتقدت أنه فعل ذلك لكي يدخر نقودا لنفسه، فحكمت رغم كل شيء تختار لنا أماكن جيدة، وتحرص على اختيار وجبات جيدة، ذهبت في قطار النوم إلى الصعيد وكنت صديقة حكمت ثقيلة الظل، افتعلت ودا وحميمية واستجبت لها، لكنها كانت تنقل لحكمت كل شيء بشكل يومي، بدأنا في زيارة الجمعيات في الأقصر ثم زرنا المتاحف هناك، ثم ذهبنا إلى أسوان ورغم أن الطقس كان باردا إلا أن شمس أسوان كانت حارقة.
أديت بشكل جيد فقد كان دوري الحديث عن مرض الإيدز أمام تلك الجمعيات، لكن الرحلة كانت مجهدة، فقد استغرقت 3 أيام ما بين الأقصر وأسوان والمنيا، وكنت أضطر إلى النوم في القطار، كما أن ابن أخت حكمت لم يكن يُوفر لنا وجبات ثلاثة، وقال لنا أنه سيعطينا بدلا في آخر الرحلة، فاضطررت إلى شراء الطعام مع عزوف الباقيين عن تناول الطعام، وكان الأمر غير مريح، رحلة خالية من الترفيه أو الصحبة الجيدة، زرت المتاحف هناك، وكانت هذه هي الإيجابية الوحيدة من الرحلة، وزرت جمعيات متوسطة الحال في الأقصر وأسوان والمنيا وتعرفت على سيدات طيبات القلب، تمتلئ وجوههن بالمودة والرضا، لم أبدِ أي اعتراض على ممارسات ابن أخت حكمت، والذي جعل الرحلة شاقة ومتعبة، وتحملت الرحلة بكل مساوئها في حين تذمرت صديقة حكمت كثيرا وأخذت تسبه بينها وبيني.
وكانت حكمت قد طلبت مني أن ألتحق بهم في الإسكندرية في تدريب بعد رحلة الصعيد مباشرة، وأخذت تسألني عن أشياء حدثت في رحلة الصعيد، ولم أجب لكني اكتشفت أن حكمت عرفت كل ما جرى بالتفصيل، وظن ابن أخت حكمت أني أنا من كانت تنقل الأخبار، وأخذ موقف سلبي مني وأصبح لا يُحادثني.












فبراير 2016
مرت سنتان على تركي آخر عمل لي، موقع إلكتروني ظللت أعمل به لمدة عام، ثم تغيرت سياسته بتغير سياسة الإعلام ككل، أصبح يملأ صفحاته بموضوعات عن الجنس والمخدرات، بدأت فكرة الموقع في أواخر 2013 بتمويل خليجي، عملت به في بداية 2014 كان صاحبه رغم موالاته الواضحة للسلطة يسعى لعمل موقع رصين إعلاميا ومات فجأة، وبدأ الموقع ينهار بعد موته وطرد عدد كبير من العاملين به، عدت للبيت مرة أخرى وأنا أعرف أن فرص العمل أصبحت ضئيلة، بسبب أن الصحافة ساءت أحوالها وأغلقت منافذ إعلامية كثيرة، ولأني دخلت في أواخر الثلاثين، فقد ذهبت لأكثر من مقابلة عمل لكني فهمت أن الشباب الأقل سنا لهم فرص أكثر، وبسبب قلة معارفي الذين على استعداد للتوسط لي للعمل، مرت سنتان ما بين اكتئابات وفترات قوة نفسية، واستقريت في النهاية على التشبث بتحقيق حلم آخر لا يعوقه جلوسي في المنزل وإنما يساعد في تحقيقه، كتابة رواية، أجلت ذلك الحلم كثيرا إما خوفا من التجربة أو انشغالا بتحقيق تراكم مهني، أو بتربية أطفالي، الآن أصبح الوقت مناسبا.







قصة رقم (21)
ماهيتاب
فتاة خمرية قصيرة القامة، شعرها في هيئة ذيل حصان، تقول لزميلاتها أنها أحضرت لهن محشي ورق عنب، هي أكبر من معظمهن فعمرها 34 عاما، تعاملهن كأم لهن، وهم يحبونها، حتى الكباتن الذين يعملون في نفس البار يأكلون معهن، تحرص ماهيتاب على أن يكون العمل في بار "مزيكا" في جو عائلي، كأنهم أسرة واحدة، البار في منطقة المهندسين، يفتح في المساء، التحقت للعمل به منذ عام، بعد أن تركت الشركة التي كانت تعمل بها سكرتيرة.
هذا أول بار تعمل به مضيفة، وظيفة مربحة، لم تكن تعرف بها، إلا حينما تركت عملها الأخير واضطرت إلى إيجاد عمل بأية طريقة، فدلتها إحدى صديقاتها عليه.
هي فلسطينية، فقد تزوج أبوها وأمها الفلسطينيين وعاشا في الأردن، وبعد ولادتها بسنوات قليلة توفى والدها، فجاءت أمها إلى مصر وتزوجت من رجل مصري، أنجبت منه 9 أطفال آخرين، ثم توفى هو أيضا، لتصبح ماهيتاب هي العائل لأسرتها الكبيرة.
حصلت على معهد متوسط وتزوجت من رجل متزوج، ظلت معه 3 سنوات، وأنجبت منه طفل، ثم حدثت بينهما مشاكل كثيرة وتطلقت منه، بعد الطلاق نزلت للعمل لأن أمها بالكاد تستطيع تربية أشقائها الكثيرين، وتعليمهم، لها أخ محامي وأخت طالبة في كلية هندسة وباقي الأشقاء في التعليم، عملت في أول الأمر في شركة تجارية كسكرتيرة، فهي تجيد التعامل مع الحاسب الآلي ومظهرها جيد، ثم ذهبت لشركة أخرى، تعرفت على ابن صاحب الشركة، فتى يصغرها ب9 أعوام كانت وقتها تبلغ من العمر 31 عاما، أحبها هذا الشاب، وهي أحبته، لكنه لم يستطع الزواج منها بسبب الفارق في العمر وفي المستوى الاجتماعي، خاصة وأن أبوه لن يقبل بأن يزوجه سكرتيرته.
استمرت علاقتهما، وكانت تسافر معه في أماكن كثيرة، وتمارس معه الجنس، وكان ينفق عليها ويجلب لها هدايا، لكن أبوه اكتشف أمر علاقتها به فطردها من شركته، ظلت في المنزل حوالي شهرين لكنها لم تستطع الاستمرار أكثر، هو استمر في حبه لها لكنه في النهاية أصغر منها ولن يستطيع توفير حياة آمنة لها مهما انفق عليها.
في البار بدأت في العمل بخجل، عرفت أن مهمتها تقتصر على صب البيرة والمشروبات للزبائن، وتبادل حديث مرح معهم، على ألا تجلس أبدا إلى المائدة، عليها أن تظل واقفة بجوار الزبون، وأن تظل محتفظة بعلاقة طيبة بالزبائن حتى يعاودوا التردد على البار، وأن تشرب معه لكن بمقدار ضئيل وأن تستحثه على طلب المزيد من المشروبات.
أم تلك التي تجلس مع الزبائن على المائدة فتكون ريكلام، وهي تأخذ نسبة من أرباح المشروبات والمأكولات التي تجعل الزبون يطلبها، البار الذي تعمل به لا يوظف ريكلام، فقط مضيفات.
في العلن يجب على المضيفات ألا يمارسن جنسا مع الزبائن، والمدير دوما يشدد على منع ذلك، كما أن المضيفات أنفسهن يدعين أنهن لا يقمن ببيع أجسادهن للزبائن، ويكذبن دوما في هذه النقطة، لكن معروف ضمنيا أن كل مضيفة لها زبائنها الذين يأتون لأجلها، وأنها تذهب إلى بيوتهم في النهار أو في يوم إجازتها، وتأخذ منه ثمن الممارسة بالساعة وتبدأ من 300 جنيه، بحسب جمال المضيفة أو قدرتها على رفع ثمن جسدها وممارستها.
كما أن ماهيتاب أحيانا تسافر مع الزبائن تقضى معهم عطلة لعدة أيام ويكون الحساب مختلفا، وغالبا ما يقع أحد الزبائن في غرام ماهيتاب أو أية مضيفة أخرى، سواء أكان يحبها فعلا أو يتوهم ذلك لأنه استمتع معها في الجنس واستمتع بصحبتها، أو أنه يكذب عليها ليخلق شكلا رومانسيا لعلاقة يعرف في قرارة نفسه أنها قائمة على البيع والشراء والاستغلال، ويحول هوسه باللذة الجنسية إلى لذة مقبولة نفسيا لديه، معظم المضيفات لا يُصدقن ذلك، فلو المضيفة صدقت كل زبون يقول أنه يحبها، أو يعدها بالزواج لما استمرت في مهنتها ولما استطاعت الاستمرار في العمل في هذا المجال الشرس، لابد أن تحكم عقلها دوما، وتعرف كيف تجلب النقود من الزبون وفقط، قد توهم الزبون أنها تبادله الغرام، وقد تتعمد إيقاع أحدهم في غرامها، لكنها تفصل مشاعرها دوما، ولا تجعلها تتحكم بها.
ماهيتاب تهتم بطفلها، أدخلته مدرسة خاصة، كما أنها تدربه على السباحة في أحد النوادي، تريد أن تربي طفلها تربية جيدة، كما أنها تنفق على أشقائها كي يتعلموا جيدا، تعيش هي وأمها وباقي أشقائها في شقتين، الأولى إيجارها 10 جنيه، تزوجت فيها أمها من أبو أشقائها، والثانية أجرتها في نفس البيت إيجار جديد، لا أحد يعلم من أهلها أنها تبيع جسدها، فهي كبيرتهم يقدرونها ويحترمونها، يعلمون أنها سكرتيرة وتعمل كثيرا وقد تسافر في عمل.
لازالت تحب ذلك الشاب الذي يصغرها ورغم أنها قد تمل من علاقتهما غير المجدية إلا أنها تعود له وتقابله بعد فترات خصام متقطعة، تسافر معه في عطلة، أو تقابله في شقته، معه الجنس يختلف، يصبح له طعم ورائحة، عندما يتصالحا تشعر أنها مقبلة على الحياة، وأنها لديها قوة لتتجاوز كل محن الحياة و صعوباتها، تحب رائحة جسده، تميزها بين جميع الرجال الذين مارست معهم الجنس، ترتشف كلاماته عندما يسكن فيها، صوته يسكرها، وأي شي يفعله يجعلها تطير إلى السماء، تعود لا تشعر بثقل الأرض وجاذبيتها، لا تشعر أنه أصغر منها بكثير في أثناء الجنس، بالعكس تشعر أنها طفلة معه وأنه يحتويها بقوته وحنانه، خاصة عندما يحضنها ويختفي جسدها الضئيل داخل جسده، تعرف أنه يحبها ،وإلا لما يعود دوما، حتى بعد أن تيأس.
ترددت ماهتياب على "فقيرة" اهتمت بالجمعية وما تقدمه من خدمات، رغم أن باقي المضيفات في نفس البار خفن من المجيء إلى مقر الجمعية، كانت متحدثة لبقة في التدريبات، وأظهرت ثقافة عامة، ورزانة، عندما احتاجت الجمعية إلى تعيين بعض العاملات، ضمن أهدافها التي تقضي بتعيين قائدات من نفس الفئة المستهدفة ليقمن بعمل المنسقات، رشحتُها للعمل، وافقت حكمت، وتعينت ماهيتاب منسقة ميدانية، ثم ذهبتُ إلى مقر وسط البلد بعدها، عرفتُ أن ماهيتاب تردد بعض الكلمات السيئة عني بعد ما أصبحت أدير المقر، وأنها انجرت للصراعات القديمة بين المنسقات الأوليات، ضايقني ذلك لأني دوما ما كانت أتعامل مع ماهيتاب بلطف، واعتبرها فتاة مكافحة وأم جيدة، لكني بررت لنفسي ما فعلته ماهيتاب معي وما قد يظهر من البعض على أنه عدائية تجاهي بسبب أني لا أجيد عقد صداقات قوية بالآخرين، مما يجعلهم يظنون أني متعالية، أو على أقل تقدير غربية الأطوار، أو انطوائية، ولذا لا يجدون غضاضة في التنكر لي وعدم اعتباري صديقة لهم.










نوفمبر 2008
في تدريب الإسكندرية كان العدد كبير لذا وضعت حكمت كل اثنان في غرفة، وكان من حظي أن أشارك حسناء في غرفتها، حاولت التعامل مع حسناء بلطف لكنها لم تكن تتواجد، كانت كثيرا ما تذهب لملاقاة أصدقاء لها بعد يوم التدريب، واضطررت إلى الجلوس مع حكمت في غرفتها، فليس لي حل آخر، فقد ذهبت إلى الإسكندرية في البرد، ولا أعرف أحد آخر، ولم يكن من الحضور أحد من المنسقات لنخرج معا في نزهة.
أخذت حكمت تحكي لي عن حياتها، وعن العمليات الكثيرة التي قامت بإجرائها، فقد تعذبت كثيرا بعد عملية فاشلة في أحشائها، وأدى الأمر إلى أضرار صحية خطيرة عليها، وأخذت تبكي وهي تحكي لي مما جعلني أتعاطف معها، فقد رأيت وجه حكمت الإنساني وضعفها، وأصبحت في حيرة، فقد كانت أكرهها بالفعل وأخشى جانبها، لكني مع اقترابها الأخير اعتبرتها صديقة، ظننت أني تجاوزت أخيرا عقبة علاقتي بحكمت وأني أصبحت من المقربين لها، مشكلتي مع حكمت أني أحببتها في البداية واعتبرتها أخت كبيرة ثم كرهتها لاكتشافي أني قد خدعت، لو لم تقترب منا جميعا نحن المنسقات بشكل حميمي وتدعي أننا أصدقاء لكان من السهل التعامل معها بحياد كأي مدير للعمل، ولكان تأثير مضايقتها لنا ضعيف لا يمتد إلى حدود العلاقات الشخصية.
أصبحت جمعية "فقيرة" قائدة في التوعية بالفيروس المسبب لمرض الإيدز للفئات الأكثر عرضة في مصر، فهي أول جمعية تعمل على ذلك، وكانت منال تتحين الفرص للإيقاع بي لتطردني أنا أيضا كما ساهمت في طرد هاجر، زادت الضغوط على وغلبتني الحيرة، فإظهار الولاء الكامل لحكمت يجعلني أخسر المنسقات وربما أخسر مليحة أيضا،كما أني من الداخل أكره ذلك وأشعر أني أخالف مبادئي.
اتخذت قراري وأصبحت أتعامل بلطف مع المنسقات، وتخليت عن فكرة المديرة الحازمة، أدرت المكان بحب وتعاون، وتعاملت مع المنسقات بتقدير وبود وتواضع، وهذا آثار غضب حكمت، لأنها لا تريد أن يُحبني المنسقات، لأن ذلك يعني أني سأنال رضا برنامج للأمم المتحدة لمكافحة الإيدز ، وسأظهر كمديرة جيدة تستطيع إدارة العمل مما يعني أني سأنافس حكمت نفسها، ومما زاد من حنق حكمت أني ابتكرت أنشطة جديدة مع فتيات الليل، فقد فكرت في عمل مجلة حائط تكتب فيها الفتيات وتعبرن عن أنفسهن، جعلتهن يرسمن واستقبلتهن بود وترحاب.
ترددت حكمت على مقر وسط البلد، وكانت تأتي بشكل مفاجئ وتدخل في صمت لتمسك أية أخطاء على، وكنت أنزل للميدان رغم أني أصبحت مديرة المقر، لأن حكمت قررت أن تُثقل كاهلي بهذا العمل، ورفضت استخراج كارنيهات لفتيات الليل اللاتي أصبحن منسقات ميدانيات حتى أضطر للنزول معهن ومصاحبتهن، لأني الوحيدة في المقر التي أمتلك كارنيها من الأمم المتحدة يحميني من أية مسائلة قانونية.
زاد توجس حكمت مني، وأصبحت تقلق من تطوري وقربي من مليحة، فهي تخشى أن يفكر البرنامج في إقناعي بأن أقوم بعمل جمعيتي الخاصة، شددت المراقبة علي وأكثرت من عدد العيون، مع شعوري بالخطر الدائم من أن أفقد العمل والذي في الواقع أشعر به منذ أول يوم عملت به في "فقيرة" استمريت في التعامل بود مع المنسقات، وتركتهم يعملون دون رقابة أو صرامة وبدأنا نتعامل كفريق عمل، كل يشارك في العمل ويؤدي بشكل مريح، وانعكس ذلك على تعاملنا مع فتيات الليل وأصبح جو العمل هادئا، وهذا أزعج حكمت.




قصة رقم(22)
ليزا
عندما ضاق الوضع في السودان، وأصبحت الفتيات تجلدن في الشارع عند ارتدائهن للبنطلونات، وعندما أحكم النظام الذي يسمى نفسه إسلاميا قبضته، هرب كثير من السودانيين إلى دولا عدة، وكان حلم الهجرة هو الملاذ لأعداد كبيرة منهم، كانت روز فتاة لا تتعدى ال22عندما أخذها خالها وزوجته إلى مصر، تمهيدا للهجرة إلى استراليا، لم تكن زوجة خالها تحبها، وكانت تعتبرها عبئا عليهم، لكن خالها أخذها لأن أمها وأبيها كانا متوفيين وكان جميع أشقائها متزوجين.
في مصر لم تطيقها زوجة خالها، وأجبرتها على العمل كخادمة، حتى تنفق عليهم، لم يحميها خالها منها، خاصة بعد أن أصبحوا في بلد أخرى غير بلدهم، استسلم لزوجته تماما، ارتضت بالعمل كخادمة تبيت في بيت من تعمل لديهم، فلم يكن لديها حلا آخر، كما أن معاملة صاحبة العمل لا تختلف كثيرا عن معاملة زوجة خالها وإن كانت أرحم بها، كانت تذهب إلى بيت خالها مرة في الشهر، عندما تقبض الراتب لتعطيه لهم، وهم لم يكونوا يسألوا عليها ولا يهتمون بمعرفة أخبارها.
هي تعرف لغة انجليزية بشكل جيد، وكانت متفوقة في دراستها، لكنها لم تكملها بسبب وفاة والديها، وانتقالها للعيش مع خالها منذ أن كانت في بلدها، في أحد مرات الإجازة ذهبت إلى بيت خالها، فوجئت أنهم غير موجودين، وعرفت من الجيران أنهم هاجروا إلى استراليا، فهمت أن زوجة أخيها قد أخرجتها من أوراق الهجرة، ولم تفهم لماذا وصل بها الشر إلى ذلك الحد، فقد كانت تعولهم.
رجعت للعمل كخادمة، لكنها أصبحت تائهة بدون هدف لا تعرف ماذا ستفعل بحياتها، فهي تعيش في بلد غريبة، وفي ظروف سيئة وعمل مجهد، أخبرتها إحدى صديقاتها من السودانيات أنها تعمل مضيفة في بار فاخر لا يستقبل سوى الأجانب، أو العرب أو حتى المصريين الذين يملكون جواز سفر، وأن معظم المضيفات على مستوى عالي من الجمال والأناقة ومن غير المصريات، ويكسبون أموالا كثيرة، ذهبت مع صديقتها لهذا البار، أحبت المكان، والموسيقى والشرب والحرية في التعامل، قررت أن تعمل معها، فهي بدون أهل يسألون عليها أو يمنعوها من ذلك، عاشت في شقة مفروشة في المعادي هي وصديقتها وأخريات، أصبحت تتعرف على الزبائن الأجانب، لا تهتم بالعرب أو المصريين، فهي ترتاح أكثر في التعامل مع الأجانب، يساعدها في ذلك لغتها القوية، كما أنهم يتعاملون بتهذيب، وبإنسانية أكثر.
أحبت رجل أمريكي كان في الأربعينات من عمره لكنه يبدو أصغر من عمره بكثير، كان يعمل في مصر لمدة عام ويتردد على البار بشكل يومي، أول مرة رأته أعجبها، وأخذت تلفت انتباهه، هو أيضا أحب جمالها، اكتفت به وأصبحت لا تمارس الجنس إلا معه، وهو كان ينفق عليها طوال فترة تواجده في مصر، واستمرت تعمل في البار لكن دون أن تصطحب الزبائن إلى منزلها، وجميع من في البار أصبحوا يعرفون أنها تصاحب "بن"، عندما أوشك عمل "بن" على الانتهاء في مصر خافت، تمنت أن يصطحبها معه إلى أمريكا ، لكنه كان متزوج ولديه عائلة، ولا يريد أن يفقدها، تفهمت ذلك، بعد سفره بشهر اكتشفت أنها حامل، أرسلت له الخبر، قال لها أنه لا يعترض إذا أرادت إجهاض الطفل أو إبقاؤه لكنه لن يستطيع الاعتراف به، فقط ما يستطيع فعله هو الإنفاق عليها وعليه وتوفير ثمن إيجار شقة.
احتارت لأيام، ثم قررت أن تبقى الطفل، فهي تحب "بن" وتريد أن تحتفظ منه بولد، كما أنها وحيدة وذلك الولد سيعطي لحياتها معنى، خاصة وأنها لا تنتوي الزواج، في هذه البلد التي لا تعرف فيها أحد سوى صديقاتها اللاتي يعيشون معها، وليس لديها أمل في الهجرة أو الذهاب لأية بلد أخرى، منذ ولادة طفلها جورج وهي تشعر أن لها قيمة، يشبه والده تماما وهذا شيء أفرحها، أصبحت تهتم فقط بتربيته وتعليمه،وتشعر أن لعملها معنى سوى الضياع الذي كانت تشعر به في السابق.
في أحد المرات احتجزها أحد الزبائن الأمريكان، ذهبت هي وصديقة لها برفقته، كان الاتفاق على ليلة يقضونها معه، عندما دخلوا شقته فوجئوا به يتحول، فهو أمريكي ملون، متعصب تجاه البيض، ويرى أنهم خانوا جنسهم الإفريقي وباعوا أنفسهم للبيض، أخذ يضربهم ويعذبهم لمدة أسبوع كامل، ومن رحمة القدر أنه لم يقتلهم، ربما لأنه خاف من القبض عليه في بلد غير بلده، وإن كان قد قتلهن فلن يعرف أحد بموتهن فالفتاتين يستعملن أسماء غير أسماءهن الحقيقية .
استمرت ليزا في ممارسة المهنة رغم ذلك لكنها أصبحت تدقق في اختيار زبائنها، كما أصبحت تستقبلهم في منزلها وتفضل أن تقيم علاقة ممتدة بأحد الزبائن.









ديسمبر 2008
عندما أتممت الثلاثين في منتصف العام لازمتني حالة إحباط، لا أعرف هل تصيب جميع الفتيات أم أصابتني أنا فقط، شعرت أن حلم الإنجاب يبتعد، كنت قد تعرفت في بداية العام على شاب من مقاهي وسط البلد، صديق لأصدقائي، كان هادئا وودودا، تقربت منه، أعجبني هدوءه، بدأت أهتم بنفسي، ولاحظ كل من يعمل معي ذلك، حتى أنهم كانوا يسخرون مني إذا تركت شعري مفرودا، أو وضعت أحمر شفاه، كنت أقابله بشكل يومي، أترك العمل في حوالي الخامسة وأذهب للجلوس معه، إذا لم يكن لدي عمل ميداني، من جانبه كان يحب صحبتي.
يتبقى لي خمس سنوات إما أن أنجب أو أظل وحيدة باقي عمري، تضاءلت أهمية تحقيق ذاتي وتكوين مهنة أمام حلم الزواج والإنجاب، وأصبحت مضايقات حكمت أكثر وطأة علي.








فبراير 2016
كنت أحلم بكتابة رواية عن جمعية "فقيرة" فور تركي العمل بها، كان حلما بعيدا أخذت أتمنى تحقيقه، لكني كنت أهتم أكثر بحلم آخر و هو إنجاب طفل من أحشائي، انشغلت في تحقيق حلمي عدة سنوات، لأني استمرأت لذة الإنجاب وأنجبت طفلي الثاني بعد طفلي الأول بحوالي سنتين، أخذتني لذة الأمومة ووجعها وشغلتني عن باقي الأحلام، وكنت أحيانا أتوه في تفاصيل الحياة اليومية، وعندما استفيق أتشبث بحلم الكتابة كسقف ثابت وسط دوامة من الإلهاءات تتحرك وتغرقني فيها، بدأت فعلا في كتابة الرواية وطفلي صغيرين لكني لم استمر، الآن الأول يبلغ سبع سنوات والثاني أربعة ونصف، انشغلت أيضا بالبحث عن مهنة أخرى بعد أن سدت الطرق أمامي للعمل في منظمات العمل الأهلي وعملت في ثلاثة أماكن إلى أن جلست مرة أخرى في المنزل.










قصة رقم (23)
نجلاء
سافرت لإحدى دول الخليج، كان عمرها 23 عاما، زوجتها أمها وهي في ال16 من عمرها، من صبي قهوة بلدي، يكبرها ب15عاما، كانت أسرتها فقيرة جدا، يعيشون في الزاوية الحمراء في شقة ضيقة، وأمها أنجبت أطفال كثيرون بالكاد كان والدها يفلح في إطعامهم، من عمله في النجارة عند أحد "الأسطوات".
كان زوجها يضربها كل ليلة، يشرب البانجو ويرجع بعد عمل مجهد طوال النهار ليفرغ فيها شحنات غضبه وقهره في العمل، لم تنجب منه، ربما لأنها لا تنجب أو لأنها تكرهه، طلقها بعد أربع سنوات من الزواج، كانت تريد أن تعيش لكنه فضل أن يتزوج أخرى لتنجب له أطفال، عادت لجحر والديها، عملت خادمة لتنفق على نفسها وتساعد أمها، بعد سنوات من الخدمة في بيوت المصريين والعرب، أثنى الرجل الخليجي الذي كانت تعمل لديه في إجازته في القاهرة على أمانتها ومهارتها في العمل، وقال لها أنه يريدها أن تعمل في بيته في بلده، وافقت على الفور، فالسفر إلى دول الخليج مثل الكنز الذي عثرت عليه فجأة.
وافق أبوها وأمها، كانت هي تخشى الغربة، لكن الحلم بالنقود الكثيرة والملابس والهدايا جعل قلبها يقوى، الرجل الذي عملت لديه واسع الثراء، متزوج من سيدة جميلة، ولديه عدد من الأولاد، كانت هي ترعى أطفاله، وتجتهد في عملها، كانت فيلته فاخرة، خصص لها غرفة بمفردها، انبهرت بالطعام النظيف والبيت الفاخر، وبالحياة الجديدة.
في أحد الليالي فوجئت بزوجة الشيخ تدخل عليها الغرفة،كانت مرتدية عباءة فاخرة مطرزة بنقوش ذات ألوان جميلة، أخذت تتحدث معها عن أطفالها، ثم بدأت تتحدث عن الشيخ، وتشكو من أنه لا يقضى معها وقتا كثيرا، فدوما هو مشغول بشركاته وتجارته.
أحبت نجلاء سعي سيدتها إلى الحكي معها، ظنت أن ذلك علامة على أنها تحبها وترتاح لها، ثم أصبحت السيدة تتردد عليها ليلا، نشأت بينهما صداقة ثم فاتحتها السيدة في رغبتها فيها، لم تفهم نجلاء ماذا تقول السيدة، فقالت لها أنها تشتهيها، وأن جمال نجلاء جذبها من أول يوم رأتها فيه لكنها خافت أن تصارحها بذلك.
قبل أن تندهش نجلاء مما تقوله السيدة كانت هي قد أخذت في لمسها بنعومة وتقبيلها، لم تعرف ماذا تفعل، إذا رفضت ستغضب السيدة وربما تطردها وترجع إلى الفقر مرة أخرى، استسلمت للمساتها، قالت في نفسها لما لا تجرب، ربما تستمتع، أو ربما ترضى السيدة فتجزل لها العطاء، وتعطيها نقودا زائدة على مرتبها الذي وضعه لها الشيخ.
كانت السيدة شابة في نفس عمرها تقريبا، شعرها طويل وناعم وتفوح منه رائحة طيبة، رائحة الزيوت العطرية التي يضعونها ، وملمس جلدها كان ناعما وله رائحة مميزة، فالثراء يجعل من جسد المرأة جنة إذا أنفق عليه جيدا، بدأت مع الأيام تتلذذ بما تفعله مع السيدة، أدمنت رائحتها ونعومتها، وغنجها عندما يبدأ جسدها في الشعور باللذة، أحست أن السيدة يمتعها أكثر أن تكون نجلاء هي الفاعل، فأخذت تمارس أفعال جنسية مثل ذكر، كلما تبتكر في ذلك كلما تتمتع السيدة.
في البداية كانت تفعل ذلك فقط لتجاري السيدة وترضيها، لكنها أحبت اللعبة، لعبة أن تكون ذكر مع أنثى جميلة، تكون هي الفاعل الجنسي، وتجعل أنثى تتأوه من اللذة، تلمس وردتها، تفعصها، تلتهمها، وكأنها ذكر يفترس أنثاه، وتعض على حلمتيها، وتنتشي بسماع صرخاتها، تمادت في الأمر وتجاوبت معه من داخلها، تمارس جنسا عنيفا، وكانت سيدتها تتلذذ بذلك كثيرا، ربما لمازوخيتها التي جلبت عليها، بدأت نجلاء تشك في هويتها الجنسية، وتشكك في ماضيها، فكرت أنها ربما كرهت زوجها لأنها لم تكن تتمتع معه جنسيا، وأنها ربما كانت تميل لأن تكون ذكرا ولم تعرف ذلك إلا بالمصادفة عندما راودتها السيدة عن نفسها.
استمرت تعمل مع السيدة أربع سنوات، كانت تمارس معها الجنس كل ليلة تقريبا ،حتى أنها بدأت تغار من زوجها عندما يلمسها، وكانت السيدة تفرح بلهفة نجلاء عليها، لاحظ الشيخ أن هناك أمورا تحدث بين زوجته والخادمة لكنه لم يهتم، طالما أن زوجته لا تمارس جنسا مع رجل فلا خطر يمسه، ولا يمس هيبته الذكورية، بل أنه أحيانا كان يتلصص عليهما بمعرفة زوجته حتى تزيد رغبته فيها، فقدت السيدة اهتمامها بنجلاء بعد أن جاءت إليها خادمة جديدة أكثر جمالا وشبابا، ولم يجد الشيخ مبررا لتجديد عقد نجلاء، عادت إلى بلدها، أجرت شقة في منطقة فيصل حتى تستقل عن أهلها، رغم أنها ظلت تعولهم، قصت شعرها مثل رجل، وأصبحت ترتدي قميص وبنطلون مثل الرجال، ولم تظهر ملامحها الأنثوية بسبب امتلاء جسدها، وأطلقت على نفسها اسم حسن، لم تستطع الاستمرار في العمل كخادمة، فقررت أن تقوم بعمل يدر لها دخلا دون مجهود، أصبحت تصاحب الفتيات وتسرحهن، تجلب لهن زبائن من العرب والمصريين وتتقاضي أجرا أكثر منهن.
تجلس على أحد المقاهي في شارع الهرم، مقهى فقير في شارع جانبي، أصبح هو مقر عملها، الجميع يعرفونها باسم حسن، ويعرفون أنها كانت أنثى وفضلت أن تصبح ذكرا، الآن هي تتصرف مثل الرجال تماما، تضرب من يضايقها، وتجلس مع الرجال ولا يجرؤ أحد منهم على التعامل معها كأنثى ومن يجرؤ على معايرتها بذلك تضربه بعنف وتمنعه من دخول المقهى.
تمارس الجنس مع معظم الفتيات اللاتي تسرحهن، لكن بالإقناع فهي لا تجبر واحدة على ذلك، والتي ترفض أن تمارس معها لأنها تتقزز من الجنس بين السيدات تحترم فيها ذلك، كما أنها تحب فتاة اسمها رحاب، فتاة صغيرة تعمل مضيفة في إحدى بارات المهندسين، كل الناس حولهما يعلمون بعلاقتهما ويعلمون أن رحاب تحت حماية حسن، ورحاب لا تجرؤ على أن تحب رجلا آخر، لكنها تمارس جنسا مع الزبائن الذين تجلبهم لها نجلاء.
رحاب فتاة سمراء رشيقة، لها جمال هادئ، مطيعة، تنتمي لأسرة فقيرة هي أيضا، وتعمل لتنفق عليهم، أحست نجلاء نحوها بالمسئولية، وبأنها حمايتها في هذا الزمان الغادر، حين يضايقها أحد تندفع نجلاء فورا وتتشاجر معه، وتعلن أمام الجميع أن رحاب رفيقتها وتخصها وأن أي أحد سيقترب منها ستقتله، رحاب من جانبها تعجبها حماية نجلاء لها، لكنها ترضى برفقتها خوفا منها، فنجلاء عندما تغضب تكون عنيفة جدا، كما أنها تلاحقها ولا تترك لها فرصة في الهروب.
كانت في أول الأمر تخجل عندما يعرف الناس في البار الذي تعمل به أنها ترافق فتاة مثلها، وكانت تكذب ذلك لكن مع إصرار نجلاء على ملاحقتها، ومع تكرار المواقف الجيدة التي تقوم بها معها أصبحت لا تهتم باستغراب الناس من علاقتها الغريبة بفتاة أخرى، حتى وإن كانت تبدو أمام الجميع رجلا.







ديسمبر 2008
بدأت حكمت في تصعيد المضايقات، إما أن أنصاع وأعلن الولاء أو أذهب كما ذهب الآخرون، قررت أن أترك العمل، خاصة وأن حكمت صعدت أكثر واستدعتني وقالت لي أني سأظل في المقر الأول، وأني لن أذهب لمقر وسط البلد مرة أخرى، وأصرت أن تتعامل مع حسناء على أنها المنسقة الوحيدة وتتجاهلني تماما.
تغيبت عن العمل وتوقعت أن يناصرني أحد، لكن أحدا لم يفعل، حتى مليحة تجاهلتني، وحكمت وبختني مرة أخرى عندما ذهبت لآخذ مستحقاتي ولم تعطني مكافأة نهاية الخدمة، بدعوى أني من قررت ترك العمل.
لم أندم على قراري، في بداية الأيام، ندمت فيما بعد، بعد مرور شهر على تواجدي في المنزل بدأ الندم يأكل قلبي، ودخلت في مرحلة اكتئاب مزمن، خاصة أني لم أجد عملا بشكل سريع، وأحسست أني عدت لنفس دائرة البطالة والبحث عن عمل، وأن مراكمتي طوال السنوات الثلاث الماضية في مشروعي مع "فقيرة" لا يعني شيئا، لأن لا أحد يعمل مع فتيات الليل سوى حكمت.
ثم بدأت حكمت في ترويج الشائعات عني حتى تقطع علي أية فرصة للعمل في جمعية أخرى، قالت لجميع من تعرفهم أني مشاغبة، وغير مريحة في العمل.




قصة رقم (24)
رشا
أختها تعمل مضيفة في بار، لم تعلمهم أمهم لأن أبوهم توفى مبكرا وترك لها ثلاث فتيات، عملت هي ممرضة حتى تستطيع الإنفاق عليهن، كانت تعمل ليل نهار، ثم كبرت البنات وعرضن عليها أن يساعدنها، عملت الكبيرة بائعة في محل ملابس والثانية مثلها، ثم تعرفتا على البارات، وعملن مضيفات بها، لم تخبرا أمهما في أول الأمر ثم عرفت هي بالمصادفة، أقسما لها أنهما لا يقمن بفعل أي شيء خاطئ فقط يصبان البيرة للرجال، ولا يفعلن أي شيء آخر ووعداها أن يلتزمن بذلك حتى يدخرن مبلغ مالي كبير يرحمها من مشقة العمل.
الأخت الثالثة رشا عملت بائعة في محل قريب، مكتبة يديرها أحد الجيران، هي خجولة، و بدينة جدا، وأمها تخاف عليها، لكنها قد تذهب مع أختيها إلى البار في بعض الأحيان لتروح عن نفسها، محجبة وترتدي ملابس واسعة، أختيها جميلات وغير محجبات.
أحبت رشا شاب في الشارع، أوهما أنه يحبها، ظل يلح عليها إلى أن استجابت له ومارست معه الجنس، فهي تتواجد في البيت وحدها وقت طويل، بعد أن عاشرها حوالي شهران تركها، ورفض الزواج منها، لم تكن لديها خبرة لتعرف ما هي أعراض الحمل، وكانت الدورة الشهرية تتأخر كثيرا بسبب بدانتها، في الشهر الثالث اكتشفت الأمر، في الواقع أمها هي التي اكتشفت.
كانت مصيبة بالنسبة لها، خاصة وأنها أتت من ابنتها الخجولة التي لا تخرج كثيرا ولا تختلط بأحد، لم تتعامل أمها بعنف ولم تضربها، فقط سألتها بهدوء عن الشاب، اعترفت لأمها بكل شيء، رفض الشاب الزواج من رشا، واستهان بأمها، لأنه لا يوجد رجل يحميهن، لم تعرف أم رشا ماذا تفعل، فلو أجهضت ابنتها ربما تموت، خافت عليها، خاصة وأن رشا طيبة ولا تؤذي أحد، وهي في النهاية ابنتها ولا تستطيع التسبب في موتها.
اتفقت الأسرة على ترك الحمل، خاصة وأن رشا بدينة ولن يظهر اختلاف كبير عليها، جلست رشا في المنزل طوال شهور الحمل، وتركت العمل، تابعتها أمها، في ميعاد الولادة استعانت بطبيب تعرفه، قام بتوليد ابنتها في عيادته، وأقسم على الحفاظ على السر، أخفوا الطفلة التي ولدتها رشا عند إحدى صديقات أمها، ثم بعد شهر ادعوا أن امرأة غريبة تركت الطفلة أمام منزلهم، وإنهم أمسكوا بها لكنها هربت بعد أن قالت لهم أنها فقيرة ولا تستطيع الإنفاق عليها، استعادت رشا طفلتها، وفرحت جدا بذلك، وكانت تصطحبها معها في كل مكان، وعندما يسألها أحد عن الطفلة تكرر حكاية السيدة التي تركتها أمام شقتهم.
قابلت رشا في كوافير عم حامد، الذي أتردد عليه والمنسقات، كانت بصحبة أختيها، لاحظت غرابة شكلها بالنسبة للمكان فهي محجبة ومحتشمة، حكت رشا حكاية طفلتها المزيفة، ثم ترددت على الجمعية عندما عرفت أنها تقدم خدمات قانونية ولديها محامي مجاني.
في المقر حكت حكايتها الحقيقية، ووعدتها حكمت أن تقوم بعمل تحليل "دي إن إيه" لها، حتى تجبر الشاب على الاعتراف بابنته، لم تهتم رشا بعد ولادة طفلتها بالفضيحة أو أن يكشف سرها، اهتمت فقط بأن تحفظ لابنتها نسبها حتى تستطيع أن تلحقها بمدرسة وتربيها تربية جيدة، وحتى لا تصبح حاملة لوصمة العار طوال حياتها وأنها فتاة بدون أب، مؤكدة أنها لا تريد أن تتزوج ولا تريد سوى ابنتها، ظلت حكمت تماطل في عمل تحليل "دي أن إيه" لرشا، لأنه وقتها كان يتكلف نقودا كثيرة، وحكمت كانت تريد أن تحصل ثمنه من ميزانية المشروع، حتى لا تضطر أن تدفعه من جيبها، رغم أنها تحصل نقودا كثيرة وثمن التحليل كان لا يعني شيئا بالنسبة للأموال التي حصلتها.
لا أتذكر جيدا إذا كانت رشا استطاعت أن تحصل من حكمت على تحليل "دي أن إيه" أو لو كانت استطاعت إثبات نسب طفلتها، لكني أتذكر جيدا أنه كانت هناك حالات إثبات نسب كثيرة في ذلك الوقت، وأنها تجاوزت الآلاف، وأن هذا الرقم أرعبني جدا، هذا بالإضافة إلى الحالات التي خافت الأمهات فيها أن تذهب للمحاكم وتقاضي أبو طفلها خوفا من الفضيحة أو من أهلها، وأن هناك بعض الدول استطاعت أن تجد حلا لهذه المشكلة بنسب الطفل إلى جده لأمه، حتى لا يضيع هؤلاء الأطفال.
بالإضافة إلى مشكلات أخرى كثيرة، منها أن الطفل الذي لا شهادة ميلاد له لا يحق له تلقي التطعيمات الضرورية، التي تحافظ على بقاءه حيا في أول سنتين من حياته، مثل تطعيم شلل الأطفال، والحصبة والدرن، وقد كانت منال تسعى مع بعض الفتيات لتطعيم أطفالهن، الذين ليس لهن شهادة ميلاد، وكانت تعاني كثيرا مع موظفات الصحة واللاتي كن يصرون على وجود شهادة الميلاد، لأن دفاتر وزارة الصحة تطالبهن بذلك، بالإضافة إلى التعامل باحتقار مع منال ومع الفتاة التي لديها طفل تريد تطعيمه، ويسمعن السباب والشتائم.







يناير 2009
ازداد اكتئابي، وأصبحت أمرض أمراضا جسدية، وقلت مرات مقابلتي للفتي الذي أحبه، أخذت أفرغ شحنات اكتئابي فيه، ثم اتفقنا على الزواج، وبدأنا في اتخاذ الاجراءات لذلك.
تزوجت شيرين من زوجها السلفي، أحست بالأمان والاستقرار أول عام في حياتها، حينما كان زوجها ما زال ملهوفا عليها ويشتهيها، كانت تحدث المشاجرات بينها وبين حماتها لكنها سريعا ما كانت تنتهي بسبب رعاية زوجها لها واهتمامه، حملت شيرين في شهور الزواج الأولى، فرحت كثيرا بحملها، وزوجها أيضا، سمي الطفل"عبد الرحمن" وكان يكلمه وهو في بطنها، ويداعبها دوما بأم عبد الرحمن، ولدت طفلة، تغيرت ملامح حماتها حين أتت لزيارتها في المنزل، وتغيرت معاملتها تماما، أصبحت أكثر سوء، زوجها حزن قليلا لكنه هون عليها الأمر.
- إنشاء الله المرة الجاية يكون ولد.
انشغلت شيرين في تربية طفلتها، ونست تماما حياتها السابقة، كانت تحن بين وقت وآخر لبعض الأصدقاء، أعادت التواصل مع بعض صديقاتها، كنت أنا منهن، كانت تتلهف على معرفة أخبارهن وأين ذهبت بهن الحياة، تهاتفهن لوقت طويل، لتبدد إحساس الوحدة، ولكي تقارن مصيرها بمصير صديقاتها، ترتاح أحيانا عندما تعرف أنهم يعانين مثلها، سواء من زوج سيء، أو من قلة العمل، أو من أية مشاكل أخرى.
فحقدها يتزايد عندما تعرف أن أحد من أصدقائها تحقق في حياته وأصبح متميز مهنيا، تشعر وقتها بالوحشة وتتخيل نفسها وهي ناجحة مهنيا مثلهم وتتحسر، كنت أحب مكالمتها، فتواصلها معي يدعمني نفسيا.
أنجبت شيرين فتاة أخرى، وبدأت معاملة زوجها تتغير، خاصة عندما توبخه أمه، وتطلب منه أن يتزوج بأخرى لتجلب له الذكر، كما أن الزواج نفسه يسير إلى الملل بعد وقت، تضاعف المجهود على شيرين بإنجاب طفلتين لكنها مع ذلك كانت تنتوي إنجاب طفلا آخر عله يكون ذكرا هذه المرة.
سافر زوجها إلى إحدى دول الخليج، وتركها بمفردها، لا تعلم أهي سعيدة أم متضايقة لغيابه، هي تعرف جيدا أنها متحمسة لسفره لأن ذلك يعني نقودا أكثر، لكنها أصبحت وحيدة، رغم أنها تسكن في شارع قريب من أمها إلا أنها تقضى طوال اليوم بمفردها مع الطفلتين، أحيانا تدخل الانترنت لتحدث زوجها، فقد اشترى لها حاسوبا خصيصا قبل سفره لكي يستطيع التحدث معها كل يوم.
بعد عام التحقت به في البلد التي يعمل بها، تكاليف الحياة هناك مرتفعة، طلبت منه أن تعمل رفض، ثم مع إلحاحها وافق، عملت مدرسة بإحدى المدارس، وحملت مرة أخرى، عندما أصبح لها راتبا أصبحت أقوى في مواجهة زوجها وذلك جعله يستاء منها، وقرر أن يمنعها من العمل، صارت مشاجرة كبيرة بينهم، وعرفت أنها إذا استمرت في تحديه سوف تخسر، لذا فقد اختارت طريق الاستسلام ، وألحت عليه في ود أن تستمر في عملها، وافق لأنها أظهرت ضعفا تجاهه.
أنجبت طفلة ثالثة، وأصبح الأمل في إنجاب الذكر معدوما، لكنها مع ذلك قررت في نفسها أنها ستظل تنجب حتى تأتي لزوجها بالذكر، وزاد هاجسها، خافت من أن يتزوج مرة أخرى، ولم تعد تلح عليه في أن تسافر إلى مصر لتقضي بعض الشهور مع أمها، قالت في نفسها ربما يتحين فرصة ذهابها إلى أمها ويتزوج ثم يتركها مع أمها إلى الأبد.
من داخلها لم تعد تشعر بالأمان والاستقرار، توهمت في السابق أنها ستشعر به بعد الزواج، لكن إنجابها للبنات، ومشاكل الحياة وتوق زوجها لإنجاب الذكر أصبحت عوائق تمنعها من الشعور بالأمان، تعيش حياة بائسة، فهو يقضى معظم وقته في العمل ثم في الجلوس مع أصدقائه.
تربي أطفالها ذلك أصبح هدفها الوحيد تربية أطفالها وتنشئتهم بشكل جيد، وتعليمهن تعليما صالحا، أحيانا تتحسر على حياتها السابقة وعلى تركها للعمل في منظمات العمل الأهلي، وتتخيل مصيرها إذا كانت استمرت في العمل ولم تسعَ إلى الزواج وارتداء النقاب، ثم تفيق وترضى بحالها وتشكر الله على أطفالها وعلى نعمة وجود بيت وزوج يُنفق عليها.












فبراير 2016
تحمست هذه المرة، وانتويت التركيز في تحقيق حلمي، فتشت في حاسبي الآلي و تصفحت ملفا كنت قد تركته منذ تركي للعمل ب"فقيرة"، لا بل بعد ذلك بعام، بعد تركي ل"فقيرة" تزوجت، وكان حظي جيدا حيث حملت بطفلي سريعا، وقررت وأنا في هدوء بيتي الجديد أن أدون حكايات الفتيات اللاتي تعاملت معهن طوال سنوات عملي بفقيرة، كنت وقتها أفكر في عمل دراسة أسجل فيها حالات مختلفة لبيع الجسد، سجلت حكايات كثيرة، طورت الاستمارة المتعمقة التي كنا نسأل منها الأسئلة للفتيات، أضفت بعض الأسئلة إليها وملأتها بحكايات الفتيات اللاتي عايشتهن، وفتيات قليلات لم أتعامل معهن كثيرا لكني سمعت جلساتهن المسجلة وعرفت حكايتهن، واحتفظت بهذا الملف طوال تلك السنوات، كنت أعرف أني سوف احتاجه، الآن بعد مرور عشر سنوات على بدء عملي في "فقيرة" أجد صعوبة في تبرير كتابتي للتجربة، وسبب تأخري، لكن الجمعية لازالت تعمل حتى الآن مع فتيات الليل، ولازال البرنامج الوطني لمكافحة الايدز التابع للأمم المتحدة يمول المشروع، ولازالت حكمت تحتكر العمل على هذا المشروع ولا تسمح بدخول جمعيات أخرى إلا تحت رعايتها، أحد أسبابي أني كنت أتمنى أن أفضح معاناة الفتيات اللاتي تهرسهن رأسمالية دول العالم الثالث العرجاء، وتشاهد المنظمات الدولية هذه المعاناة وتساهم في استفحالها بسكوتها عنها وتبريرها وترسيخ فكرة أن الدعارة مهنة خاضعة لقانون العرض والطلب.




قصة رقم (25)
لبني
تشبه لبنى عبد العزيز، فتاة سمراء لطيفة، لم تكن كذلك، كانت تجلس على مقاهي الهرم شعرها قصير ناعم، ترتدي بنطلون وبلوزة يبرزان مفاتن جسدها، تتكلم بسخط عن الحياة، عندما سألتها عن نفسها أجابت أنها كانت طالبة في الجامعة العمالية ،ولم توضح سبب تركها للجامعة أو سبب تسكعها على مقاهي شارع الهرم، تكلمت باقتضاب ولم ترحب بفكرة المجيء إلى الجمعية، وأخذت تسب في الذكور، وفي طمعهم وندالتهم، كانت عينيها مليئة بالحزن واليأس، لم أحب عدائيتها.
مع ترددي على المقاهي في عمل الميدان، رأيتها عدة مرات بشكل خاطف، تذكرتها بسبب عدائيتها وملامحها التي تذكرني بممثلة شهيرة، ثم فوجئت بها في أحد المرات مرتدية الحجاب وملابس متسخة من العمل، وابتسامة تعلو وجهها، تغير وجهها تماما وتحولت نظرة عينيها والغريب أنها هذه المرة صافحتني وتكلمت معي، سألتها عن أحوالها:
- الحمد لله اشتغلت.
- طب حلو اشتغلتي فين؟.
- في محل كشري.
- طب اشتغلتي إيه؟.
- باخرط بصل، تعالي أوريكي.
- يا حبيبيتي كل البصل ده بتخرطيه؟.
- آه ده في يوم واحد كمان يجي شوالين.
- ربنا يعينك إنتي جدعة، وبتنامي فين؟.
-بأنام في المحل علشان أول شهر اشتغل، بس لما أقبض هاحاول أأجرلي مكان.
-إنتي جدعة بجد ربنا هايوفقك.
-كده أحسن من المرمطة شغلانة شريفة وعيش حلال.
-وبكرة ربنا يرزقك براجل يقدرك.
-آه الحمد لله فيه واحد كده لما لاقاني اشتغلت في محل الكشري فرح بيا ودايما بيسأل عليا.
-ربنا يوفقك معاه، أنا على طول هاسأل عليكي.
-ربنا يخليكي.
فرحت جدا بلبنى، أعطتني أمل في الحياة كنت بدأت أفقده، أشفقت عليها قليلا من عمل شاق ومجهد لكني أحسست بقوتها وقدرتها على النضال، هذا هو النضال الحقيقي فهي تحاول أن تغير المصير المرسوم لها وتتحمل لأجل ذلك أشياء صعبة، لكن الأمل يطل من عينيها والفرحة وتقدير الذات، أصبحت تقدر نفسها وتعطيها ثمنا أعلى بكثير مما يعطيه لها الناس.





فبراير 2009
انشغلت بحلم الزواج، أخرجني الحلم الجديد من اكتئابي، وامتلأت بأمل البدايات، لم أهتم بصعوبة عملي في منظمات العمل الأهلي مرة أخرى، بسبب إصرار حكمت على معاقبتي، رغم أني فعليا لم أفعل لها شيئا، وفكرت في عمل مشروع صغير حتى لو حضانة أطفال حتى لا أحتاج للعمل في دكاكين حقوق الإنسان والتنمية.
استمرت منال وسهير تعملان في مجال حقوق الإنسان كل واحدة منهما أنشأت المنظمة الخاصة بها، طورت سهير من نفسها وحصلت على مؤهل عال، كما سعت منال لأن تكمل شهادتها الجامعية، الاثنتين طردتهما حكمت بطريقة سيئة أيضا، ولم يتبق في مشروع حكمت أحد من المنسقات الست اللاتي بدأن معها العمل سوى هاجر والتي أعادتها حكمت بعد طردي بوقت قصير، أعادتها لكنها وظفتها في مشروع آخر غير مشروع التوعية بالفيروس المسبب لمرض الإيدز، تطورت هاجر وأصبحت مدربة كما أنها التحقت بإحدى الشركات الخاصة بجانب عملها مع حكمت.








قصة رقم (26(
أم حنين
بلغت عمر 55 ، امرأة ملامحها قبيحة، وضحكتها مفتعلة، نشأت في أسرة فقيرة، أسرتها من الشرقية ونزحت إلى القاهرة في زمن بعيد، تزوجت من سائق، أنجبت له ولدين وثلاث فتيات، مرض زوجها واضطرت إلى النزول للعمل، ولأنها لم تتعلم عملت فراشة في أحد المدارس، أحبت سائق أتوبيس، كان ينفق عليها وتمارس معه الجنس، علم زوجها بالأمر، وأصبح يضربها كثيرا، لكنه لم يستطع تطليقها فهو مريض وهي تعوله هو وأطفاله، ثم أصبحت ترافق رجالا آخرين ينفقون عليها.
لم تدخل أيا من أطفالها المدارس، وكان كلما يكبر أحد منهم تجعله يعمل، الفتيات خادمات والذكور يعملون لدى ميكانيكي أو نجار، مات زوجها، وأصبحت تحضر الرجل الذي ترافقه إلى منزلها، تعرفت ابنتها على طريق بيع الجسد، وافقتها على ذلك ولم تمنعها، بالعكس رأت أن هذه فرصة جيدة لكسب المال، التحقت أختها الأخرى بها وكلتاهما تزوجا من قوادين، ثم تحول ابنها الكبير إلى قواد هو الآخر وتزوج امرأة تفتح بيتها للزبائن، لم يبق سوى حنين وأخ أصغر منها، هما فقط من كرها الدخول في هذه المهنة.
لها أختين متزوجتين ولا يعرفان بمهنتها، وهي غالبا لا تزورهن، ظلت وراء ابنتها حنين حتى ألحقتها بالمهنة هي أيضا وكانت تأخذ النقود منها لتنفقها على أي رجل ترافقه، فقد كبرت في السن وهجرها الرجال، تحب تعاطي الحشيش والطعام الجاهز والحياة المرفهة التي توفرها لها حنين، حين توقفت ابنتها عن العمل فترة كانت تلح عليها وتضغط عليها كثيرا لتعود للمهنة.
أحيانا توقف سيارة وتعرض على الزبون جنس فموي، وتأخذ 50جنيه، لكن نظرا لسنها وملامحها لا تحصل كثيرا على هذه الفرصة، يكرهها أولادها جميعا، يحملونها ذنب حياتهم السيئة، يقولون لها:
- لوكنتي علمتينا زي بقية الناس أو حتى اشتغلتي شغلانة محترمة مش يمكن حياتنا كانت اتغيرت؟.
- هو أنا عملت إيه كنت عايشة في فقر طول عمري، ذنبي إني حبيت أعيش وأخلص من الشغل وهده الحيل، وبعدين ما أنا شقيت عليكم طول عمري ولا حد فيكم قدر الجميل وشالني.
-نشيلك إيه هو إنتي بتشبعي؟، ما إنتي بتاخدي فلوسنا تديها للرجالة.
تقريبا كل أولادها يقولون لها نفس الكلام، حتى حنين التي كانت تحن عليها أكثر من الباقيين عندما تزوجت من رجل عربي تنكرت لها، ورفضت أن تصطحبها معها في الشقة التمليك التي جلبها لها، فوجدت نفسها مضطرة للعيش مع ابنتها الكبيرة التي تدير بيتها، في فيصل بعد أن كانت تعيش مع حنين في شقة مؤجرة إيجار جديد، ابنتها الكبرى تجعلها تعمل بلقمتها، تخدم الزبائن وتنظف الشقة وترعى أطفالها أيضا، ولا تقدر أنها كبرت وتحتاج إلى الراحة.





يونيو 2009
تزوجت في آخر مارس، وفرحت كثيرا عندما عرفت أني حامل، أصبح جسدي عالمي من جديد رضيت عنه، فقد أعطاني ما تمنيت، كنت أخشى ألا أستطيع الإنجاب وأدخل في مشكلة كبيرة لن أستطع تقبلها، لكن حملي أعاد التصالح بيني وبين جسدي، ورجع هوسي به مشتعلا، لكنه هذه المرة هوس مختلف، هوس بقدرته العجيبة على خلق حياة جديدة، كيف يكون جسد الأنثى بهذه الروعة، يستطيع أن يحول بويضة صغيرة وحيوان منوي لا يُرى بالعين إلى كائن لطيف ومحبب.
انبهرت بقدرة جسدي على تكوين عظام الجنين وخلاياه وجلده، وظللت أقرأ عن ذلك، وأشعر به أيضا، أتخيل شكل الطفل ومراحل نموه وكيف أصبح شكل وجهه وأعضائه، أحسست أني من أصنع طفلي بنفسي، بحبي وحناني، اهتمامي بالتغذية والفيتامينات، حتى أن حالتي النفسية تتدخل أيضا في صناعة طفلي وتكوينه، زاد وزني كثيرا، لم أهتم كل هدفي أن أصنع طفلا قوي البنية، حتى وإن أدى ذلك إلى ترهل جسدي فيما بعد وانتفاخه.







فبراير 2016
بدأت أكتب في ذهني، أتخيل شكل الرواية الأمثل، كنت أعرف أنها ستكون رواية طويلة، واحترت كيف سأنسج قصص الفتيات مع قصة الجمعية وحكمت وباقي المنسقات، وكنت كلما أجلس أمام الحاسب الآلي أتوتر ولا أستطيع الكتابة، أشعر أن الحكايات مبعثرة هنا وهناك، عندما قرأت الاستمارات التي ملأتها للفتيات وجدتها مقتضبة جدا، تفي بغرض عمل دراسة لكنها لا تفي بعمل حكايات وتفاصيل ورسم شخصيات، وتذكرت أني كنت أؤجل دوما كتابة الرواية لأني كنت أشعر أنه عمل ضخم بالنسبة لرواية أولى لكاتبة مبتدئة، وكنت دوما انتظر حتى أنضج وتثقلني الحياة، أخذت أتقلب في حالة الكتابة المقلقة عدة أيام، أرسم في ذهني تفاصيل وأعجز حينما انتوي كتابتها، ثم شحنت نفسي بشحنة حماس كبيرة، معتمدة على خوفي من بلوغ الأربعين دون تحقيق حلم الكتابة، حلم حياتي، أصبحت في الثامنة والثلاثين، ليس لي مهنة معروفة، عما قريب سيكبر أولادي وانظر للسنوات التي أنفقتها وأتحسر، هيئت نفسي، سأختار أن أكتب وأراكم في هذه المهنة، علني أستطيع كتابة روايات جيدة.







قصة رقم (27)
رانيا
جاءت من البحيرة لتجد عملا، تزوج جميع أشقاءها، وتوفى والداها وبقت هي في البيت بمفردها، نزلت لتبحث عن عمل، عاشت فترة لدى خالة لها، كانت تعمل كراعية لمسنين، رآها أحد الرجال وأعجب بجمالها، عرض عليها أن يتزوجها، وافقت، قال لها أنه سيعوضها عن حياة الفقر، لكن أهله رفضوا زواجه، خاصة من فتاة ريفية بلا شهادة وهو مهندس وكبير في السن وأولاده جميعهم كبار ولديهم أسرهم.
عرفتها من هيثم، قواد في منطقة وسط البلد، يجلب الزبائن للفتيات، كما يعمل هو أيضا بالمهنة مع الأغنياء، تحدثت معي بسهولة ونشأت بيننا صداقة ما، فرانيا تكرر الكلمات، وتتحدث كثيرا لتحكي بعض التفاصيل البسيطة، لم أجد صعوبة في فهمها بل تعاطفت معها وأحسست أنها بريئة ولديها سذاجة الفتاة الريفية التي لا تعرف شيئا في الحياة.
عندما جلبتها إلى مقر الجمعية أخذت المنسقات تسخر من رانيا – من ورائها طبعا- لأنهم لم يفهموا من حديثها شيئا، وتعجبوا من أني أفهمها، حتى مليحة أصبحت لا تطيق التحدث معها، وعندما تدخل من مقر الجمعية يرسلونها فورا إلى ويقولون لي وهم يغمزون
- صاحبتك جات يا دفا.
اعتبرتها صديقتي بالفعل، ليس هي فقط بل وبعض الفتيات اللاتي اقتربت منهن وكنت أعتبرهن صديقات، رانيا لم تقل تفاصيل كثيرة عن حياتها، ولم أعلم سبب ذلك، أهو خبث منها حتى لا تكشف حياتها لأناس لا تعرفهم وجمعية لا تفهم أهدافها، أم أنها تحترس مع الجميع، أم أنها أساسا ليس لديها تفاصيل تخفيها.
ظلت تتردد على الجمعية في التدريبات، وفي المناسبات التي يدعونها لها، كانت محايدة طوال الوقت، لم تبين استياء أو قبول لمهنتها، ولم تحكي عن تفاصيل جنسية تخصها، على الأرجح كانت تخجل من الحكي في مثل هذه الأمور، كانت مثل فتاة عادية أقابلها في المواصلات وأحكي معها.
وكانت دوما ما تحكي عن رفيقاتها في المهنة بحقد، تحسدهم على مهاراتهم في التعامل مع الزبائن، وعلى إمكانياتهم المادية، أو قدرتهم على جلب أموال أكثر، كما كانت تتحدث عن هيثم بسخرية بسبب أنه مثلي، وكانت لا تزال محتفظة بخجل بدائي، قررت أن أكتب قصتها لأني فقط أعتبرها صديقة وأحببت أن أتذكرها.











فبراير 2010
مرت الشهور ببطء، ولم تُشبعني تحركات الطفل اليومية، كنت أريد أن أراه أمامي وألمسه، أشعر به حيا بين يدي، وظلت الهواجس تلاعبني، وتفرغت تماما للحمل، في الشهور الأخيرة لم تعد لدي قدرة على فعل أي شيء آخر.
حان موعد الولادة، ذهبت لأمي في آخر شهر من الحمل حتى تعتني بي، كان حجمي قد تضاعف وأصبحت بطني منتفخة بشكل ملحوظ حتى أن من يراها كان يظن أني حاملا في توأم، أخبرني أحد الأطباء الذين ذهبت إليهم أني لن ألد ولادة طبيعية فطفلي كبير الحجم، كنت قد عاينت الولادتين القيصرية والطبيعية على شبكة الانترنت، وعرفت أن الاثنتين لا تخلوان من الألم، وللأسف أنا أخاف من الألم بشكل مرضي، رجحت في ذهني الولادة القيصرية، رغم أنها تستفتح بطني وأتألم كثيرا إلا أنها أكثر أمانا للطفل حيث أن الولادة الطبيعية تكون مجهدة للطفل وقد تخلف حوادث سيئة.








قصة رقم (28)
هيثم
عمل برنامج الأمم المتحدة على التوعية عن الفيروس المسبب لمرض الإيدز مع المثليين جنسيا أيضا، كان ذلك في 2006، حيث دخلت حكمت في هذه "السبوبة"، وساعدت البرنامج في ملأ استمارات دراسة أولية عن المثليين قام بها البرنامج، وكانت تشغل فيها بعض الذكور من معارفها.
في أحد الأيام استطاعت مليحة أن تصل إلى أحد المثليين عن طريق بعض العاملين في هذه الدراسة التي قام بها برنامج الأمم المتحدة، اتفقت على مقابلته في أحد مقاهي وسط البلد، كانت أهمية هيثم تكمن في كونه قوادا وليس مثليا، أخذتني معها، في المقهى جلست ومليحة وهيثم، شاب وسيم مهتم بمظهره، قمحي اللون، يبرز ثديان صغيران له من تحت ملابسه، تعامل بتحفظ في البداية، وكان خجولا بعض الشيء، لكن مليحة استطاعت أن تكسر حاجز الجليد بينهما، وظللت أشاهد الحوار.
وافق هيثم على تعريف "فقيرة" بالفتيات اللاتي يعملن معه، وهاتف رانيا، وجاءت بعد نصف ساعة، توليت التعرف على رانيا وتعريفها بالجمعية فقد كلفتني مليحة بذلك.
فيما بعد تقابلتُ مع هيثم عدة مرات وذلك لكي يعرفني على فتيات أخريات، لم يعرفني هيثم على فتاة أخرى، لكنه في المرات القليلة التي قابلته فيها كان يحكي عن حياته، كان يتعامل معي بحميمية مثل فتاة، حكي عن والده الذي كان يضربه بقسوة وهو طفل، حتى أنه كان يجلده بالحزام حينما يفعل أي شيء لا يعجبه، مؤكدا أنه يكرهه حتى بعدما كبر وتجاوز الخامسة والثلاثين من عمره.
كانت أمه حنونة وطيبة، بدأ يشعر بميله للرجال منذ كان طفلا، بدأ الأمر ببعض الألعاب التي كان يقوم بها مع أصدقاءه، ثم أحس أنه يستمتع بها كثيرا، ويستمتع بصحبة النساء.
في مراهقته اتفق مع صديق له، وسمح له بممارسة كاملة، وظلا معا عدة سنوات، يتقابلان في بيت هيثم، إلى أن اكتشف والده ذلك، كان الخبر مفزعا لوالده، استشاط غضبا وضربه ضربا مبرحا، وطرده من المنزل، توقف هيثم عن التعليم وأصبح يعمل في مهن سيئة ليستطيع أن يعيش، ثم هداه عقله أن يكتسب من جسده، فأصبح يرافق المثليين من الأغنياء مقابل أن ينفقوا عليه، ويعطونه نقودا، وامتد الأمر إلى أن أصبح قوادا فقد زادت معارفه، واتسعت علاقاته بالأغنياء، وأصبح لديه شقة تمليك يعيش فيها وحده، كما أصبح يفعل ما يحلو له، يأخذ هرمونات لكي يُكبر ثدييه ولكي تصبح بشرته ناعمة مثل بشرة الإناث.
ظلت أمه تتواصل معه، وأخته أيضا، رغم رفضهما لما يفعله إلا أن أمه لم تستطع أن تحرم نفسها منه، تقابله من وراء ظهر أبيه الذي فكر في أحد المرات في قتله، مع مرور السنوات تقبلت أمه الأمر، حتى أنها أصبحت تسخر منه، وتأخذ ميله الجنسي للذكور موضوعا للمرح.
لم أكن أحدد موقفا نفسيا تجاه هيثم، مثلما لم أفعل مع فتيات الليل، لأني أعمل معهم وأقبل بالتعامل معهم، وأيضا لأني بعدما تعاملت مع فتيات الليل والمثليين تبددت كل الأفكار المنتشرة والتقليدية عنهم لدي، هم بشر لهم لحظات ضعفهم، ونقاط قوتهم، كما أن أدانتهم تضعهم دوما في خانة المنبوذين، ويؤثر ذلك بالضرورة على حياتهم، وقد يؤدي إلى انهيارها، كما أن أفكاري عن الحياة أصبحت أكثر مرونة وعرفت أن التنوع تكوين أساسي من تكوينات الطبيعة.
أخبرني هيثم عن عالم المثليين، فوقتها كان مكان تجمعهم أمام كنتاكي ميدان التحرير، يتقابلون هناك، أو يتفقون على المصلحة، وعرفت أن عدد المثليين لا بأس به، صحيح أنه لا توجد إحصائيات لرصدهم، لأنهم يعيشون في الخفاء ويهربون من الوصمة الاجتماعية والملاحقة القانونية، ومن غضب العائلة الذي قد يطيح بهم، المثليين الأغنياء لا مشكلة لديهم، ليهم مساحة أكبر لممارسة ميولهم الجنسية، والتخفي، وأغلبهم يسعى للزواج من فتاة حتى يرضي أهله ويكون مقبولا اجتماعيا، ويمارس ميوله دون معرفتها.
أما المثليين الفقراء فمشكلتهم أكبر لأنهم غالبا ما يفضح أمرهم ويضطروا إلى دخول في صراع مع الأهل ونسبة منهم يمارس الجنس بمقابل مادي.
في عالم الممارسة المثلية بين الذكور يسمى الذكر السلبي الذي يتعامل مع نفسه على أنه أنثى وفقط"كوديانة" وهذا الذكر يعامل على أنه أدنى من ذلك المثلي الذي يستطيع الممارسة كذكر وأنثى.
جاء هيثم إلى مقر "فقيرة"، كان لديه موعد مع محامي الجمعية، ذلك لأنه تعرض لحادث بشع، فقد أعجب بشاب في المقهى الذي يواظب على الجلوس عليه في وسط البلد، كان الشاب يعرفه، فهيثم معروف في المنطقة، أخذ يُغازل الشاب، وتجاوب معه، لأنه كان ينتوى سرقته.
ذهب معه إلى منزله، ظل هيثم يُغازله بجرأة والشاب يفتعل القبول، تناولا الطعام معا، وعندما بدأ هيثم يداعب جسده انقض عليه الشاب، جرحه في وجهه حرجا كبيرا وأخذ يسبه بألفاظ نابية، وطلب منه إحضار كل الأموال التي معه وممتلكاته الثمينة.
هيثم كان حزينا على وجهه أكثر من حزنه على ممتلكاته، كان يخبر الجميع أن الشاب جاء إلى منزله بنيه سرقته، وأنه ما أن فتح الباب ليعرف من يطرق عليه حتى هاجمه، لكن القصة الحقيقية عرفتها من رانيا.
تعاملت الشرطة مع هيثم بشكل سيء، ولم تهتم بالبحث عن من اعتدى عليه لذا لجأ إلى محامي الجمعية لكي يسترد ممتلكاته، خاف أن يلجأ لمحام آخر فيعامله باحتقار مثل الباقيين.

فبراير 2010
ارتعبت حين حدد لي الطبيب موعد الولادة هربت الدماء من وجهي، كان ذلك في الشتاء القارص، وكان موعد الولادة في عيادته الخاصة في الثانية صباحا، ذهبت إلى العيادة قبل الموعد بساعتين جلست وأمي في الغرفة وأنا أقاوم انقباضه قلبي وأمي تقرأ القرءان لتقاوم خوفها، عرفت في هذا الوقت كل مخاوف السيدات اللاتي أنجبن، واللاتي يتعالي عليها الذكور ويعتبرونها أمورا دونية تخص النساء وحدهن.
خوف من الموت وترك الطفل وحيدا دون أم، وخوف من إيذاء الطفل أثناء الولادة وفقدانه، وخوف من الألم المبرح والذي لا يتحمله الرجال أنفسهم.
- ماما أنا مرعوبة.
- اقري قرآن وإنتي تهدي.
- ربنا يستر، لو جرالي حاجة ربي الولد إنتي.
- اسكتي ما تقوليش كده هاتقومي بالسلامة وتربيه إنتي.
دخلت إلى غرفة العمليات وأنا أقرأ القرآن، تجاهلت حدة الممرضات ولامبالاتهن، استسلمت للخدر الذي سببه البنج لي، أحسست أن عقلي كان يدور بالأفكار لكني لن أعرف أبدا فيما كانت أفكر، أول إحساس بالوعي كان وأنا على سرير معدني وسيدتان يحركنني بعنف، وأنا أتألم من حركاتهما المتخبطة، نادت إحدى الممرضات على أهلي ليحملونني معهم فأنا ثقيلة في الوزن، حملني أخي وزوجي، ووضعاني على السرير بالغرفة، سمعت صوت كأنه يشبه الآهة إنه صوته، طفلي، لم أستطع تحريك رأسي، قالت لي أمي في نبرة فرح:
- شفتي يا دفا، شفتي الواد، طلع قمر ومبقلظ، زيك لما اتولدتي كنتي مبقلظة زيه كده.
لم استطع الرد، كنت استمع لحوارت أهلي في الغرفة وأنا لازالت مخدرة.
قلت لهم بعد وقت:
- وروهوني طيب.
قربته أمي مني لأراه لأني مازالت لا أستطيع تحريك جسمي.
كان قمرا بالفعل شعره طويل وناعم ووجهه مدور وأحمر، ويصدر صوتا غريبا وعينيه الجميلتين مفتوحتين.
أطعموه يانسون لأني لا أستطيع إرضاعه، قالت الممرضة لهم أني سأرضعه عندما أذهب إلى المنزل واستعيد وعيي تماما، ويفضل أن يكون ذلك في اليوم التالي.
-الألم شديد، قولوا للممرضة تحطلي مسكن.
مع استعادة وعيي بدأ الألم الحاد، كأن أحدا يمسك بسكينا ويشق بطني، لم أستطع التأوه حتى بسبب الخدر، أحس بتصاعد الألم، ظللت ساكنة، حتى لا أشعر بالألم أكثر فأية محاولة للتحرك مني تجعلني أتألم، أطمأننت أنهم يرعون الطفل ويطعمونه يانسون دافئ واستسلمت للنوم، بعد ساعات قليلة لم أقاوم رغبة أن أصور الطفل، أخذت أتحرك حركات قليلة حتى أستطيع أن أتصور معه، ثم طلبت مني الممرضة أن أتحرك حتى استطيع الخروج من العيادة، الحركات تسبب لي ألما مرعبا، أخذت أتحرك وأنظر لطفلي حتى أتقوى.
ذهبت للمنزل، تركت وطفلي وحدنا في غرفتي القديمة التي تربيت فيها طفلة، نمت كثيرا وأنا أشعر بإجهاد لم أشعر به في حياتي، وفي المساء استيقظت على صوت بكاءه، لم أعرف ماذا أفعل له يبكي كثيرا، وأنا لا أستطيع التحرك بسبب الجرح، تحاملت على نفسي لأني أشفقت على أمي وخفت أن أوقظها، حملته بين ذراعي، لأن الممرضة البلهاء قالت لي أني يجب أن أرضعه في اليوم التالي، عرفت بعد ذلك أني يجب أن أرضع طفلي بعد أن استفيق، ظلت أهدهده وهو يصرخ ثم جاءت أمي وأخذته مني وجعلته ينام.
في اليوم التالي أخرجت ثديي وأعطيته للطفل، لم يكن يعرف ماذا يفعل؟، ظللت أدخل حلمتي إلى فمه وهو لا يفعل شيئا، بعد دقائق امتص حلمتي، كانت لحظة سحرية لم أشعر بجمالها من قبل، دوما ما تلهفت عليها وتمنيتها خاصة عند رؤية طفل صغير على صدر أمه، الآن أصبح لدي طفلي الذي أرضعه وأرويه وأسقيه من حناني، كان طفلي نهما، يرضع كثيرا ويبكي كثيرا، وخاصة وقت المساء، أجهدني ذلك مع وجود جرح غائر، لكني عندما كنت أحمله بين ذراعي أشعر بأمان وطمأنينة لم أشعر بهما من قبل.
أضعه على كتفي أحيانا، صغير الحجم وطري وناعم أضع خدي على خده أتشمم رائحته، كل شيء فيه كأنه من الجنة، أبوسه برفق حتى لا أؤذيه، وأظل ألفه بالغطاء خوفا عليه من البرد.
عندما حممته أمي لأول مرة وكان يبكي كان قلبي ينتفض، صوت بكائه يحزنني، اعتاد ملامحه، أظل أتأمله طويلا لدرجة أن أمي فزعت.
- إيه يا بنتي مالك متنحة للواد كده ليه؟.
- مافيش باشبع منه.
- اقري قرآن إنتي شكلك هاتتجنني.
- ههههه، طيب.


يونيو 2016
رقصة جماعية في مكان هادئ، رأيت نفسي أرقص مع الجمع، ارتدي قماشا شفافا أحمر اللون يكاد لا يخفي سوى مناطقي الحميمية، جسدي ممتلئ بالنشاط، أجيد التواصل معه حتى أني أرقص على النغمات البدائية بخفة، لا أعطي جسدي أوامر، هو يتحرك وحده في رشاقة، أغمض عيني واستمع لصوت العصافير والأشجار، وصوت الماء وهو يسري بالقرب مني، استسلم لرقصة جماعية عذبة وأتحرر من كل هواجس الجسد التي لازمتني طوال سنين طفولتي وشبابي، أرى نفسي في الحلم شابه ملفوفة الجسد، لا تجاعيد على وجهي، ولا علامات الزمن القاسي، لكن المشاهدة في الحلم تعلم أن جسدها ترهل، وأنها لم تعد بخفة فتاة في العشرين.
أتسامح مع تحولات جسدي، لأن جسدي أعطاني الكثير ولم يبخل علي رغم انحباسه وقمعه وتهديده.
استلسم للحلم وأكمل رقصتي البدائية ثم استيقظ راضية.



يونيو 2016
القاهرة






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خانات العهر
- دفا للأحلام الشتوية
- مشهد اغواء


المزيد.....




- فتح باب التسجيل في مؤتمر الناشرين لمعرض الشارقة الدولي للكتا ...
- يصدر قريباً للإعلامي الأردني عبد الرحمن طهبوب -حب في زمن كور ...
- “الثقافة” تدين اقتحام قوات الاحتلال مركز بيسان
- ثورة يوليو فضاءات مفتوحة على ثقافة الشعب
- نابليون بونابرت.. اللص الذي زوّد اللوفر بآلاف القطع الفنية ا ...
- صحيفة: القبض على الطبيب المتسبب في تدهور حالة الفنانة ياسمين ...
- اتفاق الانسحاب الأمريكي من العراق.. مجرد -مسرحية دبلوماسية-؟ ...
- كاريكاتير “القدس”: الخميس
- عملية اليونان.. بيان حقيقة للمخابرات المغربية
- صيد ثمين.. معلومات أمنية مغربية تسقط قياديا داعشيا مغربيا في ...


المزيد.....

- معك على هامش رواياتي With You On The sidelines Of My Novels / Colette Koury
- ترانيم وطن / طارق زياد المزين
- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طيف غسان - هوس اللذة.. رواية