أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أحمد زوبدي - لغة الأرقام















المزيد.....

لغة الأرقام


أحمد زوبدي

الحوار المتمدن-العدد: 4995 - 2015 / 11 / 24 - 17:55
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لغة الأرقام
د. أحمد زوبدي - باحث في الاقتصاد السياسي
صحيح أن الأرقام تعكس واقع الحال شريطة أن تكون الأرقام إياها دقيقة وموضوعية ، لكن أن توظف في غير محلها وهو ما يجعلها تتحول إلى إيديولوجية ليس إلا . كثيرة هي الأرقام التي تكون غير مدققة لتعطي صورة جميلة عن وضع معين. هناك أرقام يشوبها التزوير بجرة قلم وهي أكثر فظاعة . أرقام أخرى يحصل عليها عبر لوجيسييلات من خلال تزويد هذه الأخيرة بمعطيات وهي لا تقل خطورة عن الأرقام المزورة لأنها لا تترجم حقيقة الواقع لأن الذي يقوم بوضعها يغلب الإيديولوجية والمصلحة الطبقية أو الفئوية عن الموضوعية .
مثلا، في برنامج "قضايا و آراء "، تحدث وزيرالاتصال ،الناطق الرسمي للحكومة، مصطفى الخلفي، عن الضريبة على القيمة المضافة فيما يخص مادة الشاي وقال أن هذه الضريبة قد تم الرفع منها ( من 14 إلى 20 في المائة) في قانون المالية للسنة المقبلة (2015) فيما يخص الاستهلاك المباشر، لكن سجلت هذه المادة انخفاضا فيما يتعلق بالرسوم الجمركية على الواردات (من 40 إلى 32.5 في المائة). وإذا قمنا، يقول الخلفي، بطرح الأول من الثاني فإن الحاصل إيجابي يعني أن الضريبة على القيمة المضافة بالنسبة لهذه المادة عرفت انخفاضا ( ب 1.5 نقطة) . والحقيقة أن الناطق الرسمي باسم حكومة بنكيران قام بخلط الأشياء إذ أن العمليتين ليستا متجانستان أي أنه لا يمكن طرح شيء من شيء آخر لا ينتمي لنفس الفئة. كما أن التخفيض من الرسوم الجمركية على مادة الشاي المستورد لا يصاحبه أوتوماتيكيا انخفاض في الأسعار الداخلية و بالتالي انخفاض في أسعار الاستهلاك بحكم أن المادة المستوردة تتحكم فيها الشركات (المستوردة) التي تقوم بالزيادة في الأثمان بأكثر من اللازم، وهي القاعدة في غياب المراقبة ، خاصة إن كانت الشركة المستوردة تحتكر القطاع ، وهو ما يجعل تخفيض الرسوم إياها يتبخر حينه .
من جهته، تحدث ادريس الأزمي الإدريسي، الوزير المكلف بالميزانية، في نفس البلاطو لكن في موضوع آخر وفي توقيت آخر، تحدث عن التوظيف دون خصم الموظفين الذين يحالوا على التقاعد. فالأرقام التي تدلي بها الحكومات في قوانين المالية في هذه الباب كما في مجالات أخرى هي أرقام إجمالية وليست الأرقام الصافية . يغيب عن المسؤولين في هذا الموضوع أن الدولة إن قامت بتوظيف كذا ، فإن عدد الموظفين المحالون على التقاعد والمتوفون يصل إلى هذا الرقم وفي بعض الأحيان يتجاوزه .مما يعني أن الدولة لم تقم بتوظيف بل قامت فقط بعملية تعويض الوظائف التي أصبحت شاغرة. وهنا تحجب الأرقام واقع التشغيل ببلادنا فيما يخص الوظيفة العمومية. أما فيما يتعلق بالتشغيل والبطالة في القطاع الخاص ،فحدث ولا حرج ، وهو موضوع آخر سنعود له ربما لاحقا . نفس الملاحظة تنطبق على العديد من العمليات المحاسبية التي لا يخصم منها الاهتلاك أو تكاليف موازية أو غير مرئية. بمعنى من جديد أن الأرقام الإجمالية تبقى القاعدة والأرقام الصافية الاستثناء بهدف طمس الأمور.
في مستوى آ خر يتعلق بالمديونية والعجز الموازناتي، وهما النافذة التي يدخل منها صندوق النقد الدولي بشكل قوي جدا مع العلم انه حاضر في كل المجالات .في هذا الباب يوظف الصندوق إياه بشكل مستفز للغاية الأرقام على الطريقة التي تخدم مصالح الدول الامبريالية ومصالح الطبقة الحاكمة إذ يركز على الجوانب التي توفر الكثير من الأرباح والتي تضمن هيمنة أكثر للغرب. فحين يقوم صندوق النقد الدولي بفحص وثائق معينة، فإنه يغض الطرف عن مسائل أخرى يبرمجها لحصة لاحقة بل أنه يصنفها غالبا ضمن القطاعات التي نجحت في الإصلاح . فالصندوق يعرف جيدا أن نقطة الضعف لدى الدول التابعة هو معدل النمو والعجز الموازناتي . ولهذا يحدد مستوى معينا كهدف لتحقيقه ، مثلا 7 في المائة كمعدل نمو و 2 في المائة كعجز موازاناتي. فمسؤولو الصندوق يعرفون جيدا أن الاقتصاد التابع لا يمكنه الوصول إلى هذين المستويين علما أن تحقيق هذه الأرقام لا معنى لها لكون التنمية والتقدم يتوقفان على أشياء أخرى تتعدى الأرقام .. فاستحالة تحقيق هذا السقف يجعل الصندوق دائم الحضور بالدول التابعة. فضلا عن ذلك، فهناك بلدان لا تحقق إلا معدلات نمو متواضعة بل أحيانا سالبة لكن تسجل تقدما ملحوظا وبالخصوص على المستوى الاجتماعي الذي يعتبر الغاية من كل سياسة اقتصادية.
من ناحية أخرى، ما معنى أن يدعو البنك الدولي لمحاربة الفقر علما انه هو الذي تسبب في ذلك بحكم السياسات التي فرضها على دول الجنوب في الستينيات والسبعينيات في عهد مديره، رجل الأعمال الأمريكي وكاتب الدولة في الدفاع، روبير ماك نمارا (عفوا ماك تمارا ! )، وما الجدوى من ذلك في حين أن صندوق النقد الدولي يفرض تقليص النفقات العمومية وبالخصوص النفقات الاجتماعية الذي أدى إلى تفكيك المرافق العمومية. أكثر من ذلك، فالمؤسسات الدولية لا تدلي بالأرقام الحقيقية، فكل الأرقام التي تتعامل بها إما أنها أرقام مزورة أو شبه مزورة أو غامضة !
تأخد إيديولوجية الأرقام أشكالا أخرى، الهدف منها هو إخفاء حقيقة الوضع القائم لهدف تأبيد النظام .يتعلق الأمر في هذا الباب مثلا لا الحصر بمعدل كتلة الأجور في الناتج الداخلي الخام الذي يعتقد أصحاب الحال في المغرب أنه يتجاوز المعدل المتداول عالميا .هذه التصريحات تبقى مجانية بحكم أن المسؤول المباشر عن ارتفاع الأجور هي الأجورالعليا (الوزراء، السفراء، الولاة والعمال، المدراء العامون، البرلمانيون...) التي تهيمن على نصيب الأسد في هذه الكتلة وليس الأجور الدنيا التي لا تتجاوز 3000 درهم شهريا بالنسبة ل 80 في المائة من الموظفين.
يمكن قراءة لغة الأرقام من خلال روجيستر آخر ذو أهمية بالغة بل مثيرة للجدل . الأمر يتعلق بالتضارب حول الأرقام والإحصائيات التي تدلي بها المندوبية السامية للتخطيط ووزارة المالية وبنك المغرب . بعض الإقتصاديين المدرسيين الذين يفتقرون للجهد النظري وإنتاج المعرفة يزعمون أن التضارب الحاصل في هذا الشأن ناتج فقط عن اختلاف المنهجية في وضع الأرقام لدى كل إدارة. صحيح أن المنهجية في وضع الأرقام لها قيمة علمية ، لكن فيما يخص ما يجري في بلادنا فالأمر يكتسي بعدا إيديولوجيا وأمنيا بامتياز . بمعنى أن التضارب في المعطيات هي مسألة مفتعلة حتى يبقى الواقع غامض ومبهم لدى الرأي العام . فهذا الشكل من التعامل مع الأرقام يسعى إلى التعتيم على المعطيات لخدمة مصلحة الطبقات السائدة والمستفيدة من الوضع القائم .وهذه حقيقة وليس كلاما فارغا. وإني أتحدى من يقول أن الأرقام المنشورة هي الأرقام الحقيقية والدليل على ذلك هو رفض الإدارات والمؤسسات إمداد المهتمين بالدراسات بالإحصائيات والمعطيات تحث ذريعة أنها تبقى أسرارا تضمن السر المهني وأمن الدولة ...
سأكون مضطرا لختام هذا الموضوع الشائك جدا والذي يتطلب دراسة مركزة ومرقمة . سأختم بما تنشره بعض الجرائد الحزبية والمؤسسات الموازية لها. أخص بالذكر الأحزاب التي شاركت في حكومة التناوب المخزني التي كانت تدلي بالأرقام التي تعطي صورة جميلة عن السياسة التي تنهجها، لكن اليوم تقول العكس . نفس الشيء بالنسبة للحزب الذي انسحب من حكومة بنكيران أو الذي انسحب ورجع بعد بضعة أشهر بتلك الطريقة البهلوانية . وهنا لا يعفى الحزب الذي يقود اليوم الحكومة والذي كان بالأمس يعطي صورة سوداء عن الوضع ، أما اليوم فنرى أعضاءه لا يتوقفون عن الحديث عن المنجزات التي حققتها الحكومة الحالية. هذا يفسر دون عناء التوظيف الإيديولوجي والسياسوي للأرقام ليس إلا.هذا التلاعب بالأرقام يهدف إلى طمس الواقع المنهك بالفساد والرشوة واللصوصية وبيع الضمائر والارتزاق في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والإدارية والثقافية والفكرية والحقوقية والنقابية ...



#أحمد_زوبدي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل بلور الربيع العربي شروط بناء الدولة الوطنية المستقلة بدول ...
- عزيز بلال وبعض أنصار التغيير
- أي انكماش اقتصادي يعرفه المغرب ؟
- - السكتة القلبية - للاقتصاد المغربي في قاموس المركز المغربي ...
- بؤس الاقتصاد المغربي وبؤس الاقتصاديين المغاربة
- على هامش جائزة نوبل للاقتصاد 2014 : قوة الأسواق في ضبط الاقت ...


المزيد.....




- مؤشرات وول ستريت الأساسية تسجل أدنى مستوى إغلاق عام 2022
- السعودية.. 9 مليارات ريال فائض متوقع في ميزانية العام المقبل ...
- البنك الدولي يمنح 530 مليون دولار لأوكرانيا
- النشرة الاقتصادية (2022/9/30)
- تونس.. وفد حكومي يتوجه إلى واشنطن للقاء ممثلي صندوق النقد ال ...
- بوتين: تفجيرات -السيل الشمالي- تعد تدميرا لبنية الطاقة التحت ...
- تونس.. وفد حكومي يتوجه إلى واشنطن للقاء ممثلي صندوق النقد ال ...
- صدمة في الأسواق المالية.. لماذا يعيش الجنيه الإسترليني أسوأ ...
- نشرة الاخبار الاقتصادية من قناة العالم 15:30بتوقيت غرينتش 30 ...
- بايدن يدين -محاولة الضم- وعقوبات واشنطن تطال -ٌمنقذة- اقتصاد ...


المزيد.....

- تجربة مملكة النرويج في الاصلاح النقدي وتغيير سعر الصرف ومدى ... / سناء عبد القادر مصطفى
- اقتصادات الدول العربية والعمل الاقتصادي العربي المشترك / الأستاذ الدكتور مصطفى العبد الله الكفري
- كتاب - محاسبة التكاليف دراسات / صباح قدوري
- الاقتصاد المصري.. المشاريع التجميلية بديلاً عن التنمية الهيك ... / مجدى عبد الهادى
- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية أزمة ثقة نخرت نظام الائت ... / مصطفى العبد الله الكفري
- مقدمة الترجمة العربية لكتاب -الاقتصاد المصري في نصف قرن- لخا ... / مجدى عبد الهادى
- العجز الثلاثي.. فجوات التجارة والمالية والنقد في اقتصاد ريعي ... / مجدى عبد الهادى
- السياسة الضريبية واستراتيجية التنمية / عبد السلام أديب
- الاقتصاد السياسي للتدهور الخدماتي في مصر / مجدى عبد الهادى
- العلاقة الجدلية بين البنية الاقتصادية والبنية الاجتماعية في ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - أحمد زوبدي - لغة الأرقام