أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعدون يخلف - هل تعود الشمولية من جديد؟















المزيد.....

هل تعود الشمولية من جديد؟


سعدون يخلف

الحوار المتمدن-العدد: 5469 - 2017 / 3 / 23 - 13:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


هل تعود الشمولية من جديد؟

" في اللحظة التي يبدأ فيها عرض الدوافع يبدأ النفاق بتسميم العلاقات الإنسانية كلها، يضاف إلى هذا المجهود الذي يبذل لجعل ما هو مظلم وما هو مخفي يظهر في وضح النّهار، لا يمكن أن ينشأ عنه سوى إشهار صارخ ومفتوح لتلك الأفعال، التي تجعلها طبيعتها ذاتها تبتغي حماية الظلام، ولسوء الحظ، فإنّه في جوهر هذه الأمور إن كل جهد يبذل لجعل الطيبة ظاهرة علناً ينتهي بظهور الجريمة والإجرام على المشهد السياسي ".
هذا الكلام للفيلسوفة " حنة أرندت " أوردته في كتابها " في الثورة " عند تحليلها لحظة انتصار الثورة، اللحظة التي يبدأ فيها إفراز النّاس مع الثورة أو ضدها، ويحاول فيها البعض إظهار عكس ما يؤمنون به من خلال جعل " الطيبة ظاهرة علنية " من أجل أن يحظوا بثقة الثوار ورضاهم، في هذه اللحظة يبدأ الاصطناع المزيف بإفساد العلاقات الإنسانية، وكما هو معروف، فإن الدوافع الإنسانية ما هو ظاهر للعيان، لأنّ ضرورات الوجود تحتم إظهارها للآخرين، وأثرها لا بد أن يُظْهرَ حتّى تكون ذا مفعول إيجابي في المجتمع، يضاف إلى أنّ من يقوم بهذا العمل يملك الإرادة الحرة في الفعل أو في عدم الفعل، بمعنى آخر هذا الفعل ليس مفروضاً، كالحب والتّضامن والتّكافل بل هو نابع من ذات الإنسان. هذا النوع ليس مقصوداً في تحليل " حنة أرندت ".
ذلك أنّ النوع المقصود هو الدوافع التي تبتغي حمايةً من العتمة والظلمة، وابتغاءها حماية الظلام، لأجل أن تُنْشِئ شخصيةً سويةً، وبالتّالي مجتمعاً سوياً، وأي محاولة لإظهارها سيكون مآل ذلك تسميم العلاقات الإنسانية بظاهرة " النّفاق "، إذا استعرنا عبارة أرندت. بتعبير آخر، إن الإنسان يُظهر شيئاً، ولكنه يبتغي عكسه، فهو يسعى إلى أن يتصنع الطيبة والولاء ابتغاءً لمرضاة الآخرين والتزلف إليهم، تكون النتيجة في التحليل الأخير مجتمعاً مختلا وغير منسجم، حيث تعمُّ السلبية والكسل وتسود اللاثقة..
هذا التفسير لا يصدق على اللحظة الثورية فقط، إنما يصدق كذلك على المجتمعات، التي تعيش في ظل الأنظمة الشمولية، فهذه الأنظمة لا تؤمن بالفرد ولا بقدراته، إذ تعامله على أنّه آلة لا يحتاج إلا إلى الأوامر والضبط، ما يجعل الإنسان يتصنع الولاء والطاعة، فتجده يقوم بالعمل حسب الطلب، وإذا قام به فهو يؤديه خوفاً من تلك السلطة التي تراقبه، لا نتاج واجب يجب القيام به.
بعبارة أخرى، هو عالم " 1984 "، الذي نسجه " جورج أورويل " الروائي البريطاني الشهير في روايته التي تحمل العنوان نفسه ( 1984 )، النّاس في هذا العالم يعيشون في ظل " الأخ الأكبر "، الذي يرمز إلى القائد الأكبر، ويجسد الحزب.. في هذا العالم لا فضاء للحرية ولا مجال للاختلاف والعلاقات الحميمة، فالإنسان " منذ ولادته إلى حين وفاته يعيش تحت رقابة شرطة الفكر " تراقب أدق تعابير وجهه، والكلمات التي قد يتلفظ بها أثناء نومه وحركات جسده، وكل " ما من شأنه أن يكون دليلا على صراع داخلي ". ذلك أن الهدف الذي يسعى إليه هكذا نظام هو السيطرة بـ " تنظيم تعديدية الكائنات البشرية وتمايزهم، وكأنما البشرية كلها إن هي إلا كائن فرد "، بمعنى آخر، الحياة كلها مؤطرة ومراقبة بشكل صارم.
المراقبة والضبط التي يعيشها الإنسان تجعله يكتسب الأخلاق السلبية، إذ تجده يتصنع الولاء وفي نفسه يبتغي الكره، ويُظهر الطاعة وهو يريد التّمرد، كما أنّه يُظهر الحب وقلبه عامر بالبغض والكراهية، لذلك لا تجد المبادرة من قِبَلِ أمثال هؤلاء الأشخاص إلى العمل أو الاجتهاد أو المثابرة..، فكل شيء حسب الطلب، حتّى حبّ الوطن، ورفع رايته، وإنشاد نشيده.
لا يتوقف أثر هذا النّظام هنا، بل يتعدى إلى تسميم العلاقات الإنسانية، فالنظام الشمولي يشكل إنساناً بوجهين، الوجه الظاهر المتصنع والمتملق الذي يبتغي به حماية نفسه من غضب الأخ الأكبر وسطوته، ويبتغي به الولاء والطاعة، حتّى ينال الرضا والغفران. أما الوجه المخفي، فمن خلاله يحاول إخفاء مكنونات نفسه المتمردة، التي إذا ظهرت كانت سبباً في هلاكه وعدمه، أثر علاقة الفرد مع نفسه تتعدى إلى المجتمع كله، وتصبح أخلاق مجتمع بالكامل.
ومن ثمَّ تنتشر اللاثقة في المجتمع الواحد، فالكل يتحسس رأسه، خوفاً من وشاية هنا أو غدر هناك، وتعمُّ الأنانية وحبُّ الذات، النّاس هنا هم عبارة عن أفراد موكلين بأداء مهمة، وليسوا مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات.
بناءً على ما سبق، إذا كانت اللحظة الثورية تؤدي في الأخير إلى الجريمة السياسية، كما استنتجت ذلك " حنة أرندت "، حيث التّصفية الجسدية للمعارضين، الذين يحملون أفكاراً مختلفة، وذلك حتّى ينجح مشروع الثّورة وتتجذر أفكارها.. فإن الأنظمة الشمولية تؤسس للفساد الأخلاقي، الذي يمسُّ كينونة الفرد وذاته، إذ تنتشر الأنانية، ويعمُّ الفساد، وتتكاثر الجرائم بمختلف أنواعها، ومع أن الفرد في هذا النظام يعيش العجز والقهر إلا أنه يمجد القوة، ويحترم القويّ، في حين يحتقر الضعيف والعاجز.
ولكن السؤال الذي يطرح: هل نشهد اليوم عودة النظام الشمولي؟
تُعرّف الشمولية بأنّها: " تلك الممارسة السياسية الرّهيبة التي تُحوّل الإنسان إلى جهاز وجعله عبداً للنظام ".
للأسف هنا، لم ينفرط عقد هذا النظام حتى يعود من جديد، فالعرب يعيشون تحت أنظمة تسلطية لا تؤمن بحق الإنسان في حياة كريمة، وحقه في دولة القانون.. أنظمة لا تؤمن بالحرية والحق في الاختلاف.
أما هناك، فإرهاصات عودته تلوح في الأفق، خاصة بعد الوعي، الذي تشكّل للشعوب الغربية في ظل دولة الحقوق والقانون، إذ أصبح الإنسان الغربي يطالب بالحفاظ على مكتسبات الدولة الضامنة، لأنّه أدرك بأن النُّخب المسيطرة تحاول التّضييق عليه، والتلاعب بمصيره، وأن هناك عالماً للكبار المسيطرين يُسيَّجُ بأسلاك شائكة، حتّى لا يقترب منه عموم الشّعب، إذ ظهرت العديد من المنظمات الجماهيرية كـ" احتلوا وول ستريت " الرافضة للسياسات الاقتصادية الجشعة، من بين ما تدعو إليه، رفع الظلم المسلّط على الشعوب المقهورة، ما جعل النُّخب السياسة والاقتصادية المسيطرة تستشعر الخطر فدُقّت نواقيسه وقُرعت أجراسه، نتيجة لذلك سنت قوانين، ظاهرها حماية المواطن من التهديدات التي تتربص به في كل حين من أعداء الحضارة، وباطنها تخويفه حتّى يعود إلى بيت الطاعة.
من علامات عودة الشمولية إلى العالم:
- فشل الدولة في القيام بمهامها تجاه المجتمع بتوفير " مجمل الحاجات ومن كل الأنواع مادية وثقافية وروحية "، ما جعلها تتخلى عن دورها في فرض القانون، بل كانت عاملا في عدم تطبيقه، فاهتزت الثقة في القانون، وكذا في الدولة، إذ أصبح العنف هو السائد في حل الأزمات، وحالة الاستثناء هي الأصل في إدارة شؤون النّاس.
- تراجع الديمقراطية وانحسارها في العديد من بقاع العالم، فاسحةً المجال أمام عودة الديكتاتورية، ولقد سبق لأفلاطون أن توصل إلى هذه النتيجة عندما أعلن أن " الديمقراطيات تنهي أيامها بالوصول إلى حكم الطغيان ".
- عجز النظام العالمي في التأسيس لنظام إنساني في العالم، وفي حل أزماته، بل أصبح يستمد وجوده من الأزمات المفتعلة، والكل يعلم بأن الفكر الشمولي ينمو في وسط تسوده الأزمات.
- خطاب التهديد " من لم يكن معنا فهو ضدنا "، وإشاعة الخوف من خلال آليات المراقبة والضبط ( حالة الاستثناء وقوانين الطوارئ وانتشار الشرطة في العواصم والمدن الكبرى، بالإضافة إلى استحضار خطر داعش والقاعدة.. إلخ )، وشحذ السلاح وقرع طبول الحروب ( حرب عالمية في الأفق، كما يبشرنا الإعلام العالمي ).
- كما لا ننسى وجود أمثال فلاديمير بوتين في روسيا، اليمين المتطرف في أوروبا، ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض.
كل هذه الأمور مؤشر على أنّ النّظام الشمولي عائد إلى العالم من جديد، وعائد بقوة، وأنّ أياماً صعبة تنتظر البشرية.
سعدون يخلف




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,969,157,164
- عالم ترامب


المزيد.....




- أمريكا: غضب وتظاهرات لعدم توجيه اتهامات مباشرة إلى ضباط شرطة ...
- ترامب يتوقع انتهاء انتخابات 2020 أمام المحكمة العليا
- تزويد القوات البحرية في الحرس الثوري بعشرات طائرات مسيرة ومر ...
- أردوغان وماكرون.. من التصعيد إلى التهدئة
- ترامب يهاجم أرملة السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين بعد تأ ...
- رسالة من الحوثي للملك سلمان: نحارب أمريكا فقط ولتواجه إيران ...
- تأسيسية الدستور الليبي: صراعات وتجاذبات بسبب تشكيل لجنة جديد ...
- -نصف دستة أهداف-... تشيلسي يسحق بارنسلي في كأس الرابطة
- وكالة: كورية الشمالية قتلت مسؤولا جنوبيا وأحرقت جثته بعدما ل ...
- البرازيل.. حصيلة إصابات كورونا تتجاوز الـ 4.6 مليون حالة


المزيد.....

- معركة القرن1 واشنطن وبكين وإحياء منافسة القوى العظمى / حامد فضل الله
- مرة أخرى حول مسألة الرأسمال الوطني / جيلاني الهمامي
- تسفير / مؤيد عبد الستار
- قطاع غزة تحت الحصار العسكري الصهيوني / زهير الصباغ
- " رواية: "كائنات من غبار / هشام بن الشاوي
- رواية: / هشام بن الشاوي
- ايدولوجية الانفال وجينوسايد كوردستان ا / دكتور كاظم حبيب والمحامي بهزاد علي ادم
- إبراهيم فتحى وحلقة هنرى كورييل ومستقبل الشيوعية فى مصر / سعيد العليمى
- من الكتاب الأسود للمجرم جمال عبد الناصر، مؤامرة الوحدة الإن ... / الصوت الشيوعي
- من الكتاب الأسود للمجرم جمال عبد الناصر، مؤامرة إنقلاب الموص ... / الصوت الشيوعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعدون يخلف - هل تعود الشمولية من جديد؟