أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - كارل ماركس في العراق / الجزء الرابع والعشرون















المزيد.....

كارل ماركس في العراق / الجزء الرابع والعشرون


فرات المحسن

الحوار المتمدن-العدد: 5311 - 2016 / 10 / 11 - 15:57
المحور: الادب والفن
    




ــ يابه هذا يبين ما عنده مكان... زين أستاذ قادر تكدر تبات هنا على الكرويتات مال الكهوة بعد ما أعزل.
قال أبو داوود صاحب المقهى وهو يناول ماركس كأس ماء جلبه له أثناء ما كان يأكل لفافة الطعام الثانية التي هيئها له أبو عفيفة.
ــ نعم أستطيع ذلك

بدأت حركة الناس تخف كثيرًا وأغلقت بعض المحلات أبوابها وسحب باعة العربات عرباتهم إلى أماكن بعيدة عن وسط السوق باتجاه أزقة ومحلات أخرى. كان أبو عفيفة وأبو داود ومعهما أبو رجب قد دخلوا وسط المقهى وراحوا في حوار حول كيفية التعامل مع أستاذ قادر أو كارل ماركس. وهل من الممكن إبقاءه هنا داخل المقهى. عندها اعترض أبو داوود بشدة قائلا.
ــ أخوان.. هذا الرجال أني ما أعرفه، بعدين مبين عليه مخبل مخربط.. زين اذا كعد بالليل وكسرلي حاجات الكَهوة شراح أسوي.. أيبات على القنفات بره حاله حال غيره من المجادية والمخابيل.. ميخالف.. بس بنص الكَهوة أعذروني.
ــ خوش أبو دواوود الخاطري.. نصفطله كرويتيتين وينام أباب الكَهوة.. تره هذا رجال ذبه الدهر والسرسرية لعبو بي لعب... هذا جان أستاذ قدير ومحترم وينشال فوك الراس.. عزيز قوم ذل والله العظيم وداعت الخوه.
ــ على راسي أبو رجب ميخالف بس تره عصابة أبو تركي الأعضب يوميه بالليل.. هذا المكان يصير مالتهم.. حته الشرطة ما تدخل لهنا، وتخاف منهم.. شغلتهم يبيعون ويشترون الممنوعات ويشتغلون بكل أنواع الدكَايك السوده، حتى القتل والنهب، وخاف يلكَونه ويقتلوه وياخذون فلوسه، حتى أحنه نفسنه ممخلصين منهم، كل شهر ياخذون من عدنه خاوه.
ــ فلوسه راح أبقيه يمي وأني هسه من راح أعزل أروح لعد أبو تركي... شويه آني عندي خاطرانه يمه.. أروح أوصي وأحجيله قصة أستاذ قادر... وهم أنطي حصة الشهر. هسه خلي يكَوم... ساعدوه يغسل وجه خطية حسبالك طالع من كَبر.
قال أبو عفيفة ذلك واخذ بيد ماركس وسلمه لأبو داوود ليساعده في تنظيف وجهه.. وفي ذات الوقت أخذ في مدح وشكر أبو رجب.
ــ رحمه لهذاك الأب.. والله جنك مسوي فضل عليه من السما للأرض.. آني أشعر جني أريد أرد فضل لهذا الرجال.. لأن جان ما يقبل أذا ما يكعدني يمه ونشرب سوه جاي.. ايباه شلون دنيه.. الله لايطي كلمن سعه بعذاب هذا الزلمه.. الله يخبل عوائلهم.. ليش شنو ذنبه يتخبل بعد ما كان أستاذ محترم ومقدر..
ــ أنشاء الله محلوله.. خلي يبات هنا لحين بلجي نشوفله دكتور من جماعتنه يساعده ويقيس شكد خبالاته ويمكن ينعدل حاله ويرجع حتى لو مو مثل كبل بس أحسن من هسه.
بعد أن ساعدوا ماركس في تنظيف وجهه ويديه راح أبو داوود وبمساعدة أبو رجب في لملمة حاجات المقهى ووضعوا تختين متقابلين ليكونا سريرًا لماركس. ومثلهم فعل أبو عفيفة فافرغ بضاعته في حقيبة صغيرة تسحب باليد ودفع عربة الطعام وذهب بها نحو زاوية داخل السوق حيث ركنها هناك وأحاطها بسلك معدني طويل ربط طرفيه بقفل كبير ثم سحب الحقيبة اليدوية متوجها للبحث عن أبو تركي الأعضب ليشرح له حالة عبد القادر ويستعطفه من أجل حماية ماركس ليلا أو عدم إيذائه.

***

لم تكن ليلة عادية فرغم كون ماركس قد قضى أكثر من أسبوع كان خلاله ينام فوق بطانية صوفية واحدة وضعها كفراش فوق أرضية غرفة السجن الإسمنتية الصلدة وكان يتوسد راحتي يديه، وقبلها كان ولمدة أكثر من شهر تحت التهديد اليومي في الغرفة المتربة عند بيت المجرم أبو بشير وقد مورس ضده من العنف المنفلت الكثير ومنه تلك الليلة المجنونة التي ربط جسده المقيد بخطم البقرة الهائجة. ولكن في هذه الليلة ومع صرير تخوت المقهى كلما تحرك، كان مجبرًا على السهاد، ويشعر بأنه تحت تهديد حقيقي، وكأنه في انتظار أحد ما سوف يأتي لينقض عليه، وأن ساعة حتفه قد اقتربت. فهو يترقب رجال العصابات السائبة الذين يتحدث الناس برعب عنهم،هؤلاء الذين يجوبون ليل بغداد بحثا عن ضحايا وأماكن لسرقتها، لا يدري في أي ساعة سوف يكون قدومهم ومتى يجدهم قرب مضجعه الاضطراري. عندها يمارسون نزواتهم الوحشية بقسوة عمياء. فأفعال هؤلاء لا يمكن توقعها ولا حتى فهمها على الإطلاق، ولن يكون بينهم من يتعاطف مع الضحية، فتلك المشاعر قد محيت ولم يعد لها مكان في نفوسهم، وتحول القتل لديهم إلى هواية تسبقها غواية ضرورة أن تكون هناك ضحية، ضحية مهما كان لونها أو مكانتها أو حتى عمرها وجنسها. ورغم كل هذا وكل ما شاهده وعلق في ذهنه، وما تلقاه من ألم وقسوة ووجع وحتى خديعة طالته منذ أول دخوله عالم بغداد، وبعد كل هذه الجولة من الإحباط والضياع والعذاب، فلن يخدع نفسه ويكون متحيزًا أو مجافيًا لأفكاره ويوسم هؤلاء البشر جميعا بالتخلف والدونية، وبالرغم من أنه ينتظر الليلة من يأتي ليجهز عليه في فراشه الخشبي هذا، فهو يود أيضًا أن يجد المبرر العقلاني لما يعتمل في ضمائر وقلوب العراقيين. فهم أبناء بيئتهم القاسية وتراثهم الطويل الضاج بالعنف، ومع كل ذلك الإرث القاسي فأرواح البعض منهم لا تخلو من عاطفة وبراءة وقدرة على نكران الذات والاستعداد لتقديم العون للأخريين، ولكن العواطف ليست كل شيء في هذه الحياة، وضغوط الجماعة وربما عدوانيتها والخضوع لإرادتها ونمط الحياة وقيمها ووطأة الوضع الاقتصادي المزري في أغلبه، يدفع المرء لتغير دائم في السلوك العام والخاص، ويؤثر هذا حتى على المظهر الخارجي والتركيبة العامة للشخص فيتصرف أحيانًا بعيدًا عن شخصيته الحقيقية.

لم يكن ليل تلك المنطقة من بغداد ساكنًا هادئًا على الإطلاق، فرشق الرصاص يتكرر بين فينة وأخرى وكأن هناك في الجوار قتال شوارع بين خصمين عنيدين. ها قد أنقضى الوطر الأكثر من الليل وهو مستيقظ. لم يغلق عينيه، وكانتا على سعتهما، تراقبان السماء بنجومها اللامعة. وكان يتنصت دبيب الحشرات وأصوات الكلاب والقطط السائبة وهي تتعارك على بقايا الطعام المبعثر في المزابل داخل أزقة السوق، حين سمع فجأة وقع أقدام تقترب وحديث هامس لمجموعة رجال. بعد برهة وجيزة أطلت ثلاثة وجوه تنظر له فوثب من رقدته.
ــ لتخاف يول لتخاف.. أنته أسمك قادر.. أستاذ عبد القادر.
حاول ابتلاع لعابه ولكن حنجرته كانت جافة يابسة مثل صحراء ملح، فخرجت الكلمة بحشرجة متقطعة ومعها صفير خوف.
ــ نعم.
ــ لتخاف.. أرجع نام أنته بحمايتنه، وصه بيك أبو عفيفة.. تدلل أستاذ قادر.. نام نوم العوافي..
ــ أني ما عندي فلوس.
ــ نعرف.. موكلنالك لتخاف أنته بحمايتنا.. أبو عفيفة صاحبنًا وصاحب جميل علينه.. نام أرجع نام.
ــ أبو تركي ما تخلينه نتونس شويه وياه..
ــ هاي سوالفك الفاينات.. تريد تصير سبع ولوتي براس المخابيل.. دعوفه للرجال بقهرة.. دمشي وتعال ويايه وهناك طلع شطارتك... اليوم دسمه أريد اشوفك..
ــ عد عيناك أبو تركي.. ممنونك.. خليني على يمناك..
ــ في أمان الله عبد القادر بيك.
ــ أنشاء الله أغاتي ..عيوني..
هكذا نطق ماركس جملته بفم جاف فضحك الرجال وربت أبو تركي على كتفه. وبين ضحك الرجال ودهشة وخوف ماركس انسحبوا وابتعدوا يسيرون ببطء نحو نهاية الزقاق. عندها عاد ماركس إلى رقدته وقد شعر بشيء من الاطمئنان وراح ينتظر بزوغ فجر يوم جديد.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,235,290,120
- التحالف الوطني الشيعي العراقي وصراع المرجعيات الدينية
- كارل ماركس في العراق/ الجزء الثالث والعشرون
- كارل ماركس في العراق / الجزء الثاني والعشرون
- كارل ماركس في العراق / الجزء الواحد والعشرون
- التكييف القانوني لسرقة المال العام
- كارل ماركس في العراق / الجزء العشرون
- كارل ماركس في العراق الجزء التاسع عشر
- من ينتصر في صراع كسر العظام، وزير الدفاع أم رئيس البرلمان؟
- كارل ماركس في العراق الجزء الثامن عشر
- كارل ماركس في العراق الجزء السابع عشر
- كارل ماركس في العراق الجزء السادس عشر
- كارل ماركس في العراق الحلقة الخامسة عشر
- كارل ماركس في العراق / الجزء الرابع عشر
- كارل ماركس في العراق الجزء الثالث عشر
- كارل ماركس في العراق/ الجزء الثاني عشر
- كارل ماركس في العراق/ الجزء الحادي عشر
- توضيح عما ورد في مذكرات الدكتور خليل عبد العزيز
- كارل ماركس في العراق/ الجزء العاشر
- كارل ماركس في العراق/ الجزء التاسع
- محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز /الجزء 9


المزيد.....




- افتتاح الدورة الاستثنائية لمجلس النواب
- تعليق -غير متوقع- من نجل عادل إمام مخرج مسرحية -بودي جارد- ب ...
- صدر حديثاً رواية -رامي السهام-للكاتب العالمي باولو كويلو
- -البحار مندي وقصص من البحر- تأليف صالح مرسي
- علي معلا... فنان سوري ينحت التاريخ بلحن المستقبل.. صور
- -ساوند كلاود- تطلق خدمة جديدة للدفع للفنانين من خلال المستخد ...
- كورونا يملي على الفن... مسرحية باليه بأبعاد فلسفية
- مشاركة عربية الكبيرة في مهرجان برلين السينمائي الدولي
- فنانة عراقية تثير جدلا حول وفاة شعبان والجريتلي
- أزمة فناني الأطلس المتوسط


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- ديوان شعر 21 ( غلاصم الزمن ) / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرات المحسن - كارل ماركس في العراق / الجزء الرابع والعشرون