أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح رحيم - سرد الذاكرة المضادة في أدب ألمانيا واليابان















المزيد.....

سرد الذاكرة المضادة في أدب ألمانيا واليابان


فلاح رحيم

الحوار المتمدن-العدد: 4182 - 2013 / 8 / 12 - 23:34
المحور: الادب والفن
    


كيف كان السرد القصصي الذي كتبه شهود العيان في مرحلة ما بعد الحرب والاحتلال في ألمانيا واليابان؟ وكيف تعامل مع الحالة المعقدة والمأساوية التي أسفر عنها انتهاء الحرب؟ ما هي التقنيات القصصية التي استخدمها هؤلاء الكتاب المأزومون خلال فترة الخمسين عاما التي أعقبت الحرب، وكيف يمكن تصنيف المراحل التي مر بها السرد في هذين البلدين؟ هذه بعض من الأسئلة التي يحاول الإجابة عنها كتاب أستاذة الأدب المقارن في جامعة بنسلفينا ريكو تاتشيبانا Reiko Tachibana " السرد بوصفه ذاكرة مضادة: نصف قرن من أدب ما بعد الحرب في ألمانيا واليابان" Narrative as Counter-Memory: A Half-Century of Postwar Writing in Germany and Japan (وهو كتاب صادر عن جامعة نيويورك عام 1998).

تؤكد الكاتبة في بداية بحثها أن دراسة الأنماط السردية في أدب ما بعد الحرب تعد حاجة ملحة بالنسبة لثقافة البلدين. فقد بقيت الأسئلة والإشكالات التي أسفرت عنها نهاية الحرب قائمة وفاعلة على المسرح الثقافي للبلدين حتى يومنا هذا. وكان الكاتبان اللذان حصل كلاهما على جائزة نوبل للآداب الياباني أوي كنزوبورو والألماني غونتر غراس قد عقدا مؤتمرا صحفيا في معرض فرانكفورت للكتاب عام 1990 انتقدا فيه محاولات حكومتيهما التستر على الذكريات الفاجعة للحرب وما أعقبها. وكانت دعوتهما تهدف إلى ضمان المستقبل والحرص على الحاضر. والواقع أن التسعينيات شهدت جدالا واسعا في ألمانيا واليابان بصدد الحرب نتيجة حدثين تزامنا بدلالة عميقة هما توحيد ألمانيا عام 1989 وموت إمبراطور اليابان هيروهيتو في العام نفسه عن عمر ناهز السابعة و الثمانين. قال غراس في ذلك المؤتمر إنه يرى في توحيد ألمانيا ظل الرايخ الثالث. وتورد الكاتبة إحصاءات مروعة عن تصاعد نشاطات النازية الجديدة بعد التوحيد حيث سجلت عام 1992، 4587 هجمة على الأجانب في البلاد قتل فيها سبعة عشر شخصا، وتواصلت وتيرة العنف في العامين اللاحقين. وكان غراس يرى أن تشويه الماضي وعدم مواجهته بوضوح أدى بالألمان إلى البحث عن كبش فداء بعد توحيد ألمانيا. أما في اليابان فقد تعرض عمدة مدينة ناكازاكي موتوشيما هيتوشي لمحاولة اغتيال عام 1990 لأنه صرح بعد عام من موت الإمبراطور أن الإمبراطور مسؤول عن الحرب وأنه تمكن تحت ضغط الرأي العام الياباني والحلفاء من أن ينجو من الحساب ويصبح رمزا للدستور الجديد. وقد دفع هذا التصريح أحد اليمينيين إلى محاولة اغتياله.
تقدم المؤلفة في دراستها هذه مفهوم ميشال فوكو عن "الذاكرة المضادة" أو "التاريخ الفعال" والذي يقصد به الذاكرة التي تتعامل مع الأحداث بصيغة خصائصها الفريدة ومظاهرها المسننة الحادة بعيدا عن السرديات الرسمية التي تركز على التعميمات وتنتقي ما يناسبها. إنها الذاكرة المشغولة بالمسكوت عنه والمحجوب خلف موقف الإنكار والتستر. وبدلا من التاريخ الخطي المشغول بحياكة خطاب منطقي متصل، تنشغل الذاكرة المضادة بما يبدو وكأنه بلا تاريخ كالحياة اليومية، والغرائز، والعواطف، وغيرها من مشاغل الفرد المباشرة. ويخلص فوكو إلى أن حيادية المعرفة المزعومة متجذرة في كل هذا.
لكن الكاتبة تقيد المصطلح في كتابها بمجموعة الكتاب الذين يمكنهم استخدام عبارة "أنا أتذكر" عند الكتابة، أي أنه سرد شهود العيان الذين عايشوا الحدث وعرفوا تفاصيله الدقيقة وآثاره المباشرة. وهو جيل فريد ترى الكاتبة أنه بدأ يختفي في البلدين بعد أن ترك ميراثا عميق الدلالة للإنسانية جمعاء. كما أن الباحثة ترى أن الأدب القصصي في البلدين يمثل أفضل وسيلة لتفعيل هذه الذاكرة المضادة، فتبدأ بمتابعة تطور السرد في البلدين عبر ثلاث مراحل متداخلة تَواصل فيها التحول في المنظور السردي هي سرد الضحية، والسرد التحليلي، وسرد الإنسان الخطاء.

سرد الضحية

عبر كتّاب القصة في هذه المرحلة عن الغضب، والأسى، والصدمة تجاه ما حدث ويحدث وكتبوا نصوصا قريبة من السيرة الذاتية تعتمد وجهة نظر الضحية، إذ شهدوا الموت الجماعي الفاجع سواء على أرض المعركة أو في المدن. وقد ركزوا على تصوير فوتوغرافي أمين مباشر للمعاناة البشرية التي فاقت الخيال مع حرص على ربط هذا الدمار بمضامين رمزية دالة. ترى الباحثة أن " المسافة بين الكاتب وكتابته كانت ضيقة جدا لا تترك مادة تذكر للتأويل." (ص. 37) وقد تمثلت هذه المرحلة في اليابان بما سمي "أدب القنبلة النووية" ِ A-bomb Literature الذي نشأ وتطور في مدينتي هيروشيما وناكازاكي حيث سجل فيه الناجون من القنبلة تجاربهم المريعة. يتضمن هذا السرد وثائق غير قصصية مثل اليوميات وتقارير الأطباء عن الحالات التي قاموا بعلاجها.
سجلت أوتا يوكو في روايتها "مدينة الجثث" تجربتها كشاهد عيان على الجحيم النووي الذي عاشته هيروشيما. وبالرغم من أنها كانت قبل عام 1945 من مؤيدي الحرب وعملت مراسلة صحفية في الصين لنقل معارك الجيش الإمبراطوري هناك حتى أن إحدى رواياتها فازت بجائزة بارزة عام 1940، فإن ما شهدته في هيروشيما جعلها تدرك فداحة المأساة التي استنزلها العسكر اليابانيون على بلدهم ولم تكتف بانتقادهم بل وانتقدت اليابانيين الذي امتثلوا لأوامرهم وأوهامهم دون اعتراض يذكر. حين توفيت عام 1963 نتيجة نوبة قلبية عن عمر ناهز الستين كانت تعاني من مشاكل نفسية عسيرة.
هنالك أيضا في هذا الباب هارا تاميكي الذي نشر ثلاث قصص عن ضربة هيروشيما تحت عنوان "زهور الربيع" حازت على أبرز الجوائز الأدبية في اليابان عام 1949 ، لكنه أقدم على الانتحار بعد عامين من ذلك ليعبر عن عجزه عن مواصلة العيش وكوابيس هيروشيما تؤرقه. طرح هارا في قصصه فضلا عن التسجيل الوثائقي للعصف والدمار وما أعقبهما من أعاصير وأمطار دمرت ما تبقى، ثيمة التناقض بين موت الحرب العنيف والموت الهادئ في زمن السلم.
أما في ألمانيا فقد كتب الجيل الذي عاد من الحرب نصوصا حية ومؤثرة عن ذكرياتهم التعسة عن الحرب والتجارب القاسية التي كانت بانتظارهم عند العودة منها. وقد سمي هذا الأدب في ألمانيا "أدب الأنقاض" Literature of Rubble وبالألمانية Trummerliteratur بسبب ما يتكرر فيه من وصف دمار المدن وخرابها. لكن هنالك من رآى أن مفهوم الأنقاض يشمل تحطم المثل والأيديولوجيا أيضا.
تستعرض الكاتبة في هذا الباب قصص ولفغانغ بورشرت (الذي توفي عام 1947 عن ستة وعشرين عاما) وقد جرح في الحرب ثم سجن للاشتباه أنه قد جرح نفسه عامدا ليتخلص من مخاطر الحرب، ثم أطلق سراحه ليسجن مرة أخرى لاتهامه بإطلاق نكات سياسية. وقد ركز في قصصه على موضوعة الجندي العائد إلى مدينة مدمرة ومجتمع لا يأبه بحاجاته ومعاناته. هنالك أيضا أعمال هاينرش بول المبكرة التي سجل فيها تجاربه الشخصية بعد خدمة ستة أعوام في الجيش وخصوصا روايتيه "الملاك الصامت" و "المصاب".
من المشاكل التي واجهها الكتاب في هذا الطور التناقض بين رغبتهم الملحة في تسجيل ما شهدوا بأنفسهم من جهة، وعزوفهم عن التسرع في الكتابة لما له من أثر سيء على مستوى انجازهم. كما أثيرت في ألمانيا خلال هذه المرحلة مشكلة أدب الداخل والخارج، فتجادل الأدباء في مسألة مَن مِن الفريقين أقدر على تقديم صورة أمينة وقريبة من الحدث؟ ويرد في الكتاب ذكر الجدال الذي وقع بين الروائي الألماني توماس مان المقيم في كاليفورنيا والكاتب الألماني فرانك ثيس الذي نشر أعماله خلال الحقبة النازية ولم يغادر البلاد. أتهم مان المثقفين الألمان بالسلبية والابتعاد عن السياسة، ولامهم على سقوط جمهورية فايمار الذي حدث كما يرى بسبب لامبالاتهم. وقد ورد ذلك في رسالة نشرها في 18 آب 1945 ردّ عليها ثيس بأن الكتّاب الذين اختاروا البقاء في الداخل تعرضوا لتجارب أكثر أهمية من كتاب المنفى، وأن لهم القدرة على أن يقولوا من الأشياء ما هو أهم وأجدر بالقراءة. وقد تصاعد الجدال حتى قال توماس مان إن الكتب التي أمكن أن تنشر بين عامي 1933 و 1945 يجب أن تدمر كلها. كانت أمانة التوثيق هي محور الجدال.

السرد التحليلي

شهدت المرحلة الثانية في تطور السرد القصصي في المانيا واليابان بعد الحرب سعي الكتاب إلى البحث عن منظور واسع، متعدد المستويات، مستقل عن الحدث، يتصف بتقنيات متطورة كالسرد متعدد الطبقات والبناء متعدد الحبكات. وكانت غايتهم تحقيق استجابة جديدة من القارئ. سعى الأدباء في المرحلة الأولى (سرد الضحية) إلى استعادة انفعالية للحدث وإلى تقديم صوت الضحية الموجوع للقارئ، بينما اتجه الكتاب في المرحلة الثانية إلى تقديم تأملاتهم التحليلية في الأسئلة الأخلاقية والسياسية والوطنية في مواجهة الهزيمة والاحتلال عبر نص يتصف بالاغتراب والالتباس في سعي إلى خلق مسافة تفصل الكاتب عن تجربة الحرب وتبدأ عملية تفاعل بين عنصري الاغتراب عن التجربة والانخراط بها. وترى المؤلفة أنهم قد استخدموا في هذه المرحلة تقنية برختية اغترابية لفتح مسافة بين القارئ والسرد تسمح للقارئ بالنظر إلى المادة المطروحة نظرا نقديا متفحصا. وكانت النتيجة أدبا صعبا يفترض في القارئ القدرة على المشاركة في صنع النص والتساؤل.
بدأ هذا التيار يتبلور في ألمانيا عند منتصف الخمسينيات ووصل ذروته في نهايتها، بينما نضج في اليابان في وقت متأخر من الستينيات. وهو تيار يظهر قدرة الكتاب على عزل أنفسهم شخصيا عن المادة التي يقدمها سردهم.
تعمد الباحثة إلى تقديم نماذجها عبر ثنائيات من الأدبين فتجمع رواية يوكيو ميشيما "المعبد الذهبي" (1956) مع رواية هاينرش بول "بليارد التاسعة والنصف" (1959) بالرغم من التناقض في الموقف السياسي بين الكاتبين. إن ما يجمع هاتين الروايتين خيبة الأمل في المعجزة الاقتصادية التي شهدها البلدان حيث تنطوي عودة القيم التقليدية للطبقة الوسطى بالنسبة لميشيما على تنكر للماضي الإمبراطوري، وبالنسبة لهاينرش بول على عجز عن إدراك الخطيئة الألمانية. يعبر ميشيما عن رؤيته بإعادة كتابة حادثة إحراق معبد الزن عام 1950 على يد أحد طلبته، إذ رآى في المعبد رمزا ليابان ما بعد الحرب التي فقدت أصالتها منذ تنازل الإمبراطور عن قدسيته. وترى الباحثة أن تدمير المعبد يشبه إقدام ميشيما على الانتحار عام 1970 حيث يحرر المرء نفسه من قبضة عالمه الداخلي الرومانتيكي بتدمير رموزه، لا تغيير طريقة النظر إليها. والرواية شبكة معقدة من الحبكات والشخصيات التي تنقل هذا الإحساس المتضارب تجاه الحياة والجمال. يقدم بطل رواية بول على تدمير دير كاثوليكي لأنه يمثل الذنب الذي اقترفته الكنيسة الكاثوليكية كمؤسسة في دعمها النازية. لقد أحس أنه يثأر بذلك لمن دمر الرايخ حياتهم. وهنالك استنكار لحرص السلطات النازية ومن بعدها سلطات الاحتلال على الاحتفاء بالنصب التاريخية وإهمال الإنسان الضحية. تمتاز الرواية بتعدد الأصوات السردية (يرويها روبرت وأمه وأبوه فضلا عن رواة ثانويين آخرين).
هنالك ثنائي آخر تتناوله الباحثة هو رواية "طبل الصفيح" (1959) لغونتر غراس و "هو من يمسح دموعي" (1971) لأوي كنزوبورو. تحاول الروايتان قلب تقاليد رواية السيرة الذاتية والنضج بفعل التجربة، وهي تفعل ذلك بطريقة فنية معقدة تتضمن تقنيات التغريب، والراوي غير الموثوق به، والمحاكاة التهكمية. وبدلا من تحقيق حالة التنوير والاندماج في المجتمع التي غالبا ما تنتهي إليها رواية السيرة تطرح الروايتان استحالة تطور الشخص تطورا ايجابيا في مجتمع استبدادي يخلو من الإنسانية.
حتى رواية التسجيل الوثائقي شهدت في هذه المرحلة تطورا طريفا، إذ عمد ماسوجي إيبوسي في روايته "مطر أسود" (1966)، التي عالج فيها مأساة هيروشيما بعد أكثر من عشرين عاما على الحدث، إلى مزج يوميات واقعية تصف المدينة بعد الضربة بخياله القصصي في خلق سياق روائي تحليلي. وروايته بذلك تعتمد المفهوم ما بعد الحداثي للوثيقة بوصفها " أثرا نصيا منقولا عن الماضي" (ص. 164). فمثلا وسع الروائي وثيقة شجيماتسو الواقعية المكونة من صفحتين عن الحدث إلى 21 صفحة في الرواية. كما أنه من جانب آخر دس يوميات الطبيب أيواتاكا دون تغيير في سرده. ثم نجده بالمقابل يقدم أربع وثائق متخيلة تماما. تورد الكاتبة قول أنتوني ليمان "أن الذاكرة شكل من أشكال الأسطورة الشخصية لأنها تنتقي ما هو مهم بالنسبة لهوية المرء وقدرته على البقاء. وهي حريصة على انتقاء الموارد المحملة بالمعنى أكثر من حرصها على الواقعية بالمعنى الموضوعي." (ص. 171)

سرد الإنسان الخطاء

شهدت المرحلة الثالثة توسيعا أكبر في المنظور في مجالي الزمان والمكان. إذ بدأ الكتاب محاولة عرض قناعتهم بأن تجارب هيروشيما ومعسكرات الاعتقال لم تكن حوادث فريدة من نوعها لا يمكن أن تتكرر. وهي لا تمثل مشكلة تخص الأمم المشاركة في صناعتها فقط بل هي مشاكل تواجه الإنسانية جمعاء، وإمكانية تكرارها قائمة. وهكذا تركت الأعمال السردية في هذا الطور المنظور السردي للضحايا والمنظور الفردي/ الوطني المتمثل في موضوعات الذنب والإجحاف، وبدأت تركز على منظور الإنسان في كل مكان ومسؤوليته عما حدث. وترى الكاتبة أن الكثير من المتغيرات خلال السبعينيات والثمانينيات مثل حرب فيتنام، و التجارب النووية في المحيط الهادي، والتجربة النووية في الهند، والاحتلال السوفيتي لأفغانستان وغيرها دفعت الكتاب إلى منظور كوني واسع وإلى دمج الأسئلة الوطنية بالعالمية.
بدأ هذا الطور في اليابان في أواخر السبعينيات كما في رواية ميناكو أوبا "أوراشيماسو" (1977) ورواية أودا ماكوتو "هيروشيما" (1981). أما في ألمانيا فقد بدأ هذا الطور يتبلور في بداية السبعينيات كما في رواية اوي جونسون "سنويات: من حياة جيسن غريسبال" (1970 ـ 1983) ورواية كريستا وولف " كسندرا: رواية وأربعة مقالات" (1983). تكشف هذه الروايات أن التاريخ مجموعة من التجارب الذاتية التي يمكن إعادة كتابتها وتأويلها من منظور مكان آخر خارج مسرح الحدث الأصلي مثل أميركا أو طروادة القديمة، أو من منظور أصناف أخرى من السرد مثل النماذج النمطية السائدة في القصص الفولكلورية. والغاية إشراك القارئ في كل مكان في تحمل المسؤولية عما حدث في الماضي من اجل الحاضر والمستقبل.

مقارنة الأدبين

يشترك السرد الروائي في البلدين بحضور عنصر السيرة الذاتية فيه، وفي انهماكه الجاد في إثارة أسئلة سياسية، وأخلاقية، ووطنية، وفي تفنيده ادعاء الحداثة وما بعد الحداثة موت التاريخ وتبنيه منظور الاستمرارية التاريخية، كما أن الروائي حاضر في نصه بتساؤلاته الفنية والأخلاقية.
هنالك استمرارية تتخلل هذه المراحل الثلاث. ففضلا عن تواتر الموضوعات المرتبطة بالحرب مثل الموت، والدمار، والرعب، والخسارة... الخ، فإن أدب ما بعد الحرب في البلدين عبر دائما عن شك وريبة بالسلطة. وسبب هذه الريبة ظاهرة انقلاب الأشخاص المتسلطين الذين عرفوا في الماضي بدعمهم الاستبداد إلى دعاة للديمقراطية بين ليلة وضحاها. وقد تمثل ذلك في اليابان بموقف الإمبراطور نفسه الذي أعلن بعد الحرب أنه إنسان عادي لا إله كما كان يشاع قبل الحرب. لكن ظاهرة انعدام الثقة بالسلطة كانت أكثر حدة في ألمانيا خصوصا بين أفراد الجيل الأكبر سنا الذي عاشوا الحرب العالمية الأولى وجمهورية فايمار ثم الرايخ الثالث وهزيمة الحرب العالمية الثانية، هؤلاء وقفوا ضد كل سلطة ولم يتردد هاينريش بول بالتصريح أنه لا يثق بأية سلطة.
لكن المفارقة أن أدب ما بعد الحرب في البلدين ظل يعبر دائما عن تفاؤل متواصل بالرغم من الشك بالحكومات والمؤسسات والشخصيات القيادية الجديدة. بالرغم من إدراك هؤلاء أن كتاباتهم لن يكون لها أثر يذكر على السلوك العام فقد واصل الكتاب الكتابة وتعكس أعمالهم في الغالب التزاما قويا بعملية التغيير.
تؤشر المؤلفة عند مقارنة الأدبين فرقا لافتا. فبينما اتصف أدب اليابان في الغالب بغلبة نبرة الاحتجاج على المعاملة الجائرة التي تعرض لها اليابانيون بفعل الهجوم النووي أكثر من نبرة الإقرار بالبشاعات التي ارتكبها الجيش الياباني في آسيا، نجد أن أدب ما بعد الحرب في ألمانيا أكد على مسؤولية الألمان عن الحرب وعما فعلوا في أوربا. وترى الكاتبة أن السبب في هذا الفارق يكمن في الأثر القوي الذي تركه ضرب هيروشيما وناكازاكي بالقنبلة النووية. إذ كانت الفاجعة من القوة أنها سيطرت على بقية الاستجابات للحرب وغلبت عليها. والواقع أن سلطات الاحتلال الأمريكي فرضت رقابة شديدة على المطبوعات في اليابان بعد ظهور مقالات تصف استخدامها القنبلة النووية في الحرب بالعار الذي لا يزيد الضحايا إلا نبلا. كما أن أحد الأسباب في هذا الاختلاف بين الأدبين يعود بحسب المؤلفة إلى تراث الأدب الياباني منذ القرن الثامن الميلادي الذي امتاز بالانسحاب والعاطفية المفرطة. أما السبب الثالث فيعود إلى الفرق بين نظام الحكم الإمبراطوري المقدس والنظام النازي الدنيوي. وكانت السلطات الأمريكية قد قررت بعد احتلال أليابان الإبقاء على النظام الإمبراطوري وتبرئة الإمبراطور من مسؤولية الحرب مما أصاب اليسار الياباني بالخيبة إذ كان يتوقع أن تقود الهزيمة إلى الرفض الكامل للإمبراطور بوصفه رمزا ثقافيا وسياسيا. إن حقيقة الصمت عن مسؤولية الإمبراطور عن الحرب مكنت اليابانيين بصورة عامة من إنكار مسؤوليتهم عنها أيضا، وهو حال يختلف عما حدث في ألمانيا إذ أن الكشف عن الفظاعات التي ارتكبتها النازية اضطر الألمان إلى الإقرار بالذنب والمسؤولية بالرغم من أن الكثير منهم نأوا بأنفسهم عن النازية وأنكروا الماضي. تقول الكاتبة " على العكس من الإمبراطور الياباني البريء رسميا هيروهيتو الذي تحول في نهاية الحرب في ليلة وضحاها من رمز مقدس محتجب إلى صورة للأب ذات شعبية واسعة، فإن الفوهرر الألماني انتحر وبدا أن انتحاره كان إقرارا بذنبه" ص 11.



#فلاح_رحيم (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- علي بدر ومارغريت أتوود: هل تموت الأيديولوجيا في العراق وتولد ...
- توقيع الروائي
- من باطن الجحيم: وثيقة الشاهد/الضحية - سلام إبراهيم


المزيد.....




- إقبال على تعلم اللغة الروسية في مدارس سوريا
- جائزة نوبل للآداب -الساعية للتنوع- قد تحمل مفاجأة هذا العام ...
- شمس البارودي.. فنانة مصرية من أصول سورية
- إيلون موسك مهتمّ بقراءة أخبار وسائل الإعلام الروسية!
- صفعة الأوسكار تطارد ويل سميث في فيلمه الجديد
- ليلى بورصالي: تجربتي في التمثيل ساعدتني في مسيرتي الموسيقية ...
- العراق يزيد رقعة زراعة القمح لنحو مليون فدان في 2022-2023
- شاهد: أوكراني يستخدم صندوق الموسيقى اليدوي لنشر -السعادة- في ...
- شاهد: اندماج لوحات فنية عملاقة تفاعلية من مبدعي العالم في مع ...
- منح جائزة نوبل في الطب هذا العام للسويدي سفانتي بابو


المزيد.....

- مسرحية -الجحيم- -تعليقات وحواشي / نايف سلوم
- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فلاح رحيم - سرد الذاكرة المضادة في أدب ألمانيا واليابان