أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - الحافظ النويني - انعكاسات الصراع الإيراني-الغربي على الأمن القومي العربي















المزيد.....



انعكاسات الصراع الإيراني-الغربي على الأمن القومي العربي


الحافظ النويني

الحوار المتمدن-العدد: 4000 - 2013 / 2 / 11 - 19:16
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :
إن الأهمية القصوى لمفهوم " الأمن "،وشيوع استخدامه لم تعفه من أن يكون مفهوما حديث النشأة في مجال العلوم السياسية، وقد أدى ذلك إلى اتسامه بالغموض مما أثار عدة مشاكل، فلا يعد اصطلاح "الأمن" هو أفضل المصطلحات للتعبير عن الأمن الوطني للدولة المعاصرة فمفهوم الأمن لا يقتصر على رؤية ذاتية أو خاصة لقضايا الأمن ، فلا بد اليوم في ظل الأوضاع الدولية المضطربة والمتقلبة ، من الاحتكام إلى مفهوم الأمن كما يُحدّده النظام الدولي المعاصر.
و الأمن عدة أنواع ,سنعالج منها الأمن القومي حيث عرفه الدكتور زكريا حسين، أستاذ الدراسات الإستراتيجية و المدير الأسبق لأكاديمية ناصر العسكرية بالتعريف التالي :" الأمن القومي هو تأمين سلامة الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية التي قد تؤدي إلى إخضاعها لسيطرة أجنبية ".وانطلاقا من هذا التعريف بدأ الفكر السياسي العربي في الاهتمام بصياغة محددة لمفهوم الأمن القومي العربي يكون متعارف عليه ، وتعددت اجتهادات المفكرين العرب من خلال الأبحاث والدراسات والمؤلفات سواء في المعاهد العلمية المتخصصة، أو في مراكز الدراسات السياسية، والتي تحاول تعريف ذلك الأمن، حيث تم تعريفه : "بأّنه قدرة الأمة العربية مجتمعة على التصدي لكلّ التحديات والأخطار الداخلية والخارجية التي تواجهها والتغّلب عليها، وصيانة استقلال ووحدة الأمة العربية، وزيادة متانتها العسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في وجه التحديات التي قد تظهر في المستقبل. "
و يعد موضوع الأمن القومي العربي من أولويات العمل العربي المشترك ،نظرا للأهمية المتزايدة لمجالات الأمن القومي على الصعيد الدولي والإقليمي،والجدير بالذكر أن جامعة الدول العربية لم تدرج هذا المصطلح داخل قطاعاتها الا بعد تولي السيد عمرو موسى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية عام 2001م،حيث عمل على إنشاء هيكلة جديدة غير بموجبها اسم الإدارة العامة للشؤون العسكرية بقرار رقم 1-106 بتاريخ 2002/07-01،إلى قطاع الأمن القومي العربي .
و يعانى الأمن القومي العربي من تحديات عديدة ومكثفة تتنوع بين ما هو تحديات داخلية المصدر وأخرى مصدرها البيئة الإقليمية والدولية للنظام العربي. وإذا كانت التحديات الداخلية هي الأساس، فإن تحديات البيئة الإقليمية والدولية لا تقل خطورة. و سنركز في هذه الورقة على دراسة الأمن القومي العربي من منظور صراعات الإقليمية والعالمية فى المنطقة، و كيف ان الصراع الايراني-الغربي مصدر لتهديد الأمن القومي العربي.
الاشكالية:
و منه فما هي انعكاسات الصراع الايراني-الغربي على الأمن القومي العربي ؟

المسار البحثي :
أولا- الامن العربي القومي و الصراعات الاقليمية العالمية .
ثانيا- الصراع الايراني-الامريكي في العراق و الخليج و تأثيره على الامن القومي العربي.
ثالثا- تهديدات الغرب لملف ايران النووي و مدى انعكاسه على الامن القومي العربي .





أولا- الأمن العربي القومي و الصراعات الإقليمية العالمية.
فى الوقت الذي أخذ فيه النظام الدولى يشهد تطورات مهمة فى هيكليته منذ سقوط النظام ثنائى القطبية، بدخول فواعل جدد فى عضويته، حولته من نظام دولى يقتصر فقط على عضوية الدول إلى نظام عالمى يجمع بين عضويتة الدول من ناحية، والعديد من المنظمات والهيئات ذات التأثير القوى فى السياسة الدولية مثل المنظمات الإقليمية والشركات متعددة الجنسية ومنظمة التجارة العالمية، ومجموعة العشرين من ناحية أخرى، فإن النظام العالمى الجديد الذى مال مؤقتاً ناحية أخذ طابع القطبية الأحادية، ثم تحول فيما بعد إلى نظام أشبه بـ "اللا قطبية"، أملاً فى أن يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، شهد بروزاً مهماً لدور الأقاليم على حساب قيادة النظام العالمى وأيضاً حساب دور الدولة الوطنية، بحيث أخذت تفاعلات الدول داخل أقاليمها الخاصة تتنافس، وأحياناً، تتفوق على علاقتها بقيادة النظام العالمى ومنظمته العالمية (الأمم المتحدة).
فإقليم الشرق الأوسط الذى يمتد من أفغانستان وباكستان شرقاً إلى المملكة المغربية وموريتانيا غرباً، ومن تركيا وجمهوريات آسيا الوسطى شمالاً حتى القرن الأفريقى ومنابع نهر النيل جنوباً، يكاد يكون الإقليم الوحيد فى العالم الذى يشهد أعلى درجات العسكرة، وأخطر أنواع الحروب، ومعظم القواعد العسكرية ابتداءاً من حرب الخليج الأولى التى امتدت ثمانى سنوات بين إيران والعراق، ثم حرب تحرير الكويت (حرب الخليج الثانية) العام 1991، ووضع العراق تحت السيطرة العسكرية الأميركية ـ البريطانية منذ ذلك العام وحتى غزوه واحتلاله العام 2003، وقبل ذلك الغزو الأمريكى لأفغانستان، واستمرار مسلسل العنف وإراقة الدماء فى العراق، وعلى الحدود العراقية ـ التركية، وفى الصومال والقرن الأفريقى، وحروب إسرائيل ضد لبنان العام 2006، وضد قطاع غزة (ديسمبر 2008 إلى يناير 2009)، ناهيك عن القواعد العسكرية، وتحركات القطع العسكرية التى تخص دول الإقليم والدول الحليفة لها، والإنفاق العسكرى الهائل وغير المسبوق، كلها شواهد تؤكد أن إقليم الشرق الأوسط يتطور فى اتجاه معاكس لتطور معظم الأقاليم فى العالم .
إن نظرة، ولو سريعة، لما يجرى من مناورات عسكرية على أرض الإقليم كافية للكشف عن أبرز هذه التحالفات. فإذا كانت إيران تتفرد عن غيرها من دول الإقليم باعتمادها على الذات فى إجراء مناوراتها العسكرية، فإن هذا الاعتماد على الذات والمناورات الانفرادية دون مشاركة أى أطراف أخرى إقليمية أو دولية، يكشف عن أحد أهم معالم السياسة الإيرانية، حيث تخضع إيران لحصار أمريكى منذ العام 1981، وهو الحصار الذى فرض عليها اللجوء الإضطرارى إلى سياسة الاعتماد على الذات اقتصادياً وعسكرياً، وحال دون انخراط إيران فى تجمعات إقليمية ذات صفة عسكرية. أما دول مجلس التعاون الخليجي التي تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم العسكري الأمريكي و الدولي عبر العديد من الاتفاقيات العسكرية والأمنية، فإنها تشترك مع هذه الدول الصديقة فى مناورات عسكرية دورية وغير دورية، وتحتفظ بقواعد عسكرية لبعض هذه الدول، ما يجعلها على مستوى التفاعلات السياسية والعسكرية أكثر "عولمة" أو "دولنة" من كونها تفاعلات إقليمية، فالأمن الخليجي، بفضل هذه التفاعلات، أضحى أمناً "مدولناً" أو "فوق إقليمي" على أقل التقديرات .
والأكثر من ذلك أن الحروب التى تدور على أرض دول هذا الإقليم الشرق أوسطى أضحت معظمهما حروباً معولمة أو مدولنة تشارك فيها عشرات الدول من خارج الإقليم. حرب الخليج الثانية العام 1991، والغزو الأمريكى للعراق واحتلاله العام 2003، وقبله الغزو الأمريكى لأفغانستان العام 2002، كلها حروب أدارها تحالف دولى من خارج الإقليم، حتى الحرب المحتملة ضد إيران فإنها، على الأغلب، لن تكون فى حال حدوثها حرباً إقليمية تدور فى حدود دول الإقليم، بل إنها ستكون بمشاركة أطراف أخرى خارجية مع بعض دول الإقليم. هذا يعنى أن إقليم الشرق الأوسط، وفى القلب منه النظام العربى وخاصة جزئه الخليجى، دون غيره من الأقاليم فى العالم، تجرى عسكرته على حساب تفاعلاته التنمويه والتكامليه، وتجرى عولمته على حساب تحويله إلى كتلة أو جماعة اقتصادية ـ سياسة قادرة على التفاعل الإيجابى مع المجتمع الدولى من المنطلق ذاته الذى أخذ يتعامل به النظام العالمى أى منطلق الأقاليم أو النظم الإقليمية .
ابتداءاً من هذا التشخيص يجدر التساؤل عن تأثير هاتين الخاصيتين على الأمن القومى العربى وعلى أنماط التفاعل بين دول الإقليم وبالذات علاقات العرب بإيران، وهل توجد تحالفات إقليمية داخل إقليم الشرق الأوسط تقتصر على الدول أعضائه، أم أن تأثير هاتين الخاصيتين أضحى فاعلاً، وباتت تحالفات الإقليم هى الأخرى تحالفات متجهة نحو الخارج. ربما تكشف حالة النظام العربى، باعتباره نظاماً فرعياً من النظام الإقليمى للشرق الأوسط، إن التحالف مع خارج النظام هو الأكثر رواجاً. فالنظام العربى جرى تفكيكه فعلياً منذ توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، حيث تراجعت مكانة القضية الفلسطينية كقضية مركزية لهذا النظام.
فهذه القضية لم تكن، كما يتصور البعض، مجرد قضية ذات أولوية طاغية على غيرها من القضايا العربية الأخرى الأولى بالاهتمام مثل قضايا التطور الديمقراطى والتقدم الاقتصادى والاندماج السياسى، بل كانت أيضاً "قضية جمعية" أى قضية قادرة، دون غيرها، على تجميع أشتات العرب فى أداء وعمل استراتيجى موحد، وعندما تراجعت مكانة هذه القضية انفرط العقد العربى تماماً، وجاءت حرب الخليج الثانية وتداعياتها، وخاصة التوجه نحو تطبيع العلاقات العربية ـ الإسرائيلية، والاختراق الأمريكى القوى للنظام العربى ليكمل انفراط هذا العقد الذى أضحى مبعثراً مع غزو العراق واحتلاله، ومن بعده الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006 والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة (ديسمبر 2008 ويناير 2009) .
وبين هذا الإنفراط وذاك كان النظام العربى يتفكك ويخترق من الخارج ابتداءاً من النظام الإقليمى الأوسع (نظام الشرق الأوسط)، وانتهاءً بالنظام العالمى. حال التجمعات الفرعية العربية خاصة مجلس التعاون الخليجى والاتحاد المغاربى الآن أكبر دليل على ذلك. فمجلس التعاون الخليجى أقام نظريته الأمنية على أساس الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة دون أفق لنظام أمن جماعى خليجى، بل أمن منفرد لكل دولة خليجية على حدة .
وبعدها وقعت أربعة دول من أعضائه على "وثيقة اسطنبول" مع حلف شمال الأطلسى (الناتو)، هى الإمارات والكويت وقطر والبحرين دون مشاركة المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، ودون أفق لأمن خليجى عربى، أى أمن خليجى مرتبط بأمن قومى عربى، أما مسيرة التكامل والاندماج فمازالت هى الأخرى عند حدها الأدنى، ومازالت الأولوية الوطنية طاغية على الأولوية الجماعية، ولعل الخلاف الأخير حول البنك الخليجى والعملة الخليجية الموحدة يكشف مدى هشاشة البنية الإندماجية داخل المجلس .
ثانيا- الصراع الإيراني-الأمريكي في العراق و الخليج و تأثيره على الأمن القومي العربي.
لافتة هي الأخبار المتداولة عن محادثات إيرانية-أمريكية حول العراق، و على الرغم من أن كل طرف كيّف دوافع هذه المحادثات كما يعتقد أنها تخدم مصالحه، فقد قامت الإدارة الأمريكية بالإعتراف أن إيران لاعب أساسي في الساحة العراقية، استطاعت أن تعض على الأصبع الأمريكي بقوة و قسوة بأسنان غيرها، حتى جرى الاعتراف بوجودها و هو أمر كان تجاهله لفترة طويلة، هذا الاعتراف المتبادل يؤسس لإمكان تفاهم طويل المدى حول مستقبل العراق و منطقة الشرق كاملة. ثم أن خطوة المحادثات الأمريكية-الإيرانية قد تأخذ الوضع بينهما من العداء الكامل إلى الوفاق النسبي و هي عملية يجد فيها كل الطرفين حاجته إلى الاخر أكثر من حاجة الاثنين إلى حلفاء عرب، فلا الأمريكيون بحاجة إلى بلد مثل سوريا و لا هم في حاجة إلى حزب الله في لبنان، كما أن أي اتفاق إيراني-أمريكي يكون الخاسر فيه الأكبر هو الطرف العربي، حيث يكون التهديد الأكبر هو الموجه لأمنه القومي بل و مخترق له في بعض الجوانب .
إضافة لذلك هناك الرغبة الإيرانية في تصدير الثورة إلى جيرانها العرب، فقد كان الإعلان عن يوم القدس العالمي و طرح شعار تحرير القدس، بمثابة عناوين استراتيجية و دليل على استمرارية الثورة و تصديرها، و بالرغم من أن الحرب المفروضة بين إيران و العراق في السابق قد نشبت بسبب رغبة صدام حسين في التصدي لتصدير الثورة، إلا أن تلك الحرب لم تتمكن من إقصاء الثوريين الإيرانيين، فتحولوا إلى شعار اخر مفاده"تحرير القدس مرورا بكربلاء"، لقد قال أية الله منتظري الذي دعا إلى يوم القدس العالمي في ذلك الوقت:" إن تصدير الثورة من مهام الثورة الاسلامية و إذا كنا لم نسع في طريق تصدير رسالة الثورة الفكرية و الثقافية إلى العالم إلا أن الثورة الثورة تحولت إلى خطر و تهديد". و كما ورد في توصيات قوات الحرس الثوري بمناسبة يوم الحرس الثوري :" نعلن أن سياسة تصدير الثورة جزء لا ينفصل عن مؤسسات الحرس و من عوامل دعم و تقوية إفرع القوات المسلحة بهدف التصدي لقوى الاستكبار العالمي" .
و لقد تجاهلت إيران طيلة أكثر من عامين أهمية اتخاذ مبادرات حسن نوايا اتجاه الدول العربية الخليجية و بالتحديد في ملفين اثنين، ملف جزر الإمارات الثلاث و ملف الأمن الإقليمي الخليجي، لكنها فوق هذا كله ضربت عرض الحائط بأي اعتبار يخص مصالح هذه الدول أولا، و مصالح العالم العربي كله في العراق ثانيا، حيث اندفعت بنشوة مفرطة نحو العراق الجريح لتنال منه و تثأر و تصول و تجول دون تحسب لمشاعر و دون تدبر لردود فعل غير عابئة لا بالمصالح الوطنية و القومية للدول العربية، و لا بمشاعر الشعب العربي في هذه الدول، و لا بحقيقة أن هناك من سيتعمد الوقيعة بينها و بين جيرانها العرب، خاصة و أن هذا الذي سيتعمد بالوقيعة و هو الولايات المتحدة له من النفوذ و السطوة التي تمكنه من فرض الكثير من إملاءاته على حكومات هذه الدول. و في الوقت الذي استمرت فيه السياسة الإيرانية على ثوابتها بخصوص قضية جزر الإمارات اندفعت بقوة نحو العراق و وقعت في خطأ الانحياز للاحتلال الأمريكي للعراق، في وقت كانت تعلن فيه انحيازها للمقاومة في كل من فلسطين و لبنان، ساندت الأحزاب و الميليشيات الشيعية و الكردية الموالية للاحتلال، اعترفت مبكرا بما يسمى بالمجلس الانتقالي و ساندت الانتخابات المزيفة التي لم يكن لها غير معنى واحد هو تكريس الطائفية السياسية كقاعدة للحكم في العراق بما يمكن الحلفاء الشيعة من السيطرة على السلطة في بغداد، دون اكتراث بكون هذه السيطرة الشيعية على السلطة السياسية في العراق سيطرة بدعم أمريكي و لصالح استمرار الاحتلال الأمريكي .
إن اندفاع إيران لتنفيذ مشروعها الذي جعلها تؤيد و بقوة فرض سياسة الطائفية و نظام المحاصصة في توزيع القوة السياسية و جعلها تؤيد انخراط حلفائها في الحكم الجديد الموالي للاحتلال، و جعلها تؤيد الدستور المشوه للعراق الذي فتح أبواب التقسيم تحت شعار الفيدرالية من ناحية و هدد عروبة العراق من ناحية اخرى عندما لم ينص على عروبة الوطن العراقي و اكتفى بالنص على عروبة من ينتسبون إلى العروبة من أبنائه، هذا الاندفاع و الدعم الإيراني للأحزاب و الميليشيات الشيعية أساء إلى إيران من أكثر من ناحية حيث جعلها شريكا في الحرب الطائفية الدائرة الان داخل العراق التي أدمت شعبه و التي جاءت على حساب تركيز المقاومة ضد الاحتلال، كما أن دعمها للصعود السياسي للقوى الشيعية في العراق أعطى ضوءا أخضرا لأقليات شيعية اخرى بالتحرك للمطالبة بحقوق سياسية، الأمر الذي أدى إلى تحذير البعض من خطورة ما يسمى بالهلال الشيعي خصوصا في ظل التنسيق الإيراني-السوري و في ظل الدعم الإيراني لحزب الله في لبنان، مما أعطى انطباعا بأن هذا الخطر موجود فعلا و متصاعد و يمتد من إيران إلى العراق إلى سوريا إلى لبنان، والتحذير من أنه يعد خطرا على أمن و استقرار و مصالح الدول السنية المجاورة .
ثم من جانب آخر، هناك الضغوط الأمريكية على سورية، حيث لم تبدأ الضغوط على سورية بعد الاحتلال الأمريكي للعراق و اتهامها بدعم المقاومة و عدم ضبط الحدود، بل كانت قبل ذلك. و لم تتوقف الضغوط على سورية بعد انسحابها من لبنان، و كان المطلوب منها بعد ذلك أن تتخلى تحت وطأة التهديد و الضغوط السياسية و النفسية و الإعلامية عن كل ما يشكل عمقا استراتيجيا لأمنها القومي في لبنان و فلسطين و العراق. فلا ينبغي أن تكون على صلة بما يجري في فلسطين، و عليها أن تقفل مكاتب المنظمات الارهابية في دمشق، و أن تكف عن التدخل في شؤون العراق، و لم يقتصر الأمر على هذا التطويق المطلوب لأمن سورية القومي، بل بات المطلوب أيضا خنق رئة سورية الإستراتيجية و قطع علاقتها مع إيران .
و بالتالي فإن الأمن القومي العربي أصبح مهدد بل و مخترق في بعض الأحيان عند بعض الدول العربية كالعراق أو سوريا أو لبنان...و ذلك يكون أساسا نتاج للصراع الإيراني-الغربي.
ثالثا- تهديدات الغرب لملف ايران النووي و مدى انعكاسه على الامن القومي العربي.
تعد إيران ذاتها الدولة الأكبـر في منطقة الخليج العربي، خاصة بعد خروج العراق مـن دائرة الفعل العربي نتيجـة للاحتلال الأمريكي له في عام 2003م ومساندتها له. فهي تحتل في الجانب الجغرافي مثلا، موقعاً استراتيجياً هاماً مطلاً على ضفة الخليج العربي وتشرف على مدخل مضيق هرمز، وتسيطر على جزر متعددة في الخليج، وتتمتع بقدرة اقتصادية عالية، وعدد سكانها أكبر من مجموع سكان دول الخليج العربي بما فيها العراق. بناء على ذلك، رسمت إيران سياستها الأمنية في المنطقة وقامت ببناء برامج وأبحاثاً نوويةً وتسليحية متطورة، أثارت العديد من التساؤلات وردود الفعل السلبية والايجابيـة، الإقليمية والدوليـة حولها وحول مـدى انعكاساتها ومخاطرها الأمنية على دول المنطقة والعالم. وقد أضاف البرنامج النووي الإيراني هاجس أمني يضاف لما ذكر أعلاه، حيث بدأت دول الخليج العربي تتوجس تجاه إيران ونواياها الجديدة، خاصة أن البرنامج النووي السلمي للطاقة النووية يمكن أن يتحول إلى الأغراض العسكرية متى توفرت الإرادة السياسية، مع القيام بخطوات مهمة أخرى وإن كانت أكثر تعقيداً من الناحية التكنولوجية والعسكرية.
و يعتبر الوصول إلى السلاح النووي الإيراني إحدى العقائد الأساسية في أيديولوجية الدولة الإيرانية، و اعتقادهم أن التسلح النووي هو السلاح المناسب للحفاظ على الثورة و إعادة صياغتها و تصديرها. و قد عبرت صحيفة جمهوري-إسلامي و هي الصحيفة المحافظة و الناطقة بلسان القائد الأعلى أية الله خامنئي :" إن المشكلة المحورية هي حقيقة النظرة العامة لمسؤولينا إلى الملف النووي لإيران نظرة خاطئة و هم على المسار الخطأ، و يبدو أنهم قد أخفقوا في تقدير أن أمريكا تسعى إلى تدميرنا و المسألة النووية ليست سوى ذريعة لها" .
و قد أدى الاهتمام الدولي والإقليمي بالبرنامج النـووي الإيراني إلى إيجاد ما يمكن تسميته بأزمة الملف النووي الإيراني، ووضعـه في دائرة الضوء، وأصبح يطرح حوله تساؤلات وسيناريوهات متعددة للتعامل معه، وأخطر ما فـي تلك الاحتمالات الاحتمال الذي يرى قيام الولايات المتحدة وحلفائها بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران ومنشآتها النووية، في حين يرى احتمال آخر بتوجه الأزمة نحو الانفراج بقصد حلها، أو تجميدها في المرحلة الحالية للبحث عن تسوية نهائيـة لها. و لقد تعددت الاحتمالات حول مستقبل الملف النووي الإيراني لأنـه لم يتم الكشف عن كل الأوراق التي تتعلق بأزمة هذا الملف. فإيران تسعى إلى تحقيق أهداف لا يمكن تحقيقها بالمناورات الكلامية والسياسية التي نشهدها، وبالمقابل لا يمكن تحقيق الهدف الأمريكي إلا بالعمل العسكري. وعلى ما يبدو حتى وقتنا الحالي، إن طهران وواشنطن مستفيدتان كلتاهما من عامل لعبة الوقت. فالأولى تحاول استغلال الوقـت والفرص التي تمنح لها للاستمرار والاندفاع بتطوير برنامجها النووي لإنتـاج الطاقة النووية، واللعب على التناقضات الدولية، وتقـوم بدراسة كل الاحتمالات المواجهة والاستعداد لها، في حين تسعى الثانية، لاستكمال المعطيات والاستعدادات اللازمة وتشكيل تحالف دولي لمساندتها في خياراتها العسكرية المحتملة .
تشير التقديرات المتعلقة بالملف النووي الإيراني إلى احتمالات عدة، أفضلها إمكانية احتـواء الملف على خلفية بعـض القناعات العملية وعقلانية الأداء السياسي الإيراني على مستوى التنفيذ بعيداً عن التصريحات العاطفية التي تستخدم للاستهلاك السياسي على المستوى الداخلي التي تهـدف في أغلبها إلى تغطيـة مشكلات داخليـة. لكن إذا ما ابتعدت إيران عن استخدام العقلانيـة في سلوكها السياسي وقراراتهـا، عندها سيقود ذلك الوضع إلى تعقيد الأزمة، ويدخلها بنفق الصراع والقيام بعمل عسكري متعـدد الأطراف ضدها، مما يدفع بها للقيام بالرد عليه داخل دول المنطقة بحجة ضرب المصالح الأمريكية فيها. و الواضح والمعلـن للجميع، أن دول المنطقة، لا ترغب في حدوث حرب رابعة في منطقتهم، ويتمنى بعضهم أن تكون سريعة وخاطفة ومحدودة النتائج والآثار والأضرار إن حدثت، وتحقق في الوقت نفسه أغراضها المطلـوب تحقيقها (عبد الوهاب بدر خان، 2006). لأن العبرة هنا لا تكمن بالقدرات العسكرية المستخدمـة في تدمير قوة الخصم فقط، بل في النتائج المترتبة عليها وفي القدرة على إدارة الأوضاع في المنطقـة لما بعد الضربة وتجنب المخاطر الناجمة عنها. فإذا حدث الصراع بين تلك القوى عندها ستمر المنطقة بظروف عصيبة ومعقدة كما يحصل بالعراق وربما أكثر، وسيؤثر هذا الصراع سلباً على دول المنطقة في المجالات الاقتصادية والأمنية. فما عدا العربية السعودية التي لها منفذ بحري على البحر الأحمر، فإن باقي الدول العربية الخليجية الأخرى، لا تملك منافذ بحرية لتصدير ثرواتها الاقتصادية للأسواق العالمية ماعدا مضيق هرمز الذي هددت إيران بإغلاقه في حال تعـرض مفاعلها النووي للتهديـد العسكري الأمريكي. و كذلك فـإن الصراع في منطقة الخليج سيجعل هذه المنطقة مسرحاً للصراع والعمليات العسكرية التي يمكن أن تحدث بين القوات الأمريكية وحلفائـها وبين الجيش الإيراني. وبالمقابـل فإن إضعاف أو تخفيـف الدور الأمريكي وانسحاب القوات الأمريكية من منطقة الخليج العربي، سيدخل حالة الخوف وعـدم الأمان للدول العربية الصغيرة، وسيوفر لإيران الظرف المناسب للهيمنة على المنطقة ودولها .

خاتمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة:
يبـدو واضحاً مرور منطقة الخليج العربي، وربما منطقة العالم العربي برمتها بأزمة كبيرة، الأمر الذي يمكن أن يقود وكما تبينه العديد من الكتابات والآراء إلى هاوية سحيقة محفوفة بالمخاطر والعواقب السلبية المحتملة على مختلف الأصعدة في مجتمعات المنطقة، ما لم تتكاتف جهـود الدول المعنية بأمـن المنطقة كافة، ليس على المستوى الفردي أو الثنائي فقط، وإنما على المستوى الإقليمي والدولي أيضاً، لاستباق الكارثة المحتملة من خـلال التعاون المشترك لإيجاد صيغـة ما، ولاتخاذ الإجراءات الجـادة التي تضمن مجابهة تلك الأزمة وتقليص أضرارها في أضعف الإيمان.
وفي ضوء خطورة تلك الأزمة واستشراء سلبياتهـا على امتداد المنطقة العربية، فـإن التعامل معها يجب أن ينطلق من رؤية قومية موحدة، تتكامل من خلالهـا الجهود العربيـة وتتساند وتتكاثف المقدرات.و تعتبر الخطوة الأكثـر أهمية على هذا الطريق هي وقوف العرب ودول المنطقة وقفة صادقة مع النفس، ليتمكنوا من خلالها من إدراك أهمية تحديد رؤيتهـم للمخاطر التي تواجه حالة الأمن والاستقرار في منطقتهم في ظـل الصراع الإيراني-الغربي أو البرنـامج النووي الإيراني وغيرهما من الحالات التي تقود لخلق أزمـات أمنية، مما يتطلب ضرورة تحديد الكثير من الأسس الضرورية للنهوض بحالة الأمن في المنطقة العربية للمستـوى الذي يفترض أن يسود. وهـذا يتطلب تحديد ثوابت الأمن القومي العربي ومقوماته، وأهداف الدول واليات العمل، وتقييم ذلك كله في ضوء القواعد اللازمة لإبعاد شبح الحرب القادمة عن المنطقة العربية.






المراجع :.
 د.رنا ابو ظهر الرفاعي, الملف النووي الايراني و الصراع على الشرق الاوسط, دار العلوم الطبيعية, بيروت, الطبعة الاولى 2008.
 غازي صالح بني ملحم،" البرنامج النووي الإيراني و أمن الخليج، دراسة تحليلية "، مجلة المنارة، عدد 3، جامعة العلوم التكنولوجية، الاردن، 2009.
 محمد السعيد إدريس، " إيران و الأمن القومي العربي "، المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، الدوحة، يناير 2011.
 راي تقيه,"فهم الأزمة الإيرانية",المستقبل العربي, عدد 337, مارس 2007.
 طلال عتريس, "سوريا و إيران:التهديدات المشتركة",مجلة موازين, الكتاب السادس, يونيو 2006.
 نفين مسعد, "أية إيران يريدها العرب؟", المستقبل العربي, عدد 365, يوليوز 2009.
 د.محمد السعيد إدريس,"المبادرة البحرينية و خيارات الأمن الإقليمي الخليجي", مجلة مختارات إيرانية,عدد 99,أكتوبر 2008.
 د.محمد السعيد ادريس,"تطوير العلاقات العربية-الايرانية", مجلة مختارات ايرانية, عدد19, فبراير 2002.
 علي رضا كرماني, "ايران و امريكا و اللعب في الساحة الاقليمية", مجلة مختارات ايرانية, عدد 45, يناير 2006.
 احمد فراهاني,"الخليج و تصورات تحقيق الامن الاقليمي او فوق الاقيمي", مجلة مختارات ايرانية,عدد 80, مارس 2007.
 احمد كامل البحيري,"استراتيجية حلف الناتو لعولمة امن الخليج", مجلة ملف الاهرام الاستراتيجي, عدد 192,ديسمبر 2010.
 كرم سعيد,"امريكا اللاتينية..اقتحام ايراني و جمود عربي", مجلة ملف الاهرام الاستراتيجي, عدد193, يناير 2011.
 الموقع الرسمي للجامعة العربيةwww.arableagueonline.org




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,245,235,359


المزيد.....




- الأردن: تعديل حكومي مٌصغر يطال 10 حقائب وزارية بينها الإعلام ...
- آيسلندا تشهد 17 ألف زلزال في أسبوع واحد?..? ومخاوف من نشاط ب ...
- الأردن: تعديل حكومي مٌصغر يطال 10 حقائب وزارية بينها الإعلام ...
- أعراض المرض القادر على جعل الشخص أبكم
- تواصل الاحتجاجات في لبنان لليوم السادس على التوالي (فيديو)
- طهران تفرج عن معتلقة بريطانية من أصول إيرانية
- فيديو | البابا فرنسيس يطلق -حمامة السلام- من قلب كنيسة مدمرة ...
- فيديو | البابا فرنسيس يطلق -حمامة السلام- من قلب كنيسة مدمرة ...
- الصحة: الوضع الوبائي في العراق خطير جدا
- تسجيل 3359 إصابة و24 حالة وفاة جديدة جراء كورونا في العراق


المزيد.....

- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب
- اطروحة التقاطع والالتقاء بين الواقعية البنيوية والهجومية الد ... / علاء هادي الحطاب
- الاستراتيجيه الاسرائيله تجاه الامن الإقليمي (دراسة نظرية تحل ... / بشير النجاب
- ترامب ... الهيمنة و الحرب الاميركية المنسية / فارس آل سلمان
- مهددات الأمن المائي في دول حوض النيل قراءة في طبيعة الميزان ... / عمر يحي احمد
- دراسات (Derasat) .. أربع مقالات للدكتور خالد الرويحي / موسى راكان موسى
- مفهوم ( التكييف الهيكلي ) الامبريالي واضراره على الشعوب النا ... / مؤيد عليوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - الحافظ النويني - انعكاسات الصراع الإيراني-الغربي على الأمن القومي العربي