أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار العربي الزمزمي - المرحلة الانتقالية في تونس: المأزق و صعوبة التجاوز















المزيد.....



المرحلة الانتقالية في تونس: المأزق و صعوبة التجاوز


عمار العربي الزمزمي

الحوار المتمدن-العدد: 4518 - 2014 / 7 / 20 - 04:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


توطئة:
تمر البلاد التونسية منذ 14 جانفي 2011 تاريخ رحيل بن علي عن السلطة بمرحلة انتقالية يسعى الشعب إلى جعلها بحق مرحلة انتقال ديمقراطي يفضي في النهاية إلي إرساء دعائم دولة مدنية حديثة لها مؤسساتها الدائمة المستندة إلى دستور جديد يعكس تطلع أوسع الفئات إلى الحرية و الكرامة و العدالة. وقد مرت هذه المرحلة –التي طالت – لحد الان بفترتين لا بأس من التذكير بهما و إبراز أهم ملامحهما قبل تحديد متطلبات الحاضر و محاولة استشراف آفاق المستقبل.
I. الخطوات المقطوعة:
1- الفترة الانتقالية الأولى:
امتدت من 14 جانفي إلى 23 أكتوبر 2011.و تمت خلالها الإطاحة بحكومتي محمد الغنوشي الأولى و الثانية و بعث الهيئة الوطنية العليا لتحقيق أهداف الثورة و الإصلاح السياسي و الانتقال الديمقراطي وتشكيل حكومة الباجي قايد السبسي المؤقتة التي هيأت الظروف لتنظيم انتخابات المجلس التأسيسي. ولئن تميزت هذه الفترة بحراك شعبي ضاغط فإنها لم تشهد تكريس خيارات ثورية تقطع بصفة جذرية مع العهد السابق و تخطو خطوات حقيقية في اتجاه تحقيق أهداف الثورة بل شهدت نوعا من الشرعية التوافقية التي قامت – باسم ضمان تواصل مؤسسات الدولة- على قراءة خاصة للدستور القديم و أبقت في رئاسة الجمهورية و الحكومة على وجهين من أقدم وجوه العهد السابق يمثل وجودهما مفارقة أثر حصول ثورة تنعت بأنها ثورة شباب.
2- الفترة الانتقالية الثانية:
أ- الشرعية الانتخابية وحدودها:
بدأت بقيام المجلس التأسيسي الذي انبثقت عنه سلطة شرعية لكن مؤقتة تجسدها مؤسستان : الأولى رئاسة الجمهورية التي آلت إلى المنصف المرزوقي الذي لم ينتخبه الشعب مباشرة و إنما انتخبه أعضاء المجلس التأسيسي و الثانية حكومة مؤقتة يرأسها حمادي الجبالي و تضم ثالوثا تهيمن عليه حركة النهضة. وكان من المفروض أن تنتهي هذه الفترة بعد سنة تتم خلالها كتابة الدستور الجديد و تنظم انتخابات رئاسية و تشريعية تنبثق عنها سلطة شرعية دائمة لكن انتهت السنة المتفق عليها و تلتها سنة ثانية و بدأت سنة ثالثة و لاشيء يوحي بقرب انتهاء الفترة الانتقالية.
و قد تميزت هذه الفترة في البداية بوجود شرعية مؤسساتية لكنها شهدت توترات تحولت إلى هزات عنيفة و تجاذبات بين توجهات رئيسية ثلاثة:
- توجه ذي مرجعية إسلامية يصر على تطبيق برنامجه الخاص و فرض خياراته المجتمعية من خلال سيطرته على مفاصل الدولة في مرحلة تحتاج إلى توافق واسع.
- توجه حداثي يؤمن بمدنية الدولة لكنه لا يخفي رغبته في بعث البورقيبية كبديل لنظام بن علي و يؤمن مثل التيار الإسلامي بالليبرالية كخيار اقتصادي/ اجتماعي. و الأخطر من هذا انه لم يتباين بشكل واضح مع ما عرفه العهد السابق منذ فترة حكم بورقيبة حتى قيام الثورة من تسلط و قمع و لم يظهر أي استعداد لفتح ملف المحاسبة في إطار العدالة الانتقالية .
- توجه حداثي ديمقراطي يسعي إلي إرساء دولة مدنية ذات بعد اجتماعي.
وقد تآكلت شرعية الثالوث الحاكم الانتخابية لا بفعل تجاوز المدة المتفق عليها فحسب و إنما بفعل الادعاء الهزيل للمجلس التأسيسي و للحكومة المؤقتة أيضا فظهرت الدعوات إلي تعزيز الشرعية الانتخابية بشرعية توافقية يفرزها حوار وطني شامل. و كانت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل أول محاولة في هذا الاتجاه لكن سرعان ما أفشلها الثلاثي الحاكم.
ب- الاغتيالات السياسية و دخول البلاد النفق المظلم:
أحدث اغتيال الشهيد شكري بالعيد يوم 6 فيفري 2013 صدمة بل رجة لدى قطاعات واسعة من الشعب و كانت جنازته المهيبة غير المسبوقة بمثابة استفتاء على أداء الحكومة. وتم التأكيد على تفعيل مبادرة التحاد و المطالبة ب:
- تشكيل حكومة كفاءات محدودة العدد يتم فيها تحييد وزارات السيادة – الداخلية و الخارجية و العدل- إضافة الى الشؤون الدينية. و من هذا المنطلق تم رفض توسيع قاعدة السلطة بتشريك أطراف جديدة في حكومة الجبالي.
- التوقيع على ميثاق يلزم كل الأطراف بنبذ العنف في الممارسة السياسية .
- تحييد المساجد عن الصراعات السياسية و الايديولوجية.
- جعل المجلس التأسيسي يركز أعماله على صياغة الدستور و بعث الهيئة العليا المستقلة للانتخابات و صياغة قانون انتخابي جديد.
- تحديد موعد دقيق للانتخابات.
غير أن الثالوث الحاكم – و خصوصا حركة النهضة – لم يستجب لهذه المطالب ورفض حتى مقترح حمادي الجبالي الداعي إلى تشكيل حكومة تكنوقراط. بل كافأ علي العريض المطعون في كفاءته و حياده- خصوصا بعد أحداث سليانة في نوفمبر 2012 المعروفة بأحداث الرش- بأن رقاه من وزير للداخلية إلى رئيس للحكومة. و اكتفى بتعيين وزراء داخلية وعدل و خارجية غير متحزبين دون المساس بكبار المسؤولين الذين تم تعيينهم على أساس الولاء في مراكز حساسة مع تكثيف التسميات الحزبية في مختلف دواليب الإدارة و تسريع وتيرتها. و قد مثل حدث اغتيال الشهيد محمد البراهمي يوم 25 جويلية 2013 –ذكرى عيد الجمهورية- حدثا فارقا جديدا جاء ليعمق الهوة بين السلطة و المعارضة. فهو مؤشر على تحول الاغتيالات السياسية إلى ممارسة ممنهجة لإسكات المعارضين و ترهيبهم. و اضطرت السلطة التي ظلت طويلا تعتبر المجموعات السلفية الجهادية جزءا من القوى الإسلامية الحليفة وتغض تبعا لذلك الطرف عن ممارستها للعنف و تدربها على السلاح و تخزينها له الى توجيه الاتهام إلى جماعة أنصار الشريعة و تصنيفهم في النهاية كجماعة إرهابية و لو أن الأبحاث بقيت متعثرة وحال التعتيم دون الكشف عن كل ملابسات الاغتيال و الجهات التي تقف وراءه بشكل يدفع إلى الحديث عن شبهة تستر و تواطؤ.
وتصاعد التوتر بين الطرفين و أصبح أنصار الشريعة يعتبرون تونس ارض جهاد بعد أن كانوا يعدونها أرض دعوة. وشهدت البلاد موجة عنف ينسب في الغالب إلى السلفية الجهادية و خصوصا أنصار الشريعة و لو أنه من الصعب التسليم بأنهم المسؤولون الوحيدون عما يحصل من عمليات إرهابية ما دام هذا التيار مخترقا من أطراف عديدة داخلية و خارجية. ومن أبرز حلقات هذا المسلسل أحداث الشعانبي التي ذهب ضحيتها مجموعة من الجنود و أحداث قبلاط و سيدي علي بن عون التي ذهب ضحيتها مجموعة من أعوان الحرس الوطني إضافة إلي محاولات التفجير التي شهدتها سوسة و المنستير. وقد أصبح الحديث عن الإرهاب و مخاطره شغل المواطنين الشاغل وأثار الجنود و أعوان الأمن الذين تحولوا إلى هدف مفضل للإرهاب موجة من التعاطف الشعبي مع سلكي الجيش و الأمن لكن فات الكثيرين أن أطرافا في المؤسسة الأمنية و خارجها ممن يحنون إلى العهد السابق حاولوا استثمار ما يحصل من أعمال إرهابية- حقيقية أو مفتعلة- لابتزاز المواطنين. فهم يساومونهم على حريتهم و يدفعونهم الى مقايضة الحرية بالأمن و يضعون كشرط لضمان الأمن التغاضي عن محاسبة من تورط في السابق في جرائم تعذيب و قتل فاتحين بذلك الباب أمام التخلي عن كل محاسبة في إطار العدالة الانتقالية.
ج- جبهة الإنقاذ و استتباعات قيامها:
سرّعت الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد و عجز السلطة عن معالجتها تحويل التنسيق المحتشم حول قضايا محددة بين الجبهة الشعبية و نداء تونس (المنخرط في الاتحاد من أجل تونس) إلى عمل جبهوي معلن في إطار ما يعرف بجبهة الإنقاذ. و انعكس هذا التغيير في موازين القوى على سلوك السلطة و خاصة حركة النهضة التي سعت إلى شق صفوف جبهة الإنقاذ بتركيز هجومها على الجبهة الشعبية التي رمتها بالتطرف و الكف عن شيطنة نداء تونس و مدّ الجسور معه عبر لقاء تاريخي مباشر في فرنسا بين راشد الغنوشي و الباجي قايد السبسي ووساطة جزائرية تجلت من خلال زيارة الرجلين للجزائر تباعا و مقابلة كل منهما للرئيس عبد العزيز بوتفليقة على انفراد في مناسبتين ولو أن ذلك لم يرق لكثير من قواعد النهضة و إطاراتها التي اقترن نداء تونس و شخص الباجي القايد السبسي في أذهانها بعودة التجمع. لكن ذلك لم يمنع جبهة الإنقاذ من اعتبار الحكومة المؤقتة و المجلس التأسيسي مؤسستين فاقدتين لكل شرعية و المطالبة بحوار وطني يفضي إلى:
- تشكيل حكومة إنقاذ وطني غير متحزبة محدودة العدد تضم كفاءات وطنية قادرة علي إنهاء المرحلة الانتقالية و توفير الظروف الملائمة للانتخابات و معالجة المسائل الملحة التي منها:
* ضبط برنامج واضح يسمح بالتصدي للإرهاب بحزم و نجاعة.
* ضبط الأمن و حل كل التشكيلات غير الحكومية التي تمارس العنف و الإرهاب مثل رابطات حماية الثورة.
* الحدّ من الارتفاع الجنوني للأسعار.
* تلبية المطالب الملحة لبعض الجهات و الفئات المحرومة.
* مراجعة التعيينات التي تمت في الإدارة على أساس التحزب و الموالاة.
- بعث لجنة خبراء تنهي بسرعة صياغة الدستور.
واتخذت جبهة الإنقاذ خطوات عملية تمثلت في:
- انسحاب نوابها من المجلس التأسيسي و تعليق عضويتهم إلى حين تحقيق المطالب. و انظم إليهم نواب آخرون من المعارضة.
- تنظيم "اعتصام الرحيل" بباردو أمام المجلس التأسيسي.
- تنظيم اعتصامات و تحركات في الجهات.
لم يشكل هذا الحراك الذي تواصل ثلاثة أشهر ضغطا كافيا لحمل السلطة على التراجع لكنه قاد إلى بروز مبادرة جديدة للحوار الوطني برعاية أربعة أطراف من مكونات المجتمع المدني(التحاد العام التونسي للشغل و اتحاد الصناعة و التجارة و الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان و الهيئة الوطنية للمحامين)و تنص المبادرة على:
- استقالة حكومة علي العريض المتحزبة و تعويضها بحكومة كفاءات غير متحزبة
- الإبقاء على المجلس التأسيسي مع تحديد مدة أشغاله و ضبط صلاحياته بشكل يقطع مع الشعار الذي ترفعه الترويكا ( المجلس سيد نفسه)وجعل صياغة الدستور و بعث هيئة عليا مستقلة للانتخابات ووضع قانون انتخابي جديد من أولوياته.
و اعتبرت السلطة و حلفاؤها ما تدعو إليه المعارضة عملا انقلابيا و ضربا للشرعية ويمكن تفسير تصلب مواقف النهضة جزئيا بقراءة قيادتها لما حصل للإخوان المسلمين في مصر بشكل خاطئ في البداية .فقد أرادت أن تستبق إزاحة خصومها لها بشكل أو بآخر بالتشدد معهم حينا و المناورة لكسب الوقت حينا آخر حتى تتمكن من تحصين نفسها أكثر بالسيطرة على مفاصل الدولة . وبعد أخذ ورد تخلت المعارضة عن مطلب حل المجلس التأسيسي وقبلت مبادرة الرباعي كاملة في حين ربطت السلطة التي أعلنت قبولها المبادرة استقالة الحكومة بإنهاء المهام التشريعية كافة حتى لا يحصل حسب رأيها فراغ في السلطة . و نادت بتكوين "حكومة انتخابية " وهذا مصطلح لم يسمع به من قبل في دنيا السياسة. واعتبرت المبادرة قاعدة للحوار لا بنودا للتنفيذ. و تفاديا لكل تأويل خاطئ للمبادرة لجأت الرباعية إلى وضع خارطة طريق لتطبيقها تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة :
- المسار الحكومي : و ينص على إعلان حكومة علي العريض استعدادها للاستقالة و الاتفاق خلال أسبوع على رئيس حكومة يكون كفاءة وطنية مستقلة ويتولى هو تشكيل حكومته المكونة من كفاءات مستقلة أيضا خلال أسبوعين من تاريخ تكليفه .
- المسار الانتخابي : و ينص على تكوين الهيئة العليا المستقلة للانتخابات .
-المسار التأسيسي : و ينص على الانتهاء من صياغة الدستور في أربعة أسابيع على أقصى تقدير . ولتسريع العملية يمكن الاستعانة بلجنة من الخبراء .
بدأ الحوار متعثرا دون أن تشارك فيه بعض الأطراف التي رفضت أن توقع على الإقرار بقبول خارطة الطريق مثل المؤتمر من أجل الجمهورية (حزب رئيس الجمهورية) وأحزاب صغرى أخرى منها حركة وفاء المنشقة عن المؤتمر.
ومما عقد الأمور أن حركة النهضة التي وقعت في النهاية على خارطة الطريق ظلت ترفض تقديم الحكومة استقالتها قبل انتهاء المجلس التأسيسي من كافة مهامه كما ظلت تصر على الإبقاء على كامل الصلاحيات التي يمنحها إياها قانونه الداخلي أي أنها ترفض تعديل القانون المنظم للسلط العمومية المعروف بالدستور الصغير بشكل يتيح التخلي عن منطق الأغلبية و الأقلية لصالح إقرار مبدأ التوافقات التي يتم التوصل إليها في إطار الحوار الوطني .ثم إنها أقدمت على ما اعتبرته المعارضة انقلابا بتحويرها للفصل المتعلق بجلسات المجلس التأسيسي بشكل يجعلها تنفرد باتخاذ القرار دون حاجة إلى الآخرين . وظل الحوار حتى بعد تراجعها عن التحوير متعثرا نتيجة تجاذبات و مناورات كادت أكثر من مرة تنسفه لكنه أفضى في النهاية إلى نتائج فاقت التوقعات :
- المسار التأسيسي: لئن عرف صراعات حادة فأن ما كان يحصل من توافقات بين رؤساء الكتل و المجموعات خارج الجلسات العامة كان يفضي في النهاية إلى تجاوز العقبات . وفي الليلة الفاصلة بين 26 و 27جانفي 2014 تمت المصادقة في قراءة أولى على دستور توافقي بأغلبية ساحقة كادت تكون إجماعا (200 وافقوا و 12اعترضوا و4 احتفظوا بأصواتهم ) وهذا ما أغلق الباب أمام قراءة ثانية تتم بعد شهر من القراءة الأولى أو اللجوء إلى الاستفتاء الشعبي في حال لم يحظ الدستور بأغلبية ثلثي الأعضاء في القراءة الثانية .
- المسار الحكومي :انتهت المهلة التي حددتها خارطة الطريق دون اتفاق على اسم رئيس الحكومة الجديد فاضطر الرباعي الراعي للحوار إلى تمديد المشاورات .وفي النهاية طفا على السطح مرشح لم يكن اغلب الناس يتوقعون أن يكون حاضرا في السباق نحو رئاسة الحكومة .انه مهدي جمعة الذي كان وزيرا للصناعة في حكومة علي العريض وهذا أمر يتعارض مع ما تنص عليه خارطة الطريق و لعل هذا ما جعل نداء تونس يصوت ضده في حين نأت الجبهة الشعبية بنفسها عن التصويت لفائدته أو ضده . و انقضى الأسبوعان المخصصان لتشكيل الحكومة دون أن يحصل ذلك فاضطر المنصف المرزوقي إلى أن يعيد تكليفه من جديد بنفس المهمة و في الليلة الفاصلة بين 28و29 جانفي نالت حكومة مهدي جمعة ثقة 149 عضو من أعضاء المجلس التأسيسي و اعتراض 20 واحتفاظ 29 بأصواتهم بعد جدل طويل حاد أحيانا واعتراضات على شخص مهدي جمعة نفسه لأنه وجه قديم عمل في حكومة علي العريض و اتهام لأعضاء آخرين بعدم الاستقلالية أو بموالاة النظام السابق أو بالتطبيع مع إسرائيل وبلغ الأمر ببعض النواب حد الحديث عن صيغة جديدة للترويكا المتخلية .وقد أصرت المعارضة على أن يكون سحب الثقة من الحكومة بالثلثين في حين تمسكت النهضة بأن يكون ذلك بالأغلبية البسيطة و في النهاية تم التوافق على تحوير القانون المنظم للسلط العمومية و إقرار سحب الثقة بثلاثة أخماس .
II. دخول البلاد فترة انتقالية جديدة و الصعوبات التي تواجهها:
لقد أثبتت الأحداث صحة ما ذهبت إليه المعارضة من أن الهيئات التي انبثقت عن انتخابات 23 أكتوبر قد فشلت في إدارة المرحلة الانتقالية و أن الشرعية الانتخابية قد انتهت وأن الحل يكمن في إحلال شرعية توافقية و ذلك بوضع حد لسلطة حكومة الترويكا لتحل محلها حكومة كفاءات مستقلة تنهي ما تبقى من المرحلة الانتقالية و تهيئ الظروف الملائمة لتنظيم الانتخابات. و بالفعل فقد عاشت البلاد في ظل حكومتي حمادي الجبالي وعلي لعريض أزمة خانقة تجلت في انخرام الأمن و استفحال ظاهرة الإرهاب و تراجع الاستثمار الذي انعكس سلبا على التشغيل و ارتفاع الأسعار ارتفاعا مشطا غير مسبوق جعل القدرة الشرائية لفئات عديدة – بما في ذلك الطبقة الوسطى مفخرة النظام السابق- تتدهور بشكل مريع. و هذه الأوضاع مرشحة لمزيد التدهور إذا لم تتخذ حكومة مهدي جمعة إجراءات عاجلة مثل مراجعة ميزانية 2014 التي ضبطتها حكومة علي العريض و صادق عليها المجلس التأسيسي.
كل ما تحقق للشعب التونسي هو حرية التعبير التي تعرضت بدورها للتهديد نتيجة تضييق السلطات الخناق على الإعلاميين و محاولة تركيعهم بتقديم بعضهم للمحاكمة ووضع اليد على الهيئة العليا للإعلام مع سعي حثيث لتدجين القضاء و منعه من تحقيق تطلعه إلى الاستقلال عن السلطة التنفيذية و توظيف الأمن في خدمة أغراض حزبية و منع قيام أمن جمهوري.
وقد أدى مجمل هذه العوامل إلى عزوف كثير من المواطنين عن الاهتمام بالشأن السياسي و انصباب اهتمامهم على شؤون معاشهم. فقد فقدوا الثقة في الطبقة السياسية عامة و بالهياكل التي تنتسب إليها سواء كانت في السلطة أو في المعارضة و تشير استطلاعات الرأي إلى أن ما بين 50و 60% من المستجوبين عبروا عن نيتهم في عدم التصويت إذا تم تنظيم الانتخابات القادمة.
إن الخطوات التي قطعها الحوار الوطني بفضل جهود الرباعي الراعي له من شانها أن تخفف حدة هذا الاحتقان الذي تعيشه البلاد. فالدستور الجديد حقق على المستوى التشريعي مكاسب لا تنكر للشعب ( خصوصا في أبواب المبادئ العامة و الحقوق و الحريات و السلطات المحلية و الهيئات الدستورية المستقلة) بالرغم مما فيه من نواقص و ثغرات و ما اعتراه في مواضع كثيرة من غموض يجعله قابلا لشتى التأويلات. و واضح أن ذلك يعود إلى ما يقتضيه التوافق بين قوى مختلفة المواقف من تنازلات و ترضيات متبادلة. لكن المصادقة على الدستور و تشكيل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات و منح الثقة لحكومة جديدة – و لو أن المعارضة تتحدث عن عدم حيادية بعض أعضائها و استقلاليتهم- لا تكفي وحدها لتوفير الظروف الملائمة لتنظيم انتخابات حرة ديمقراطية و شفافة لان ذلك يتطلب أيضا اتخاذ إجراءات عملية ملموسة منها:
- مراجعة شاملة للتعيينات التي تمت على أساس التحزب و الموالاة حتى يتم فعلا ضمان حياد الإدارة.
- كشف كل الحقائق حول اغتيال الشهيدين شكري بالعيد و محمد البراهمي.
- ضبط خطة واضحة لمقاومة الإرهاب و توفير المتطلبات المادية لذلك.
- ضبط الأمن و تطبيق القانون دون تقييد للحريات أو انتهاك له.
- حل كل التشكيلات التي تمارس العنف أو تحرض عليه وفي مقدمتها " رابطات حماية الثورة".
- إنهاء الفوضى السائدة في المساجد و إعادة النظر في تعيين الأئمة و الوعاظ بغية تحقيق حياد دور العبادة و الابتعاد بها عن التسيّيس و التحزب و التكفير و التحريض على العنف و القتل.
- تكريس حرية الإعلام برفع اليد عن الهيئة العليا للإعلام و الكف عن مضايقة الإعلاميين و محاكمتهم و تعيين المواليين للسلطة في الوظائف السامية بهذا القطاع.
- عدم تعطيل الخطوات الرامية إلى تحقيق استقلال القضاء.
- إصلاح الأجهزة الأمنية و جعلها تعمل وفق عقيدة جديدة بوصفها تكون أمنا جمهوريا.
- وضع آلية ناجعة لمراقبة تدفق المال المشبوه على الأحزاب والمنظمات.
كل هذا فضلا عن الإجراءات الاقتصادية و الاجتماعية العاجلة التي يجب اتخاذها مثل التصدي لغلاء الأسعار و التهريب و المضاربات و توفير حاجيات أولية لأبناء المناطق المحرومة. لكن لا أحد يستطيع التكهن بمدى قدرة الحكومة الجديدة على اتخاذ خطوات حقيقية جريئة في هذا الاتجاه أو بردود الفعل المحتملة على ما قد يتخذ منها من قبل حركة النهضة التي قد تراها موجهة ضدها. ثم إن المبادئ العامة التي تضمنها الدستور بحاجة الى قوانين ترتيبية ستثير صياغتها حتما جدلا و صراعات قد تكون حادة.
III. آفاق المستقبل و المحاذير التي تترصد الانتقال الديمقراطي:
لقد نجحت المعارضة و على رأسها جبهة الإنقاذ في إزاحة الترويكا عن الحكومة فخرجت حركة النهضة بذلك من الحكومة دون أن تخرج من السلطة مثلما قال رئيسها راشد الغنوشي. وقد حاولت النهضة أن تقدم ما حصل على أنه تنازل طوعي عن سلطة شرعية مستندة إلى صناديق الاقتراع لفائدة شرعية توافقية و في ذلك إثبات لا لإيمانها بالتداول السلمي على السلطة فحسب و إنما لاستعدادها أيضا للتضحية بمصالحها الحزبية خدمة للمصالح العليا للوطن و لكن الأمور في الواقع أعقد من هذا. فلطالما رفضت حركة النهضة الحديث عن الشرعية التوافقية و تمسكت بالشرعية الانتخابية حتى بعد انقضاء العام المتفق عليه قبل إجراء الانتخابات و اتهمت المعارضة المنادية بالشرعية التوافقية بالانقلاب على الشرعية الحقيقية. ولو كانت محقة في ما تقول لكانت أقدمت على ما أقدمت عليه اليوم منذ عام على الأقل أي منذ اغتيال الشهيد البراهمي و الأزمة التي عاشتها حكومة حمادي الجبالي جراء ذلك و لكانت قبلت مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل الأولى التي أسهمت في إفشالها. الحقيقة أن النهضة اضطرت للانخراط في الحوار الوطني الذي طالما عارضته و قبلت مكرهة رعاية منظمات المجتمع المدني له و خصوصا الاتحاد. الم يقع اتهامها بالتواطؤ مع الذين اعتدوا على مقره يوم 4 ديسمبر 2012 و تعطيل عمل لجنة التحقيق حول ما حدث ؟ ألم تنكر قياداتها على الاتحاد تدخله في الشؤون السياسية التي ليست من مشمولاته كمنظمة مهنية؟ أليست على صلة بالهيئة الوطنية لتصحيح المسار النقابي التي انبثقت عنها نقابة جديدة ولدت ميتة؟ الثابت أن الحراك الذي قادته جبهة الإنقاذ أسهم إلى حدّ كبير في إزاحة حكومة علي العريض بتهيئة الأرضية لانطلاق مبادرة الرباعي الراعي للحوار لكن هذا الحراك على أهميته لم يكن العامل الوحيد. ذلك أن الشارع الذي فتر تأييده للنهضة و حلفائها إلى حدّ كبير لم يعد يستجيب أيضا لنداءات المعارضة بما يكفي من زخم في كل الجهات لإسقاط الحكومة التي لم تسقط بعد المظاهرات التي أعقبت اغتيال الشهيد شكري بالعيد ثم الشهيد محمد البراهمي. و لو لا تظافر جملة من العوامل الداخلية و الخارجية ما كانت النهضة لتسلم الحكومة لغيرها بهذه السهولة.
في الواقع لم يعد من الممكن بالنسبة للنهضة أن تواصل إلى ما لا نهاية له سياسة المماطلة و المراوغة لكسب الوقت. فتفاقم الأزمة و تعمقها جعلها أمام خيارين لا ثالث لهما : إما التنازل و إما الدخول في مواجهة مفتوحة مع فئات شعبية واسعة. الأمر لم يعد مقتصرا على القضاة و الأمنين و أعوان الديوانة و الإطار الصحي و طلاب الجامعات وغيرهم من الأصناف المهنية وإنما امتد إلى عامة الناس .ويكفي التذكير بما أثارته القرارات غير الشعبية وفي مقدمتها الإتاوات على السيارات من ردود فعل عنيفة سرت كالنار في الهشيم وكادت تعم مختلف مناطق البلاد و تتحول إلى عصيان مدني لولا التراجع السريع فيها بل الأصح تجميدها .ثم إن الرباعي الراعي للحوار وخصوصا الاتحاد العام التونسي للشغل هدد بالتخلي عن حياده و الانحياز إلى الشعب ووضع ثقله لحمل السلطة على التنازل أضف إلى ذلك إزاحة الإخوان المسلمين عن السلطة بالقوة في مصر .فقد أدركت قيادة النهضة أن المظاهرات المنادية بعودة مرسي إلى السلطة لم تصطدم برد فعل قوات الأمن و الجيش فحسب و إنما بعداء قطاعات واسعة من الرأي العام الشعبي أيضا. وبغض النظر عن صحة ما حصل أو خطئه فان الجيش أبدى تصميما على اجتثاث الجماعة و إقصائها من الحياة السياسية عبر المحاكمات و المنع من النشاط القانوني علاوة على استعمال القوة ضد أعضائها وأنصارها في الشارع. ولا ننسى أيضا تغير موازين القوى لغير صالح المعارضة السورية المسلحة التي تسيطر عليها المجموعات ذات المرجعية الإسلامية بمختلف أطيافها وما نتج عن ذلك من تغير في مواقف دول العالم بما في ذلك دول الجوار مثل تركيا. و أخيرا و ليس آخرا الصعوبات التي تمر بها تركيا نفسها نتيجة فضائح الفساد التي لصقت بحزب العدالة و التنمية الحاكم الذي طالما تم تقديمه كنموذج ناجح للإسلام السياسي المعتدل الذي قبل بمدنية الدولة و الديمقراطية و انخرط في التحديث.
هذه جملة من العوامل التي دفعت قيادة النهضة إلى تليين موقفها و التونسيون يتمنون أن تكون قيادتها قد استوعبت الدرس فعلا و أن لا يكون ما حصل مجرد انحناء للعاصفة مؤقتا ريثما تتغير الظروف. ولئن استطاعت المعارضة التي خدمتها الظروف أن تزيح حركة النهضة و حلفائها عن الحكومة و تدفعها إلى التوافق حول الدستور فإنها ظهرت غير موحدة عندما طرحت مسالة تشكيل الحكومة الجديدة. فالتحالف الديمقراطي و نداء تونس مثلا منحا ثقتهما لحكومة مهدي جمعة رغم بعض التحفظات عليها في حين رفضت الجبهة الشعبية ذلك. و السؤال الذي لابد من طرحه هو مدى قدرة جبهة الإنقاذ التي هي أهم مكونات المعارضة على البقاء و التواصل؟
إن هذه الجبهة لم تقم على أساس تحالف استراتيجي يهدف إلى تكوين كتلة تاريخية تخوض انتخابات موحدة لضمان وصولها للسلطة. بالعكس كانت الجبهة الشعبية تنظر إلى نداء تونس كأحد قطبين (النداء و النهضة) يسعى كل منهما الى الاستئثار بالفضاء السياسي على حساب بقية الأطراف ,لذلك طرحت نفسها كقوة ثالثة قادرة على كسر هذا الاستقطاب الثنائي وبعث بديل لقوتين رجعيتين تمثلان في رأيها وجهين مختلفين لعملة واحدة .فوجودها يحول دون تحقيق أهداف الثورة .أما نداء تونس فطرح نفسه كقوة وسطية قادرة أكثر من سواها على إعادة التوازن للحياة السياسية التي اختلت فيها موازين القوى لصالح النهضة و التيارات الدينية التي لا تؤمن بمدنية الدولة و تهدد مكاسب دولة الاستقلال الحداثية .وأما النهضة فقد رأت في نداء تونس بعثا للتجمع الدستوري المنحل وهذا ما جعلها في البداية تشيطنه وتعتبره أكثر خطورة من الجبهة الشعبية التي تنعتها بالتطرف و الانبتات .وقد عملت على تعطيل نشاط النداء بكل الوسائل بما في ذلك العنف الذي مارسته ضده رابطات حماية الثورة الموالية لها و من مظاهره قتل لطفي نقض ممثل النداء بجهة تطاوين.
وقد بدأت العلاقات بين الجبهة الشعبية و نداء تونس تتغير تدريجيا. ففي مرحلة أولى نجح النداء في استمالة قوى كانت قريبة من الجبهة الشعبية (المسار الديمقراطي وحزب العمل الوطني الديمقراطي
و الحزب الجمهوري و الحزب الاشتراكي اليساري )و هذا ما سهل عملية التنسيق حول مسائل محددة قبل أن يتحول ذلك إلى عمل جبهوي معلن .
و قد جاء هذا التقارب ليحقق أهدافا محددة لكلا الطرفين. فنداء تونس الموصوم بالارتباط بالنظام السابق يبحث عن تزكية من قوى مشهود لها بالنضالية ليظهر على الساحة السياسية كقوة مقبولة في بلد وقعت فيه ثورة.
أما الجبهة الشعبية فشعرت بالحاجة إلي حشد كل القوى التي تساعد على مواجهة ما تعتبره تغول النهضة و تهديدها لمدنية الدولة و مكاسب التونسيين التي تحققت في ظل دولة الاستقلال.
و لمواجهة اعتراضات القواعد الرافضة مثل قواعد النهضة و حلفائها. لعودة العهد السابق تحت مسميات جديدة تحدث قادة الجبهة الشعبية في البداية عن مجرد توافقات ظرفية محدودة حول مسائل محددة .لكن بمرور الوقت و تأكد سعي النهضة للسيطرة على مفاصل الدولة لتأبيد بقائها في السلطة عبر الانتخابات القادمة تحول التنسيق إلى عمل جبهوي وقامت جبهة الإنقاذ.
وقد رأت النهضة و حلفاؤها في هذا التقارب عودة لسيناريو ما قبل 14جانفي فتحدثوا عن يسار انتهازي استئصالي يسعى إلى التحالف مع التجمعين الجدد كما تحالف من قبل مع بن علي. وواضح كم في هذا الكلام من مغالطات ولعل هذا المعطى من العوامل التي جعلت النهضة تتجاوز الحديث عن انفتاحها على "التجمعين النظيفين" واستعدادها لقبولهم في صفوفها – وهذا ما حصل لكن دون فرز – إلى الدخول في حوار معلن مع نداء تونس وذلك بعد أن تم ترتيب لقاء سري بين راشد الغنوشي و الباجي قايد السبسي في فرنسا بعيدا عن الأنظار. علما وأن ذلك أثار اعتراضات كثير من إطارات النهضة و قواعدها .
إن هذه التطورات هي التي تجعلنا نتساءل عن مدى قدرة جبهة الإنقاذ على البقاء و التماسك خصوصا إذا وصلنا إلى مرحلة الانتخابات . من المستبعد أن تخوض الجبهة الشعبية ونداء تونس الانتخابات في إطار جبهوي يقتضي تقديم قائمات موحدة أو على الأقل التنسيق حسب درجة تواجد هذا الطرف أو ذاك على الساحة في كل جهة .
وقد سعت النهضة إلى شق صفوف جبهة الإنقاذ كما سعت الى شق صفوف الجبهة الشعبية و نداء تونس كل على حدة .فهي تراهن مثلا على استقطاب حزبي كمال مرجان و حامد القروي لجزء من التجمعيين و الدستوريين على حساب النداء .
وكل المؤشرات تدل على أن الانتخابات القادمة إذا ما حصلت قد تفضي الى حصول كل من النهضة و النداء كأكبر قوتين انتخابيتين على نسب متقاربة لا تسمح لأي منهما بأن يتولى السلطة بمفرده و هذا سيدفعهما الى البحث عن تحالفات, الأمر الذي يجعل المستقبل مفتوحا على شتى الاحتمالات :
*السيناريو الأول : التقارب بين حركة النهضة و نداء تونس و تقاسمهما للسلطة. و هذا ما تدفع في اتجاهه بعض القوى الخارجية المؤثرة و بالأساس الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي لأنه سوف يوفر حسب رأيها قاعدة للحكم أوسع وأشد تماسكا من القاعدة التي وفرها بعد انتخابات 23اكتوبر 2011 قيام الترويكا التي قدمت يومها كنموذج رائع غير مسبوق في البلاد العربية و الإسلامية للتعايش بين حزب ذي مرجعية دينية وحزبين "علمانيين" ولئن كان الحزبان متفقين على إتباع نهج ليبرالي في التنمية لا يختلف عما كان قائما قبل الثورة و ظل متبعا بعدها – بما يرضي صندوق النقد الدولي و البنك العالمي – فانه من الصعب أن لم نقل من المستحيل أن يتفقا في ما يتعلق بنموذج الإنسان الذي يراد نحته ومن ورائه نموذج المجتمع.
و سوف تنجر عن هذا السيناريو مخاطر منها:
-على المستوى الاقتصادي: مزيد تعميق تبعية البلاد للقوى الأجنبية جراء جعل الاستثمار الخارجي ركيزة أساسية للتنمية في غياب نموذج جديد للتنمية يأخذ بعين الاعتبار حشد الموارد الداخلية و الحدّ من التداين الخارجي.
-على المستوى الاجتماعي : هذا التقارب الموجه ضد الجبهة الشعبية وبعض أحزاب المعارضة الأخرى سوف يخلق معارضة نشيطة قد تجر معها الاتحاد العام التونسي للشغل و هيئات أخرى من المجتمع المدني إلى دائرة الفعل فلا يتحقق لا الاستقرار ولا الاستثمار.
-على المستوى السياسي: قد تلجأ السلطة إلى التضييق على الحريات باسم ضبط الأمن و توفير الاستقرار الضروري للاستثمار.
-على المستوى الأمني: قد يعطي هذا التحالف" غير المبدئي" مبررا للجماعات المتشددة لمزيد التصلب فيقود ذلك إلى تنامي ظاهرة الإرهاب.
* السيناريو الثاني: ترميم النهضة لتحالفها الأول و توسيعه بالانفتاح على أحزاب إسلامية صغرى و قوى دستورية و تجمعيه يتم إبعادها عن نداء تونس. وهذا لا يضمن قاعدة واسعة للحكم و في ظله قد يحصل التضييق على الحريات و إحكام السيطرة على دواليب الدولة و استثمار ما يتحقق من " تمكين" للمضي قدما في تنفيذ "أسلمه المجتمع" مما يجعل البلاد مجددا عرضة للهزات و عدم الاستقرار فيتعطل الاستثمار و تتواصل الأزمة.
* السيناريو الثالث: تحالف بين نداء تونس( و معه بقية أحزاب الاتحاد من أجل تونس ) و الجبهة الشعبية. و هذا قد يوفر قاعدة واسعة للحكم لكن قد تترتب عليه نتائج بالغة الخطورة منها:
- بروز نداء تونس كطرف مهيمن على التحالف و هذا سوف يضفي شرعية على عودة كثير من رموز النظام السابق إضافة إلي تعطيل كل محاسبة و كل قطع حقيقي مع الماضي يؤسس فعلا للحرية والديمقراطية و العدالة. و في أفضل الحالات سوف يجد الشعب نفسه إزاء النظام السابق وقد تمت رسكلته عبر "رتوشات" وإصلاحات محدودة لا تغير جوهريا الاختيارات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية أي مجمل الأوضاع التي قادت إلى الثورة.
- وجود النهضة نفسها في مواجهة سلطة تضم خليطا من اليمين واليسار وهذا من شأنه أن يدفعها إلي التقارب مع سائر الجماعات الإسلامية و لا شيء يضمن ساعتها تقيدها بمبدأ التداول السلمي على السلطة المعلن اليوم و لا قبولها بقواعد اللعبة الديمقراطية. أمران إذا لم يتحققا سوف ينتعش الإرهاب و تتفجر الأوضاع و ربما تندلع حرب أهلية.
*السيناريو الرابع: إذا ساءت الأوضاع كثيرا في ظل أحد هذه السيناريوهات الثلاثة فليس من المستبعد أن يدخل الجيش و الأمن على الخط بشكل من الأشكال و أن يمسكا بدواليب الدولة كخيار أخير.
إن وجه المأساة في هذا الوضع هو وجود قوتين غير مؤهلتين تاريخيا لقيادة البلاد بشكل يفتح أفقا حقيقيا تتحقق فيه تطلعات الشعب الذي ثار و كانت ثورته فاقدة لقيادة مركزية لها برنامجها و الوسائل الضرورية لتحقيقه: القوة الأولى نداء تونس الذي يرفع راية الحداثة والتحديث و الدفاع عن مكاسب دولة الاستقلال لكنه يسعى إلى إعادة إنتاج النظام القديم و رسكلته بإطاراته واختياراته التنموية و روحه التسلطية أما القوة الثانية فهي حركة النهضة التي لا تريد أن تتطور وأن تتخلى عن طبيعتها كجماعة لها علاقات متشابكة مع جماعات متطرفة لا تؤمن بالديمقراطية ومدنية الدولة ولا بمقتضيات التنمية التي تحقق العدالة و الأخطر من هذا أنها تدين بالولاء للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي لا يؤمن فعليا بالبعد الوطني و يسخر طاقاته في المقام الأول لخدمة مشروعه العابر للقارات باسم إسلام كوني.
و في الحالتين لا يمكن الحديث عن مواصلة الثورة ولا عن تحقيق أهدافها . فتونس تواجه مأزقا تاريخيا مثلها مثل مصر و سائر الأقطار التي حصل فيها ما يعرف بالربيع العربي و إن بدا المشهد مختلفا من قطر إلى آخر. ففي مصر قاد تغول الإخوان و إصرارهم على تنفيذ برنامجهم الخاص إلى انتفاض قطاعات واسعة من الشعب ضدهم و تدخل الجيش ليحسم الصراع بالقوة و يزيح الإخوان لكن ذلك أدى إلى:
- تأجيج الإرهاب و استمرار العنف و سوف يكون ثمن تحقيق الاستقرار إذا ما تحقق باهظا.
- إعادة كثير من رموز النظام السابق إلى الواجهة .
- تهميش القوى الثورية و الديمقراطية و قد تفضي الأمور في النهاية إلى عودة الدكتاتورية في ثوب جديد.
و في تونس يجد كثير من المواطنين أنفسهم أمام خيار صعب: القبول بالنهضة خوفا من عودة النظام السابق أو التذيل للنداء اجتنابا لتغول النهضة خياران أحلاهما مرّ و الأخذ بهذا أو بذاك كالمستجير من الرمضاء بالنار. و سوف تتواصل المأساة طالما لم تقع إعادة تشكيل الخارطة السياسية بشكل يفضي إلى:
- تجاوز اليسار لانقساماته و تشرذمه بالانصهار في حزب واحد لا يقوم على أساس إيديولوجي صارم بل يسمح بتعايش توجهات و أجنحة مختلفة داخله بشكل ديمقراطي وهذا ما سوف يؤهله لتزعم كتلة تاريخية أوسع من الجبهة الشعبية تضم كل القوى القومية و الوسطية التقدمية.
- تغير حركة النهضة تغيرا نوعيا يجعلها تفرز جناحا يتجاوز منطق الجماعة و يتحول إلى حزب سياسي يقطع مع ازدواجية الخطاب و يؤمن فعلا بمدنية الدولة والديمقراطية و التداول السلمي على السلطة و يؤمن بإسلام مستنير لا يتعارض مع القيم الكونية الحديثة و يتخذ موقفا واضحا حازما ضد الإرهاب و العنف و يتمايز مع الجماعات التكفيرية التي تمارسهما و تحرض عليهما وهذا ما يجعل النهضة تأخذ حجمها الحقيقي على الساحة السياسية.
- تطور نداء تونس بشكل يجعله يفرز جناحا يتحول إلى حزب حقيقي يضم القوى التي تؤمن فعلا بالديمقراطية و تقطع مع ممارسات العهد السابق و تتمايز مع الذين يدفعون في اتجاه العودة إليها و تتخلى عن الليبرالية المفرطة و تضفي على برنامجها السياسي طابعا اجتماعيا .
و هذا أمر بعيد المنال في الأفق المنظور مما يبرر الحديث عن انسداد الأفق أو المأزق التاريخي.
الخاتمة:
دخلت البلاد فترة من المفروض أن تكون الأخيرة في المرحلة الانتقالية و قد تفضي إلى تنظيم الانتخابات لكن يبقى الانتقال الديمقراطي مهددا بالانتكاس لوجود عوائق تحول دون تجاوز الاستقطاب الثنائي الذي يميز الساحة السياسية والنتائج التي قد تنجر عنه. ورغم المشهد القاتم والأفق الذي يبدو مسدودا يبقى الأمل معقودا على الشعب الذي حطم جدار الخوف و لم يعد يقبل بسهولة التفريط في حريته و على مكونات المجتمع المدني التي لن تتخلى بسهولة عن سعيها لتوسيع مجال الحرية (فلا الإعلاميون يقبلون التدجين و لا القضاة يقبلون الخضوع لسلطة تنفيذية ترفض استقلال القضاء) و أخيرا و ليس آخرا على شبابنا الذي ثار و أصيب بخيبة أمل لكنه لن يقبل البطالة و التهميش الى ما لا نهاية له .



#عمار_العربي_الزمزمي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العروبة و الاسلام بين بين مشروعيّة طرح سؤال الهويّة ومنزلقات ...
- في العدالة الانتقاليّة و طرق تفعيلها
- هل أتاك حديث دفع تعويضات لضحايا القمع أو يجوع الحر ولا يأكل ...
- لا للاجتثاث! لا للإقصاء! لكن.......
- هل ثار الشعب التونسي على بن علي ليعود إلى عهد بورقيبة؟ رسالة ...
- أهكذا تدشن الحكومة الانتقالية في تونس عهد الحرية الموعودة أو ...


المزيد.....




- أمريكا توافق على بيع نظام مضاد للطائرات بدون طيار لقطر بمليا ...
- إدانة مؤسس -حراس القسَم- بتهمة التمرد في قضية اقتحام الكونغر ...
- اقتحام الكونغرس: إدانة أعضاء من -حراس القسم- اليمينية بتهمة ...
- وسائل إعلام: اليابان تعتزم شراء 500 صاروخ -توماهوك- من واشنط ...
- البنتاغون يعلن صفقة محتملة لبيع أنظمة مضادة للمسيّرات إلى قط ...
- البنتاغون يحذر من أن حجم الترسانة النووية للصين سيزداد بأكثر ...
- -عرين الأسود- تصدر بيانا شديد اللهجة وتعلن الأربعاء يوم غضب ...
- الولايات المتحدة..إدانة قائد ميليشيا أميركية يمينية بالتمرد ...
- قديروف: عار على شخصية دينية مشهورة ألا تعرف موقف المسلمين من ...
- وزير الخارجية الهنغاري يدعو -الناتو- للحفاظ على قنوات الاتصا ...


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عمار العربي الزمزمي - المرحلة الانتقالية في تونس: المأزق و صعوبة التجاوز