أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتز نادر - غرابة الفرد ومفهوم الحضارة العاكسة:















المزيد.....

غرابة الفرد ومفهوم الحضارة العاكسة:


معتز نادر

الحوار المتمدن-العدد: 5672 - 2017 / 10 / 17 - 21:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



حينما يتحدث المرء بجديةٍ وخيالٍ منطلق سيغدو شعوره بالهشاشة مقززاً
بشكلٍ عام ثمة شيء مزيف يتخلل محاولة ترجمة الفكر الإنساني إلى واقع بعينه -إلى حالة ماديةٍ أو ثقافيةٍ وهذا الزيف يصنعه الشعور بالشك أمام الفناء المحتمل المفاجئ والغير متوقع بالتزامن مع رغبةٍ مٌعذبةٍ لدى الفرد بأن يكون ندّاً لهاجسهٌ الأول في الحياة -وهذا هو السبب حسب إعتقادي وراء خلق مفارقاتٍ وتناقضاتٍ عجيبة في الحياة يجعلك مدهوشاً وشديد الإنتباه حيال الكثير من المواقف والحوادث المتباينة التي تخص نشأة الفعل ورَد الفعل لدى الإنسان وبالتالي محاولة الغوص عميقاً في بنية التفكير وطبيعة الحياة
-في غرابة الشكل البشري
أنت تشعر بالصدمة عندما تسمع أو تقرأ عن رجلٍ حرق عائلته بالكامل *زوجته وأطفاله - أو أطلق النار على زوجته وأولاده ثم انتحر بسبب إحساسه المتواصل بالذلّ لعدم قدرته على تلبية مطالبهم
أو إمراة قتلت أطفالها الثلاثة ثم أطلقت النار على نفسها أو نفذت عملية غرقٍ جماعيٍ رفقة أطفالها في بٌركةٍ ما نتيجة إنهاكها من حالة فقرٍ مدقعٍ أو شابةٌ لطيفةٌ قسمت رأس والدها بفأسٍ بعد أن قطّعت زوجة أبيها في مطبخ المنزل لأمور متعلقة من حيث الظاهر بالأرث أو ماشابه إن هذه الحوادث ليست نتاج مخيلتي وإنما حدثت ومستمرة بالحدوث وأنت تجد أن مجرد التفكير بها تقشعّر له الأبدان
وفي العديد من هذه الحالات التي يغدو فيها الإنتحار سلوكاً مشتركاً في خاتمتها -لايكون الإنتقام السطحي حسب ظنّي هو الدافع الأساسي للقيام بالجريمة وإنما المحرّك يكون الإضطهاد العميق الذي يشكل الحقد الجانب الأكثر وضوحٍ وهشاشةٍ فيه من دون أن يمّثّل دافعٌ حقيقيٌّ مقارنة بالتداعيات الأخرى في الشخصية لأنه عندما يصل حد الكراهية به أو بها لقتل أعز من يجمعها بهم روابط نفسيةٍ ومن ثم قتل نفسها فإن هذا الأمر يتجاوز مفهوم الحقد والإنتقام بشكلهما السطحي فإذا بها تنتقم من شيءٍ قديمٍ يسكن مشاعرها فيما لا تفهمه تماما كما أن حضور الدافع المادي للقيام بالجريمة إن وٌجد لا يفسّر تنفيذها لجريمتها بمثل هذه الصورة المروعة وإلا قامت بها بطرقٍ أسرع و أخف وطأةً
إن المسبب الأصلي واضب على خذلانها وإهانتها لسنواتٍ وجاءت اللحظة التي توّج به ذلك الشيء البغيض خذلانه على حساب إستقرارها وسعادة عائلتها وراحة وجودها وبالتالي تصير لحظة القتل الجماعي التي تقوم به إنما هي لحظة إنتقام من الشيء الذي تعول عليه وتؤمن به وتحبه بشكلٍ سحيقٍ وعاطفيٍ وبصورةٍ مؤلمةٍ لكن ظنها به قد خاب وبالتالي يجب أن تعاقبه على عدم إنصافه لها أشد عقابٍ وعندما تعاقبه فإنما تعاقب ذاتها وتعذّب نفسها ولن تفلح بالعقاب مالم تنتصرعليه وتهزمه بقوة مثلما هزمها سابقا ً–
تهزم ذاك الساكن أعماقها وذلك الشيء المقيم في أعماقها هو نفسه ذاتها القديمة والقتل بتلك الطريقة إنما هو قتل لكل لحظة إيمانٍ وثقةٍ بقيمة اسمها العدل
إذا دققنا سنجد أن من يقوم بهذه السلوكيات هم في عديد من الحالات من الورعين أو المسالمين الذين كانوا لطفاءٌ بصورةٍ عامةٍ مع الأخرين ولكنها تلك اللطافة الكئيبة والغير محظوظةٍ ولأجل ذلك يأخذ تصرفهم هذا الطابع الدموي الجنوني كي ينتصروا لأنفسهم على الذل الذي جعلهم صامتين أكثر من اللازم ولفتراتٍ طويلةٍ دون أن يحركوا ساكناً،
الذي يَقتل بتلك الطرق الإستثنائية الغريبة لا يجرؤ في كثير من المواقف على قتل اشخاصٍ يكرههم فعليّاً هو يقتل أشخاصاً كان يتعاطف معهم بطريقةٍ أو أخرى وبالتالي يستحقون جريمته يستحقون مرافقته إلى العالم الأخر فيقوم بقتل أمه أو تقوم بقتل أبنائها ومن ثم يقتل المرء نفسه لأن عقله لن يحتمل حقيقة ما فعله بينما لن يطبّق المرء نفس الإسلوب في القتل على الأخرين الغرباء عنه لأنهم بعيدين عن صحبة الذاكرة خاصته فلماذا يقتلهم إذا ؟ ماذا سيصنع بهم ؟ إذ لايوجد تاريخٌ نفسيٌ مشتركٍ مع إولئك الغرباء
هو يقتل أشخاصا يريدهم ويحتاجهم وهنا المفارقة فيقتلهم بمنتهى السادية عبر ذاك التصرّف الشاذ الذي يظهر فجاةً ليتحول إلى فعلٍ تراجيدي لا سابق له ففي تلك اللحظة التي تتم من خلالها عملية التصفية تنهار منظومة الدفاع في الذات ويهوي دفعةً واحدةً قانون الردع الأخلاقي المتوارث منذ نعومة الأظفار ليحل محله هجوماً جذريّا واحدٌ لا ثانٍ له فيغدو جسد المغدور محاكاةٍ باهتةٍ رخيصةٌ لا معنى لها لصراعاتٍ قديمةٍ غامضةٌ المعالم عميقة الغور مسرحها الذاكرة المشوهة وبطلها الذات المكبوتة
ذلك الفعل هو لحظة نكران تامٍ من قبل الفاعل تجاه القوى المبهمة التي عجزت عن منع القّتل فبدت متواطئة وعميلة مع السبب الذي جعل الأمر ينجح والدماء تسيل
بالنسبة للفاعل هي أيضا لحظة تعوّيض للتجاهل الرباني الذي يمنع المصائب فيما يظل الشخص يتعذب مع أحبته ؟ ذلك جحيمٌ لايمكن إحتماله ولا يمكن القبول به ويجب ان يحدث شيءٌ عظيمٌ مقابل ذلك الإحساس بالظلم والهزيمة- يجب أن يحدث شيء شنيع لا يستوعبه العقل ..
في مكان أخر من الحديث أفكر بألمانيا النازية وكيف كان مديرو المعتقلات والسجانون يتصرفون بشكلٍ طبيعي مع عائلاتهم يلاعبون أطفالهم وينظرون إليهم بعطفٍ وشفقةٍ ثم بعد ذلك وبعد لحظات العطف والأجواء العائلية الرائقة يذهبون لعملهم كي يضعوا المعارضين لنظام حكمهم وفئاتٌ أخرى من اليهود والغجر بأفران الغاز
وهنا الطامة الكبرى عندما يقول شخص مثل أدولف إيخمان احد أهم
الضباط المشرفين عن معسكرات الإعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية تحت ما سُمي عندها بـ الحل النهائي- للقضاء على خصوم النازية –بأنه كان ينفذ أوامر قيادته وحسب وبأن لا مسؤولية عليه بخصوص هذا الأمر حسب ما أدلى به أثناء المحاكمة التي إنتهت بإعدامه شنقاً
إنه لا يعتبر أن هناك أي غضاضةٍ بما فعله وأنه مجرد ألةٌ ثمة من يدير مُحركها
بالتأكيد في سوريا كنا نقابل نماذح تحاكي ما نتحدث عنه في ظل قسوة النظام الأمني إذ تجد رجل يخدم في أحد الأفرع الأمنية يعيش في نفس الشارع بجانب منزلك ويبدو شخصاً عاديٍ ودودٌ للغاية ولا يظهر عليه أي شَر بالنسبة لنا نحن سكان الحي ثم نكتشف أنه يذهب إلى عمله على مسافة 3 كيلو مترات لينزع أظافر المعتقلين
بالنسبة لرجل الأمن ذاك لا يتخيل أبنائه مكان الذين يعذبهم لأنه هو من يقوم بتربية أولاده ويعلمهم أن يحبوا بلدهم حسب رؤية النظام الذي يخدمه وبالتالي سيحب الأولاد أباهم الذي يَسهر كجنديٍ وَفيٌ لدى هذا النظام ، يالها من مقايضة للإستمرار والعيش
بالفعل إن الثورة أعظم صرخةٍ في وجه النفاق
-في حالة فريدة أصدرت محكمةٌ ألمانيةٌ حكماً بالسجن على ممرضٍ ألماني سنة 2015 بالسجن مدى الحياة لقتله أكثر من 83 مريضاً في مدينتي ديلمن و ألدنبورغ من خلال حقنهم بموادٍ سامّةٍ تسبب لهم نوباتٌ قلبية ٍمميتةٍ ثم بعد ذلك يتظاهر بإنقاذهم أمام زملائه كي يبدو بطلاً بنظرهم وبأنه متفاني بإنقاذ حياة الأخرين حسب ما أدلى به أمام قضاة المحكمة
الدافع هنا غايةٌ في الغرابة عندما يٌقتل 83 إنسان على يد شخصٍ من أجل أن يحصل على بعض نظرات الإعجاب من الأخرين
بالفعل السلوك الإنساني لا حلّ له
هذا أغرب ونحن في القرن الواحد والعشرين من واقع وجود حركةٌ دينيةٌ متطرفةٍ تقوم بإختطاف الناس وقتلهم وقطع رؤسهم
وهو لا يقل وحشيةً من حيث خلفية المعنى عن المذابح المباشرة العصرية
الإعلام العالمي لا يتناول الحادثة على أنها مجرزةٌ بينما لو نفس الـ 83 شخصاً قطعت رؤسهم على يد جماعةٍ مسلحةٍ كان التناول العالمي سيكون مختلفٌ من خلال إنتشار الخبر بشكلٍ طاعونيٍ بكافة مناطق العالم
إن الشعوب تسمع عن حوادث جرائم الحرب بينما لا تكترث في تفصيل كل حادثةٍ على حدا وفي ذات الوقت يعتريها الإثارة بالحوادث الواضحة والممسوكة إعلاميا
الذاكرة الإنسانية تشمئز من الأشياء التي تَمس تعقيدات غريزتها بينما لا تكترث بالحوادث التي تكشف تناقضات أخلاقياتها
فعند إنشاء مجلس الأمن أو الدول النافذة في العالم تحالفٍ عسكريٍ والقيام بقصف دولةٍ *خارجة عن القانون* أو تعيش إقتتال عسكريٌ مسلح
وخلّف هذا القصف مئات الضحايا المدنيين فإن ذلك لا يُعتبر جريمة حربٍ لأن مجلس الأمن هو من يُشرف على هذ القصف
إن هذا يحدث اليوم في دولٍ كاليمن وسوريا فيُقتل المئات من المدنيين دون أن يهتز ما يُسمى بالضمير العالمي
العقلية العالمية الأمنية ليست معنيّة بشكلٍ كبيرٍ بإيقاف المذابح والجوع والمرض بقدر حرصها أن يتم ذلك بهدوءٍ وكتمانٍ وإدارة...
سمو الحضارة بشكله الحالي لا يقنّن عدد الضحايا من البشر أو من باقي الكائنات وإنما يجعلهم غير مرئيين أوظاهرين للعلن - على الرغم من إنتشار كافة وسائل الإعلام رفقة النية الحسنة لوسائل الحماية والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان،
وليس شرطاً ان يكون سلوك الإنسان ورغبته بتخفيف نزعته نحو نظام التصفية مرهونتان بعمق التجربة الحضارية أو هدفٌ بريءٍ لها فمثلاً أعداد الضحايا التي وفّرها الطب والتقدم العلمي بإيجاد مضاداتٍ حيوية وأدوية للأمراض والأوبئة التي كانت قاتلة في العصور الوسطى كالتفوئيد والكوليرا والتي كانت تفتك بالألاف في كل مدينةٍ كان يحل الوباء ضيفٌ عليها –لن يمنع موت ضحايا غيرهم لأسباب أخرى لم تكن موجودة في العصور الوسطى لكنها تُعد أحد أكبر أزمات هذا العصر كتفشي ظاهرة التلوث المناخي مثلاً ولنا أن تتخيل عدد الاشخاص الذين يموتون سنوياً لأسباب متعلقة بالتلوث بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ
- لطالما شٌغفت بالتحدث عن شهوة العنف
إني أتحدث عن العنف ليس لأني لست عنيفاً بل عالعكس لأني مهووسٌ بالعنف وأعيش في قلب ثقافته وجموحه ..
فنزعة الإنسان لا ترفض وجود العنف في كل لحظةٍ وإنما ترفض كونه موجودٌ على الدوام
في الأمثلة السابقة تتجلى فكرة الحضارة العاكسة بشكلها الإستعراضي وبطريقة غير بريئةٍ إذ يٌصدّرالمشهد العالمي المرئي إحساسٌ ومُنطلقٌ ثقافيٌ وسياسيٍ رائج الصيت بأن كل شيء في مستقبل الإنسان سيسمو للأرقى والأكثر سلاماً وأمناً وأن النظام العالمي يجهد لأجل ذلك في الوقت الذي لا يكون هذا التوقع حقيقّيٌ بقدر التردد الذي يسوده وهنا يكمن الفخ الحضاري المخادع بجعل المدارس الفكرية والأدبية الفنية ومنظومة التفكير البشري بوجهها العام وعبر وسائل الإعلام تصدح بالراحة التي ستعم بواسطة هاجس مرور الزمن لديها بينما يتوجب على تلك المدارس أن تنسف ذلك الفخ عبر محاولة إكتشاف الزيف في الحياة كي يصلوا إلى الصدق الكامن في الأحلام – إلى الأمل – إلى واقعية الاحلام وكفاءتها المشروعة
بالنسبة لي لا أعتبر ما سبق تشاؤماً وإنما تحريضٌ على التشاؤم عبر هزيمة الخديعة التي تحرّك وهم التفاؤل الحضاري
فعلى سبيل المثال الإيحائي
قام سكانٌ محليون في مدينة فالينسيا الإسبانية بإحراق قرني ثور ضمن مباريات مهرجانات جماهيريةٍ روتينيةٍ تخص مصارعة الثيران المشهورة في إسبانيا على وجه الخصوص كما يتم في مهرجاناتٍ أخرى إطلاق الثيران في الشوارع وسط جموعٌ من الجماهير التي تقوم بإستفزاز الثيران – في فالينسيا أدى الأمر لقتل الثور نفسه بعد أن شعر على الأغلب بالهلع والخوف فرطم رأسه بعارضةٍ خشبيةٍ عريضةٌ وسط الحلبة في خضم تأوهاتٍ جماهيريةٍ قلقةٌ سخيفةٌ على مصير الثور - فيما تٌعتبر هذه الحادثة شيئاً عادياً في بلدٍ يُصرع فيه مئات الثيران سنويا داخل الحلبات إذ تنتهي في مجملها بقتل الثور طعناً بالرماح على ظهره وفي أحيان قليلة تنتهي بمقتل المصارع أو خروجه بإصاباتٍ بليغةٍ
وتقول الإحصائيات إن أكثر من خمسة ألاف ثور يُقتل سنوياً في إسبانيا بسبب مصارعة الثيران
وبينما أصدرت مقاطعة كاتالونيا في 2010 قانوناً يمنع هذه الهواية الشعبية القديمة - أسقطت المحكمة الدستورية العليا في اسبانيا القانون بذريعة التعدي على التراث الثقافي لمواطنيها !!!!
غريبٌ أمره هذا التراث الثقافي للمواطنين الإسبان المرتبط بطقس قتل الثيران إلى الأبد في بلدٍ يُنظر إليه بوصفه بقعة متحضرةٍ من دول العالم الأول في غرب أوروبا .
ومن المعروف أن تقليد مصارعة الثيران متوارثٌ منذ العصور الوسطى وكان تحت إشراف المؤسسات الدينية وقتها.
لا يمكن أن أتغنى بالمحبة والسلام في ظل البؤس والزيف المتراكم في هذا العالم
إن واقع التقدم في مسيرة الحياة يمنح إيحاءاً ملموساً بالإزدهار والأمان
- ومع ذلك لايمكنني الإنسجام مع إعتقاد أنه سيأتي يوم يحقق الإنسان من خلاله ما يصبو إليه *أمنيّا وتعايشيّا *بينما أعيش في عالمٍ إنسانيٍ أشعر عميقاً بأنه يخدع نفسه ولأنه يخدع نفسه فإنه بالمحصلة سيقع في فخ التردد بالتعاطي مع نتائج التقدم العلمي الذي يسعى لأجله وبالتالي سينقلب على عبقريته من خلال التشكك الدائم بفاعلتها عندما يُسقطها على الواقع
سيشكك دائما بها كي يبقى مع زمرته في دائر الأمان – الأمان الذاتي –العالمي- العقلاني المتوازن !
فدولة كالولايات المتحدة التي تتواجد فيها جامعة هارفارد إحدى أعرق الجامعات في العالم و وكالة ناسا الفضائية الرائدة و أحد أشهر معاهد العالم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا–في نفس هذا البلد يقوم رئيس الدولة برفع يده كالأطفال الصغار لكي يحلف اليمين الدستورية أمام رجل دينٍ يقوم بتلقين الرئيس العبارات التي يجب أن يرددها ضمن اجواء غاية في الهزلية
يبدو مدعيٌّ وتبعيٌّ ومبتذلٌ بشكلٍ مٌغرقٍ هذا الوفاء الأمريكي الرسمي للقيم الدينية بالتوازي مع مكانة المؤسسات العلمية
لا أنوي هنا التحدث عن غيظي تجاه المنظومة الدينية ولكن ما أقصده هو التساؤل عن فوائد الدافع الأساسي لإعتماد مثل هذا الطقس الشعائري عند إنتخاب الرئيس إذ المفروض أنه لا علاقة للشعائر الدينية عند مراسم تنصيب رئيس لدولةٍ تسير لنقل بخطٍ قريبٍ من العلماني
لكن حقيقة الفكرة من وجهة نظري تتمركز بأن ذلك الطقس الإنتحابي سيترك أثرٌ عميقٍ في الوعي الإجتماعي الأمريكي أكثر مما ستتركه وجود وكالة ناسا على الأراضي الأمريكية
لأنه عندما يكون مثل ذلك الطقس الإنتخابي شائعاً في بلد رائدٍ على المستوى العسكري والإقتصادي مثل أمريكا فإن هذا يعكس تزمتٌ اخلاقّيٌ شكليٌّ تعيشه العقلية الأمريكية في الوقت الذي لا يبدي فيه الأمريكيون مثلا أي إحتجاجٍ واضحٍ عندما يُحرمون من حقوقهم حينما يلغي رئيس الدولة ضمان التأمين الصحي الذي يعيل عشرات الملايين من الأمريكيين .
ضمان التأمين الصحي للشعب ليس تقليداً مهمّاً يجب الإلتزام به مقارنة بلحظة تنصيب الرئيس!!!
من جانب أخر نجد أن منطقة نزاع سياسي وعسكري كمنطقة الشرق الأوسط تتأثر العقلية فيها مثلا بمصطلح الشهادة كبُعدٍ أخلاقيٍ ومثالٍ نموذجي عن حجم التضحية
لكن هذا المديح العسكري الجنائزي سيئ النية يمنح شرعيةً لضرورة وجود الحروب أكثر من حقيقة كونه نتيجةٍ حتميةٍ لها
إن الأشخاص الذين يلتزمون بعمل ما طوال حياتهم يفعلون ذلك لأنهم يحبون القيام بذلك بالمقام الأول فيضحون بالكثير من اجل قضاياهم هم يفعلون ذلك لأنهم يؤمنون بمشاريعهم ويرون أنها تستحق أن يمضوا جٌل عمرهم في خدمتها ، أما الجندي الذي يٌقتل بالحرب لا يريد أن يموت وإنما يريد أن يعيش يريد أن يستمتع بالحياة
والأشخاص الذين يطلقون عليهم صفة شهداء فإنهم يغرون البقية للقيام بأفعالٍ أو تبني أفكارٍ لا يكونوا مقتنعين تماما بها
-إن *الوضع الطبيعي* مجازاً لا يقول أنه يجب مكافأة الجندي لأنه قُتل بالحرب دفاعاً عن وطنه بإعتباره شهيداً ،بل يجب ألا يكون ثمة حروبٍ حتى لايكون هناك شهداء
إن الرؤساء وقادة الدول في الشرق يقايضون رغباتهم بحياة الأخرين بأن يطلقوا عليهم لقب شهداء ،يالها من وضاعة
فيما سبق سيرى القرّاء من مناطقٍ بعيدةٍ من اوروبا الغربية أو الإسكندافية فيما إذا وصلت هذه الكتابات لأيديهم بأن الطرح السابق إنما يعود لتواجدي بمنطقة الشرق الأوسط الملئ بالحروب والصراعات الإثنية والفقر وبالتالي يبدو طبيعيّا تأثري بأحداثها السبب الذي من شأنه يجعلني أنظر لكافة مناطق العالم نظرةٌ سوداويةٍ تشاؤمية ٍ ومن المرجّح أيضا أن تكون هذه الرؤية من إولئك القرّاء مرفقة بأن الحقائق الإقتصادية والأمنية تشير إلى أن العالم عموما بات أكثر أمناً وتقدماً وأقل وحشية في الخمسين سنة الأخيرة بشكل خاص بالتزامن مع تزايد الرخاء الإقتصادي في بقع عديدة من العالم مقارنة بأعداد الضحايا الهائلة التي تحصدها الحروب مثل الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها قرابة الـ 50 مليون إنسان :
بالنسبة لي كإنسانٍ لديه وعي وكحاملٍ للقلم أقول بأنه ليس مطلوباً مني أن أتشدق بالإشراقات البشرية الموجودة والتي تم إنجازها على كافة الأصعدة بمقابل أن لا اهتم كفاية بالكوارث والمجاعات والحروب الموجودة في العالم بحجة أنها ليست كثيرة ً وغير ممتدةٍ جغرافيّاً !أوّ لأن العديد من سكان العالم لا يسمع بها !
العالم بات أكثر أمناً ولكن هذا لا يعني أني سأكون سوداوياً متشائمٌ إذا تحدثت عن واقع سيء
فمثلاً بإستثناء غرب أوروبا والدول الإسكندنافية وأستراليا وكندا
يشير تقرير صادر عام 2012 عن منظمة فاو للأمن الغذائي إلى وجود حوالي 870 مليون شخص في العالم أغلبهم يقطن في المناطق النامية من العالم يعانون من نقص مزمن بالغذاء –وأشار تقرير أخر عام 2014 بأن ما يزيد قليلا عن واحد من بين تسعة من سكان العالم - يعانون من نقص التغذية.
معتز نادر – شاعر صحفي



#معتز_نادر (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- مذيع قناة فوكس نيوز: متى سيتوقف زيلينسكي عن مطالبة واشنطن با ...
- آخر تطورات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وأصداؤها /27 ...
- إسرائيل تفتح في أوروبا جبهة ضد الدرونات الإيرانية
- الزعيم الكوري الشمالي يكشف سعيه ليكون الأقوى نوويا عالميا
- انفتاح أميركي نفطي وتجاري على فنزويلا بعد اتفاق الحكومة والم ...
- علماء يحذرون: الكربون يؤدي بلا هوادة إلى انكماش الغلاف الجوي ...
- اكتشاف -قاتلين صامتين- يتربصان بمرضى الربو
- الأرض على موعد مع -ملك الأمطار النيزكية- في ديسمبر المقبل
- انهيار أرضي بسبب الأمطار في جزيرة إيشيا الإيطالية يجرف المنا ...
- قصف روسي مكثف على خيرسون وموسكو تتهم كييف بابتزاز الغرب


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتز نادر - غرابة الفرد ومفهوم الحضارة العاكسة: