أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمود محمد رياض عبدالعال - المجتمع المدني والتنمية في مصر















المزيد.....



المجتمع المدني والتنمية في مصر


محمود محمد رياض عبدالعال

الحوار المتمدن-العدد: 5083 - 2016 / 2 / 23 - 22:46
المحور: المجتمع المدني
    


المجتمع المدني والتنمية في مصر
محمود محمد رياض عبد العال
باحث مصري
حاصل علي درجة الماجستير في علم اجتماع التنمية
العمر :29 عاما
من مواليد محافظة بني سويف جمهورية مصر العربية
01287127184
مقدمة:
شهدت الحقبة الاخيرة من القرن العشرين تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية،كان من اهم مظاهرها بروز مفاهيم التنمية وانماطها المختلفة، ووجوب احترام واعلاء حقوق الانسان السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمدنية،مما ادي الي وضع الانسان في بؤرة حركة المجتمع وتقدمه، والسعي قدما الي احياء المجتمع المدني للاسهام المؤثر في خطط التنمية. وبناءا علي ذلك فان مصر قطعت شوطا هائلا مع المجتمع المدني ومؤسساتة وايضا السياسات التنموية المتغيرة.
وفي هذا الاطار سوف نعرض للمجتمع المدني والتنمية في مصر كل علي حده لمعرفة الجذور التاريخية، ورسم صورة مستقبلية لهما.

المحور الاول : المحتمع المدني في مصر..

إن المجتمع المدني هو مجتمع المواطنين، ويحاول مارك نيرفين أن يصور هذا المفهوم بأبعاده الفلسفية بقوله: (لا أمير ولا تاجر، بل مواطن). ويطالب بأن نعمل علي تأكيد هذا المفهوم. وهذه ظاهرة عالمية غير مسبوقة تتمثل في التقاء رجال ونساء وجماعات وأفراد، للاضطلاع بأنفسهم بأمور من شأنها تغيير المجتمعات التي يعيشون بها. وخلال العقدين الآخرين انتظم أناس من جميع الطبقات والعقائد والأجناس للدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، والكفاح من أجل تحسين نوعية الحياة اليومية في مناطق سكنهم ومجتمعاتهم المحلية.(1)
إن البحث في: إلي أي حد تطور المجتمع المدني في مصر؟ يأتي في ختام عقدين من الاهتمام الأكاديمي المتواصل في مصر لدراسة المجتمع المدني والذي ركز في أغلبه عن الكشف عن ملامح ومكونات (أو تشكيلات) المجتمع، كما اهتم بشكل كبير بالبحث في تفاعلات المجتمع المدني مع الدولة وبدرجة أقل اهتم بتفاعلات المؤسسات المدنية بعضها مع البعض.(2)
وفي ضوء ذلك نعرض لما يلي:-
اولا: - تعريف المجتمع المدني.
ثانيا: - المراحل التطورية للمجتمع المدني في مصر.
ثالثا ً: مستقبل المجتمع المدني في مصر.





اولا: - تعريف المجتمع المدني:

إن استخدام المجتمع المدني من تغييرات الحداثة الذي بدأ يبرز في العقدين السابقين والإحساس العام الذي انطلق من مفهوم المجتمع المدني، أن المواطن هو صاحب المصلحة الرئيسية في تنظيم مؤسسات المجتمع الهادفة إلي ترسيخ المعني الشامل لدولة المواطن لا دولة النظام. والديموقراطية والنزاهة والصدق ليست شعاراً، وإنما هي ممارسة والواضح أن هذه المفاهيم مفقودة إلي حد ما في غالبية الدول النامية التي مازالت شعوبها تناضل من أجل تحقيقها.
ويعبر مصطلح المجتمع المدني من ناحية عن الرؤية المستقبلية لمجتمع فعال يشارك جزء كبير من مواطنيه في الحياة السياسية ويشترك في تحمل المسئولية، ويمارس عملية التضامن.(1)
وبالطبع يتغير مفهوم المجتمع المدني مع تغير الموقف الإيديولوجي للمتكلم. فالمفهوم الليبرالي لهذا المصطلح يختلف عن الفهم الاشتراكي الديموقراطي، وعن الديموقراطي الراديكالي، ومؤخراً أيضاً عن الفهم الإسلامي له.

المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والخلاف.(3)
من الممكن أن نجد للمجتمع المدني عشرات من التعريفات، إلا إنها لا تخرج عن توافر أركان أساسية، وهي:-
1- الفعل الإرادي الحر أو الطوعي: ولذلك فهو يختلف عن الجماعات ولذلك فهو يختلف عن الجماعات القرابية مثل الأسرة والعشيرة والقبيلة، حيث لا دخل للفرد في اختيار عضويتها، فهي مفروضة عليه بحكم الميلاد أو الإرث.
2- الركن الثاني هو أن المجتمع المدني مجتمع منظم: وهو بهذا يختلف عن المجتمع بشكل عام، إذ أن الأول يجمع ويخلق نسقاً من منظمات أو مؤسسات تعمل بصورة منهجية بالإذعان لمعايير منطقية وتقبل الأفراد أو الجماعات عضويتها بمحض إرادتهم ولكن بشروط وقواعد يتم التراضي بشأنها وقبولها.
3- الركن الثالث في المجتمع المدني هو ركن أخلاقي سلوكي: ينطوي علي قبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخرين وعلي حق الآخرين في أن يكونوا منظمات مدنية تحقق وتحمي وتدافع عن مصالحهم المادية والمعنوية والالتزام في إدارة الخلاف داخل وبين مؤسسات المجتمع المدني وبينها وبين الدولة بالوسائل السلمية وفي ضوء قيم الاحترام والتسامح والتعاون والتنافس والصراع السلمي.(1)
وعمل المواطن في المجتمع المدني متعدد الأبعاد بقدر تنوع جهود البشر، فقد يكون هذا العمل محلياً أو عالمياً أو ضئيلاً أو ضخماً، دائماً أو مؤقتاً، مشهوراً بوضوح أو غير مرئي، يتخذ شكل المواجهة أو التعاون، تلقائياً أو منظماً، تدفعه جمعيات من الأفراد الذين تتشابه أفكارهم إلا أنه في نهاية المطاف تعبير عن المواطن تجاه هذا المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه. والمجتمع المدني يستهدف اطلاق طاقات المواطن ليتم بناء مؤسسي يعتمد علي قواعد محددة لخدمة الجميع.
ولا يزال مصطلح المجتمع المدني غير واضح كمفهوم محدد في المناقشات العامة ، والاكاديمية ، في مصر ، وفي كثير من الاحوال لا يفرق بينه وبين الجمعيات الاهلية ( المنظمات غير الحكومية ) المسجلة لدي وزارة الشئون الاجتماعية ، ولكن في الآونة الأخيرة كان هناك مزيد من التفكير للحاجة لتوسيع تعريف المجتمع المدني يشمل ظائفة كبيرة من التنظيمات المدنية ، لكن ليس هناك أجماع علي ما يمكن ادراجه وما يمكن استبعاده من قائمة المجتمع المدني ، علي سبيل المثال هناك بعض المحللين في مصر ينظرون للمجتمع المدني علي انه مجموعة المنظمات التي تسعي للترويج للقيم ( التقدمية) مثل العمل من أجل مجتمع افضل او اكثر انفتاحا – ومساواة الجنسين – ومزيد من الحرية المدنية والسياسية ، ويمثل هؤلاء المحللين فانهم عادة ما يستثنون من تعريفهم حركات ومنظمات المجتمع المدني الأصولية أو المحافظة في توجهاتها وأفكارها .( )
مجموعة أخري تعرف المجتمع المدني علي أنه ساحة مستقلة عن الدولة وعن السوق ويميلون الي أن منظمات المجتمع المدني هو قوة لمقاومة هيمنة الحكومة ومساحة مستقلة عن الحكومة ، ولمن يتبنون مثل هذا المفهوم فان منظمات المجتمع المدني التي لها ارتباطات عالية المستوي مع الحكومة تعتبر من غير المنتمين للساة غير الحكومية . وفي ظل هذا التعريف فان عددا كبيرا من منظمات المجتمع المدني سوف تستثني بناء علي مقاييس ( المنظمات غير الحكومية التي تنظمها الحكوممة ) . وهناك بعض التعريفات التي تركز علي ساحة العمل للناشطين غير السياسين ، وبالتالي فهي تستثني الاحزاب السياسية وجماعات معينة من تعريفها .








ثانيا: - المراحل التطورية للمجتمع المدني في مصر:

قبل الخوص في تناول المراحل التطورية للمجتمع المدني في مصر يود الباحث أن يشير إلي أن محاولته في توضيح التطور التاريخي للمجتمع المدني في مصر لا يعد بحثاً في التاريخ وإنما هو محاولة لاستخدام المادة التاريخية والاستفادة منها قدر الإمكان في الوصول إلي عدد من الملاحظات والاستنتاجات والتي تؤكد أن دراسة تاريخ وتطور المجتمع المدني أمر ضروري حتي تعم الفائدة. ولا يمكن فهمه إلا في إطار علاقات متداخلة.
وتأتي أهمية التتبع للمراحل التطورية للمجتمع المدني في مصر للوقوف علي إلي أي مدي تطور المجتمع المدني في مصر؟ وهل المجتمع المدني في مصر يمثل حقيقة واقعية؟ وكيف تعاملت الدولة باختلاف النظم السياسية مع المجتمع المدني؟ وهل المجتمع المدني فرض نفسه علي الساحة المصرية؟ أم لا؟.
من خلال الإجابة علي تلك التساؤلات سوف نتعرض للمجتمع المدني في بداية القرن 21م ورسم صورة ذهنية لما سيكون عليه مستقبل المجتمع المدني في مصر.
أما عن نشأة أو تطور المجتمع المدني في مصر يكاد يتفق غالبية الباحثين في نشأة المجتمع المدني المصري بأشكاله الحديثة علي التأريخ الحديث له بعصر محمد علي.(1)
بينما يري أ.د رفعت السعيد أنه ربما كانت الصيحة التي أوردها الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز والتي قال فيها: إن للرأي العمومي سلطاناً قاهراً علي قلوب الحكام، أقول ربما كانت هي الدعوة الأولي في العصر المصري الحديث لتحريك الرأي العام وتنظيمه، ومن بدايات الجنين المصري الحديث للمجتمع المدني، أقول ربما لأن مصر ما قبل عصر محمد علي، عرفت أشكالاً عدة من المنظمات البدائية التي عبرت عن شكل ما من منظمات المجتمع المدني، كان هناك نظام الطوائف وشيوخ الحرف وفتوات الحارات الذين يفرض بهم سكان الحارة مهابتهم علي الآخرين ويحمون أنفسهم بهم.(2)
ومن هذا الرأي. أ.د سعد الدين إبراهيم حيث يقول "تمتد جذور العمل التطوعي في مصر إلي عمق التاريخ بحكم طبيعة البلاد الزراعية التي جعلت من نظام التآزر ومساعدة الناس بعضهم لبعض جزء لا يتجزأ من حياتهم العادية خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية والكوارث.(3)

و قد أولي الباحث العناية للتعرف علي ملامح تطور المجتمع المدني في مصر من خلال التتبع التاريخي لمراحله التطورية، بداية ببناء الدولة الحديثة في مصر وختاماً بمطلع الألفية الجديدة في القرن الحادي والعشرين والتعرف علي أهميتة في صياغة توجهات المستقبل للعمل الأهلي والمدني في مصر.


1:- المجتمع المدني في مصر وبناء الدولة الحديثة في القرن 19م:
تعرض المجتمع المصري لتفاعلات كثيرة اعتباراً من النصف الأول للقرن التاسع عشر بما لم يتعرض له باقي دول الشرق العربي، حيث حدث في مصر تغيير واضح، وكان أوضح ما يكون في الجوانب السياسية والاقتصادية والفكرية لتأثير تلك الجوانب إلي حد كبير بنظام الحكم ومؤسساته وأوضاع مصر الاقتصادية وأساليب وأنماط وعلاقات إنتاجها لم يسبق له مثيل من قبل.
وتبرز لنا مصر الحديثة اعتباراً من النصف الثاني من القرن 19. وقد أخذت بأساليب المدنية الحديثة وقد قطعت فيها شوطاً بعيداً سبقت به كل ما عداها من الدول الأخري الشرقية والغربية.
تبدأ هذه المرحلة بحكم محمد علي (1805- 1854) ثم عهد إبراهيم الذي لم يزد علي عام وعهد عباس (1848- 1854) ثم سعيد (1854- 1863) وإسماعيل (1863- 1879). وتوفيق الذي بدأ عهده في عام 1879، وجاءت الثورة العرابية والإحتلال الإنجليزي ليدشنا مرحلة جديدة في تطور النظام السياسي المصري وفي تطور المجتمع المدني.(1)
إن فترة حكم محمد علي (1805- 1854) لها أهمية في هذا السياق حيث شهدت محاولة للتحديث الاقتصادي والاجتماعي وبناء الدولة الحديثة في مجال الزراعة والصناعة وفي مجال تحديث القوات المسلحة والتعليم. فلأول مرة في الشرق العربي كله تدخل الحياة النيابية بلداً شرقياً حيث صدر قرار "الخديوي إسماعيل" في 22 أكتوبر 1866م بتأسيس مجلس شوري النواب والذي انعقد في 25 نوفمبر من نفس العام لتصبح مصر أول دولة في الشرق كله ذات حكم نيابي ولتصبح أيضاً إحدي دول العالم المعدودة في ذلك الذي يوجد بها مجلس.
وفي مجال التعليم الجامعي زهت مصر بنهضة علمية هائلة سبقت بها دول عديدة كثيرة في الشرق والغرب فمن مدارس للعسكرية راقية إلي مدارس للطب والهندسة والحقوق والألسن إلي توسع هائل في التعليم الإلزامي والابتدائي ويأتي فوق هذا أول مدرسة في الشرق كله لتعليم البنات والتي أنشئت عام 1872 باسم المدرسة "السيوفية للبنات".
وتتوالي نهضة مصر العظيمة حيث نشأ بها أول متحف للآثار في 28 أكتوبر عام 1863م وأول دار للكتب علي النظام الحديث "الكتبخانة" في 24 سبتمبر عام 1970م وأنشأت أول دار للأوبرار في 4 يناير عام 1868م كما صدر عدد كبير من الصحف والمجلات مثل الوقائع المصرية في 3 ديسمبر عام 1828م.
وكذلك أول مجلة لطلبة المدارس هي "روضة المدارس" في 17 أبريل عام 1870م. وقد حفلت مصر بتيارات فكرية عميقة تدعو للإصلاح في جميع جوانبه فحمل لواء الإصلاح الديني الشيخ "محمد عبده" والشيخ "رشيد رضا" وحمل لواء الإصلاح التعليمي "رفاعة الطهطاوي" و"علي باشا مبارك".
ولقد أصبحت مصر في آخر القرن 19 خاصة القاهرة عاصمة للعالم العربي فهي مركز إشعاع الفكر الثقافي في العالم العربي، وأيضاً عاصمة تضارع أرقي العواصم الأوربية العالمية ففي هذه الفترة سار في قاهرة مصر العظيمة أول خطوط ترام في العالم العربي كله وأول شركة كهرباء وأول شبكة مياه نقية وأول مشروع مجاري وأول شبكات طرق ممهدة وأول تخطيط عمراني منظم.
والواضح أن مصر لم تعد إلي ما كانت عليه قبل محمد علي، فقد تخلخل النظام القديم وبدأت عملية تغيير اجتماعي وتعبئة اجتماعية شملت قطاعات عريضة من المجتمع المصري. وأدت إلي مزيد من الاتصال بالعالم الخارجي.(1)
الملاحظ أن البذور الجينية للمجتمع المدني في مصر قد بدأت في القرن التاسع عشر من أحزاب سياسية والتي بدأت كجمعيات سرية وجمعيات أهلية وكيانات تنظيمية عمالية حديثة وتجمعات مهنية، وبذور الحركة النسائية.
ومن ملامح بدايات المجتمع المدني خلال هذه المرحلة بإيجاز نجد:-
1- تأسيس العديد من الجمعيات السياسية، التي كانت أقرب إلي التنظيمات السياسية السرية، من أبرزها جمعية مصر الفتاة في الإسكندرية (1879) والتي ضمت عناصر من المتعلمين الذين تأثروا بأفكار جمال الدين الأفغاني مثل أديب إسحق وسليم النقاش.
2- تأسيس سلسلة من الجمعيات الأهلية كان أولها الجمعية اليونانية بالإسكندرية عام 1821، "والجمعية اليونانية بالقاهرة" عام 1856، "وجمعية المعارف" عام 1868، وقد عينت بالتأليف والطباعة والنشر، وانضم إليها كثير من قادة الفكر في مصر في ذلك الوقت وبلغ عدد أعضائها 660 عضواً. ثم الجمعية الجغرافية عام 1875، "والجمعية الخيرية الإسلامية الأولي" عام 1878، وكان الدافع إلي تكوينها وطنياً دينياً، حيث تنبه بعض العلماء من المسلمين وكبار المصريين إلي طغيان النفوذ الأجنبي وتدخل الأجانب في شئون البلاد واستئثارهم بالنواحي الاجتماعية والثقافية، وأحسوا بما وراء ذلك من أهداف استعمارية خطيرة علي الدين وكيان الوطن. وكان من أغراض هذه الجمعية تأسيس المدارس الوطنية لتعليم البنين والبنات وإعانة الفقراء. ثم في عام 1891 تأسست (جمعية التوفيق القبطية)، ومن أغراضها رعاية الفقراء ودفن موتاهم. وفي عام 1892 قامت (الجمعية الخيرية الإسلامية الثانية) التي حملت محل الجمعية الخيرية الإسلامية الأولي.(2)
يرجع ظهور الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية في المجتمع المصري إلي أوائل القرن التاسع عشر، نتيجة لتطور المدينة وتعقد المشكلات الاجتماعية، وقدوم بعض العناصر الأجنبية إلي البلاد، وظهور الحاجة إلي التجمع المنظم لتوفير الخدمات الاجتماعية -تحقيقاً لأغراض محددة- فتكونت بعض الجمعيات الأجنبية والوطنية، ولكنها ظلت قليلة العدد فلم تتجاوز حتي نهاية ذلك 65 هيئة بنسبة 2% من مجموع الهيئات منها 20 هيئة بالقاهرة، 16 بالإسكندرية، 24 بالوجه البحري، 5 هيئات بالوجه القبلي.(3)
3- إن الطوائف العمالية تمثل بذور النقابات، وقد كانت تهيمن عليها السلطة المركزية وتحصل منها الضرائب بطريقة فعالة، و نجد هذه الخصوصية التمركزية لمصر كدولة.(1)
إن نمو المشروعات الصناعية الحكومية منذ بداية عهد محمد علي، قد أدي إلي تكوين "طبقة عمالية" أجيرة وذلك خلال فترة قصيرة للغاية. فحوالي 34.000 عامل انتقلوا للصناعة خلال 24 سنة بين 1816 و 1850.(2)

ومع نهاية القرن 19، انعكس تزايد فئة العمال المأجورين الذين يعملون بانتظام في الصناعة، إلي تأسيس أول نقابة حديثة، هي نقابة عمال التبغ في القاهرة عام 1899، وقد نفس العام أول إضراب عمالي قامت به النقابة المذكورة وتبعته إضرابات عديدة في القرن العشرين.
4- إن بذور تأسيس الجماعات المهنية أو النقابات المهنية يعود أيضاً إلي العقدين الآخيرين من القرن التاسع عشر، وقد كان المحامون أمام المحاكم المختلطة أسبق من غيرهم في هذا الشأن حيث أنشأوا نقابة لهم في مارس 1876، أمام المحامون أمام المحاكم الأهلية فقد أنشأوا جماعتهم في فبراير 1886 حين قاموا بانتخاب لجنة كان من أعضائها سعد زغلول، هدفها إعداد لائحة لهم واستصدار أمر عال لها. ويبدو أن هذه اللجنة قد انتهي وجودها بتحقيق هدفها وذلك بصدور الأمر العالي بلائحة المحاماة أمام المحاكم الأهلية في ديسمبر 1888، وفي أواخر القرن توالي تشكيل اللجان لاستصدار قانون بإنشاء نقابة للمحامين أمام المحاكم أسوة بنقابة المحامين أمام المحاكم المختلطة وهو الأمر الذي تحقق في القرن العشرين.(3)
5- بداية الظهور للحركة النسائية التي ازدهرت فيما بعد في القرن العشرين وكان الجمعيات الأهلية آلية أساسية لها تعود إلي العقدين الآخرين في القرن التاسع عشر. في هذه الفترة ظهر الوعي النسوي مصاحباً للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية (خاصة التعليم) والسياسة (الكفاح الوطني)، وكان قبل ذلك حركة تحرير المرأة التي ارتبطت باسم قاسم أمين.(4)
لذا نجد بعض الملاحظات المرتبطة بتحليل القرن 19:
1- ارتباط عملية بناء الدولة الحديثة بنمو وتطور المؤسسات المدنية.
2- ارتباط العمل الأهلي في البداية بالجانب الديني والوطني.
3- تأثير الجاليات الأجنبية علي الجمعيات الأهلية في مصر وإنشاءها.
4- ظهور النقابات العمالية (الطوائف) والنقابات المهنية (كالمحاماة).
5- الطفرة الهائلة في مجال التعليم والبعثات خاصة عهد كل من محمد علي وإسماعيل.
6- معارضة البعثات التبشيرية جعلت المصريين مسلمين وأقباط يرفضون هذا الأمر مما شجعهم علي إنشاء عشرات المنظمات الأهلية ذات السمة الدينية.











2- : المجتمع المدني المصري في القرن العشرين:
الملاحظ أن المجتمع المدني في مطلع علي مدار القرن العشرين قد مر بعدد من المراحل يمكن حصرها في الآتي:
1- التهيؤ للانطلاق: (1900- 1923).
2- مرحلة الليبرالية: (1923- 1952).
3- مرحلة الإنحسار. ثورة يوليو وما بعدها (1952- 1970).
4- مرحلة الإنفتاح والخصخصة (1970- 1999).
ونعرض لكل هذه المراحل بشئ من الإيجاز:
1-2 : مرحلة التهيؤ للانطلاق (1900- 1923):
هذه هي مرحلة التهيؤ لانطلاق المجتمع المدني بوجه عام إذ إنها قد شهدت تطوراً في البنية الأساسية للمجتمع المدني سواء من حيث الحجم أو من حيث امتداده إلي أقاليم مصر المختلفة. كما شهدت تطوراً في النقابات العمالية وميلاد أول نقابة (للمحامون 1912). وكذلك فإن هذه المرحلة قد صاغت القضايا محور اهتمام المجتمع المدني ومن أبرزها الاستقلال والدستور والمرأة.(1)
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولي ونشوب الثورة المصرية 1919 وفي الفترة التالية لذلك، أخذ عدد الجمعيات الخيرية في التزايد والانتشار ومرد ذلك عوامل وظروف مختلفة أهمها:(2)
أ- نمو الوعي القومي والاجتماعي.
ب- ازدياد الشعور بين المواطنين بحاجاتهم ومشاكلهم الاجتماعية.
جـ- التطور السياسي والاجتماعي.
د- تطور بعض المفاهيم الاجتماعية وعلي الأخص بالنسبة لدور المرأة في المجتمع.
هـ- تزايد عدد السكان وارتفاع نسبة قليلي ومعدومي الدخل.
وشهدت هذه المرحلة تطوراً في حجم الجمعيات الأهلية مع تنوع الأنشطة والمجالات فبلغ عدد هذه الهيئات التي أسست في الربع الأول من هذا القرن 195 هيئة بنسبة 6% إلي مجموع الهيئات.(3)
وعن العمل النسائي في هذه الفترة فقد شهد تطوراً ملحوظاً يرتبط بمحاولات أكثر نضجاً لتنظيم هذا العمل في إطار تطوعي أولها عام 1902 حينما أنشئت (جمعية الشابات المسيحيات) وقد كانت برئاسة (اليس تادرس) وهي تهدف إلي تقديم خدمات تثقيفية وعلمية. وفي عام 1904 دعت الأميرة "عين الحياة إلي تأليف جماعة من السيدات المصريات لإقامة مستوصف لعلاج الفقراء، والذي حمل بعد ذلك اسم مبرة محمد علي عام 1908، وكانت تستهدف الإشراف علي أداء الأطباء لأعمالهم، كما أنها قامت بإنشاء مدرسة لتعليم الفتيات المبادئ الصحية، والعناية بالأسرة والأطفال والخياطة بمدينة القاهرة، وبحلول عام 1961 كانت المبرة أنشئت 12 مستشفي وعيادة قدمت العلاج بالمجان أو سعر رمزي للمرضي، وعلي مدي عشرين عاماً وفرت مؤسسات المبرة العلاج لأكثر من 13 مليون مريض، ويشير نجاح وانتشار عمل المبرة إلي غياب المبادرات الحكومية في الرعاية الصحية والاجتماعية.(4)
في عام 1908 كانت (جمعية الشفقة بالأطفال) وكانت تضم 50 عضو من بنات البكوات والأفندية وكان نشاطها ينصب علي رعاية الأطفال من الفقراء واليتامي، وفي عام 1911 (جمعية خريجات الجامعة الأمريكية) وانشئت في مدينة القاهرة لنصرة تعليم الفتاة المصرية وهي جمعية ثقافية أدبية وعام 1914 (جمعية الاتحاد النسائي التهذيبي) كونتها ملك حنفي ناصف ومي زيادة.
أما عن النقابات فكان ميلاد أول نقابة مهنية وهي (المحامون 1912) وأهم ما يمكن طرحه بخصوص نقابة المحامين هو اتجاهها منذ بداية تأسيسها إلي لعب دور سياسي. فمنذ عام 1901 كثفت جهود تأسيس نقابة المحامين من خلال تشكيل لجان مكلفة بصياغة مشروع قانون النقابة واللافت للاهتمام هو أن هذه اللجان كانت تشكل بالانتخاب، إلا أن المساعي لم تنجح إلا حينما تولي سعد زغلول نظارة الحقانية (23/2/1910- 31/3/1912). وتوجه إليه المحامون بمشروعهم فتولي تقديمه إلي مجلس النظار، فصدر القانون رقم 26 بإنشاء نقابة للمحامين أمام المحاكم الشرعية وهكذا أصبحت في مصر ثلاث نقابات للمحامين هي نقابة المحامين أمام المحاكم المختلطة والتي ألغيت في إبريل 1949، ونقابة المحامين أمام المحاكم الأهلية، ونقابة المحامين أمام المحاكم الشرعية والتي ألغيت عام 1956.(1)
وقد كان عدد المسجلين عام 1912 حوالي 613 وارتفع عام 1917 إلي 791 محامياً.(2)
وعن الأحزاب السياسية في تلك المرحلة قد تكونت لأول مرة عام 1907م، إما كتحول للحركة الوطنية للمطالبة باستقلال الوطن أو كتطور طبيعي للصحف والمجلات التي كثرت في ظل الإحتلال البريطاني.(3)
ولقد صنفت الأحزاب المصرية التي قامت في الفترة ما بين عامي 1907 و 1914 إلي ثلاثة أقسام:-
القسم الأول: أحزاب اليمين مثل حزب الإصلاح علي المبادئ الدستورية بتأييد مسند الخديوية وحزب الأحرار بتأييد استمرار الإحتلال البريطاني وحزب النبلاء الذي عبر عن الرغبة في عودة السيادة للعناصر التركية والشركسية والحزب المصري وهو حزب عنصري يمثل الأقلية القبطية.
القسم الثاني: مجموعة الوسط وهي التي عبرت عن الواقع السياسي والفكري لغالبية أبناء الشعب وأهمهم حزب الأمة والحزب الوطني.
القسم الثالث: أحزاب اليسار أو الأحزاب الراديكالية ومنها الحزب الجمهوري والأحزاب الاشتراكية.
ومن أبرز الأحزاب في تلك الفترة نجد حزب الأمة وقد نشأ في 20 سبمتبر 1907 عندما أعلن حسن باشا عبد الرازق تحويل شركة الجريدة التي كانت تصدر صحيفة الجريدة إلي حزب سياسي يسمي حزب الأمة. يرأسه حسن باشا عبد الرازق وأحمد لطفي السيد سكرتيراً عاماً له، وانطلق فكر الحزب من اعتبار أن الإحتلال أمر واقع يجب العمل علي تغييره تدريجياً عن طريق المشاركة في السلطة وتدريب الكفاءات الوطنية لتولي الوظائف العامة.
وجاء حزب الأمة ليمثل الإعتدال في السياسة المصرية في مقابل تطرف الحزب الوطني بقيادة مصطفي كامل. ويقول يونان لبيب رزق في كتابه "الحياة الحزبية من مصر" أن خطاب مستر فندلي ممثل المعتمد البريطاني في مصر لوزارة الخارجية البريطانية عام 1906 قبل نشأة حزب الأمة بسبعة أشهر يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن سلطة الإحتلال كانت ترسم الخطوط العريضة لأهداف الحزب والدور الذي يجب فعله في الحياة السياسية المصرية مثل "عدم الهجوم علي الإحتلال أو الإشارة إلي الرغبة في إنهائه.(4)
وظهر حزب الوفد كحركه شعبية في بادئ الأمر كانت تهدف إلي تأييد المجموعة المصرية التي تم اختيارها كممثلين عن الشعب للتفاوض مع المحتل من أجل تحقيق الجلاء.(5)
والملاحظ أن الفترة من 1900- 1923 قد شهدت تفاعلات بين بعض المبادرات الأهلية والأحزاب السياسية خاصة حزب الوفد. فقد تم علي سبيل المثال في عام 1919 تشكيل لجنة سيدات الوفد في 8 يناير 1919 وانتخبت (هدي شعراوي) رئيسة لها وكانت لها دور في مجتمع توكيلات السيدات من القاهرة والأقاليم للوفد بقيادة (سعد زغلول) وجمعية المرأة الجديدة عام 1920 وكانت برئاسة (شريفة رياض) وكان هدفها رفع مستوي المرأة.
والواقع يشير إلي أن اهتمام مؤسسات المجتمع المدني في تلك المرحلة أنصب علي الاستقلال والدستور والحركة النسائية دون إغفال للقضايا الاجتماعية

2-2 : مرحلة الليبرالية (1923- 1952):

تبدأ هذه المرحلة بإصدار دستور 1923 والحصول علي الاستقلال المشروط عن بريطانيا، وهو الأمر الذي انعكس علي مؤسسات المجتمع المدني. لقد جاء الخطاب السياسي الرسمي من خلال دستور 1923 ليذكر أن كل المصريين متساوون أمام القانون، وأن الجميع يتمتع بحقوق مدنية وسياسية واحدة ومسئولياتهم واحدة. وذلك دون تفرقة بسبب الجنس أواللغة أو الدين وهكذا فإن إقرار المساواة بين الجميع من جانب، ونص الدستور علي حرية تشكيل الجمعيات الأهلية من جانب آخر، قد وفر المناخ السياسي والاجتماعي الملائم للمبادرات الأهلية التطوعية.(1)
ودستور 1923 علي غرار الدساتير الليبرالية في العالم وضم فصلاً كاملاً عن الحقوق والحريات. وجاء في المادة 21 منه "للمصريين حق تكوين الجمعيات، وكيفية استعمال هذا الحق يبينها القانون.(2)
تم إنشاء أول مدرسة للخدمة الاجتماعية بمدينة الإسكندرية عام 1936، وتلتها مدرسة الخدمة الاجتماعية بالقاهرة 1937. وبإنشاء هاتين المدرستين، وتخرج أول فوج من الإخصائيين الاجتماعيين عام 1940، بدأ النشاط الاجتماعي يدخل مرحلة جديدة من التنظيم والتوجيه الفني علي أسس علمية، وأصبح من الممكن القيام بالدراسات والبحوث الاجتماعية علي أسس فنية وموضوعية. فضلاً عما تبع ذلك من ازدياد الوعي الاجتماعي وتطوره نتيجة لوضوح الأفكار الاجتماعية، وأساليب تحقيق أهدافها من جهة، والوقوف علي تطورات الفكر الاجتماعي العالمي من جهة أخري.(3)
عند نهاية القرن التاسع عشر، أسست حوالي 65 منظمة غير حكومية. وبحلول عام 1925 قفز العدد تقريباً خمس مرات ليصل إلي 300، وفي عام 1950 وصل إلي 3000 منظمة غير حكومية، أغلب هذه المنظمات كرست اهتمامها الأول إلي تقديم الخدمات، وبمعني آخر جمعيات رفاهية لاحقاً، البعض أسسوا لأداء مهام تطويرية، وبمرور الوقت أصبحت معروفة كجمعيات تنمية مجتمع.(4)
طرح الخطاب الإسلامي نفسه وبقوة خلال تلك الفترة وقد شهدت تأسيس "الشبان المسلمون" (1927) و"الأخوان المسلمون" وكذلك عشرات من الجمعيات الإسلامية المساندة لنفس الخطاب، وقد انخرطت الجمعيات الإسلامية بشكل متزايد في أمور السياسة وبلورت مطالب سياسية محددة من أهمها تطبيق الشريعة الإسلامية وإلغاء دستور 1923 علماني التوجه، وكان عقد مؤتمر الجمعيات الإسلامية في يافا عام 1928 نقطة تحول لإنخراط الجمعيات الإسلامية في العمل السياسي خارج حدود مصر. وقد يفسر نشاط الجمعيات الإسلامية المتزايد في أمور السياسة في هذه الفترة بعدة أمور من أهمها الرغبة في التعبير عن الجانب الحركي في الدعوة الإسلامية، وخاصة أن الاتجاه الليبرالي أو العلماني كان يعبر عن نفسه من خلال أحزاب سياسية، بينما تحفظ المسلمون إزاء النظام الحزبي.(5)
وفي عام 1939 أنشئت وزارة الشئون الاجتماعية وقد تضمنت اختصاصاتها أن تتولي شئون الخدمة الاجتماعية، وأعمال البر والإحسان فقد أولت هذه الوزارة الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية عنايتها وعملت علي تشجيعها، ومدها بالمعونات الفنية والمالية التي تساعدها علي تحقيق أغراضها وتوسيع نشاطها. فزاد عدد الجمعيات والمؤسسات ونمت العضوية فيها ووضع دورها في توفير الخدمات الاجتماعية التي تتطلبها ميادين الرعاية الاجتماعية.
وفي عام 1945 أصدرت الوزارة القانون رقم 49 والخاص بتنظيم الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية والتبرع للوجوة الخيرية. فكان هذا القانون أول تشريع خاص في هذا الميدان، وقد احتوي علي 20 مادة تضمنت الأحكام الخاصة بهذه الهيئات ومنها:
1- تحديد مفهوم الجمعية الخيرية والمؤسسة الاجتماعية.
2- كيفية التكوين، والتسجيل، والشروط الخاصة بذلك.
3- إعطاء الوزارة حق الإشراف المالي والتفتيش علي الجمعيات والمؤسسات الاجتماعية.
4- واجبات الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية.
5- إعطاء الوزارة حق الترخيص بجمع التبرعات من الجمهور لوجوه البر والنفع العام.
6- إعطاء الوزارة حق طلب الجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية وأسباب ذلك.
ثم تعيين التطبيق العملي لهذا القانون، وما جد من مشاكل وتطورات صدرت قوانين أخري لاحقة لهذا القانون هي:
- القانون رقم 152/ 1949 الخاص بالأندية.
- القانون رقم 156/1950 الخاص بصناديق الادخار والإعلانات المتبادلة.
- القانون رقم 66/ 1951 الخاص بالجمعيات الدينية والعلمية والثقافية.
- القانون رقم 4/ 1952 الخاص بشهر نظم الجمعيات والمؤسسات.
وفي سنة 1949 صدر القانون 51 بإلغاء نقابة المحامين أمام المحاكم المختلطة ونقل جميع المحامين بها إلي جداول المحامين أمام المحاكم الوطنية وأيضاً تم نقل جميع المحامين المقيدين بجداول المحامين الشرعيين إلي جداول المحامين الوطنية نظراً لإلغاء المحاكم الشرعية وبهذا أصبحت في مصر نقابة واحدة للمحامين ابتداء من يناير 1956.(1)
وفي عام 1941 تم إنشاء نقابة الصحفيين وكانت ثاني نقابة مهنية يتم الاعتراف بها وإصدار قانون لها بعد نقابة المحامين.
وفي عام 1951 صدر قانون رقم 133 الخاص بمزاولة مهنة المحاسبة والمراجعة وبعد ذلك بـ 4 سنوات صدر القانون رقم 349 لسنة 1955 بإنشاء نقابة المحاسبين والمراجعين.
كما تواجدت أيضاً مجموعة متنوعة من الروابط التي تضم المعلمين منها رابطة التعليم الإلزامي التي نشأت 1924، ورابطة الأزهر بين 1941، ورابطة المعلمين الجامعية 1942، حتي تكونت نقابة للمعلمين عام 1954 تضم كل العاملين في حقل التعليم
انشئت نقابة المهندسين عام 1946، ونقابة الأطباء البشريين عام 1949، ونقابة أطباء الأسنان عام 1949، ونقابة الصيادلة 1949، ونقابة الأطباء البيطريين عام 1949.
ووصلت النقابات العمالية عام 1931 إلي 38 نقابة عمالية. إلا أنها لم تحصل علي شرعية وجودها القانوني إلا بصدور القانون رقم 85 لسنة 1942.
أما عن الحركة النسائية خلال فترة العهد الليبرالي، فقد شهدت أعلي تصعيد لها في تاريخ مصر خلال القرن العشرين، فقد تأسس الاتحاد النسائي برئاسة هدي شعراوي 1923، وتبني جداول أعمال به مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية وأيضاً مطالب تشريعية. فمن ناحية أقر دستور 1923 مبدأ الحقوق السياسية للجميع، ومن ناحية أخري صدر قانون الانتخاب ليقصر حق الانتخاب علي الذكور دون الإناث. وقد دفع ذلك بالإضافة إلي أمور أخري إلي تكتيل العمل النسائي داخل الاتحاد النسائي، الذي اتجه للمطالبة بحقوق المرأة في التعليم وحقوقها في العمل، وإصلاح قانون الأحوال الشخصية والضمان الاجتماعي، وحماية الأسرة، تبني أيضاً الاتحاد النسائي لتحسين أحوال الفلاحين ومواجهة البطالة وتوجيه الاهتمام إلي الزراعة، ومواجهة امتيازات وسلطات الأجانب في مصر.(2)
وقد شهدت تلك الفترة وجود عدد هائل من الجمعيات النسائية ومنها (جمعية العمل لمصر) عام 1924 برئاسة "استر فهمي ويصا"، جمعية نهضة السيدات عام 1924 ونشأت في مدينة زفتي اللجنة السعدية للسيدات 1925 برئاسة "شريفة رياض"، جمعية الشابات المصريات وأمهات المستقبل 1929 برئاسة "تفيدة علام"، جمعية نشر الفضيلة والآداب برئاسة "ملكة سعد"، وأصدرت مجلة الجنس اللطيف في الفترة من (1908- 1921)، جمعية الأمل عام 1930 برئاسة "منيرة ثابت"، جمعية تحسين الصحة 1936، نادي سيدات القاهرة 1934، الحزب النسائي الوطني 1942، حزب اتحاد بنت النيل عام 1949.
وفي عام 1932 طرح الخطاب الديني الإسلامي نفسه في إطار تنافسي مع التيار الليبرالي وذلك بتأسيس "فرق الأخوات المسلمات" تحت إشراف المركز العام للإخوان المسلمين والذي ضم عام 1948 خمسين فرعاً، يضم خمسة آلاف سيدة ولكن تم حله في نفس العام لكن استمر نشاطه.(1)
وشهد تلك المرحلة نمواً ملحوظاً للأحزاب المصرية، ففي الفترة ما بين عامي (1922- 1953) نجد حزب الأحرار الدستوريين وهو حزب مصري سياسي يمثل مصالح كبار ملاك الأراضي في مصر. وكان الحزب يدعو إلي التدرج في الحكم ويرفض الصيغ الثورية، تكون الحزب برئاسة عدلي يكن باشا وكان من المعارضين لسياسة سعد زغلول ووضع أعضاء هذا الحزب دستور 1923م. ولكن حزب الوفد عارضه، وكانت للحزب علاقات طيبة مع الإنجليز، أما علاقة بالقصر الملكي فقد كانت تتأرجح بين الخصومة والتحالف حتي أبرمت معاهدة 1936م، فاستقرت علي مبدأ التحالف.(2
وفي عام 1938 نشأ الحزب السعدي إثر خصومة بين أحمد ماهر ومحمود فهمي النقراشي من جهة ومكرم عبيد سكرتير حزب الوفد الذي كان يترأسه مصطفي النحاس من جهة أخري.
وفي عام 1943 نشأ حزب الكتلة الوفدية وقد تشكل هذا الحزب بعد فصل مكرم عبيد من حزب الوفد وخلافه مع النحاس.
وشهدت الأحزاب الدينية طفرة في تلك الفترة ومنها حزب الله وحزب الأخاء وحزب الإصلاح الإسلامي والإخوان المسلمين. ونجد الأحزاب الإشتراكية مثل حزب العمال الإشتراكي الشيوعي وحزب الفلاح المصري ولكن تأثيرهم كان ضعيف لكن كان هناك أحزاب وحركات لها تأثيرها مثل: الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني (أحمد حمروش- يوسف صديق) والحزب الشيوعي المصري 1922 وحزب الشعب وحزب الاتحاد الأول والثاني والأحزاب النسائية مثل بنت النيل السياسي والحزب النسائي الوطني والحزب النسائي السياسي.
في هذه المرحلة (1923- 1952) نجدها خصبة لنمو وتطور مؤسسات المجتمع المدني والتطور الهائل في البنية الأساسية للمجتمع المدني، واستجابة عالية من جانب المؤسسات المدنية لقضايا واحتياجات المجتمع والتفاعل مع القضايا القومية والتيارات الفكرية والسياسية والتأكيد علي الهوية والانتماء.

3-2: مرحلة الإنحسار، ثورة يوليو وما بعدها (1952- 1970):
عقب ثورة 23 يوليو 1952 انتقل النظام السياسي المصري إلي مرحلة جديدة شهد فيها التنظيم السياسي الواحد، بعد حل الأحزاب السياسية في 16 يناير 1952. وشهدت هذه المرحلة توجه السياسات الاجتماعية والاقتصادية نحو الإشتراكية، وصاحب ذلك ما يعرف ببيروقراطية الدولة التي هيمنت علي جميع القطاعات الاجتماعية والاقتصادية. إن النظام الجديد لثورة يوليو 1952 قد تعامل مع مؤسسات المجتمع المدني كلها -وليس فقط الأحزاب السياسية- من منظور شامل لتصفية هذه المؤسسات من جانب وتحقيق المساندة للنظام الجديد من جانب آخر بالنسبة للنقابات العمالية والمهنية.
نتوقف أمام أول قرارات النظام الجديد عام 1952 لإلغاء الوقف الأهلي – وهو إحدي الصيغ التاريخية القديمة للمبادرات الأهلية التطوعية- ثم صدور القانون رقم 152 لسنة 1957 ليفرض بيع الأراضي الزراعية الموقوفة علي وجهات البر العام، إلي الإصلاح الزراعي ليملكها صغار الفلاحين، وهو قرار وإن كان يوسع من قاعدة الملاك الزراعيين، فهو من منظور فلسفة الأوقاف تدخل من جانب الدولة في إرادة الوقف الأمر الذي يتناقض مع هذه الفلسفة.(1)
وبعد أكثر من عشر سنوات علي تنفيذ القانون رقم 49 لسنة 1945 شعرت الوزارة بالحاجة إلي وضع تشريع جديد وهو القانون 384 لسنة 1956 ليجمع شتات الأحكام المتعلقة بالجمعيات الخيرية والمؤسسات الاجتماعية والمتناثرة في قوانين متعددة في قانون موحد يتلاءم مع الاتجاهات الجديدة في المجتمع، وتلبية الحاجات التي كشف عنها التطبيق العملي فصدر القانون رقم 384 لسنة 1956 الذي جاء محققاً لسياسة الدولة التخطيطية في شتي نواحي الإصلاح.(2)
وفي عام 1956 صدر القرار الجمهوري رقم 384 الذي ينص علي إلغاء المواد 54- 80 التي تضمنها القانون المدني بشأن الجمعيات الأهلية، وهو ما يعد تراجعاً تشريعياً عن مرحلة العهد الليبرالي. وفي عام 1964 صدر القانون 32 لسنة 1964 والذي تضمن 3 أبعاد هامة أثرت سلباً علي العمل الأهلي، وهي رقابة الدولة علي تأسيس الجمعيات ورقابة الدولة السابقة واللاحقة علي نشاط الجمعيات، وحق الدولة في حل الجمعيات أو دمجها.(3)
أما عن الحركة النسائية المتمثلة في اتحادات وجمعيات وتحول الاتحاد النسائي المصري إلي جمعية رعاية اجتماعية، كما تم حل لجنة الوعي الانتخابي للمرأة، وتم حل الاتحاد القومي النسائي عام 1959، بالإضافة إلي حل التنظيمات اليسارية والإسلامية وحل جماعة الإخوان المسلمين عام 1955.
علي الرغم من أن قيام ثورة يوليو 1952 كان له دوراً أساسياً في مرحلة جديدة للحركة النسائية في المجتمع المصري، حيث اتجهت الثورة إلي تحقيق العدالة الاجتماعية بين أعضاء المجتمع وإذابة الفوارق بين الطبقات والجنسين، ونالت المرأة حقوقها السياسية في مصر للمرة الأولي عام 1956، حيث نص الدستور علي حق المرأة في التصويت في الانتخابات والتوسع لعضوية الهيئات السياسية والتشريعية، كما أتاحت الفرصة لمشاركة المرأة بعد الثورة المصرية وجعلها شريكة علي قدم المساواة مع الرجل في النهوض بأعباء التنمية الشاملة.
إلا أن مجمل التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وممارسات الدولة والتنظيم السياسي الواحد، قد أدي إلي إنعكاسات سلبية علي النشاط الأهلي ودوره في العمل الاجتماعي والسياسي، وتقليص حجم الجمعيات الأهلية عامة والنسائية خاصة.(4)
وفي تلك الفترة قامت نقابة الزراعيين 1954، ونقابة المعلمين 1955، ونقابة السينمائين 1955، ونقابة المهن التمثيلية 1955، نقابة المهن الموسيقية 1955، نقابة التجارين 1964.(1)
لقد استخدم النظام الجديد أساليب الترهيب والترغيب مع النقابات المهنية التي اتسعت قواعدها وبنيتها الأساسية تدريجياً في إطار السياسة الاجتماعية والتعليمية للدولة، وتم فتح باب بعض النقابات لفئات جديدة لم يكن مسموحاً لها من قبل بالعضوية (من ذلك المحامون العاملون في شركات القطاع العام والدولة) وتحولت ممارسات غالبية النقابات المهنية منذ منتصف الستينيات إلي القيام بدور المساندة للنظام الناصري وللتنظيم السياسي الواحد، باستثناء مواقف بعض النقابات المهنية مثل (المحامين، الصحفيين، المهندسين) من تفجير قضايا الحريات عقب مظاهرة الطلبة 1968. وإذا كانت مؤسسات المجتمع المدني في عهد عبد الناصر، وفي إطار التنظيم السياسي الواحد قد شهدت حصاراً قانونياً وسياسياً، فإنه من المهم الإشارة إلي أمرين:(2)
الأمر الأول: الإنعكاسات الإيجابية للسياسات الاجتماعية والتعليمية علي عضوية النقابات المهنية عامة، وعضوية المرأة خاصة.
الأمر الثاني: يرتبط بالأول حيث اتسعت قاعدة النقابات المهنية بتأسيس خمس نقابات جديدة. إذن من منظور البنية الأساسية للمجتمع المدني فإن هذه الفترة قد شهدت نمواً في العضوية في النقابات المهنية والعمالية.
أما عن الأنشطة الحزبية في تلك الفترة من 1952 إلي 1971 فنجد في عام 1952 شعر قادة ثورة يوليو فور وصولهم للحكم أنهم بحاجة إلي تنظيم شعبي يمثلهم في المجتمع بعد أن كان حزب الوفد هو أكبر حزب سياسي يحوز علي الأغلبية وقد تم حله كباقي الأحزاب عام 1953 وحلت جماعة الإخوان المسلمين 1954.
وأنشأ ثوار يوليو هيئة التحرير من عام 1953 حتي 1956 وبعد حرب السويس 1956 أنشأ تنظيم جديد وهو الاتحاد القومي واستمر هذا التنظيم في العمل من أوائل 1956 حتي انتهاء تجربة الجمهورية العربية المتحدة 1961م.(3)
وفي نوفمبر 1961 تم الإعلان عن تأسيس الاتحاد الاشتراكي كتنظيم سياسي شعبي جديداً بدلاً من الاتحاد القومي ونشأة التنظيم الطليعي ووصل عدد إلي 30.000 عضو في عام 1962م.
في العام 1964 تم تأسيس منظمة الشباب الإشتراكي "كتنظيم مكتمل من القاعدة للقمة وهو أحد تنظيمات الاتحاد الاشتراكي وإن كانت تشكيلاته شبه مستقلة عنه. وتشكل وعي الشباب في المنظمة علي أفكار هي خليط بين الماركسية والإشتراكية والقومية والإسلام.
والواضح أن هذه المرحلة (1952- 1970) حدث فيها هيمنة للدولة والتنظيم السياسي الواحد وإنكسار المجتمع المدني.


4-2 : مرحلة الإنفتاح والخصخصة (1970- 1999):
منذ بداية الستينات شهد المجتمع المصري العديد من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أسهمت في دعم الميل العام للتدين وزيادة الأفكار الدينية فقد تزايد لجوء النظام السياسي لتوظيف الدين في محاولة دعم شرعيته خلال صراعه مع القوي الناصرية واليسارية، وهي العملية التي بدأت باعتبار الشرعية الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع والبدء في حوارات شارك فيها رئيس الجمهورية بشخصه مع قيادات الإخوان.(1)
سياسة الإنفتاح هي سياسة تبنتها السلطات المصرية أبان حكم الرئيس السادات بعد حرب أكتوبر 1973م، وتم بموجب تلك السياسة تغيير التوجه المالي للدولة من الإشتراكية إلي الرأسمالية والاقتصاد الحر. ارتبطت تلك الفترة بنمو رؤوس الأموال الصغيرة التي كانت موجودة في ظل النظام الإشتراكي وتحولها لرؤوس أموال كبيرة وظهور طبقة ثرية في مصر كانت قد اختفت بعد الثورة عام 1952. نتيجة لبدء ازدهار النظام الرأسمالي في مصر غيرت العديد من المحلات التجارية نشاطها وظهرت بمصر مراكز التسوق الخاصة والعديد من الأنشطة الاقتصادية التي كان يحظرها النظام الإشتراكي.(2)
وقد حدد الرئيس السادات مقصد الإنفتاح بأن الهدف منه حقن شرايين الاقتصاد القومي بمزيد من الإنفتاح وقد سعي وراء تحقيق هذا الهدف باللجوء إلي الموارد الخارجية بما يحقق النمو المستهدف دون أن يعرض الاقتصاد القومي للخطر وهذه الموارد الخارجية قد تكون قروض مالية أو علي هيئة استثمارات أجنبية في المشروعات المتعلقة بالتنمية.(3)
إن التغيرات السريعة المتلاحقة التي شهدها المجتمع المصري في حقبتي السبعينات والثمانينات والتي شكلت في مجملها سياسة الإنفتاح وبرنامج الإصلاح الاقتصادي. الذي لم يأتي ثماره كاملة حتي الآن كان لها آثارها السلبية علي بنية المجتمع المصري بصفة عامة وازدياد معدلات الفساد والجريمة علي مستوي الأفراد بصفة خاصة.
ولقد انعكست التحولات والمتغيرات السابقة مجتمعة علي حركة المجتمع المدني في مصر في العقود الأخيرة، وامتد ذلك إلي بنية المجتمع المدني والثقافة المدنية، والتشكيلات الاجتماعية والاقتصادية التي نشطت في المؤسسات المدنية، وكذلك القوي السياسية الصاعدة، وطبيعة القضايا وأولوياتها.(4)
ومن جهة أخري شهدت الساحة في العقود الثلاثة الأخيرة تطوراً كمياً ونوعياً فيما يتعلق بالجمعيات الأهلية، التي اتجه متوسط نموها إلي التزايد خاصة في العقدين الآخيرين من القرن العشرين، فقد ارتفع من 7593 جمعية عام 1976 إلي 13.239 جمعية عام 1993 ثم إلي حوالي 16 ألف جمعية في الألفية الجديدة. ومن المنظور النوعي اتجهت جمعيات التنمية في التزايد. وظهرت أنشطة الدفاع والمناصرة لقطاع من الجمعيات اهتم بالمرأة وعمالة الأطفال وأطفال الشوارع وغير ذلك من الفئات الهشة، كما ولدت جماعات رجال الأعمال في السبعينيات (1975) وارتفع عددها من اثنين فقط إلي 17 جماعة لرجال الأعمال في مطلع الألفية الجديدة.(1)

وفي هذا الإطار لا يمكن إغفال التطور الذي لحق بمنظمات حقوق الإنسان منذ ميلاد أولاها عام 1983، حيث بلغت كثيراً 32 منظمة لحقوق الإنسان تهتم بالدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلي مراكز الدفاع القانوني عن بعض الفئات اللافت للاهتمام خلال تلك الفترة وبإيجاز شديد، أن التطور الذي لحق بالمنظمات الأهلية وبوعيها بذاتها ودورها، وفي ظل الخطاب السياسي إلي تأكيد فعاليتها في التنمية وإلي مبدأ الشراكة، لم يرتبط في الوقت المناسب بتعديلات تشريعية مواكبة. وكان القانون 153 لسنة 1999 هو أول إصلاح تشريعي لأوضاع الجمعيات الذي استمر سارياً حوالي ستة أشهر، وكان العودة إلي القانون 32 لسنة 1964 مرة، ثم صدور القانون رقم 84 لعام 2002 أخيراً والذي يثير جدلاً خاصة ما يمس العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني (سلطة الدولة في حل الجمعيات).(2)
أما عن النقابات المهنية فنجد نقابة الاجتماعيين 1974، ونشأة نقابة المهن التطبيقية 1976، نقابة مصممي الفنون التطبيقية 1976، نقابة الفنانين التشكليين 1986، نقابة مهنة التمريض 1986، نقابة المرشدين السياحيين 1993، نقابة محفظي القرآن الكريم 1993، نقابة الرياضيين 1987، نقابة مستخلصي الجمارك 1994، نقابة العلاج الطبيعي 1994.(3)
ومن ثم وصل عدد النقابات المهنية إلي 24 نقابة مهنية بإجمالي أعضاء يضم حوالي 3 ملايين ونصف المليون عضو. ومن منظور الديناميات السياسية والتفاعلات التي شهدتها النقابات المهنية والذي امتد إلي معارضة النظام السياسي في بعض قراراته وممارستها، وعبر عن ذلك خمس نقابات مهنية بالأساس عكست تصاعد وزن التيار الإسلامي في مجالس نقابية محددة. الملمح الثاني اتجاه أغلب النقابات نحو التنسيق والتفاعل معاً والذي عكسته صيغة عمل جماعية هي لجنة تنسيق النقابات المهنية، وهنا وفي إطار طرح الدور السياسي -الذي يتخطي الدور المهني للنقابة المهنية- مهم الإشارة إلي القانون 100 وتعديلاته للنقابات المهنية، والذي سعي إلي تحجيم الدور السياسي لبعض القوي الاجتماعية والسياسية لكنه في الوقت ذاته أدي إلي تعثر الممارسة الديموقراطية وعدم إجراء الانتخابات في بعض النقابات المهنية. والنقابات العمالية تضم 2.350 مليون عامل من أصل 13 مليون عامل موزعة علي كافة النقابات.(4)
بلغ عدد الأحزاب السياسية عام 1999- 14 حزباً، 6 منها فقط استمد شرعيته من موافقة لجنة الأحزاب، والباقي منها قد استمد شرعيته من أحكام قضائية ارتبطت بفترة حكم الرئيس مبارك. فقانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 قد حدد ضوابط علي إنشاء الأحزاب وضوابط أخري للممارسة الحزبية شكلت ولاتزال قيوداً علي الحياة الحزبية وعلي إمكانية تمثيل الأحزاب للقوي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع المصري.(1)
وقد شهدت تلك الفترة من 1977 إلي مطلع القرن الحادي والعشرين مرحلة التعددية الحزبية المقيدة جاءت هذه المرحلة بعد فترة من سيادة التنظيم السياسي الواحد خلال الفترة من 1953 وحتي عام 1976 وقد شكل دستور 1971، وقانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 بقيام ثلاث منابر حزبية في إطار الاتحاد الإشتراكي تمثل اليمين والوسط واليسار ثم تحويلها في 22 نوفمبر من نفس العام إلي أحزاب سياسية كانت النواة الأولي للتعددية الحزبية في عام 1977.(2)
ومن الأحزاب في تلك المرحلة نجد "حزب مصر العربي الإشتراكي" 1977، حزب الأحرار الإشتراكين 1977، حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدي 1977، حزب الوفد الجديد 1978، الحزب الوطني الديموقراطي (1978) حزب العمل الإشتراكي 1978، حزب الأمة (1983)، الحزب الاتحادي الديموقراطي (1990)، حزب مصر الفتاة الجديد (1990)، حزب الشعب الديموقراطي 1992، الحزب العربي الديموقراطي الناصري (1992)، حزب العدالة الاجتماعية 1993، حزب التكافل (1995)، حزب مصر 2000 (2001).
أما عن الغرف التجارية والصناعية تضم ما يقرب ثلاثة ملايين عضو وتعكس مصالح القاعدة العريضة من أصحاب الأعمال، خاصة من ينتمون للطبقة المتوسطة والعضوية هنا إجبارية وشرط لممارسة المهنة، والغرف التجارية لا يتسم تكوينها الاجتماعي والاقتصادي بالتجانس وهو ما يفتح الباب لتضارب المصالح، كما إنها تتسم بقدر من الاستقلالية، وهو ما يفتح الباب لكبار رجال الأعمال وهم أيضاً أعضاء الغرف التأسيس منظماتهم الخاصة.(3)
في تلك المرحلة تزايدت أعداد مؤسسات المجتمع المدني بشكل ملحوظ ورأينا منها ما هو جديد كالغرف التجارية والصناعية وغيرها ومن هنا تتضح ملامح مؤسسات المجتمع المدني في القرن العشرين في مصر ومدي التطور التي وصلت إليها وخاصة في العقود الأخيرة من القرن وتبرز هذه الملامح في النقاط التالية:-
1- انصبت المرحلة الأولي منه علي الاستقلال والدستور وقضايا المرأة والتي أصبحت محور اهتمام المجتمع المدني.
2- مرور مؤسسات المجتمع المدني في مصر في المرحلة الليبرالية بفترة خصوبة لنمو وتطور تلك المؤسسات، وشهدت تطوراً هائلاً في البنية الأساسية للمجتمع المدني. والتفاعل مع القضايا القومية والتيارات الفكرية والسياسية.
3- بروز الأحزاب السياسية علي الساحة المصرية وأيضاً النقابات المهنية والعمالية والجمعيات الأهلية بنشاطها المتنوع والأندية الاجتماعية والحركات النسائية والغرف التجارية والصناعية ساعد علي تكوين أو وجود للمجتمع المدني في مصر.
4- ظهور المنظمات الدفاعية والاهتمام بحقوق الإنسان والعمل علي نشر الثقافة المدنية وإحياء الروح المدنية ومراكز البحوث التي تهتم بالمجتمع المدني ومؤسساته في مصر إضافة إلي التراكم الأكاديمي في الجامعات والكليات والمعاهد والمراكز البحثية.
5- وجود فاعلين اجتماعيين جدد في كل مرحلة تاريخية نتاج طبيعة التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية السائدة ولقد أسهمت السياسة الاجتماعية والاقتصادية للدولة في إفراز هذه التشكيلات التي انعكست علي مؤسسات المجتمع.
وأخيراً ينتهي القرن العشرين بوضع الأزمة للمجتمع المدني وذلك بـ:
1- الصراع بين الدولة والمجتمع المدني في العقدين الآخيرين.
2- الصراع بين الأفكارالدينية والليبرالية وغيرها.
3- صعوبة ممارسة الديموقراطية وإدارة الاختلافات سليماً.
4- وضع الدولة يدها من إقرار شروط مقيدة لعمل مؤسسات المجتمع المدني في مصر.
3: المجتمع المدني المصري وبداية الألفية الجديدة:
تتمثل الألفية الجديدة في القرن الحادي والعشرين، والتي نوضح من خلال إلقاء الضوء علي مدي ما وصلت إليه مؤسسات المجتمع المدني مع مطلع تلك الألفية الجديدة، ومن خلالها يمكننا وضع رؤية حول مستقبل المجتمع المدني في مصر.
ومع مطلع الألفية الجديدة في مصر صدر قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية 84 لسنة 2002 ولائحته التنفيذية رقم 178 لسنة 2002. فنص في المادة السابعة من مواد إصداره علي إلغاء قانون الجمعيات والمؤسسات الخاصة الصادر بالقانون رقم 23 لسنة 1964، وقانون الجمعيات والمؤسسات الصادر بقانون رقم 153 لسنة 1999. كما ألغي كل نص يخالف أحكامه.(1)
ونص في المادة الأولي من مواد إصداره علي أنه مع عدم الإخلال بنظم الجمعيات المنشأة بقانون أو استناداً إلي اتفاقيات دولية تبرمها جمهورية مصر العربية يعمل بأحكام القانون المشار إليه في شأن الجمعيات والمؤسسات الأهلية.
مازال المجتمع المدني المصري وحرية التنظيم مقيدة بقانون الطوارئ ومجموعة القوانين الاستثنائية التي تعطي الفرصة للحكومة والأجهزة الأمنية في التحكم والسيطرة علي النشاط المدني المصري.
ينظم القانون رقم 32 لسنة 1964 المتعلق بالجمعيات والمؤسسات الخاصة والمعدل بالقانون 84 لسنة 2002 عملية تأسيس منظمات المجتمع المدني ونشاطها في مصر. ولم تعدل الصيغة المعدلة من القانون القيود علي نشاط المنظمات غير الحكومية بل في بعض القيود كان التعديل إلي الأسوأ. ففي مجال قدرتها علي جمع التبرعات يعطي القانون الجديد وزارة الشئون الاجتماعية بدلاً من المحاكم حق حل أي منظمة غير حكومية تري أنها تمارس نشاطاً غير مشروع.(2)
ويقدر عدد الجمعيات الأهلية المصرية عام 2003 بـ16 ألف، وفي شهر إبريل 2004 تم تشكيل اللجان الفنية للجمعيات والمؤسسات الأهلية وعدد 11 لجنة وتضم 91 عضواً، وفي مايو 2004 اقيمت انتخابات اتحاد الجمعيات الأهلية بالقاهرة لانتخاب 15 عضو من بين ممثلي أكثر من أربعة آلاف جمعية.
والعام 2004 شهد جمعيات جديدة حيث تم الإعلان عن تأسيس أول تجمع للمنظمات المصرية لحقوق الإنسان في 27 مايو 2004.
وإنشاء منبر الإصلاح الديموقراطي في العالم العربي في 27 يوليو 2004، وأول منظمة عربية لمناهضة التمييز في أول يناير 2004، وأول مركز إخواني لحقوق الإنسان في فبراير 2004 مثل تحولاً راديكاليا في التوجه السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، كما اقيمت أمام محكمة القضاء الإداري أول دعوي من نوعها لإقامة جمعية خيرية شيعية في يونيو 2004، كما تم إشهار جمعية الجنوب للتنمية وحقوق الإنسان في 28 أغسطس 2004 بعد مرور أكثر من عام من طلب إشهارها. وقضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة بإشهار جمعية أولاد الأرض لحقوق الإنسان في 28/2/2004.

في حين تم رفض تأسيس جمعية للصداقة المصرية- الإسرائيلية في 3/5/2004، واستندت المحكمة في حيثيات حكمها إلي أن هذه الجمعية تهدف في حقيقتها إلي أغراض سياسية. هذا بالرغم أنه في شهر يونيو 2004 تم إشهار جمعية أهلية لها نفس الهدف ولكن لدعم العلاقات مع أوروبا تحت عنوان "جمعية مصر- أوروبا".(3)
هناك مسئوليات أساسية أمام العمل الأهلي والتطوعي في عدة مجالات حيوية بالنسبة لمستقبل مصر ومن أهمها:
* التصدي لمشكلات الزيادة السكانية وما تحمله من تهديد خطير لأوضاع وجهود التنمية في مصر من حيث انخفاض متوسط دخل الفرد، وانخفاض مستوي التعليم وغيره من الخدمات العامة الأخري.
* المساهمة في مجالات مكافحة الأمية، وكذلك المساهمة في تطوير أنشطة التعليم والتثقيف وخاصة بين الفتيات.
* المساهمة في خلق فرص عمل من خلال تشجيع ومساندة المشروعات الصغيرة وأنشطة التشغيل الذاتي.
* يمثل نشاط رعاية الأسرة والأمومة والطفولة وذوي الاحتياجات الخاصة أحد أهم المجالات التي يتميز فيها العمل الأهلي في مصر بشكل يعبر بصدق عن قيم الخير والتكافل والتماسك الاجتماعي التي تسود المجتمع المصري.
• المساهمة في رفع مستوي الوعي البيئي لدي أفراد المجتمع وفي الرقابة علي الممارسات التي من شأنها الإضرار بالبيئة وفي أخذ مبادرات مختلفة لتحسين الأوضاع البيئية.
في اجتماع مجلس إدارة اتحاد الجمعيات الأهلية الذي عقد في مارس 2004، تم وضع خطة مستقبلية خاصة بالجمعيات الأهلية تتضمن عدة مشروعات هي:
* مشروع إعداد قواعد بيانات الجمعيات الأهلية في مصر.
* مشروع وضع الجمعيات علي شبكة معلومات موحدة لتحقيق الاتصال والتكامل فيما بينها.
* مشروع بناء قدرات أعضاء مجالس إدارات الجمعيات والعاملين بها من خلال برنامج تدريبي شامل.
* مشروع زيادة مشاركة المرأة في العمل التطوعي وتحفيز الشباب علي التطوع وإنشاء مراكز تطوعية، ويتضمن ذلك إعداد جيل ثاني من أعضاء مجالس إدارات الاتحاد والجمعيات.(1)
في مطلع ألفية جديدة أصبحت المنظمات غير الحكومية كياناً فاعلاً ومؤثراً علي الساحة العالمية وقبل ذلك علي الساحة الوطنية. ولم يعد هناك من يشكك في هذه الفاعلية أو ذلك التأثير، بل إن الكتابات تضع هذه المنظمات ضمن القوي الجديدة التي تشارك في إدارة الحكم Governance جنباً إلي جنب مع الحكومات والمنظمات الدولية والهيئات المالية والاقتصادية العالمية. بل أن هناك من يراهن علي هذه المنظمات غير الحكومية باعتبارها الفارس المؤهل لقيادة العالم في السنوات القادمة(2)

إن إمكانية تقدير الكيانات التي تلعب دوراً عالمياً بحوالي 26.000 منظمة غير حكومية دولية في بداية القرن الواحد والعشرون وارتباط هذا الانفجار العددي بالعقد الآخير من القرن العشرين، يطرح قضية ملحة وهي الارتباط بين المجتمع المدني والعولمة.(3
ويري البعض أن العولمة Globalization هي "الاتجاه لدمج العالم في منظومة واحدة إذن المجتمع المدني العالمي هو مظهر من مظاهر العولمة وهو أيضاً مؤثر فيها، وهو آلية تحقق أهداف العولمة وقوي العولمة وهو أيضاً آلية تؤثر في عمليات العولمة.(4)
إن العولمة في أحد تجلياتها هي ثورة تكنولوجية اتصالية تلغي المسافات والحدود. وفي تجلياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية قد آثرت في تنامي ظاهرة المجتمع المدني العالمي، ووفرت له فرص النمو والانطلاق.(1)
ومن أدوار المجتمع المدني العالمي نجد:-
1- تعبئة الطاقات والإمكانات داخل المجتمع المدني.
2- تطوير بناء العلاقات بين الأطراف الفاعلين في المجتمع المدني العالمي.
3- بناء نظام اتصالي.
4- العمل كمراكز دعم لتطوير قدرات المجتمع المدني.(2)
وهناك متطلبات لعولمة نشاط المنظمات غير الحكومية. ومن أهمها التحرك من أجل النفع العام، ومن أجل الإنسانية كهدف نهائي، وتجاوز الإيديولوجيات والانطلاق من قيم مشتركة تعترف وتقبل التنوع.(3)
إذاً يمكن القول "رب ضارة نافعة" فإذا كانت العولمة بوجهها المتوحش ظاهرة علي التطور الدولي فإن المظهر الإيجابي يكمن في المجتمع كظاهرة موضوعية بغض النظر عن مساوئها، إلا أن ثمة شيئاً إيجابياً وهو العناية بالقضايا: الفقر والمرأة والطفولة والبيئة وحقوق الإنسان. وقد صاغ البنك الدولي بعض القواعد لتكون مرشداً للعمل، أو دليلاً في سن التشريعات القانونية ومبادئ وقواعد التأسيس، والعلاقة بينها وبين الدولة والمجتمع ولاسيما الفئات المستهدفة والتمويل وغيرها.(4)
عن عولمة الثقافة في مصر وعولمة حقوق الإنسان، وهي فرص يمكن للمجتمع المدني أن يستغلها، إذا تسلح بالوعي وبرؤية مهنية مستقلة غير خاضعة للتمويل الأجنبي والأجندات الخارجية وبعيدة عن الصراعات الأيديولوجية. و يوجد في مصر 24 منظمة دولية والتي لها نشاط فعلي في الواقع المصري.
أما عن المجتمع المدني في أواخر عهد مبارك، وجه مبارك ونظامه العديد من اللكمات للمجتمع المدني في مصر وهي:
• لكمات قانونية. * لكمات قطع التمويل. * لكمات التشويه الإعلامي.(1)

واللكمات القانونية تمثل في تعرض منظمات المجتمع المدني للكثير من القوانين المقيدة لقدرتها علي العمل من أجل الترويج للحرية والديمقراطية، فبالإضافة إلي قانون الطوارئ الذي يسمح للحكومة بالتدخل في شئون منظمات المجتمع المدني، هناك أيضاً قانون 84 لسنة 2002 الذي أعطي الحق لوزارة الشئون الاجتماعية الحق في تنظيم وحل ومراقبة مصادر التمويل الخاصة بتلك الجمعيات. ويحرم القانون علي الجمعيات الأهلية أن تمارس أي نشاط سياسي أو نقابي.
وعن لكمات قطع التمويل يحظر عليها تمويل محلي دون الحصول علي إذن الحكومة وقد أدي ذلك إلي نقص الاستقلال المادي لتلك المنظمات ومن قبلت المعونات عن وزارة الشئون الاجتماعية التي بسطت نفوذها وسيطرتها علي تلك المنظمات، بالإضافة إلي التشوية الإعلامي لمنظمات المجتمع المدني وإتهامها بالعمالة والخيانة وتهديد الوحدة الوطنية وسبق إن اتهم حركة كفاية بالعمالة وتلقي دعم من الخارج.
وتمثل تجربة مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية مع نظام مبارك حالة الصراع بين الدولة المصرية والمجتمع المدني حيث تم القبض علي رئيس مركز ابن خلدون وسبعة وعشرون من العاملين فيه والمتعاملين مع المركز وإزاء رفض السلطات الأمنية المتواصل لتنظيم جبهة الوفاق لمؤتمرات شعبية فقد أعلنت هذه الأحزاب أنها سترفع دعوي قضائية ضد وزارة الداخلية انطلاقاً من نصوص قانونية تقر بأحقية الأحزاب والقوي الشرعية في عقد مؤتمراتها جماهيرياً، كما بدأت الأحزاب في نقل معركتها مع الحكومة إلي ساحة البرلمان.(2)
وفي خطوة مثيرة للجدل اعتبرها البعض ضرباً تحت الحزام للضغط علي الحكومة المصرية وافق رفعت السعيد المتحدث باسم تجمع أحزاب المعارضة المصرية علي لقاء السفير الأمريكي بالقاهرة ديفد وولش يوم 3/12/2004 في سابقة مهمة لتخاطب المعارضة مع أطراف أجنبية حول قضايا الديموقراطية التي كانت دائماً ما يعتبرها الجميع أمراً داخلياً.(3)
وفي 2010 حاول الحزب الوطني الحاكم الإنفراد بمقاعد مجلس الشعب في انتخابات العام وإنسحاب الإخوان من جولة الإعادة فيها.
ويدخل في هذا الإطار حركات مستقلة تضم مجموعات من الناشطين تهدف إلي تحقيق تغيير اجتماعي وتدافع عن المساواة والعدالة منها:
1- حركة كفاية (الحركة الوطنية من أجل التغيير):
والتي ظهرت علي الساحة السياسية المصرية في صيف عام 2004 في شكل تجمع لمجموعة من المثقفين وأساتذة الجامعات والمحامين الذين عارضوا مبدأ التمديد للرئيس مبارك لفترة حكم جديدة. وعارضوا بشدة أي محاولات لتوريث الحكم لنجل الرئيس حتي ولو كان هذا بطريقة دستورية علي اعتبار أنه يمكن التلاعب بالدستور في مصر.(1)
وبدأت الحركة في توسيع نطاق أعمالها من خلال تأسيس موقع(2) علي الإنترنت دعت فيه كل المصريين إلي تسجيل أنفسهم فيه كأعضاء ثم بدأت في الدعوة للتظاهر السلمي الصامت في أماكن تجمع خاصة بالمحافظات تعبيراً عن تحفظها لعدد من النقاط التي تثار من وقت لآخر.
وأعلنت الحركة عن أهدافها في موقعها علي الإنترنت ومن أهمها:
1- الإلغاء الفوري –بدون تسويف- لحالة الطوارئ التي تشل القوة الفاعلة في الوطن، والتخلص من مجموعة القوانين التي تنتهك الحريات.
2- إطلاق حق كل القوي المدنية السلمية في التنظيم وفي تشكيل الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات والجمعيات، بغير قيود.
3- الاعتراف بحق التظاهر والإضراب والاعتصام السلمي.
4- إطلاق حريات التعبير، وإصدار الصحف، وتحرير أجهزة الإعلام المرئي والمسموع من القيود.
5- تشكيل جمعية وطنية تأسيسية تشرف علي إعداد دستور جديد للبلاد يحتفي بالحرية ويضع الضمانات الفعلية لتأكيدها.(3)
6- تأسيس جمهورية برلمانية، تضمن حقوق الوطن والمواطن وتفصل بحسم بين السلطات، وتحد من إنفراد الحاكم بالسلطات الدستورية المطلقة وتضع حداً لمدد حكمه وصلاحياته.
7- تطالب الحركة قبل إجراء أية انتخابات بفترة انتقالية مناسب، يتم فيها خلق مناخ موات لأجرائها بنزاهة ولا تصبح الانتخابات وسيلة لخداع الناس.
وعن ثورة 25 يناير 2011 كان للمجتمع المدني دور قوي قبلها في تمهيد الطريق لهذه الثورة عن طريق التوعية وكشف قضايا الفساد والتقارير الخاصة بتزوير الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وأيضاً القضايا المرتبطة بالتعذيب في مصر والتي كان لها أكبر الأثر في تحريك ثورة الغضب. واستطاع المجتمع المدني تدريب الشباب وتوعيتهم بكيفية إدارة الحملات واستخدام الفيس بوك Facebook وتويتر Twitter. وتمحورت أهم أهداف العمل المدني في مصر قبل الثورة في:
- ترشيد الحكم. - الإصلاح الدستور والتشريعي.
- وقوف مشروع التوريث.
- توسع هامش الحريات العامة والتأكيد علي حقوق الإنسان وكان هناك إشكاليات حول العمل المدني في مصر قبل الثورة أهمها:(1)
- القوانين المنظمة لعمل المجتمع المدني.
- التزاوج بين السلطة والثروة في منظومة الحكم في مصر.
فخلال أيام الثورة لم يغب المجتمع المدني عن الحدث وأن كان دوره أصبح منصباً علي:

- توثيق يوميات الثورة.
- رصد ومتابعة الانتهاكات التي حدثت ضد الثوار.
- المطالبة بالإفراج عن معتقلي الثورة.
- المطالبة بإصدار قانون لتداول المعلومات وتدفقها، إلي جانب إطار قانوني يسمح للإعلاميين بممارسة عملهم بحرية.

ثالثا ً: مستقبل المجتمع المدني في مصر.
الواضح أن المجتمع المدني في مصر يعاني من قصور في البنية المؤسسية وضعف الممارسة الديمقراطية. وهناك ثلاث شروط أساسية متعارف عليها تحقق انطلاقة مؤسسات المجتمع المدني كقوي للتغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي:(1)
أولاً: توافر بنية أساسية للمجتمع المدني، بمعني أحزاب سياسية متعددة، منظمات غير حكومية أو ما يطلق عليه جمعيات أهلية وجماعات أو نقابات مهنية وعمالية، وجماعات رجال أعمال، ومنظمات حقوق الإنسان.
ثانياً: توافر بيئة تشريعية وسياسية مؤسسية لدور مؤسسات المجتمع المدني.
ثالثاً: توفير ثقافة ديمقراطية مدنية يلتزم بها أطراف المجتمع المدني أو الفاعلون، وهي ثقافة ديمقراطية تعكس عمق الإلتزام بالثقافة المدنية المعاصرة من مشاركة جماعية في صنع القرار. إلي الحوار والتسامح واحترام الرأي الآخر وإدارة الاختلافات سليماً.
هي شروط صعبة بلاشك تتوافر بشكل نسبي، وتكاملها أمر أساسي لتحقيق إسهام المجتمع المدني في التغيير الاجتماعي والسياسي، بعض الشروط يرتبط بالدولة وبعضها الآخر يرتبط بالمجتمع المدني، وإتساع وعمق مبادرته التطوعية.
البناء المؤسسي للمنظمات الأهلية في توجهات المستقبل ينطلق من مفهومين رئيسين هما التطوع والعمل غير الربحي، والمجتمع المدني يهدف إلي إطلاق طاقات المواطن ليتم البناء المؤسسي المعتمد علي قواعد محددة لخدمة الجميع.(2)
والمجتمع المدني مستقبلاً هو مجتمع المستقبل يتعامل مع الأمور بتكاملها Comprehensiveness ولا يتعامل معها بأسلوب التجزئة Incrementalism. فاحتياجات المواطن لابد من العمل معها بتوازن كما هو حال جسده.
إن العالم اليوم وبمنظور المجتمع المدني يتميز بإتساع نطاق فضائل التضامن والشعور بالمسئولية لتشمل المحيط العام من شعوب العالم كله.
إن البناء المؤسسي في توجهات المجتمع المدني يدعو إلي إنفتاح المجتمعات وإلي إدراك أن العالم قد أصبح قرية كونية من خلال أنظمة الاتصالات. وإن العالمية هي جزء من البناء المؤسسي للمجتمع المدني.
كل مؤسسة ضمن المجتمع المدني لابد أن تؤكد علي مفهوم المسئولية الاجتماعية أو الجماعية. Social Responsibility من خلال مخرجاتها، فالمواطن في النهاية هو الهدف، وهو امتداد لأسرة ومجتمع، بحاجة إلي تأكيد الأبعاد الجماعية في حياته، ومطلوب من هذه المؤسسات تأكيدها.(3)
أن ما يجب أن ننتهي إليه هو تأكيد أن هناك حاجة إلي ترسيخ مفهوم المواطنة والإنسانية في أي جهد مجتمعي، فالفرد المشبعة حاجاته، الذي هو في قلب العملية التنموية، هو الذي يعطي مجتمعه، ومجتمعه يعطيه بالمقابل.



المحور الثاني: التنمية في مصر:
أن العناية اليوم بالمجتمعات المحلية عامة تنبثق من الاتجاهات نحو تحقيق العدل الاجتماعي والديمقراطية السليمة , أن التخلف الذي طال مدام في هذه المجتمعات قد فرض عليها أوضاعا مادية واجتماعية وثقافية في مضمون حياتها وأسلوب معيشتها وطرائق حركتها ؛ وهذه الأوضاع في حاجة إلي تغيير جوهري وهذه التغيرات الجديدة هي ما تستهدفه برامج تنمية المجتمع المحلي وأساليبها ( )
وعندما تتكلم عن تنمية المجتمع وتنظيمه , يتجه الفكر مباشراً الي المجتمع المحلي في الريف او المدينة , والحقيقة ان هذا الفهم ينطوي علي كثير من الصواب وكثير من الخطأ أيضا , فعملية تنمية المجتمع وتنظيمه رغم أنها تهتم بالمجتمع المحلي اشد الاهتمام – قد أتتنا بفكرة هامة جديدة تقضي بنبذ الأسلوب الانتهازي والتفتيتي في الإصلاح , وانتهاج الأسلوب التكاملي . فرجال تنمية المجتمع وتنظيمه لا يرون المشكلة في المجتمع المحلي فقط , بل يرونها في المجتمع بجميع مستوياته . ولا يضعون مسئولية الإصلاح علي أهالي القرية فقط , بل يضعونها علي أهالي المدينة والحكومة بجميع مستوياتها ( )
لذا فأن الدول النامية في كفاحها من اجل رفاهية شعوبها تجد نفسها في معظم الأحيان إمام معادلة صعبة هي استغلال إمكانياتها المحدودة في سبيل إشباع أفضل للتطلعات الشعبية التي لاتقف عند حد . ومن هنا كان لابد لهذه الدول من ان تصل الي استخدام أمثل لمواردها , وفي مقدمة الموارد التي تتمتع بها الدول النامية تلك الثروة البشرية الكبيرة متمثلة في القوي الشعبية في مختلف المجتمعات المحلية من القري الي المدن . ( )
وفي هذا الاطار نعرض الاتي:-
اولا :-حول مفهوم التنمية :- Development

في الواقع لقد ظهر مفهوم الدول النامية في الاستخدام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية . وشاع استخدامه اولاً في نطاق المنظمات الدولية التابعة لهيئة الأمم المتحدة – ليشير الي الدول التي كانت توصف في الماضي بأوصاف فيها كثيراً من التعسف مثل الدول المتخلفة او الدول المتأخرة .(
أذن ظهر تعيير المناطق المتخلفة under developed areas في الجو الفكري والسياسي كتصنيف للمجتمعات القومية التي يسود فيها مستوي اقتصادي معين.
وحول مفهوم التنمية هناك اكثر من اتجاه واكثر من مفهوم يرتبط بكلمة التنمية , خاصة التنمية الاجتماعية ولعلها جميعاً تستخدم علي نحو من الغموض أكثر من ما فيها من الوضوح, فلا نعرف حتى الان تعريف دقيقاً واضح الاركان لهذا المصطلح الهام . ( )
ولو كشفنا عن الجوانب المشتركة في التعريفات والمفاهيم المستخدمة لوجدنا إنها تتفق في الاشارة الي البعض الظواهر الخاصة بالتغير الثقافي والنمو والدينامية الاجتماعية اقتصر مفهوم التنمية علي الجانب المادي وارتبط الي حداً بعيد بزيادة الإنتاج و الاستهلاك , وأصبحت حضارات الأمم تقاس بمستوي الفرد ومدي استهلاكه السنوي للمواد الغذائية والسكنية ..الخ , بعيداً عن الاهتمام بتنمية خصائص ومزاياه – الإنسانية وإعداده لأداء الدور المنوط به في الحياة , لتحقيق الأهداف التي خلق من اجلها . لكن المفهوم الذي يجعل من الإنتاج والاستهلاك مقياساً للتنمية بحيث إذا توفر نمو وزيادة في الإنتاج كانت هناك تنمية وإذا انتفي انتفيت , قد ضيق من مفهوم التنمية في المجتمعات الانسانية ومصر طاقات الانسانية المتنوعة في طاقة واحدة وهي الطاقة المادية المتمثلة في الانتاج والاستهلاك لما انتج , والبلاد التي تبنت هذا المفهوم رجاء حدوث نمو وتطور باء بالفشل, لا لضعف في الموارد البشرية او لقلة في الموارد الطبيعية , ولكن لان هذا التطور المادي للتنمية يختلف كثيراً عن المنظومة الحضارية والثقافية لها , وهو ما يبرر فشل السياسة التنموية التي انتهجت لحد الان .
والي عهد قريب اعتبر مفهوم التنمية لدي العديد من الباحثين انه مفهوم اقتصادي ( الإنتاج والدخل والاستهلاك ) , غير ان الواقع تصور هذا المفهوم . لان هناك جوانب أخري للتنمية , ترتبط بالإنسان ومتطلباته المختلفة وبناء علي ذلك ظهر مفهوم التنمية الشاملة او مجالات التنمية والتي من بينها تنمية المجتمع المحلي .
اعتبر فريال لوبرً ان التنمية ليست ظاهرة اقتصادية بحته , وانما هي مجموعة من الظواهر من نوع مختلف ذات طبيعة سوسيولوجية وسيكولوجية .( )
ويقصد بالتنمية ايضاً انها عملية تغيير ثقافي دينامية متصلة وواعية التنمية بازدياد أعداد المشاركين من ابناء الجماعة في دفع التغير وتوجيهه,في الانتفاع بنتائجه وثمراته ( )
وبالتالي فالتنمية من خلال هذا التعريف هي شكل من اشكال التغير الاجتماعي والثقافي.
وتعرف التنمية علي انها :- التحريك العلمي المخطط لمجموعة من العمليات الاجتماعية والاقتصادية من خلال معينة لتحقيق التغيير المستهدف بغية الانتقال من حالة غير مرغوب بها الي حالة مرغوب فيها. ( )
وبالتالي لا يمكن من الناحية العملية الفصل بين التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية , فعملية التنمية ذاتها لا تتم إلا في داخل إطار اجتماعي تتفاعل ضمنه مجموعة من النظم والمتغيرات المتكاملة ذات البناء التاريخي المتميز. ( )
إما مفهوم التنمية لدي بعض الباحثين المسلمين فهي مجموعة من الجهود المتنوعة والمنسقة التي تؤهل المجتمع للقيام بواجبات الاستخلاف في الأرض .( )
والباحث يتبني ان التنمية تنطوي علي توظيف جهود الكل من اجل صالح الكل , خاصتاً تلك القطاعات والفئات الاجتماعية التي حرمت في السابق من فرص النمو والتقدم .

ثانيا :- مراحل التجربة التنموية في مصر . :
بداية يود الباحث ان يشير إلي أن محاولته في توضيح مراحل التجربة التنموية في مصر , لا يعد بحثاً في التاريخ , وانما هي محاولة لاستخدام المادة التاريخي وتوظيفها للوصول الي عدد من الملاحظات والاستنتاجات تتيح للباحث فهم حركة التنمية وتفسيرها في مصر.
آ- ويمكن تقسيم مراحل التجربة التنموية في مصر إلي المراحل الآتي:-
1. مرحلة الانطلاق ( عهد محمد علي ) . التنمية بلا ديون
2. مرحلة الذبول ( خلفاء محمد علي )
3. المرحلة الليبرالية ( 1923-1952 )
4. مرحلة التخطيط ( ثورة يوليو 1967 )
5. مرحلة النكسة ( هزيمة يونيو 1967 )
6. الانفتاح والاصلاح الاقتصادي ( 1970- 1999 )
1- الانجازات التنموية في مصر في عهد محمد علي :-
تاريخ مصر هو تاريخ الحضارة الإنسانية حيث أبدع الإنسان المصري وقدم حضارة عريقة سبقت حضارات شعوب العالم – حضارة رائدة في ابتكارها وعمائرها وفنون حيث اذهلت العالم والعلماء بفكرها وعلمها , فهي حضارة متصلة الحلقات تفاعل معها الانسان المصري في عقله ووجدانه بصماتها .
تمثل تجربة محمد علي نموذجا فريدا في التغير الشامل علي اسس حديثة في مجتمع شرقي تقليدي شملت جهوده التنموية في مصر كافة مجالات الحياة بحيث اطلق عليه ( مؤسس مصر الحديثة ) وذلك بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر .
ولذلك أولى محاولاته الى الجيش ومن الجيش انطلقت اهتمامات التغيير فى المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
واهتم محمد على بتعليم الفرحين قبل ان يصبحوا جنودا فى الجيش ومن ثم بدأت برامج التعليم فى الجيش والاسطول , وتركزت سياسة محمد على المالية على زيادة موارده المالية لمجابهة مطالب الجيش , ولكي يصل الى هذا أحدث انقلابا وتغييراً شاملا فى مجال الزراعة ( )
عندما نتحدث عن عصر محمد على يجب ان نستحضر فى أذهاننا صورة لحظة تنموية متكاملة شاملة . وذلك بغض النظر عن الدوافع والاهداف ارتبطت بشخص الحاكم وبارضاء طموحه فى ان يكون ملكا على دولة قوية , وابتعدت كل البعد عن المشاركة الشعبية . فرغم نجاح تجربة محمد على فى تحقيق نمو اقتصادي من خلال الاحتكار ورأسمالية الدولة القائمين على التخطيط الفوقي المحكم بلا مشاركة شعبية , الا انها انتهت بانتهاء الحاكم .( )
ولقد أعجب هنري دودويل Henry Dodwell اعجابا شديدا بشخص محمد على وباسلوبه فى الحكم , وارجع فشل استمرارية أفكار ونجاحات محمد على الى ضعف الاجيال الحاكمة من بعده .( )
يمكن القول بحق ان محمد على مؤسس مصر الحديثة , بل هو من قام بعملية تغيير شاملة على اسس حديثة . وهذا الرأي أجمع عليه عدد كبير من المؤرخين والمفكرين .( )
فى مجال التعليم : اهتم محمد على بتطوير التعليم وتكوين طبقة من المتعليمن لمواجهة احتياجات الجيش ونظامه الاداري , واهتم بانشاء المدارس وازدهرت حركة الترجمة فى عهده خاصة بعد انشاء مطبعة بولاق . كما اهتم بارسال البعثات الاجنبية الى اوروبا , وارسلت اول بعثة عملية منظمة الى اوربا عام 1826. واعقبت البعثة المصرية الأولى فيما بين 1826 – 1847 تسع بعثات , تكونت من 219 طالبا ذهب معظمهم الى فرنسا واتجه الباقون الى انجلترا والنمسا وقد بلغ ما انفق على البعثات 273.360جنيها. ( )

كما ان التعليم كان مجانا فى مختلف المدارس , وكفلت الحكومة للتلاميذ حاجاتهم من مأكل وملبس . لم تستمر هذه المدارس طويلا لصعوبة الحصول على الموظفين اللازمين لها , ولعدم رضا الاهالي عنها , حيث كانت بالنسبة لهم نوع من التجنيد .
فى مجال الصناعة : يعد محمد على باعث المرحلة الأولى لنمو الصناعات فى مصر , فقد حاول تطوير البلاد عن طريق اقامة صناعات حديثة و متطورة تحت سيطرة الدولة المطلقة مما أدى الى قيام منشآت صناعية متعددة ومتنوعة ولقد شكلت هذه الصناعات احتكارات على حساب الحرفة المحلية ومن الصناعات التى أنشئت فى عهد محمد على , صناعات غذائية ( معالجة الأرز , تكرير السكر , معاصر الزيت , الألبان , صناعة الجلد , صناعات كيميائية صناعات نسيجية لمعالجة القطن والصوف والحرير وبناء السفن ومصانع الاسلحة .
فى مجال الزراعة : شهدت مصر فى عهد محمد على تغييرا جذريا فى مجال الزراعة , فقد استعان بالفلاحين فى شق الترع وانشاء القناطر والجسور , فخصص نحو 3.000 فدان لزراعة التوت للاستفادة منه فى انتاج الحرير والزيتون لانتاج الزيوت كما غرس الاشجار لتلبية احتياجات بناء السفن واعمال العمران وفى عام 1821 أدخل زراعة صنف من القطن يصلح لصناعة الملابس , بعد ان كان الصنف الشائع لا يصلح الا للاستخدام فى التنجيد .
وبدأت برامج محمد على التنموية بتغيير نظام الملكية وحيازة الأرض , فألغى نظام الالتزام , ونزع الاراضي من أيدي الملتزمين واعتبرها ملكا للحكومة بأنهم تحرروا وكان الغاء نظام الالتزام انقلابا اقتصاديا واجتماعيا اذ شعر الفلاحون بأنهم تحرروا من رق الالتزام , ولكن الامر لم يستمر لهم طويلا , لقد أصبح محمد على المالك الوحيد , الا انه اقتطع كثيرا من أعيان الدولة والموظفين مساحات شاسعة من الاراضي البور لكي يستحثهم على استصلاحها .
وبتولى محمد على الحكم بدأت العلاقة بين الحاكم والأرض والفلاح تتحسن و تعود الى القاعدة الأصلية بعد القضاء على الملتزمين . ورغم تقدم حالة الفلاح مما كانت عليه فى عهد المماليك الا انه ظل يعاني من الألم والحرمان من حق الملكية وفداحة الضرائب ومساوئ الاحتكار .
فى مجال التجارة : بعد ان ازدادت حاصلات مصر الزراعية وخاصة القطن ،اتسع نطاق تجارة مصر الخارجية ، كما لعب انشاء الاسطول التجاري واصلاح ميناء الاسكندرية وطريق السويس – القاهرة وتأمينه لتسيير القوافل ، دورا فى اعادة حركة التجارة بين الهند واوروبا عن طريق مصر , فنشطت حركة التجارة الخارجية نشاطا عظيما حتى بلغت قيمة الصادرات 2.196.000 جنيه والواردات 2.679.000 جنيه عام 1836.
اما عن النظام المالى : اجهد محمد على الشعب بالضرائب التى كان يفرضها على الشعب ، كلما احتاج لتمويل حملاته او مشاريعه دون نظام محدد ، شملت تللك الضرائب ، الضرائب المفروضة على الاراضى والمزروعات والافراد والماشية .كما احتكر محمد على الأراضي والزراعة ،احتكر ايضا الصناعة والتجارة ( ) مما جعل منه المالك الوحيد للأراضي مصر ، والتاجر الوحيد لمنتجاتها ، والصانع الوحيد لمصنوعاتها .
وكان حكم محمد على اوتوقراطيا مع ميل لاستشارة بعض المقربين قبل ابرام الامور ، إلا انه عن الحكم الاستبدادي للمماليك فى انه كان يخضع لنظام ادارى بدلا من الفوضى التى سادت عصر المماليك .( )
بالاضافة الى طبيعة الاقتصاد الذى اقامة محمد على المبنى على احتكارات حكومية وسيطرة الدولة على معظم النشاطات الاقتصادية ادى الى ظهور بيروقراطية وصفها برين Brien بانها بيروقراطية استبدادية . ( ) . ويرى البعض ان المركزية المطلقة للدولة وسيطرتها على وضع خطط الزراعة والصناعة قد نجحت فى تحقيق النمو الاقتصادي في تللك المرحلة .( )
الاوضاع الاجتماعية :
تغيرت طبقات المجتمع فى عهد محمد على ، تدرج المجتمع الى عدة طبقات اعلاها الطبقة الحاكمة التى ضمت اسرة محمد على وكبار رجاله وموظفى الدولة من المتعلمين والمبعوثين للخارج ،ثم طبقة العلماء والاعيان فالمزارعين وعمال المصانع والعربان والرقيق من اليونانين الذين اسروا فى حرب المورة والجوارى الشركسيات والحبشيات والسودانيات اللاتى كان يخدمن فى بيوت الاثرياء . وقد ارفع تعداد السكان فى عهد محمد على من 2.514.00 نسمة عام 1823 ، الى 4.476.440 نسمة عام 1845. ( ) وكان محمد على باشا متسامحا واسع الافق فى الشؤون الدينية ،فقرب إليه المسيحيين كما المسلمين واستعان بهم فى حكمة وادخلهم فى حاشيته .
تعقيب على التجربة التنموية فى عهد محمد على :
من خلال التتبع الواضح لعهد محمد على عموما نجد انه هو مؤسس الدولة الحديثة فى مصر وسواء كان هدفه شخصيا او لمصر فانه قد وضع مصر فى مكانها الصحيح مرة اخرى والخروج من حالات الفوضى التى مرت بها .
ولاقى اعجاب الغرب ومنهم هنرى دودويل Henry Dodwell وغيرهم . كما ان البعض انتقده فى ان وجهه نظره كانت تركية ومحاوله الاستعانه بالخبرة الغربية واكن يحسب لمحمد على مدى محاوله تطويع الخبرة الغربية بما يلائم الظروف المجتمعية من اهم عناصر ومسلمات التنمية التى ينادى بها اليوم لتطوير وتنمية البلدان النامية . ان ما وصل إليه محمد على فى مصر من انجازات قد وصل اليها بغير قصد فى كثير من الاحيان ، ولكن بتخطيط مسبق مركزه الجيش والقوة العسكرية . لذا يتعذر ان نجد حاكما نجح مثلنا نجح محمد على فى مصر فى تلك المرحله .
2_ مرحله الذبول (تباطؤ معدل النمو )
كانت معاهدة لندن لحظه فارقة فى تاريخ مصر الحديث ومؤذن بنهاية محمد على باشا ، والواقع انه ابتداء من معاهدة لندن 15 يوليو 1840 بين النمسا وبريطانيا وبروسيا وروسيا من ناحية والسلطان العثمانى من ناحية اخرى ، يدخل تاريخ المجتمع المصرى فى إطار الاستعمار ثم الامبريالية ، وكانت الحكومة البريطانية هى التى تحرك خيوط المؤامرة فى نطاق التقارب بين انجلترا وروسيا وذلك لانهم راوا ان احتكارات محمد على تمثل حجر الزاوية فى قوته الاقتصادية . ( )
لم تستمر مسيرة محمد على فى التنمية ، ولقد حاول خلفاؤه تقديم بعض الاصلاحات ، إلا انها كانت متعثرة وضعيفة وترجع الى مصالح ذاتية ولا ترجع الى الصالح القومى وقد انتهت هذه الفترة بالاحتلال البريطانى لمصر عام 1883 .
واتى الخديوى عباس الاول "1849_1854" وانقص من الجيش ، وازال ما كان يقوم على هامشه من منشات ، واقفل ما وجد من مدارس ، وهدم الاسطول الذى كان يصل البلاد بالخارج وفرض القيود على الاجانب المقيمين ،لتصبح سياسة عباس الاول نهاية عملية ايقاف من نوع سلبى للتدخل الاقتصادى الاوروبى . وقد خلا عهده من اعمال النهضه والعمران باستثناء إنشاء السكة الحيد بين القاهرة والاسكندرية واصلاح سكة السويس الحجرية . ( )
ثم تولى سعيد "1854_1863" وكانت الحكومة هى المالك الوحيد المحتكر ، وكانت حرية التجارة والصناعة والموصلات كما راها الغرب وتعاقب المهاجرين على مصر من كل صوب واقبال رؤوس الاموال الاجنبية من كل حدب ،وكانت تلك الاموال تطرق باب الحكومة بصفتها المنتج الوحيد وكان ذلك من بشائر التدخل الاجنبى فى مصر .( )
ومن اهم ما يجدر الاشارة إليه فى تلك المرحلة هو منح امتياز حفر قناة السويس لفرديناند ديلسيبس وهذا ما قد رفضه محمد على من قبل . وسعى الخديوى سعيد منذ توليه للتخفيف عنه فاسقط الضرائب المتاخرة عليه والغى ضريبة الدخويه .
ومن هذه الناحية يظهر لنا ان الخديوى سعيد اعطى للفلاح ولاول مرة فى تاريخه ان يجنى ثمار عمله ، وان يزرع ما يشاء ويتصرف فى محصوله كما يشاء وبذلك ينفرد الخديوى سعيد بانه اعطى للفلاح حقه واعفاءه من الضرائب المتاخرة وهذا لم يفعله احد من اسرة محمد على . وهو الذى حول الجندية للفلاح من عبودية الى نظام ديموقراطى يتساوى فيه الجميع عند التجنيد .( )
فى عهد الخديوى اسماعيل : نجده تولى وقد مضى اثر من عشرين عاما على معاهدة لندن 1840 وجد وضع مصر حاله من التبعيه الواضحه فى اطار قواعد وضعت بعنايه لتجعل والى مصر قعيدا ليبرح مكانه ،وحيسا لا يطلع خارج الدائره المحدده ( )
حاول اسماعيل ان يجعل من مصر جزء من اوربا ، وان ينقل التجربه الاوربيه بصوره سطحيه الى مصر . قد قال الخديوى اسماعيل فى عباره له ( ان بلدى لم يعد فى افريقيا وانما فى اوربا ) ولم يبذل اى جهد فى مجال التصنيع بل اقتصرت جهوده على تحديث بعض المدن الكبرى ، وتوزيع المياه ، وانارة الطرق وتحسين المواصلات وحفر عدد من الترع ( )
ولم يكن امام الخديوى من طريق سوى الاقتراض الذى سار فيه بلا حدود ،سلما مصرالى فخ القروض ومن ثم التدخل الاجنبى ولم يكد يمر عام على تولية حتى طرق ابواب الاستدانه ، واثقل مصر بديون متنوعه المصادر تزيد عن35500000 جنيه وتتراوح فائدتها الاسمية بين 7% ،12% اما عن فائدتها الحقيقية فتتراوح ما بين 12% ،26 % . ( )
واتسعت سياسة منح الاراضى للاقارب ، كان الاقطاع هو النظام السائد فى الاستغلال الزراعى ، ولقد تميزت تلك المرحلة بزيادة التفاوت الطبقى حيث عانت الاغلبية من فقر مدقع .
وفى عهد توفيق نجد ان الثورة العرابية عبرت عن نمو الحركة القومية والوطنية ولكنها كانت حركة عسكرية فى المحل الاول ، ولم تمس جوهر القضية الاساسية وهى ضرورة احداث تغيرات فى البناء الاقتصادى و الاجتماعى ، مما يلفت الانتباه ايضا الى معظم حركات التمرد القومية ارتكزات حول المطالبة بالاصلاح و ليس الغيير الجذرى من خلال الحرية و الاستقلال .
3- مرحلة اليبراليه :- ( الانشغال بتدعيم التغيرات السياسية فى مصر )
باحتلال بريطانيا لمصر عام 1882 اكتملت عملية دمج مصر فى النظام الاقتصادي الرأسملي وفى النظام الدولى . ورسمت انجلترا السياسه التى يجب ان تعمل فى ظلها وهى ان تستثمر كبلد زراعى اولا وسوقا لبيع منجاتها الصناعيه ثانيا . ففى مجال الزراعة اهتمت انجلترا بمشروعات الرى فى المحل الاول مما ترتب عليه توسعا فى الاقتصاد الزراعى واستطاعت مصر ان تتخلص من اهم مقوماتها ، الا ان الزياده فى عدد السكان قد ضغط متزايد على الاراضى المنزرعه ، فى نفس الوقت التى اهملت فيه انجلترا فى فترة ما قبل الحرب العالميه الاولى لمشروعاتها فى مصر ( )
وفى مجال التعليم ادرك اللورد كرومر ان التعليم لابد وان ياتى بثمار طبيعية له ، وهى مواجهة الاجنبى و التخلص منه ، ولذالك فرضت سيطرة و رقابة على التعليم ، ما ترتب عليه انكاس التعليم كما وكيف فى عهد الاحتلال . حيث انه لم يكن لمصر فى عام 1914 سوى68 مدرسه ابتدائيه وثانويه تنفق عليها الحكومه ، فى حين كانت توجد 739 مدرسه خاصه يتردد عليها 99000 تلميذ واصبحت المدارس مجر معامل لتخريج موظفى الحكومة .
اما الصلاحات القانونية فقد طبق قانون طابع غربى محل القانون الاسلامى مما ادى الى نتائج سلبية ،كشفت عن زيادة معدلات الجريمة وبخاصة فى الريف .( ) وعن تراكم عملية الاستغلال البريطانى لمصر بعد الحرب العالمية الاولى نجد ان بريطانية صممت منذ اعلان الحرب العالمية الاولى على استغلال كافة موارد مصر وامكاناتها الاستراتيجية والاقتصادية والبشرية و المعنوية كما حدث فى الهند للوصول الى اهدافها ومع هذا الاستغلال ظهر التناقض واضحاً فى السياسة البريطانية وفى نقضها لعهودها والحرب العالمية هى حرب نشبت بين القوى الاوربية خلال اعوام 1914و 1918.بدات الحرب حينما اعلنت الامبراطورية النمساوية المجرية ،الحرب على مملكة صربيا فى يوليو 1914 على اثر ازمة دبلوماسية نشبت بين البلدين بسبب اغتيال ولى عهد النمسا ( )
وبانتهاء الحرب العالمية الاولى قامت فى مصر ثورة 1919 ، ولم تسفر الثورة عن نتائج فيما يتعلق باستقلال مصر ، الا انها المحرك الرئيسى لقدرة الشعب المصرى على تحمل اهوال تفوق طاقته فى سبيل الحرية ، وكان من اهم نتائجها دستور عام 1923 ، الذى يعد خطوة تقدمية فى النظام السياسى لمصر رغم جوانب القصور . وهو على غرار الدساتير الليبرالية فى العالم حيث ضمن باب للحقوق و الحريات . واصدر تصريح 28 فبراير 1922 والذى نص على الغاء الحماية البريطانية عن مصر واعلان مصر دولة قوية مستقلة . وفى عام 1924 تشكيل اول وزاره برئاسة سعد زغلول .
ومن اللحظات الفارقة في تاريخ تلك المرحلة انشاء بنك مصر . وفي المؤتمر الاول انتهز محمد طلعت حرب باشا اجتماع اعيان البلاد وكبرائها وعرضت لجنة المؤتمر فكرة انشاء بنك مصرى وقرر المؤتمر بالاجماع وجوب انشاء بنك مصري برؤس اموال مصرية وفي مساء يوم الجمعة 7 مايو 1920 ، احتفل بتأسيس البنك وقد تأسس بنك مصر حول المحاور الاتيه : ( )
أ‌) انشاء بنك مصري برأس مال مصري وادارة مصرية وكوادر مصرية ولغة تعامل عربية
ب‌) تحويل تنموي للاقتصاد القومي من الاستثمار الزراعي الي الاستثمار الصناعي واثبات القدرات العقلية للانسان المصري
وقد اتبع محمد طلعت حرب باشا سياسة تخطيطية من الطراز الاول مبنية اساسا علي ايمانة باهمية الكيان الاقتصادي الذي اسسة في القيام بدور البنك القابض الذي يؤسس مجموعة من الشركات المستقلة لاتي تدور في فلكه فترفعه والقطاعات الاقتصادية الاخري تدريجيا نتيجة التفاعل الطبيعي بينها جميعا وادت سياسته الرشيدة الي الكثير من التطورات التي شوهدت في الاقتصاد القومي والتي كانت مرتبطة الي حد كبير بنشاط بنك مصر وشرطاته او كانت تمثل نتيجة من نتائجة .
بقيام الحرب العالمية الثانية اسهمت عام 1939 في تهيئة الاهتمام بالصناعة لانعدام الواردات الاجنبية ، كما ازدهر عدد من المشروعات الصناعية وحقق رجال الصناعة ارباحا طائله وظهرت فئة من المليونيرية من المصريين ( )
ويمكن وصف ملامح البناء الطبقي في ريف مصر في النصف الاول من القرن العشرين علي النحو الاتي( )
أ‌) طبقة كبار الملاك ( الطبقة الاقطاعية ) وهي طبقة بعيدة كل البعد عن الريف ن حيث المسكن والعمل الزراعي وطريقة الحياة بوجه عام.
ب‌) طبقة اغنياء المزارعين ، وكانت هذه الطبقة تمتلك مساحه كبيرة من الاراضي او تستأجرها وتقوم بزراعتها.
ج) طبقة المزارعين المتوسطين ، وكانت تقيم في الريف وتشرف علي الارض .
لقد كانت طبقة متوسطي الملاك مصدر نمو البيروقراطية الحضرية نتيجه لتعليم ابنائها بالاضافة الي الطبقات السابقة ظهرت طبقة فقراء المزارعين وطبقة العمال الزراعيين وتمثل اكبر الفئات حجما . وكانت القريه أنذاك تضم حوالي 12.000 اقطاعي وحوالي 25.000 فلاح غني ومليون مالك صغير ومليونين من العمال الزراعين.
في مجال التعليم بلغ اجمالي المتعلمين بالنسبة لعدد السكان عام 1973 حوالي 2.570 مليون نسمة وكانت النسبة الغالبة منهم من بين من يعرفون القراءة والكتابة ويدل علي انعدام الخطة المتكاملة اللازمة لتنظيم جيل من المتعلمين ولا شك ان هذا انما يحمل بين طياته نوايا الاستعمار ومدي تأثيره علي مقررات التعليم واهدافه كما سبق واوضحنا ماذا فعل اللورد كرومر .
وشهدت هذه الفترة نمو الرأسمالية المصرية وتصديها للحركة الوطنية ،الا ان الرأسمالية الوطنية عجزت عن ان تسهم في عملية التنمية الاقتصادية والملاحظ ان النظام الليبرالي فشل وذلك لان طبيعة هذا النظام لم تتوافق مع طبيعة وظروف المجتمع المصري من ناحية وطبيعة المرحلة من ناحية اخري ولذلك فشل في مواجهة مشاكل التخلف ، بل اسهم في مضاعفة هذه المشكل .
وان عملية الاقتباس من الغرب او جعل مصر نموذج اوروبي لم تلقي النجاح المطلوب والتي بدأت برفاعة الطهطاوي واستمرت بعده في عملية تطوير الوعي بدرجة تسمح له بالمشاركة في عملية التغيير وانحصر الوعي في عملية المطالب بالاستقلال الوطني . وفقدت الاحزاب البرامج التدريبية اللازمة للاصلاح الاجتماعي والتنموي .
4- مرحلة التخطيط ( ثورة يوليو1952)
لقد شهد البناء الاجتماعي والاقتصادي التقليد تغييرات جذرية نتيجة لقد للثورة . ويمكن القول ان ثورة يوليو من اهم منجزات هذا القرن في مصر ، لما احدثته من تغييرات جذرية شملت واقع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية .
اما بالنسبة للحياة الاجتماعية فلقد زادت حدة الصراع بين الطبقات السائدة وذلك نتيجة لسيطرة طبقة القلة من الرأسماليين والاقطاعيين علي مقاليد الحكم وتحكمت في مصائر الاغلبية ومن هنا التقت الثورة السياسية بالثورة الاجتماعية .
قسم باتريك اوبريان عهد الثورة المصرية عام1952 الي مراحل ثلاث علي الصعيد الاقتصادي ، الاولي : مرحلة حرية المشروعات في القطاع الخاص ، الثانية : مركزية الاشراف الحكومي علي اقتصاد مشترك يضم القطاعين ، الثالثة : مرحلة الشروع في بناء الاقتصاد الاشتراكي علي اساس التخطيط .( )
في بدايات الثورة لم تمثل التنمية الاقتصادية مركز الاولوية من اهتماماتها ، حيث شغلت القياده السياسية قضيتي التحرر الوطني وتصفية القوي السياسية التقليدية ،مما ترتب عليه عدم الدخول في سياسات اقتصادية من شأنها احداث تغيير جذري في النظام الاقتصادي والاجتماعي ، فيما عدا قانون الاصلاح الزراعي وقد صدر قانون الاصلاح الزراعي الاول عام 1952، وقد حددت الملكية وفقا للقانون بمائتين فدان.
وبهذا يمكن القول ان الثورة لم تضطلع منذ بدايتها باعباء نقل البلاد الى الاقتصاد الصناعى بل كانت الفكره هى الاستعانه بالطبقه الراسماليه وكبار الملاك لاحداث هذا التحول. ولكن الرأسماليه المصريه الكبيره لم تتخلى قط عن مفاهيمها الرأسمالية التقليدية؛ وتخاذلت واخذت تضع العراقيل فى طريق التنمية. وتحققت الثورة من التنمية لا يمكن ان تتم عن طريق الرأسماليين؛ وكان لابد من البحث عن بديل واذا لم يكن الطريق الرأسمالى فليس سوى الطريق الاشتراكى.
وفى ظل هذه الظروف بدات عملية تركيز السلطة في يد جمال عبد الناصر والذى لم يسمح فى هذه المرحلة بالتنافس او الصراع او تضارب الاراء. وربما كان لهذا اهميتة فى ذلك الوقت للخروج من الفوضى وتفادى لها.
وعندما اصبح الوعى بحتميه التغيير الشامل المخطط شهدت الفترة من عامى1956_1960بداية التوسع في القطاع العام. واصبحت قضية التنمية تحتل مكان الصداره.
لذلك صدر الدستور عام1956مؤكدا على ضرورة وضع خطة قومية شاملة.وعهد الى لجنه التخطيط القومى بوضع الخطه الخمسية(1960_1965)وعن الانجازات التعليمية لثوره يوليو1952نجد الاتى:ـ ( )
_ قررت مجانيه التعليم العام واضافت مجانيه التعليم العالى
_ ضاعفت من ميزانيه التعليم العالى
_ اضافت عشره جامعات انشئت فى جميع انحاء البلاد بدلا من ثلاث جامعات فقط
_ انشاء مراكز البحث العلمى وتطوير المستشفيات التعليميه
وعن الانجازات الاقتصاديه والاجتماعيه نرى منها:-
_ تعتبر الثوره العصر الذهبى للطبقه العامله المحونه الذين عانوا اشد المعاناهمن الظلم وفقدان مبدأ العدالهالاجتماعيه
_ اسفرت الثوره عن توجهها الاجتماعى وحسه الشعبى مبكرا عندما اصدرت قانون الملكيه يوم9سبتمبر1952
_ قضت عى الاقطاع وانزلت الملكيات الزراعيه من عرشها
_ مصرت واممت التجاره والصناعه التى استأثرت بها الاجانب
_ الغاء الطبقات بين الشعب المصرى وتغيير البنيه الاجتماعيه للمجتمع المصرى
-قضت على معامله العمال تسلع تباع وتشترى ويخضع ثمنها للمضاربه فى سوق العمل.
_ حررت الفلاح بأصدار قانون الاصلاح الزراعى
_ قضت على السيطرة الرأسمالية فى مجالات النتاج الزراعي والصناعي
ويمكن القول ان تحول السياسة الاقتصادية للدولة وفى تلك المرحلة لم يرتبط بأى اعتبارات ايديولوجيه؛ وانما ارتبط بفشل القطاع الخاص فى المشاركه لدفع عجله التنميه مما حتم ضروره التغيير الجذ رى.
وقمت لجنه التخطيط القومى بوضع الخطه الخمسيه الاولى وكانت فى الواقع جزءأ من الخطه العشريه لمضاعفه الدخل القومى . ولقد واجهت الخطه مجموعه من الصعوبات خاصه فى النصف الثانى من الستينات؛ حيث اهمل التخطيط بعيد المدى واقتصر على موازنه ثانويه. ومع زياده الانفاق الحربى انخفضت اعتمادات التنميه؛ولقد وضعت الخطه دون استثاره جديه من اهل الخبره من رجال الاعمال والمديرين والفلاحين ح كما تصل وسائل الاقناع الى درجه من الكمال تمكنها من استثاره وتحفيز المشاركه الشعبيه.( )
وعن مظاهر التنميه التى اعقبت ثورة يوليو1952 فى العديد من المجالات نجد منها:-
1-الزراعه:-
اهتمت الدوله ف تلك المرحله بالتوسع الافقى والراسمالى؛ ومن ضمن السبل العديده من اجل التوسع الرأسى خاصه انتقاء البذور ومكافحه الافات الزراعيه وتوفير العناصر الغذائيه للتربه.وتحسين وسائل الخدمه الزراعيه عن طريق التوسع ف استخدام الالات الزراعيه.
ومن اهم المشروعات الزراعيه نجد مشروع السد العالى وكان من اهم المشروعات التى تستهدف زياده الموارد الارضيه المتاحه. وكان من اهم عناصر الاستثمار هى تلك المرحله. وعقدت امال كبيره على مشروعات الاستصلاح وزراعه اراضى الصحراء واعتمدت مشروعات الاستصلاح بعد حرب القناه(الوادى الجديد؛ الفيوم ؛البحيره) ع التمويل والمساعدات الفنيه السوفيتيه خاصه بعد هزيمه1967 ( )
2- الصناعه:-
استطاعت مصر ف العشر سنوات الاولى من الثوره ان تزيد من الانتاج الصناعى حيث زادت قيمته من314مليون جنيه عام1952الى1140مليون جنيه عام1965-1966.
كما زاد عدد العاملين ف الصناعه من350الفا الى1,2مليون؛ وارتفع نصيب الصناعه من الناتج المحلى الاجمالى من9%الى22%بين اوائل الخمسينات واوائل السبعينات. وصدرت مجموعه من القوانين لتوسيع قاعده القطاع العام منها قانون118عام1961بتأميم قطاع البنوك تأميما كاملا ؛وتأميم 149شركه؛شملت قطاع انتاج مواد البناء والصناعه المعدنيه والكهرباء وبعض الخدمات الحيوانيه كالنقل والسياحه.(
في مجال الصحة :
تحسنت فرص المصريين فى الحصول على الغذاء كما وكيف فى الفتره مابين 1952_1965_الا أن الريف لم يحفظ فى مجال الخدمات بما حظيت به المدن ؛وقد ظل الريف متخلفا عن المدينه حتى يومنا هذا
والواضح ان ثوره يوليو 1952 احدثت تغيير البناء الاجتماعى فى مصر الذى ترتب على التصنيع فقد اتاحت الصناعات الجديده التى اقيمت تدفق الفلاحين الى المصانع مما ادى الى تغيير كبير فى الحياه الاجتماعيه بانتقال مصر من المرحله الزراعيه الى مرحله التصنيع التى دعمت الطبقه العامله كما وكيفا .الا أن تزايد الهجره من الريف ترتب عليها مشاكل عديده .
اثبت الواقع التنموى فى مرحله الثوره امكانيه النجاح التخطيط فى مصر.الا ان غياب المشاركه الشعبيه الايجابيه على مستوى التخطيط والتنفيذ كان من أهم نواحى القصور الذى ادى الى ترك كافه الأمور للقياده الحاكمه, مماجعل معدل الثقه بالنفس يرتفع الى درجه تبديد الفائض الذى حققته الجهود التنمويه فى حروب خارجيه انعكست فى مشاكل ضغوط داخليه مما ادى فى النهايه شيئا فشيئا.
5_مرحله النكسه (غياب الرؤيه) 1967_1970
وبعد هزيمه 1967, اضطرت الحكومه الى اتخاذ مزيد من الاجراءات البوليسيه واسعه النطاق حفاظا على أمن الثوره دون مراعاه لأمن ألانسان والمجتمع المصرى . كل ذلك ترتب عليه غياب أهم عنصر من عناصر التنميه وهو الديمقراطيه الحقيقيه , وسيطر الطابع الأمنى على ممارسه السلطه وبذلك حرمت الجماهير من حريه الاختيار الحقيقى لممثليها السياسيين . فخرجت تماما عن ساحه المشارك فى الحكم .كما وقفت الفئه المثقفه ازاء مظاهر الخوف والارهاب موقف المتفرج, غير قادره على المشاركه فى التغيير أو حتى وضع اسس ايديولوجيه بديله_
كما بدأت عناصر البرجوازيه الكبيره تكشف عن نفسها بعد أن وجدت الظروف مهيأه لمحاوله الالتفات حول الثوره وافراغها من مضمونها , ولم تجد من يتصدى لها من ابناء الطبقه الدنيا او الوسطى وذلك لغياب التنظيم السياسى الفعال القادر على تحقيق التنشئه السياسيه السليمه , ونتيجه ايضا لغياب الأنتماء الايديولوجى ووضوح الرؤيه الاستراتيجيه وتغلبت فى هذه المرحله نزاعات اللا مبالاه ولخوف وعدم تحمل المسؤليه .وكان من أهم ملامح تلك المرحله غياب المشاركه الشعبيه. واخيرا: ان ازمه التنميه تكمن فى انها تفتقد الاراده والرؤيه والمنهج.
6_ مرحله الانفتاح الاقتصادى والنمو (1970_1981 ).
كان من الممكن استخدام روؤس الاموال الاجنبيه والمحليه وتوجيهها لبناء المشروعات الأساسيه بدلا من توجيهها نحو مشروعات بعيده كل البعد عن الاحتياجات الاساسيه للجماهير . لقد حققت الصين تقدما كبيرا فى الأونه الاخيره فى استخدام روؤس الاموال الاجنبيه فى المشروعات الاساسيه كالسكك الحديديه وتطوير المصانع القديمه والمطارات والطرق الا ان هناك تفاوتا واضحا بين تجربه الانفتاح الصينيه وتجربه الانفتاح المصريه , فالصين قد تمكنت بالفعل من حسن استغلال القروض الاجنبيه وروؤس الاموال فى تحسين الهياكل الاساسيه للانتاج. ( )
أدت سياسه النفتاح الاقتصادى الى معدلات مرتفعه لنمو فى قطاعات الخدمات بلغ 6/11% عام 1970_1979 , فى مقابل مهعدل نمو 7/4% فى الفتره 1960_1970,لم يتحقق سوى معدلات نمو متواضعه فى مجال الصناعه من 3/5% فى الفتره من 1960_1970 الى 8/7% فى الفتره 1970_1980 بينما انخفض معدل النمو فى مجال الزراعه من 9/2% فى الفتره 1960_1970 الى 2.2% فى الفتره مابين 1970_1979.( )
ولقد تحمل القطاع العام مسئوليه التنميه الاقتصاديه فى عهد الثوره ونجحوان مقياس نجاحه بنتائجه وليس بشئ أخر, فلقد دخلت مصر حرب اكتوبر بالامكانات الذاتيه ولم يشعر الشعب بأى نقص فى الانتاج محدود لا يتعدى 25% فقط . ومع حرب اكتوبر 1973 والدخول اللى مرحله السلام وتدفق المساعدات الخارجيه وبالرغم من الحديث عن الامن الغذائى والكسائى والاسكانى وغيره من الشعارات لم تظهر خطه خمسيه متكامله واضحه المعالم والابعاد وقابله للتنفيذ والتطبيق بصوره عمليه لقد غاب التخطيط تماما اوكاد يختفى منذ عام 1974 وحتى اوائل الثمانيات ( )
فلا تنميه بدون تخطيط يوجد مساراتها ويقلل من قدها وفى ظل الظروف للاقتتصاديه افتقدت الاجراءات الاقتصاديه والرؤية القوميه وضاعت الرؤيه الشامله للتغيير بحكم تعبيرها عن اتجاهات فردية .
بلغ متوسط دخل الاسرة المصرية عام 1972 , 365 جنيها في العام , بينما بلغ متوسط نصيب الفرد 68 جنيها
وتتفق كافة التقديرات الاقتصادية على ان تجارة السلع الاستهلاكية فى البلاد قد اسهم فى تدعيم التطلعات الاستهلاكية التي صاحبها مظاهر عديدة من الانحراف والجريمة من خلال محاولة الكسب بأي وسيلة , هذا بالإضافة الى اصدار قيمة العمل المنتج .
لقد ثبت ان التنمية لا يمكن ان تستمر بدون تدخل الدولة فى اعادة توزيع الدخل القومي علىنحو يوفر نوعا من العدالة الاجتماعية , ومن هنا ظهر فى الفكر التنموي الحديث مفاهيم مسيطرة الآن وهي " النمو مع عدالة التوزيع " " الاحتياجات الاساسية للجماهير " , " ومواجهة الفقر الجماهيري ... الخ ".

وتميزت تجربة السادات بالليبرالية وتعدد الاضراب فى الحكم وقد غاب عنها التخطيط الشمولي , إلا ان فترة الانفتاح تميزت بالاعتماد على الموارد الخارجية فى التنمية .

7- مرحلة الاصلاح الاقتصادي ( الخصخصة )

تعد الخصخصة وسيلة هامة من أدوات الاصلاح الاقتصادي , الذي من خلاله يستعيد الاقتصاد حيويته وفاعليته عن طريق احياء دور وروح المبادرة الفردية والمنافسة بين قوى النتاج والعمل في الاقتصاد الوطني .
وتعرف الخصخصة على انها نقل ملكي او ادارة المؤسسة العاملة الى القطاع الخاص سواء اتخذ ذلك البيع المباشر او التمليك او المبادلة بالديون او من خلال عقود الادارة او التأجير .
والخصخصة هى مصطلح يستخدم للدلالة على تحول الملكية العامة للدولة الى القطاع الخاص وذلك عن طريق البيع او التأخير او التعاقد او التصفية النهائية وتتمثل اشكال الخصخصة فى الآتي:-

1. التأجير طويل الأجل للأصول المملوكة للدولة او القطاع العام وذلك للقطاع الخاص او الاستثماري وذلك بهدف تحقيق مصلحة عامة او تحسين اقتصاد الدولة ..
2. التعاقد بين الدولة او القطاع الخاص وذلك من اجل انتاج سلعة او خدمة او تقديمها نيابة عن القطاع العام وذلك فى حالة تعثر القيام بذلك من خلال المؤسسات الحكومية او القطاع العام .
3. البيع الكامل وذلك من قبل الحكومة او القطاع العام سواء للجمهور خاصة العاملين بتلك المؤسسات او المنشآت او القطاع الخاص.
4. التصفية النهائية بالشركات او المؤسسات العامة التي يثبت عدم صلاحيتها للبقاء والاستمرار او افساح المجال امام شركات ومؤسسات القطاع الخاص المقابلة لها للانفراد بالسوق دون منافسة من القطاع العام ..

تعتبر حقبة " مبارك " هي حقبة تحرير السوق والتي كانت له تأثيرات متعددة من بينها تفجر البطالية بشكل غير مسبوق كظاهرة مصاحبة للاصلاح الاقتصادي حيث بلغ معدل البطالة 9.2% من قوة العمل .
وقدرت دراسة لمركز الدراسات الاستراتيجية بالاهرام عدد العاطلين بحوالي 1.5 مليون عاطل . منهم 23.7 % يحملون مؤهلات متوسطة و 13.6% يحملون مؤهلات فوق المتوسطة , و 13.6 % يحملون مؤهلات جامعية . بينما يقدر غالستاذ عبد الخالق فاروق عدد العاطلين بما يتراوح بين 5.5 مليون و 6.1 مليون عاطل يمثلون ما بين 22.5% و 27.5 % من قوة العمل . ويقدر الستاذ عبد الفتاح الجبالي مستشار وزير المالية عدد العاطلين بحوالي 2 مليون عاطل . كما كشفت تقرير أحوال المرأة المصرية الذي اصدره المجلس القومي للمرأة أن هناك 76 الف حالة امراة عاملة فقدت وظيفتها منذ بدأ برنامج الخصخصة مقابل 370 الف وظيفة للرجال .
كما انتشر الفقر وسوء توزيع الدخل كمظهر مصاحب لتحرير السوق حيث بلغت معدلات الفقر التى أعلنها البنك الدولي وتقارير التنمية البشرية ان الاشخاص الذين يقل دخلهم اليومي عن 1 دولار ( 5.8 جنيه يوميا ) أي 174 جنيه شهريا ) هم فقراء فقر مدقع ويقدر عددهم بنحو 2.1 مليون شخص وقد ارتفع عددهم بحوالي 205 الف شخص تدهورت خلال الفترة الماضية .
وبالنسبة لمن يقل دخلهم عن 2 دولار ( 1.6 جنيه يوميا أي 348 جنيه شهريا ) فيقدر عددهم بنحو 35.8 مليون شخص وأنه خلال الفترة الماضية تدهورت اوضاع 7.8 مليون انخفضت دخولهم الحقيقية الى امستوى اقل من 2 دولار يوميا .

كذلك يوجد تفاوت كبير فى توزيع الدخل بين الطبقات حيث أوضح تقرير التنمية البشرية ان اغنى 20 % من السكان يحصلون 43.6% من الدخل القومي بينما افقر 20% لا يحصلون سوى على 8.6 % من الدخل القومي بما يعكس التفاوت الطبقي وسوء توزيع الدخل وتركز الثروات وانتشار الانفاق الترفي فى مواجهة انتشار الفقر . هذه بعض الاثار الاقتصادية لتحرير السواق .

اما على المستوى الاجتماعي فنجد لدينا تسعة مليون عانس وفق بعض التقديرات .
ومن اهم القضايا التى طرحها الواقع التنموى المصرى نجد :
1ـالتبعية الاستعمارية ودورها فى تخلف المجتمع المصرى
2ـتراكم التخلف اثناء عملية التغيير والتنمية
3ـ غياب الوضوح الايدولجى والوعى والمشاركة
4ـالشمولية والتخطيط
5ـالستقلالية والاعتماد على الذات
ان ظروف واوضاع المجتمع المصرى تعطى اولوية للاخذ بالاتجاة التنموى لتحسين اوضاع المجتمع وتحقيق مستويات تنمية الانسان المصرى ذاتة صحياً وثقافياً واجتماعياً ونفسياً لترتفع بة الى مستوى انسان العصر الحديث وذلك لعدة اسباب منها :
1ـ يتعرض المجتمع المصرى لعملية تغير مقصود ومخطط فيما يعرف با التنمية الجتماعية والاقتصادية لذلك فليس هو المجتمع الساكن الذى يريد الحفاظ على الوضع الراهن كما هو
2ـتحاول جهود التنمية حالياً تغيير الانظمة لصالح الفئات القل دخلاً وهذا يدعو الى توجية نشاطتها للفئات المحرومة والاقل دخلاً
3ـالفقراء هم الغالبية فى مجتمعنا وليسو مجرد اقلية مما يحتم معة تغيير الوضاع التى اوجدت هذا الفقر .
ثالثا: مستقبل التنمية في مصر.
اما عن مستقبل التنمية فى مصر يرى الباحث ان غياب الرؤية المستقبلية هو سبب ما يدعى باالتخلف والرجوع الى الوراء ،فأهمية تلك الرؤية المستقبلية تاتىلا من ان حركة التاريخ تبدا من المستقبل وليس من الماضى نفا لمستقبل هو المحرك الاساسى للحركة مهما كان نوعها ،ثقافية او سياسية او اقتصادية ،فالسؤال الاساسى :ماذا نريد ان نكون ؟ هو السؤال المطروح فى المستقبل ،ولكن الملاحظ الان ان السؤل الاساسى المطروح فى الساحة المصرية خاصة و العربية عامة :ماذا كنا ولماذا لا نكون على نحو ما كنا علية؟ وهذا معناة اعتقاد وهمى بان حركة اليوم ينبغى ان تكون تكرار الحركة الامس .ومن شان هذا الاعتقاد الوهمى ان يحجب عنا اية رؤية مستقبلية اذا اتفقنا على ان المستقبل ليس تكرار لما مضى وانما ابداع يتجاوز ما مضى .
وعندما نريد ان نحقق تنمية لا بد ان نراعى نوعين من الاهداف وهما :
الاهداف الانجازية task goalsوهى تتعلق برفع مستوى الخدمات ورفع مستوى المعيشة فى المجتمع .والاهداف العملية process goals وهى تتعلق با القيم و الاتجاهات والعلاقات الاجتماعية اى الهتمام بتنمية الموارد البشرية .
وفى النهاية علينا ان نراعى "ان تنمية ما هو متخلف هى ايضاً تنمية لعدم استدامة التنمية
وعن مستقبل التنمية في مصر نجد ان مصر حالياً تمر بمرحلة مخاض حرج لميلاد دوة جديدة . تظل التنمية قضية بالغة الاهمية والخطورة وسط رخم من التغيرات السياسية والاجتماعية و وتخضع فيه لجدل كبير بين الخبراء والمهتمين بمستقبل مصر وقدرة مواردها علي تلبية احتياجات , والاسلوب الامثل لادارة هذه الموارد لانتشالها مما يهددها من مخاطر الانهيار . بل وتعظيم المردود والعائد منها لتخفيف من حدة الفقر التي وصلت نسبته في أخر القياسات الي 25 % من عدد السكان .( )
والوتضح ان مصر كدولة لما يمكن تطبيق التجربة التركية ولا الماليزية عليها في التنمية لان علي مصر ان تخلق نموذجاً خاص بها في التنمية المستقبلية بتواءم مع طبيعة الشعب ومعطيات الواقع .
أن التعامل مع المستقبل يجب ان يكون من منطلق جديد لقد تغير مفهوم ان الحاضر هو مستقبل محدد المستقبل وحاكمة .. فهناك مفهوم جديد هو ان المستقبل الذي يجب ان يحكم الحاضر بمعني ان نرسم صورة المستقبل الذي نريده بكل علميوموضوعي انما يكون دليلاً لوضع ايدينا علي خيرات الحاضر التي تؤدي الي هذا المستقبل , أن الادبيات المستقبلية صارت تشكك في رؤي التوقع والتنبؤ وبدأت تركز علي الااختير وصنع المستقبل . ( ) . فلامم التي رسم صورة مستقبلها سيقوم غيرها برسمها بشكل لن ترضاه علي الاغلب وانه من المهم للغاية ايدراك حدودنا وامكنياتنا .. فهي التي ستعمل علي تجسيد صورة المستقبل التي نرسمها , وهذا الادراك للامحكانات يجب ان يكون واقعياً يأخذ من الحقائق والنجاحات التي تحقق دليلاً ومؤشراً.

فالعالم كله يتغير وسيتغير ما عدا كلمة التغيير .. وسوي شئ واحاً اخر هو اساليب البعض في التفكير فهم لايريدون ان يفكروا بعقلية المستقبل . وارجوا الانتهم من الاجيال القادمة بأننا كنا قصيري النظر وغير فاهمين او متفهمين تطورات المستقبل والعالم اصبح قرية صغيرة .
والتعليم في رأي الباحث هو البوابة الاولي للتنمية فلذا علينا أنشاء عقل جديد لعالم جديد .new mind for new world لان التنمية لن تحقق هدفها في مصر الا اذا تم تغيير عقليات الماضي , لان طرق التفكير هي نتاج فكر لايمكنه ان يتلائم مع فتراات التحولاات للمستقبل . وهناك حكمة يبانية بهذا الشأن مفادها : أن أحدي البلاد اصابها زلزال , المنكوبة . فقال لهم رجل حكيم : تعالو بنا نبيع الارز ونبني بثمنه مدرسة , الان الارز سوف يفني , اما المدرسة فسوف تتيح لاولادنا والاجيال القادمة ان يتعلموا , وبالتعليم والمعرفة سيعرفون كيف يدبرون امورهم ويكسبون معاشهم . ومن هذه الحكمة نري ان التعليم هو مفتاح التنمية والتغيير.
وفى مطلع الفية جديدة مازالت القرية المصرية تعانى من التجربة التنموية والاهتمام بالحضر على حساب الريف فى كافة القطاعات، مما زاد معدل الفقر ووصل إلى 1000 قرية فقيرة تقريباً، والتلوث البيئي، وتناقص المساحة المزروعة...الخ. مما يجعل مهمة مؤسسات المجتمع المدني في مصر صعبة ، واذن لابد من التعاون والتكامل بين الدولة والمحتمع المدني في رسم خطط التنمية وتنفيذها.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- في الولايات المتحدة.. قاتل يفضل الإعدام رميا بالرصاص على حقن ...
- اعتقال المشتبه به في إطلاق النار في لونغ آيلاند
- الأمم المتحدة تطالب دبي بتقديم أدلة على أن الشيخة لطيفة على ...
- العراق: اعتقال إرهابي من داعش في محافظة نينوى
- أبو الغيط يترأس اجتماعا تنسيقيا مع الأمم المتحدة والاتحادين ...
- الشيخة لطيفة: الأمم المتحدة تطالب الإمارات بتقديم -أدلة ملمو ...
- خبراء حقوق الإنسان بالأمم المتحدة يطالبون حكومة الإمارات بمع ...
- خبراء حقوق الإنسان بالأمم المتحدة يطالبون حكومة الإمارات بمع ...
- مؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ 26 : ما هو وما أهميته و ...
- كيف تؤثر جائحة كورونا على اندماج المهاجرين في ألمانيا؟


المزيد.....

- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمود محمد رياض عبدالعال - المجتمع المدني والتنمية في مصر