أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن خضر - افكر في متحف باردو














المزيد.....

افكر في متحف باردو


حسن خضر
كاتب وباحث

(Hassan Khader)


الحوار المتمدن-العدد: 4744 - 2015 / 3 / 10 - 23:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أفكرُ في المتحف الوطني التونسي، أو متحف باردو، الذي واظبت على زيارته على مدار سنوات. في المتحف آلاف من لوحات الفسيفساء الرومانية النادرة، التي لا تقدر بثمن، ويعود تاريخها إلى ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والسادس بعده، وتعتبر ميراثاً قومياً وثقافياً لتونس، وميراثاً حضارياً لبني البشر في أربعة أركان الأرض.
تضم المجموعة، وهي الثانية من حيث الأهمية في العالم، لوحات مسيحية تعود إلى القرن الرابع للميلاد، وفيها صور وأيقونات آباء الكنيسة والقديسين، ومشاهد ورموز كنسية. وأقدم منها، زمنياً، نرى نبتون، وأفروديت، وأبولو، وغيرهم من ساكني الأولمب في الميثولوجيا الإغريقية القديمة، ناهيك عن مشاهد الصيد، والطيور، والأسود، والرحلات البحرية، وصورة الشاعر فرجيل صاحب ملحمة الإنياذة.
وأفكرُ في حقيقة أن الفتح العربي لشمال أفريقيا وقع في أوائل القرن السابع للميلاد، وأن تلك المجموعة، وغيرها مما لا يحصى من التماثيل، والمسارح المكشوفة، والحمامات العامة، وبقايا البيوت والمرافئ الرومانية (في قرطاج) كانت معرّضة لخطر الشطب من ذاكرة التاريخ، لو كان الفاتحون، في تلك الأيام، على قدر من الهمجية والبربرية، يوازي همجية وبربرية الدواعش في أيامنا.
لم يكن كل ما نعرفه هذه الأيام عن أهمية التراث الإنساني العالمي، جزءاً من هم وهموم العالم في القرن السابع للميلاد. لم يعرفوا، آنذاك، مجلساً للأمن (يتخذ قرارات تحت البند السادس)، ولا اليونسكو (التي اعتبرت تدمير متحف ومكتبة المواصل جريمة حرب)، ولا محكمة دولية لملاحقة مجرمي الحرب، ومرتكبي جرائم ضد الإنسانية.
ومع ذلك، لم يشطب الفاتحون في القرن السابع للميلاد آثار الرومان من ذاكرة التاريخ. بعض الروايات تقول إن الأنوف المهشمة لتماثيل أباطرة الرومان، التي نراها في متحف باردو، من فعل البعض ممن أرادوا، بذلك العمل الرمزي، كسر هيبتهم، والتدليل على زوال ملكهم.
لا بأس. حتى وإن كانت تلك الروايات صحيحة فهذا العمل الرمزي بدوره، حتى وإن اختلفنا معه، ومع الوضع في الاعتبار اختلاف الأزمنة، والحساسية، والمفاهيم، يظل أهون من تدمير التماثيل وشطبها من الوجود. والواقع أن من بين الأشياء التي حفظها التاريخ من زمن الحضارة الكلاسيكية العربية، ويعترف العالم بأنه مدين بها للعرب، يحتل الاهتمام بالآداب، والعلوم، والمكتبات، واقتناء المخطوطات، والترجمة، وفنون العمارة، رأس القائمة.
وما يصدق على آثار تونس يصدق، أيضاً، على كل تاريخ الشرق الأدنى في زمن الحضارة الكلاسيكية العربية ـ الإسلامية، فلو كان حكّام الإمبراطورية، في الحواضر، وولاتهم في الأقطار والأمصار في تلك الأيام، من طينة الدواعش هذه الأيام، لشطبوا من ذاكرة التاريخ (بلا حسيب ولا رقيب) آثار مصر، وسورية، وبلاد فارس، والترك، ووادي الرافدين. ولو كانوا من الطينة نفسها لما بقيت كنائس مسيحية، ومعابد يهودية، وأقليات دينية، أو لغوية، في العالم العربي منذ قرون.
تاريخ وميراث هذا الجزء من العالم أكثر تعددية، وتعقيداً، وثراءً، من التبسيط الأيديولوجي للدواعش، وهذا، في الواقع، ما يكرهونه ويحاولون تدميره. وبهذا المعنى، تستدعي مشاهد التماثيل التي انهال عليها الدواعش بالمطارق والفؤوس في متحف الموصل، والنيران التي التهمت الكتب في مكتبتها، مشهداً قديماً ما يزال حياً في ذاكرة العرب والعالم:
في أواسط القرن الثالث عشر حاصر المغول بغداد، وبعد احتلالها، أعملوا السيف في رقاب أهلها، ويُقال إن دماء بني البشر صبغت مياه النهر، ولكن مياه دجلة اصطبغت بلون المداد الأسود، أيضاً، بعدما قام الغزاة بتدمير بيت الحكمة (يقوم بدور المكتبة الوطنية في أيامنا)، ورموا في النهر آلاف الكتب والمخطوطات، التي لا تُعوّض، ولا تُقدّر بثمن.
لم تكف مياه دجلة التي اصطبغت بدم الضحايا، ومداد الكتب والمخطوطات الأسوَد، عن التدفق والجريان في ذاكرة العرب والعالم منذ قرون، ولن يكف مشهد النيران في مكتبة الموصل، والفؤوس في متحفها، ناهيك عن مشاهد الحرق والذبح، عن قض مضاجع البشر، في قادم الأيام، حتى بعد القضاء على الوحش الداعشي وتدميره. أفكّر، في كل ما رأيت، وأفكّر في متحف باردو، وتزداد كراهيتي للتدعيش، والدعشنة، والدواعش.



#حسن_خضر (هاشتاغ)       Hassan_Khader#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النيندرتال الداعشي الجديد
- محمود شقير ومديح النساء..!!
- الجنون الألفي والأزمنة الحديثة..!!
- القفز من مركب الإخوان..!!
- لن يتجاهله المصريون ولن يتسامحوا معه..!!
- إسلاموفوبيا..!!
- الدين كهوية قومية..!!
- كيف ولدت البربرية..!!
- عن داعش والمسلسلات الرمضانية التاريخية..!!
- القديم والجديد في الاعتداء على الجد والحفيد..!!
- تونس: كل ما ينبغي أن يُقال..!!
- هذه لعبة مُقرفة، العب غيرها..!!
- جماعة الإخوان، كيف صعدت ولماذا سقطت..!!
- ولماذا يقتلك التركي!!
- الانتفاضة الثالثة إذا وقعت، وعندما تقع..!!
- فتنة الدواعش..!!
- مُراد الدنماركي..!!
- شارة رابعة في الزاوية اليمنى لصورة النعيمي..!!
- الحق على الصينيين هذه المرّة..!!
- حبات الكستناء على مائدة نوبل العامرة..!!


المزيد.....




- شركة ميتا تُسرح أو تُعيد توزيع ما يقارب 15,000 موظف
- تركي آل الشيخ يعلن عن -مفاجأة- تجمع بين محمد رمضان وأحمد مرا ...
- كيف أصبح -الرولكس- أشهر وجبة شعبية في أوغندا؟
- أول تعليق مصري رسمي بعد افتتاح إقليم أرض الصومال سفارة له في ...
- اتهامات لسيارات بالتجسس على سائقيها، ما الذي يحدث؟
- -سانشيز يحظى بشعبية خارج إسبانيا وتراجع داخلي، فهل ينجح في ا ...
- -الخطأ الفادح- الذي كشف عز الدين الحداد.. كيف وصلت إسرائيل إ ...
- أحمد وحيدي في قلب المشهد الإيراني.. تقارير تكشف -دوره المتصا ...
- ما الرد الإيراني على آخر مقترح أمريكي نقله الوسيط الباكستاني ...
- المغرب: مقتل 4 أشخاص على الأقل وإصابة آخرين جراء انهيار مبنى ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن خضر - افكر في متحف باردو