أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه جعفر الخليفة - سرد قصصي قصير بعنوان- البعير-










المزيد.....

سرد قصصي قصير بعنوان- البعير-


طه جعفر الخليفة

الحوار المتمدن-العدد: 3850 - 2012 / 9 / 14 - 03:30
المحور: الادب والفن
    


البعير
من هناك كانت تهب علي مجلسه النسايم، جاء معها صوت يقول بعلو يطن في أذنه يقول الصوت " إن بعير السلطة في انتظار من يتسنمه" تكرر النداء إلي أن أزعجه طنين أذنيه، تحايل علي الصوت بخيال طائف و غَرُوب، في هسهسة الخيال البعيد جاءه الحديث( كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة). تذكرهن و علم عندها مصدر النسايم الحالمة كن واقفات بتوراتهن القصيرة التي تفضح عريهن الماجن المعربد بنداوات الشبق، يحملن المراوح و يهبهن تَعَرّقه الذي يعاند برودة ه هواء الشمال البارد . قطع عليه الآذان تهيؤاته المعاودة فتبرم من تكرار الصلوات هو الآن يفعلها ( أي الصلاة) جالساً في كرسيه الوثير و لا يجهده فيها إلا تحريك الأصبع فيما يشبه حركات المصلي الشاب من شباب هذا الزمن من حمائم المساجد المداومين علي الصلاة في مقياتها.
دخل عليه العبد مهران السناوي و قال: بعير السلطة قد نفق (مات)، رد عليه بصوت جعلته النعومة كصوت الغانيات بالقول: أي بعير؟ فرد مهران البعير الذي يحرسه الخواجات (الأوربيون او الامريكان)، فسأل: هل مات بعير الترك؟ رد مهران السناوي لقد مات بعير الترك، طيب الله ثراه منذ أن توقف العمل في خط حديد الأناضول، متى كان ذلك يا مهران؟ يا صاحب الجلالة منذ زمان بعيد ربما عشرة أعوام
حاملات المراوح يتضاحكن بتستر و خفية، هن يمارسن التقية حتى لا تنكشف عورة أفكارهن المعادية للعقيدة و الوطن، مهران السناوي لا يقبل ذلك الضحك العابث و يغضب من تلك الافكار المعادية للعقيدة و الوطن فيقمن بإرضائه بمضاجعات عابرة و متكررة.
لصاحب الجلالة في الحكم سبعة و ثلاثين عاما، و عمره يناهز التسعين لقد تطاول أمد حكم أبيه الذي لم تعرف أمراض الأبدان طريقا إلي جسده، لقد مات الأب موتا جليلا بمرض الزهايمر الذي ليف خلايا دماغه الواحدة تلو الأخرى فمات جراء توقف العقل عن العمل، لقد كان أبيه حاكما عادلا حتى سمته الصحافة المدجنة " حكيم العرب" ، " زينة أيام النفط و الغاز" و "عريس الصحاري و التلال الخضراء" ثم " صانع الأنهار المعجزة" "صاحب المساجد و حامي حياض الدين من التتريك و التفرنج". كانت ألقاب الملك الأب كثيرة لدرجة أن كاتب البلاط الخامس ألّف كتابا اسماه (المبين في ألقاب صاحب الجلالة الأمين) هذا الكتاب مع كتب أخري هو ما حفظ لكاتب البلاط الخامس و ظيفته حتى استمر في خدمة الحاكم الحالي جنبا إلي جنب مع العبد مهران السناوي و الفتيات حاملات المراوح.
الأب هو باني الأمة و مكتشف الدولة و مؤسسها و هو مكون الجيوش و خالق الشرطة و العسس و البصاصين.
صاحب الجلالة الآن في شيخوخته الهادئة التي تعذبها الصلوات الخمس بالإصبع، لدرجة أن طبيب البلاط نصح أولياء العهد الذين لا حصر لهم بمنع أبيهم من هذا الجهد العضلي المهدد للحياة!. أولياء العهد كثر منهم من قضي نحبه و منهم من ينتظر، و طبقاتهم كما يلي: أبناء الحرائر من بيوتات العرب، أبناء النساء الأجنبيات من الصفر و الزنج و البيض و هن بنات ملوك و سلاطين و شيوخ و عسكر رؤساء الدول المجاورة أما للخليج أو لبحر العرب أو للبحر الأحمر أو للمحيط الهندي أو للبحر المتوسط أو للمحيط الأطلنطي. و هناك أبناء الإماء. يتم تقسيم أولياء العهد و تصنيفهم علي حسب ألوان بشرتهم السمر دائما في أسفل السلم ما لم تكن لهم مميزات خاصة مثل استمرار الانتصاب لأكثر من اثنتي عشرة ساعة. ولي العهد الأول هو الآن أكثر أبناء العربيات بياضاً من نساء الدولة و يمتاز أيضا بشعر أشقر و عيون زرقاء.
كرسي الملك الآن عبارة عن آلة معقدة يتحول بفعل شيطنة الخواجات إلي مرحاض و حمام و سرير مستشفي من طراز عريق و عصري و هو أيضا مهبط وحي و متحرك.
صاحب الجلالة غارق في النوم و ناعس الأجفان عند الصحو و ناعم الجلد ريانه، يستطيع من يجالسونه رؤية عروقه بدمائه الزرقاء الراجعة إلي القلب و الدماء الحمراء المنصرفة عن القلب، شفافية جلده أراحت المطببين من استخدام أجهزة القياس المعقدة لفحص حالة القلب و الشرايين، لا يحتاج الطبيب إلا إلي تقليب الجسد المتربرب حتى يجد الانسداد فيزيله و ينعم صاحب الجلالة باستقرار دورته الدموية، يتم حقن صاحب الجلالة في إسته بالمسهلات و يتم جمع برازه في سطل من ذهب، أما بوله فتمتصه احد حاملات المراوح من جواري القصر بمضخة خاصة تضمن الراحة و الانتشاء. ليس لصاحب الجلالة مواعيد وجبات مجدولة و لا مواعيد مجالس قهوة أو شاي أو كريم الخمر من الأعناب الفرنسية و الاسبانية، ما يحدث هو مرور دائم بالموائد المذهبة و الكؤوس و الأكواب الثمينة عن طريق ولدان مخلدون في العز و الإغراء برفقة الكواعب المراهقات، إذا اشتهي صاحب الجلالة شيئا فيأتيه سعيا إلي فمه الذي يلوك الطعام و يمز الشراب فيما يشبه القبل.
تم استدعاء أولياء العهد في قاعة الاجتماعات الكبرى في القصر الذي يسكنه أباهم صاحب الجلالة، لم يتمكن مهران السناوي من جمعهم إلا بعد مضي شهر كامل علي موت بعير السلطة و رمز الدولة حيث كان البعير محفوظاً في براد ياباني الصنع لا تزيد درجة حرارته عن ( سالب ثمانية عشر درجات مئوية) معلومة هي مشاغل أولياء العهد، أخرج مهران السناوي من ملفاته احد خطب كاتب البلاط الخامس عن بعير السلطة و تكلم بأدب العبيد المملوكيين موجهاً خطابه إلي جمهرة أولياء العهد و قال: منذ بني جدكم كرم الله قبره هذه الدولة المثال جعل رمزها بعيرا من أكارم بعران العرب الخالصة و أمر كما تعلمون برعايته و السهر علي راحته و منع الموت عنه، أجد نفسي آسفاً شديد الأسف علي إخباركم بأن بعير السلطة قد نفق رغم اهتمام فريق الطب البيطري المستقدم من اعرق جامعات و دور البحث العلمي في الغرب و أمامي الآن تقرير طبي من رئيس فريق الطب البيطري حول موت بعير السلطة يقول الدكتور منيوني ( لقد ولد هذا الجمل من أم أب هما الهتون و الفحل من اشرف بيوتات الجمال العربية الخالصة و كانت حياته مديدة و لقد عاش ستون عاماً تم فيها بعد العام الخمسين استزراع كلية و كبد و عدة شرايين و تم استبدال ركبتيه الأماميتين بركب صناعية و لقد مر البعير في أيام الأخيرة بظروف صحية معقدة و شائكة و حدث أمر الله، إلا رحم الله بعير سلطتكم و رمز دولتكم و نفع بعران بلادكم بما حفظنا من نطفه الغالية و سنقوم بعد إذنكم باختيار احد أفضل أبناءه من الناحية الوراثية من تلك البعران التي تمتاز أجسادها بالصحة و الجمال اللازمين ليكون البعير رمزا للدولة). اضطربت القاعة بشتى أنواع ردود الفعل و هنا قرر صاحب الشرطة إخلاء القاعة الكبرى من الصحفيين لان بعض أولياء العهد أجهش بالبكاء و منهم من جلس يدعو الله بقلب صادق الرحمة القبول الحسن للبعير و منهم من انفعل و حمل عصاه و نزل علي مهران بالضرب و الشتم و حدج الدكتور منيوني الذي كان يقف بحزم عند باب القاعة بنظرات نارية غاضبة. أنتهي عرض الانفعالات الصادقة و جلس الجميع، فدخل صاحب القضاء و رئيس المحاكم الشرعية بالمصحف العثماني المحفوظ من زمن السلطان عبد الحميد و تلا آيات استهلها بالآية ( أفلا ينظرون إلي الإبل كيف خلقت). قلوب أولياء العهد التي ترفقت بها الحياة لا تحتمل الصدمات و تنفر بطبيعتها من الآيات المنذرة بالعذاب و الداعية إلي مكارم الأخلاق لذلك قرأ صاحب القضاء ورئيس المحاكم الشرعية آيات كريمة ، مناسبة ، هادئة و مسكنة لألام القلوب. بعد ذلك انصرف كل ولي عهد إلي قصره و صَحِب معه أعوانه و فتياته ، عبيده ، إمائه ثم زوجاته، أيٍ من أولياء غادر علي متن طوافته الملكية طراز (تورنيدو). عاد مهران السناوي بعد أن مر علي مشفى القصر و تأكد من سلامة عظامه و حسن مظهره، عاد إلي صاحب الجلالة و اخبره عن القرارات العظيمة التي خرج بها أولياء العهد فيما يتعلق بموت بعير السلطة. عندما سمع صاحب الجلالة كلام مهران السناوي عن الاجتماع الطارئ لمجلس أولياء العهد، أحس بعميق اثر الشيخوخة و تذكر أيام شبابه و كهولته عندما كان وليا للعهد، تذكر أيضا طعم الطعام و نكهة الاشربة في المواسم ، تذكر أمجاد أجساد عشيقاته ، زوجاته و خليلاته سالت دمعات شحيحة علي خديه القديمين بعراقة الملك و عز الدولة. مهران السناوي يتابع التغيرات علي كيمياء جسد الملك صاحب الجلالة ذو الجسد الناعم الشفاف، ازدادت زرقة الدماء الراجعة إلي القلب و أصبحت حمرة الدماء المنصرفة عنه قانية، تصاعدت الأنفاس و اضطرب الصدر بالحزن و نداءات الموت، هرع مهران السناوي إلي المطببين و فرق الطوارئ عبر تلفوناتهم فجاءوا سعيا كطيور خليل الرحمن بسرعة فائقة، هاج المكان بحركة الفرق الطبية و صرير عجلات الأسرة و الحاملات السوائل الوريدية، ضجيج كلام الفرنجة ، عاءات و خاءات العبرانيين، لم يكن من متسع لحاملات المراوح و ليس في جلال المكان من حيز لعريهن الماجن و صبوا تهن اللابدة، انصرفن و مهران السناوي لا يعرف ماذا يفعل! هل يتصل بأولياء العهد أم ينتظر؟ لان مجيئهم سيكون صعبا و غضبهم سيكون مدمرا و هائجاً، أشد ما يغضب أولياء العهد هو تغيير اتجاه السير و رنين أجراس الهواتف المحمولة و هواتف السيارات.
قرر مهران السناوي أن ينتظر فالبلاء و المصيبة في فقد صاحب الجلالة ستكون اكبر من أي مأساة؟ مات صاحب الجلالة و باني نهضة البلاد موتا مجيدا و غارقا في الحسن و الجمال مات مباشرة بعد موت بعير السلطة، مات عن عمر يناهز التسعين مات بعد أن أمضي سبع و ثلاثين عاماً في الحكم ، عاصر فيها بعير السلطة لسبعة و ثلاثين عاماً هو الملك و البعير الرمز.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سرد قصصي قصير بعنوان -أربعون جلدة-
- سرد قصصي قصير بعنوان - إغتصاب..موت و غضب-


المزيد.....




- بوريطة: نرفض الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين
- إبداعات وزير الدفاع الروسي الفنية تباع في مزاد خيري بـ40 ملي ...
- دموع الفنانين عبر رسوماتهم تقدم العزاء لأهالي حي الشيخ جراح ...
- عسكرة الكتاب المقدس بين إسرائيل والولايات المتحدة.. كيف يستخ ...
- التامك يرد على واتربوري: فاجأني تدخلك في قضايا معروضة على ال ...
- المنتج السينمائي الايراني: مئة عام وقلب فلسطين مكسور 
- بالبكاء.. فنانة أردنية ترد على منتقدي حديثها عن القضية الفلس ...
- مجلس المستشارين يتدارس تدابير احتواء التداعيات الاقتصادية وا ...
- الكشف عن التفاصيل الكاملة لأزمة الفنانة مها أحمد مع أحمد الس ...
- غزة وردة فلسطين


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طه جعفر الخليفة - سرد قصصي قصير بعنوان- البعير-