أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نجيب الخالدي - المرهونة قصة قصيرة














المزيد.....

المرهونة قصة قصيرة


نجيب الخالدي

الحوار المتمدن-العدد: 4713 - 2015 / 2 / 7 - 23:32
المحور: الادب والفن
    


- انظري أيتها الوسخة، الصحون لا تزال مطبوعة بالمرق وكأن الماء لم يلمسها، انظري إلى هذا الكوب لا يزال قعره أسود، سوّد الله أيامك، اِقتربي.
تزيد نحوها بأنصاف خطوات، وقلبها واجف وعيناها مرتجفتان لا تبرحان الأرض...
- قلت لك اقتربـ ي ي ي ي...
تطول يدها إلى شعرها، تجرها نحو طاولة ملتصقة بالأرض، وقد تراكم عليها ما أفرغته من أكواب وصحون وأباريق... تعيد تنظيفها وتجفيفها من جديد، ثم تشرع في ترتيبها على الرفّ قطعة قطعة. تستجيب لنداء جفنة التصبين التي تكدست بجانبها أكوام الملابس الخشنة المثخنة بالبقع الطينية والدهنية، تفرغ فيها ماء استخرجته للتو من البئر، تستعد يداها الزرقاوان لمصافحة الصقيع، فتنفخ فيهما نفَسها الساخن الذي يتضاعف في أصابعها الرقيقة المسلوخة من كل جانب. لم تكن قد شرعت في التصبين بعد، حتى يصلها نداؤها يزلزل سمعها:
- أراك قد نسيت "الفراكة" أيتها البلهاء، أراها أمامي هناك، هيا خذيها، أسرعي، لكن قبل ذلك، لملمي ما تناثر من الحطب، وضعيه في مكانه بجانب الموقد، هل تسمعينني...
في الليل يدخل الغرفة مشتعل الرغبة، يجدها في الفراش وقد اختطفها النوم إلى أحضانه، تدور عيناه في مَحجِريهما، يبلع فيضان لعابه، ثم يهفو إلى الفراش بجانبها يهزهزها، فتجد نفسها ملقاة على قارعة اليقظة تفرك عينين تأبيان الِانفتاح، تساعده في إزالة ملابسها، يغوص في جسدها الرطيب البارد الممدد، يخنق أنفاسها، يلتهمها بشراهته التي لا تنتهي في عز هذا الليل البهيم.
تصيح في سمعها الديكة، تتسلل من الفراش البارد كالموت، تهمّ بمبارحة الغرفة في هدوء تام حتى لا توقظه، يئنّ إحساسها تحت وطأة الأشغال التي تنتظرها، تتصاعد دقات قلبها وهي تتأهب ليوم جديد من الضرب والقرص ووابل من الشتم وزخات الإساءة. تداهمها يده، تلقف ذراعها لتقودها إلى صقيع الفراش من جديد، يوجّه استلقاءها باشتهاء رغبته، وبشراهته المعهودة، يرتقي عليها يلتهم فطوره الشهي مبكرا.
يداها ملتصقتان بالضرع، يتسلل إلى سمعها كلام أبيها وهو يُطلع أمها بأن الأمور تسير على ما يرام، وأنها ستنقطع عن الدراسة ابتداء من الغد، وتوقيع العقد سيكون في المقاطعة بالمدينة بداية الأسبوع...
ينزل الحليب في عمق الإبريق، و تنهمر الدموع حرّى من المآقي. تعلق أمها:
- سأهتم بتصبين ما تبقّى لها من ملابس، ثم نذهب إلى الحمام في المدينة... مسكينة الغالية بنت أختك، ستبلغ في الحصاد سنّ السادسة عشرة، بارت المسكينة...
تسمع صوتها يناديها:
- أيتها العجفاء، ألم تنتهي بعد؟ متى ستشعلين الموقد، متى ستحضرين هذا الحليب حتى تهيئي فطورنا...
ترتجف أصابعها الرقيقة على الحلمة، يداهمها الغثيان، تهرول الى المرحاض، تخرج منه بدوار يداعب سقوطها على الأرض. يصلها صوتها صدى يقرع سمعها:
- لا تقولي إنك مريضة أيتها المريضة بالكذب، لم تعودي صالحة لهذه الدار، ذنبي أنا التي جاريت ذلك المشؤوم في اختيارك...
ترد عليها بصوتها الخافت المنكسر:
- أرجوك... أريد أن أستريح قليلا...
- ترفعين عليّ صوتك... فلتستريحي في قبرك، ولنسترح نحن منك... لكن، لن يدوم الوقت طويلا، استعدي لتهييئ أغراضك أيتها الجرباء.
ترمقهما العيون، ترنو إليها وقد تسلل الذبول إلى عودها الفتي. تقاوم المشي بالمشي، يعثِرها لباسها والحفر المترامية على طول الطريق، فتكاد تسقط على وجهها، لولا تمسكها بجموح رغبتها في الوصول.
أمام الجميع، تزيحها عن جانبها مجاهرة:
- تسلّموا ابنتكم... لم تعد صالحة لابني...
تسود المكان جلبة... يتدخّل الأب يسألها وهو يمسكها من ذراعها:
- في هذه الحال، أين هو المبلغ المتفق عليه في العقد؟
لم تكترث لسؤاله، فتقدح عيناه شررا، وبصوت مجلجل يردف:
- هكذا اتفقنا... سيحضر ابنك الدين الذي وقّع عليه وإلا...
لم يكن قد أنهى كلامه بعد، حتى تفجرّ المكان صراخا اهتزت له أشجار الدوار اليابسة. يداها ممتدتان نحو العلياء، تصرخ رحمة ملء جوفها، يتعالى صوتها يشق عَنان السماء، يتهاطل زخات حارقة... وفجأة، يتراءى جسم غريب أسود يسقط منها، يتدحرج على الأرض وسط دماء طفقت تجري في الدوار أنهارا.



#نجيب_الخالدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نجيب الخالدي - المرهونة قصة قصيرة