أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ييلماز جاويد - مدى تساوق المصالح المتناقضة















المزيد.....

مدى تساوق المصالح المتناقضة


ييلماز جاويد
(Yelimaz Jawid)


الحوار المتمدن-العدد: 1012 - 2004 / 11 / 9 - 08:59
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كثر الجدل هذه الأيام بين أناس ارتبطت أفكارهم بالماضي والمعيار العاطفي وليس لديهم التوجه لقبول غيرها وأولئك الذين يزنون الأمور بالمقاييس العقلانية الموضوعية بعيدا عن الأندفاعات العاطفية وانسلاخا من مخلفات الأفكار المتحجرة البالية القديمة . ولا شك أن الطرفين يدعيان مصلحة الشعب غاية ، ويبنيان القالب الصالح النموذجي الذي يتصورانه الذي يؤدي الى الغاية المنشودة حسب ما يراه كل طرف . السؤال الكبير الذي يثير هذا الجدل هو " هل أن قوات الأحتلال التي أحتلت العراق وأزاحت الطاغية بغرض الوصول الى غاياتها بعيدة المدى في أستغلال العراق وأتخاذه قاعدة أنطلاق للسيطرة على المنطقة ككل ، هل أن هذه القوة تسمح للشعب العراقي أن يحقق الديمقراطية ؟ وهل يمكن بناء الديمقراطية في ظل الأحتلال أصلا ؟ الطرف الأول من الناس لا يتعب ذهنه كثيرا ويختصر الجواب على هذا السؤال الكبير الذي يتعلق بمصير شعب بكلمة واحدة فقط هي " لا " ويعتبر الموضوع منتهيا ، بينما يأخذ الطرف الآخر الموضوع بجدية موضوعية بنفس قدر أهميته وذلك بتحليل أهداف الشعب وسلسلتها حسب الأمكانيات والظروف الذاتية والموضوعية من داخلية ودولية وأقليمية وما يمكن توفيره من قوى تنفيذية وقوى أخرى مساندة للوصول الى كل هدف والتهيؤ للمرحلة التالية . ان هدف الشعب بكل أطيافه بناء عراق حر مستقل يعيش فيه كل عراقي مواطنا حرا مساويا في حقوقه العامة لأي عراقي آخر مع ضمانات أحترام خصوصيات حقوقه المتأتية من أختلاف أطياف الشعب قوميا أو دينيا أو عقائديا .

مبدأ ، فأن التحليل العلمي يؤدي الى الأيمان المطلق بأن الشعب هو المنتصر النهائي وأن تحقيق هذه الأهداف أنما مسألة وقت قد يطول بسبب ما تستطيع القوى السوداء المضادة من وضع العصي أمام عجلة التأريخ السائرة الى الأمام ولكني في نفس الوقت لست من رأي أولئك الحالمين بتحقيق كل هذه الأهداف في فترة حياة الجيل الذي بعمري أو الجيل الذي يسبقني . ان حركة التأريخ وتحولات ظروف مجتمع وشعب بملايينه وتأريخه الذي يمتد آلاف السنين لا يمكن تغييرها وتغيير سياقاتها خلال أشهر أو سنين معدودة ، ان العملية الثورية ، لكي تسمى حقا ثورة ، يجب أن تتناول كافة مقاييس وأرث النظام السابق المتخلفة من كافة نواحيها وصقلها ودفعها الى مرحلة متقدمة ووضع الخطط والبرامج الضامنة لديناميكية تطورها المستقبلي .

في ظروف العراق الحالية ، البلد محتل من قبل أقوى دولة في العالم والممثلة للقطب الواحد بعد زوال الأتحاد السوفييتي الذي كانت الشعوب تحسب لوجوده وزنا في نضالها ضد الأستعمار ، بلد قد دمرت فيه البنى الأساسية التحتية بصورة شبه كاملة ، بلد ينوء تحت ثقل ديون دولية لا يتحمل أقتصاده المتخلف رغم وجود البترول تسديد تعويضات الحروب ولا فائدة الديون دع عنك أصل الدين الذي يعتبر أقتصاد البلد مرهونا له لأجيال طويلة قادمة ، بلد أنشئ فيه جيلان من أبناء الشعب بموجب قيم صيغت من قبل الأنظمة الدكتاتورية التي دامت أكثر من أربعة عقود ، هذان الجيلان اللذان عمل الطاغية بتغييره للمناهج الدراسية وبوسائل أعلامه وكثير من البرامج والممارسات اليومية أن يغسل أدمغتها ويفرض على تفكيرها السطحية والأرتباط الذهني بمفاهيم سلفية متخلفة ، بلد قامت فيه جلاوزة الطاغية بتصفية كل العناصر السياسية التي قد تكون بؤرة تجمع مناوئ لنظامه ، وقامت بمكافحة العمل السياسي لكافة القوى التي لا ترضخ له ، بلد لم تستطع قيادات قواه السياسية لضحالة خبرتها السياسية على تشخيص الهدف المركزي الواجب الأتفاق عليه فبقيت متفرقة ، كل طرف يتمسك بهدف فئوي ثانوي دون الأرتفاع الى مستوى من الشعور بالمسؤولية وضرورة توحيد الجهود لأنجاز خطوة الى الأمام لتحقيق الهدف المنشود . بلد يحتوي على مادة البترول وأحتياطي ضخم منه مما يجعله محط أطماع كافة القوى الدولية التي تحتاج هذه المادة لتسيير قواها الأنتاجية والعسكرية ، بلد محاط من جميع أطرافه ببلدان لا يمكن أعتبارها صديقة حقا أن لم تكن دولا عدوة أو ذات أطماع متنوعة فيه ، بلد مقسم عمليا الى قسمين شمال على جهة ووسط وجنوب على جهة بسبب السياسة الرعناء التي انتهجها الطاغية . كل هذه المعطيات وغيرها كثير لا يسعنا تعدادها في هذه العجالة ، يجب أن تؤخذ في الحسبان عند رسم خارطة اولويات الأهداف وتسلسل تحقيقها بتوفير الآليات المؤدية والضامنة للوصول اليها الواحدة بعد الأخرى .

لقد كانت الشعوب الرازحة تحت نير الأستعمار في القرن السابق تضع في أول أهدافها التحرر من الأستعمار معتمدة على قوى شعبها أولا ودعم الأتحاد السوفييتي كعنصر رادع من تدخل القوى الأستعمارية بقواتها العسكرية بصورة مكشوفة . هذا وقد حققت كثير من الشعوب هذا الهدف وبنت دولها المستقلة المتحررة من الأستعمار وكان شعب العراق واحدا من هذه الشعوب ولكن معظم هذه الشعوب وقعت فيما بعد في مصيدة نصبت لها من قبل القوى الأستعمارية وبالتالي وجدت نفسها تحكم من قبل حاكم يحمل جنسيتها ولكنه طاغ عليها يظلمها ويكافح الوطنيين فيها بأسم معاداة الأستعمار وهو عمليا سواء بعلم أو بدون علم كان يخدم الأستعمار ، ولكن بعد زوال الأتحاد السوفييتي ومآل القوة الدولية الى القطب الواحد الأستعماري ، فأن أستقراء كافة المعطيات المتعلقة بكفاح الشعوب توجب أعادة النظر في تسلسل أولويات الأهداف القابلة للتحقيق مع الأحتفاظ بديناميكية التمهيد للسير لتحقيق الأهداف التالية ، فعلى الشعوب وأخص الشعب العراقي بظروفه المذكورة أعلاه بعد ما زال نظام الطاغية ان يضع تحقيق الديمقراطية في الصدارة .. فالديمقراطية أولا هو الهدف الأهم في مثل هذه الظروف .

بعد كل ما ذكرنا ، نجيب على السؤال الكبير الذي يثير الجدل دون أن يوصل طرفي الجدل الى قناعة مشتركة .

الديمقراطية نظام يكفل للشعب أن يحكم نفسه بنفسه ، وهو يحتاج الى آليات معينة تكفل ذلك . والديمقراطية بهذا المعنى نظام يكفل ويضمن حقوق الشعب . والديمقراطية ذات شقين أولهما سياسي والثاني أقتصادي ، ففي الشق الأول تندرج حقوق الشعب السياسية في أعتبار الفرد مواطنا حرا يتساوى مع أقرانه من أفراد الشعب دون تمييز بسبب لونه أو جنسه أو قوميته أو دينه أو معتقده ، وأن الفرد يتمتع بحقوقه في الأنتخاب والترشيح للأنتخاب وحرية العمل السياسي والعقيدة ونشر أفكاره وفي التنظيم والأضراب والتجمع واعتلاء المناصب الرسمية وما الى ذلك من الحقوق السياسية ، اما في الشق الثاني فتندرج حقوق الفرد في العمل وضمانه ، وحرية الكسب المشروع وحرية التجارة وتأسيس المشاريع الصناعية والتجارية وأنشطتها والدعاية لها وما الى ذلك من الحقوق الأقتصادية ، ولا جدال أن كافة شرائح الشعب تتفق على الأهداف المذكورة ولها المصلحة في تحقيقها ومن الأولى أن تتفق الأطراف المتجادلة على ذلك أولا قبل الأنتقال الى الصفحة التالية من أمكانية تحقيقها في ظل الأحتلال . وكذلك لا خلاف بين طرفي الجدال على أن قوى الأحتلال التي أزاحت الطاغية انما فعلت ذلك من أجل مصالحها هي ، وليس لسواد عيون الشعب العراقي . وبالتالي لا جدال على أن سياستها لا تبنى على أساس العواطف بل على أساس مصالحها أولا وأخيرا . وهنا السؤال هل أن هذه المصالح للدولة المحتلة تتقاطع أو تتعارض مع مصالح الشعب العراقي على طول الخط أم أن هناك جزءا منه يتساوق ويتماشى مع جزء من مصالح الشعب العراقي .

بدأ ، الأحداث السابقة تجيب على هذا السؤال ب " نعم " فأعمال قوى الأحتلال بأزاحة نظام الطاغية والذي كان حلما من أحلام الشعب وغير قادر على تحقيقه خير دليل على وجود مثل هذا التساوق ، ولكن ترى الى أي مدى تتساوق هذه المصالح المتناقضة أصلا ؟

قامت الولايات المتحدة مباشرة بعد زوال الأتحاد السوفييتي وانفرادها كقطب وحيد في تحديد ملامح السياسة الدولية بالأعلان عن المبادئ في النظام العالمي الجديد والعولمة وميادئ التجارة الدولية الحرة ، ولم تكن هذه في الحقيقة غير المبادئ الجديدة للأستعمار بثوب جديد . أن هذه المبادئ المعلنة تتطلب آليات تختلف نوعا عن آليات الأستعمار السابقة التي بموجبها كان يتطلب تصدير الولايات المتحدة رؤوس أموالها الى الدول الأخرى للسيطرة عليها وعلى مواردها من المواد الخام التي تحتاجها لمصانعها وبغرض بيع منتجاتها في أسواق الدول المسيطر عليها . لقد توصلت الولايات المتحدة أن عليها ليس تصدير رؤوس الأموال كما في السابق فحسب بل تصدير التقنية الحديثة والخبرة الأمريكية بالأضافة الى ضرورة التطوير النوعي لشعوب هذه الدول لأستخدام كوادرها في أدارة مشاريعها في هذه الدول مقابل أجور رخيصة من جهة ورفع مستوياتها المعاشية لتطوير قابلياتها الشرائية التي تؤدي بالتالي الى زيادة تصريفها لمنتجات المصانع والمشاريع الممولة من قبل رؤوس الأموال الأمريكية . فمن تطبيقات هذه المبادئ تتواتر الأنباء هذه الأيام عن غلق بعض الشركات لفروع لها في بلدانها وفتح فروع لها في البلدان النامية وكذلك أنباء تصدير العمل وقيام الشركات بأنهاء خدمات كوادرها وتشغيل كوادر أخرى في البلدان النامية . من هذا المنطلق الأقتصادي الذي يصب في مصلحة أصحاب الرساميل الأمريكية فأن الولايات المتحدة ليس أنها لا تمانع بل تشجع الشق الأقتصادي من أقامة الديمقراطية ، ليس في العراق فحسب بل في كافة دول العالم لأن الديمقراطية بشقها الأقتصادي تفتح الأبواب مشرعة للتجارة الحرة وتسهيل عمليات تبادل البضائع الأنتاجية والأستهلاكية وتحويلات الأموال . أما الشق السياسي من الديمقراطية فهو في التطبيق العملي ، في ظروف البلدان النامية على الخصوص ، فأنها تنبني على تربة النظام الأقتصادي الرأسمالي وأن كافة الحقوق التي يتمتع بها الشعب لا تكون مؤطرة بهذا الأطار فحسب بل أن النظام الديمقراطي التعددي الذي بتوفيره للشعب كافة الحقوق المذكورة يخلق الجو الضامن لأستمراريته لفترة زمنية طويلة ويفوت الفرصة على الأفكار اليسارية المتطرفة من الأستفحال وامتلاك القوة الأنقلابية لتغيير النظام القائم .

من التحليل أعلاه نرى أنه يمكن بناء الديمقراطية بالمواصفات المذكورة في ظل الأحتلال وذلك لأن مصالح الشعب المرحلية في بناء الديمقراطية تتلاقى مع مصالح المحتل المستعمر الى حين ، ونظرة بسيطة لخارطة العالم تعطي صورا عديدة لنماذج بناء الديمقراطية في دول في ظروف مشابهة .

وتكملة للحديث والأجابة على نقطة الجدل التي يثيرها جماعة الجدل الأولى بخصوص متى التحرر من المستعمر ، أقول بعد أن يرتفع الوعي السياسي لشعبنا في ظل الديمقراطية وتزال آثار غسل الدماغ الذي خلفته الأنظمة الدكتاتورية السابقة وتتم تهيئة شعب يعرف حقوقه ويدافع عنها وينتظم في حركات سياسية قوية لها خطابات سياسية واضحة وتوحد صفوفها حول مطلب رئيسي واحد ، عندئذ نكون مؤهلين لأن نطلب رحيل المستعمر بسهولة ، وأما قبل ذلك فأن حالنا حال ناطح صخرة ليوهنها . وككلمة أخيرة جوابا على سؤال " هل نقبل بمثل هذه الديمقراطية أولا ثم نتأمل التحرر بينما المستعمر يكسب كل هذه المكاسب ؟ " أقول نعم فأن مكاسب المستعمر هي أرخص ثمن علينا أن ندفعه الآن لضمان تحقيق كافة أهدافنا الأخرى بالتسلسل مستقبلا ، وأن أي طريق آخر وخصوصا المناطحة والعنف والكفاح المسلح يكون أكثر كلفة و مشكوك في تحقيقه لآمال الشعب القريبة والبعيدة .

ييلماز جاويد
أبو زينب / تورنتو / كندا

* تسوق : المتابعة والتزاحم في السير سوية .






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- شاهد لحظة انهيار مدرجات كنيس بالضفة الغربية.. ومراسل CNN يعل ...
- شاهد لحظة انهيار مدرجات كنيس بالضفة الغربية.. ومراسل CNN يعل ...
- وزير الدفاع ورئيس الأركان الإسرائيليان يجريان جولة لتفقد الق ...
- قيادي كردي سوري: نرفض كل أشكال الصراع التي تلحق الضرر بالمدن ...
- رئيس أبخازيا يصل دمشق
- الجامعة العربية تدعو بايدن لترك سياسة ترامب تجاه النزاع الفل ...
- السعودية تمنع مواطنيها من السفر إلى 13 دولة دون إذن مسبق
- لحظة تدمير منزل عائلة فلسطينية في محافظة رفح
- مسابقة لأسرع حفاري قبور في روسيا
- أضرار في مدينة عسقلان جراء سقوط صواريخ من غزة


المزيد.....

- في تطورات المشهد السياسي الإسرائيلي / محمد السهلي
- التحليل الماركسي للعرق وتقاطعه مع الطبقة / زهير الصباغ
- البحث عن موسى في ظل فرويد / عيسى بن ضيف الله حداد
- »الحرية هي دوما حرية أصحاب الفكر المختلف« عن الثورة والحزب و ... / روزا لوكسمبورغ
- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ييلماز جاويد - مدى تساوق المصالح المتناقضة