ضياء الشكرجي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: الإسلاميين والدينيين، نجحوا في إشاعة أن العلمانية تعني مناوءة الدين


ضياء الشكرجي
الحوار المتمدن - العدد: 3352 - 2011 / 5 / 1 - 11:49
المحور: مقابلات و حوارات     

أجرى الحوار: مازن لطيف
من اجل تنشيط الحوارات الفكرية والثقافية والسياسية بين الكتاب والكاتبات والشخصيات السياسية والاجتماعية والثقافية الأخرى من جهة, وبين قراء وقارئات موقع الحوار المتمدن على الانترنت من جهة أخرى, ومن أجل تعزيز التفاعل الايجابي والحوار اليساري والعلماني والديمقراطي الموضوعي والحضاري البناء, تقوم مؤسسة الحوار المتمدن بأجراء حوارات مفتوحة حول المواضيع الحساسة والمهمة المتعلقة بتطوير مجتمعاتنا وتحديثها وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان وحقوق المرأة والعدالة الاجتماعية والتقدم والسلام.
حوارنا – 49 - سيكون مع الأستاذ ضياء الشكرجي حول: العلمانية والتراث والعقل الديني.

1. لم تبرز العلمانية في العالم العربي، كموجة وعي جمعي، ولكن ارتبطت بسياسات أيديولوجية خارجية، مما دعا المتدينين إلى جعلها فلسفة عري، لا فلسفة تعايش؟

قلت دائما أن العلمانية، أو الليبرالية، لاسيما الليبرالية المعرفية والسياسية، هي الحاضنة الأفضل لقضايا الدين وقضايا الوطن، فهي تتيح لكل فرد أن يمارس بكامل الحرية خصوصياته، ومنها خصوصيته الدينية والثقافية. العلمانية ليست الضد من الدين، بل هي الضد من الدينية أو الدينوية، أي الضد من الأدينة أو التديين القسري للحياة الاجتماعية والسياسة. وما زال العالم العربي والعالم ذو الأكثرية المسلمة غير قادر على التفاعل مع مفهوم العلمانية، لأن الإسلاميين والدينيين، نجحوا في إشاعة أن العلمانية تعني مناوءة الدين، فهي - حسب فهمهم عن جهل، أو ادعائهم عن علم - مرادفة للكفر والإلحاد، ومن جهة أخرى إشاعة أن الليبرالية تعني الإباحية والتحلل. ولعلهم محقون من زاوية فهم ما، كون العلمانية والليبرالية، صحيح ليس من شأنهما نشر الكفر والممارسات الشخصية التي تعد إباحية أو تحللا عند الإسلاميين والدينيين، ولكن الدولة العلمانية لا ترى من مهامها منع الفكر الذي يُعَدّ كفرا عند الدينيين، ولا الممارسات التي تُعَدّ إباحية عندهم، بل هي تحفظ حقوق وحريات الجميع، بما في ذلك حرية وحقوق المتدينين للتعبير عن تدينهم، اعتقادا والتزاما وترويجا ومزاولة للطقوس والشعائر والعبادات، لكنهم بقدر ما يحق لهم التمتع التام بحرية الالتزام بلوازم دينهم، تحظر عليهم الدولة المدنية القائمة على العلمانية والليبرالية إلزام غيرهم بذلك قسرا، ولو كان القسر بمستوى الإحراج، فالالتزام يمثل لونا من ألوان الحرية، والإلزام يمثل لونا من ألوان التعدي على حرية الآخرين، غير المسموح به على ضوء الفهم العلماني والليبرالي للدولة الديمقراطية. ومما جعل العلمانية يساء فهمها كون كل الديكتاتوريات في المنطقة - كما يدعي الإسلاميون - هي علمانية وليست إسلامية. وهذا يشتمل على خطأين؛ الأول إن العلمانية جاءت لاحقة للديمقراطية ومكملة لها أو ضامنة لعدم الانتقاص منها باسم الدين، فهي بالتالي قرينة الديمقراطية وليست خارجة عنها، وبالتالي لا يمكن أن تكون لاغية لها. والخطأ الثاني في هذا الفهم أو المدعى، هو أن الديكتاتوريات تقمع عادة كل فكر مخالف لها، وهي ضد كل تيار وتوجه لا يطابق متبنياتها ورؤاها، وبما في ذلك ضد الاتجاه الديني المعارض لها، مع إن لدينا تجارب من الديكتاتورية الدينية في تاريخنا وفي واقعنا الراهن، كديكتاتورية جمهورية ولاية الفقيه الإسلامية في إيران، وتجربتنا مع حكومة الطالبان في أفغانستان وغيرها، هما وغيرهما من أمقت الديكتاتوريات. ولعل من أسباب عدم بروز العلمانية في العالم العربي والعالم ذي الاكثرية المسلمة كموجة وعي جمعي، حسب تعبير السؤال، أو كتيار شعبي، هو خوف العلمانيين المبالغ به من طرح هويتهم العلمانية، خشية تسقيطهم جماهيريا عبر تهمة التكفير ومعاداة الدين. وشخصيا أدعو العلمانيين دائما إلى الإفصاح عن هويتهم العلمانية، بموازاة تصحيح سوء الفهم عنها، ودرء التهم ضدها والشبهات حولها.


2. نص التكفير أمام نص التفكير، فالعقلية التقديسية عقلية نصية، أي مستندة إلى النص ولا تتعداه، أو تطاول على النص المقدس أو نقده، هو تحد لقوة قاهرة، غير أن نص التفكير لا يضع تلك الموانع بقدر ما يضعها نص التكفير، هل هذا له علاقة بهشاشة النص التكفيري، وقوة النص التفكيري، حتى يجنح نحو العنف أو الإرهاب؟

المشكلة في تقديري لما أسماه السؤال بالنص التكفيري، أو ما يسمى بالنص المقدس، هو كونه مقدسا، وكون الاعتقاد بصدوره عن المطلق، فهو بحسب قناعة المتمسكين بالنص المقدس وحي إلهي، إما بالنص المباشر المنطوق من الله، أو المنقول من الله عبر ساعي بريد أول بين الله (جبريل)، وساعي بريد ثان (الرسول)، الذي يوصل بدوره رسالة الله إلى المخاطَبين من الناس. فعندما يكون النص مقدسا، وبالتالي منزها بشكل مطلق عن مجانبة الحق والحقيقة، وعندما يكون صادرا عن الله، وهو المطلق المتنزه عن كل نقص، فلا يملك المؤمن بإلهية النص إلا أن يلغي عقله، لأن هناك من يفكر ويخطط له، من أجل سعادته الدنيوية والأخروية على حد سواء. والمشكلة لا تبقى عند قداسة النص وصدوره عن المطلق، بل تنتقل عدوى توهم القداسة والإطلاق إلى كل من يعتقد أتباع الدين أنه الناطق الرسمي باسم الله، من أصحاب أنبياء، وسلف صالح، وأئمة مفترضي العصمة، وفقهاء ناطقين عنهم بوصفهم أصحاب ولاية ووصاية على الناس، وقديسين وصديقين، فيتحول كل نتاجهم البشري، والنسبي، والقابل لإصابة الصواب أو الوقوع في الخطأ، يتحول كل هذا النسبي وممكن الخطأ إلى مطلق وممتنع الخطأ، وبالتالي واجب الصواب. ومن هنا يعيش العقلاء أو المتوفرون على قدر من العقلانية النسبية من المؤمنين بقداسة النص وإلهية صدوره أزمة داخلية، تتجاذبهم قوى الجذب والدفع، فمن جهة تململُ عقلهم المقموع، ومن جهة ثانية حيرتهم المنبعثة من نزعتهم الإنسانية، ومن جهة ثالثة وجوب تسليمهم للمقدس والإلهي، فيعيشون غارقين في التأويل والتبرير، أو قابلين بقرار مصادرة عقولهم، لأنها مصادرة بأمر الله، فهو الذي خلقها، وهو الذي يملك صلاحية الأمر بتعطيلها ومصادرتها، فيعيش الذي يؤمن بصدور النص، بل وصدور فهم النص عن الله، حالة خنوع عقلي وضميري يسميه التسليم لله، وهو تسليم ممدوح دينيا، لأنه يعبر عن كون الإنسان المؤمن بالله قد أسلم لله، وبالتالي أسلم عقله لله، وأسلم عواطفه وتفاعلاته النفسية لله، وأسلم جوارحه لله. طبعا هذا المعنى جميل إذا ما كان إسلام من يسلم للنص إسلاما لله نفسه، لكنه لا يلتفت إلى كونه ليس إلا إسلاما للدين، لا لله، من حيث أنه ينزل الدين من حيث لا يشعر، وينزل النص، وينزل المبلغ بالنص، والناقل للنص، والمفسر للنص، ينزلهم جميعا بمنزلة الله، فيصبح وثنيا من حيث يعتقد أنه موحد، وعابدا للنص الديني من حيث يعتقد أنه يعبد الله. هذا إذا ما أحسنا الظن بفريق من النصيين القداسويين، ولكن هناك فريق آخر يتحول التمسك عنده بالنص التكفيري المقدس إلى حالة من العصبية، كما هي العصبية للقبيلة، وللعشيرة، وللمدينة، وللعِرق، وللوطن. فالدين والتدين عند مثل هؤلاء عنصرية دينية، وشوفينية مقدسة. وفريق ثالث يتحول الدين عنده إلى مشروع سلطة وتسلط على الناس، فيُعبّد الناس للنص المقدس، كمقدمة نحو تعبيدهم لسلطته هو. والمشكلة في أغلب الدينيين اليقينيين أنهم يقعون في الشرك من حيث لا يشعرون، فيتحول الدين عندهم إلى صنم، إلى وثن، يتحول إلى إله يعبدونه من دون الله. وبالتالي يعتقدون أنهم يملكون اليقين، ومن يكون موقنا يكون منغلقا على يقينه، بينما المؤمن الظني، أي المؤمن بالحقائق النسبية لا المطلقة، هو الأقرب إلى الجوهر الإلهي للإيمان، هذا الإيمان الذي ينبغي أن يستوجب القول بتفرد الله بصفة المطلق، وكل ما سواه نسبي، وبالتالي يكون الإيمان الأكثر نقاءً هو الإيمان الظني، لأن صاحبه لا ينازع الله في ربوبيته، كما يفعل اليقيني، فيدعي امتلاك الحقيقة المطلقة والنهائية والممنوع بموجبها طرح السؤال تجاهها، ناهيك عن النقاش أو الشك أو النقد أو الاعتراض. انغلاق الذهن انغلاقا عقليا تجاه الآخر المغاير، أو انغلاق القلب انغلاقا عاطفيا تجاه الآخر المغاير، يؤدي بالنتيجة إلى قتل النزعة الإنسانية تجاه هذا الآخر المغاير، لأن المغايرة كفر، والكفر ممقوت من الله، وما يمقته الله يجب مقته، وهذا أضعف الإيمان، لأنه يمثل الإنكار القلبي، وأشد الإيمان هو استئصال الآخر المغاير من الوجود، والغلظة في الله محبوبة عند الله حسب قناعة الديني النصي القداسوي، وإذا ما تمكن الكره المقدس من قلب هذا المؤمن، كان سهلا عليه التحول إلى آلة إرهاب، يرهب بها عدو الله وعدوه، بل هو يرهب الإنسان. وهذا ما يحول الدين إلى أكثر المصاديق انطباقا على مفهوم من «يفسد فيها - أي في الأرض - ويسفك الدماء».

3. كيف يمكن لنا أن نحجم من هيمنة العقل الديني في تحديد مصير المجتمعات، وليكن المثال عراقيا في أن العقل الديني يزدهر في ظل الطقوس والشعائر المبالغ فيها والتي أحيانا تبدو ثأرية، وفيها استفزاز واضح لمدنية المجتمع؟

ربما يكون جوابي تشاؤميا بدرجة ما من حيث أني لم أعد أرى جدوى كبيرة في عمليات الإصلاح للفكر الديني، وإن كنت لا أدعي أنها عديمة الفائدة كليا، بل إن فائدتها محدودة وبطيئة التأثير، ومن هنا نحتاج إلى تفكيك، نحتاج إلى صدمات، إلى زعزعة لليقينيات، نحتاج إلى تحويل الدينيين إلى أناس مستعدين للدخول في الحوار بشكل متكافئ بعيدا عن الحرب النفسية عبر ثقافة التكفير المباشر والصريح والمنطوق، أو المفهوم ضمنيا عبر التلميح، بحيث يقبلون أن يُخَطَّأوا كما يُخطِّئون هم الآخرين، وهنا أتكلم عن التخطيء كبديل عن التكفير، مع إقرار جميع الأطراف بنسبية الحقائق في عالم الإنسان، فحتى التخطيء أو التصويب، فلا بد أن يتحركا في إطار النسبية، نسبية الخطأ، ونسبية الصواب. أما موجة المبالغة في الطقوس والشرائع وانغماس ملايين في غيبوبة الغيب، فهذه في تصوري ظاهرة وقتية ستأخذ مداها، ثم ستبدأ - إلم تكن قد بدأت - عملية تعقلن، تجعل الأجواء أكثر ملاءمة للحوار والتسامح والتعايش، وعندها ستشق ثقافة الحرية طريقها إلى العقول والنفوس، للميل الفطري الإنساني للحرية، وفي مقابله للنفور الفطري من الاستبداد، وهذا يكتمل أيضا عبر تجذير البعد الأخلاقي، والذي شرطه بالحد الأدنى أن يحب المرء للآخر ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لها، عندها إذا كان لا يتأزم الديني عندما يُكفَّر من قبل غير الديني، ولا أقول اللاديني، فليمارس التكفير تجاه العلمانيين والمغايرين في الدين واللادينيين الإلهيين ناهيك عن الملحدين، الذي يريد الله لهم - حسب عقيدتي - أن يتمتعوا بحرية أن يعبروا عن عدم تعقلهم لفرضية وجوده، بنفس مقدار الحرية التي يتمتع بها المؤمنون به في التعبير عن إيمانهم به. وأفضل طريقة للتخلص من عقل النهائيات واللامسموح بطرح السؤال عنه، هو اعتماد منهج تربوي إنساني وعقلاني يبدأ بالطفل لينمي عنده النزعتين الإنسانية من جهة والعقلانية من جهة أخرى، فسينشأ لدينا جيل علماني، أو هو أقرب إلى العلمانية، فيتعايش العلماني (الإلهي) مع العلماني (الملحد)، ويتعايش العلماني (الديني الظني) مع العلماني (الإلهي اللاديني)، عندما يتحول الدين واللادين، الإيمان واللاإيمان، الإلهية واللاإلهية، الالتزام واللاإلتزام، كل ذلك يتحول إلى شأن شخصي.


4. الاشتباك الحاصل بين الدين كقوة سياسية تستند على النص المقدس، ومحاولة الفصل بين المقدس واليومي لمحاولة اجتراح نمط تعايش للمكونات في المجتمع العربي، ولد صدام مخيف بين قوى التحرر والانغلاق، والسبب يعود إلى هيمنة العقل الديني، ودخله في الخصوصية اليومية للأفراد. بما تفسر تلك الهيمنة على العقل العربي الجمعي اليوم؟

القضية قضية تراكمات لثقافة موروثة متوهم قداستها ونهائيتا، ومحضور طرح التساؤلات عليها، ومشكلة المتمسكين بهذه الرؤية إن الأكثرية الغالبة منهم لا يميزون بين آليات التعاطي مع عالم المثال، وعالم الواقع، ولا يميزون بين الحقيقة المطلقة - مع افتراض وجودها - في عالم التجريد والمثال، وانعكاسها النسبي فهما وسلوكا في الواقع، فيضفون الإطلاق على ما هو نسبي، والقداسة على ما هو غير مقدس، فلا تقتصر القداسة على النص، بل تضفى القداسة حتى على فهم النص من اجتهاد واستنباط وتفسير وتأويل واستيحاء، وهذه الأغلبية لا تميز بين الثابت والمتحول، ولا بين الجوهر والشكل، ولا بين الالتزام الذاتي لكل بما ألزم به الملتزم نفسه، وبين إلزامه الآخرين بقناعاته والتزاماته الذاتية، سواء اقتنعوا أو لم يقتنعوا، عبر وهم امتلاك الوصاية عليهم. ولذا تتسع مساحة المقدس إلى ما يقترب من الغلو الذي ينتج انغلاقا، وحيث أن الانغلاق يؤدي إلى النظرة للأشياء والأفكار والمناهج والأشخاص بلونين لا ثالث لهما، هما الأبيض والأسود، الحق والباطل، الهدى والضلالة، الإيمان والكفر، الاستقامة والانحراف، الجنة والنار، علاوة على أن هذا التقسيم الثنائي يجري بمعاييرهم، رافضين أي معيار آخر. ولكن هذا الوهم في طريقه إلى التفكك والتحلل ثم الانهيار، لكي نبدأ عصر مرجعية العقل والضمير، ونطوي عهود النص المقدس، والتاريخ المقدس، والغزو المقدس، والقتال المقدس، والانغلاق المقدس، والكراهة المقدسة، فتحل محلها مقدسات أخرى، أهمها مقدس الإنسان، ومقدس الحرية. وهذا يحتاج إلى وقت طويل حتى تكتمل مراحل الحمل ومخاضات الولادة، بعضه يتحقق اليوم، أو غدا، أو بعد عام، أو بعد عقد من الزمن، أو عقدين، لكن قطع الشوط الأخير من هذه الرحلة الشاقة قد يحتاج إلى زمن يمتد حتى نهاية هذا القرن، القرن الحادي والعشرين، ليقبل على البشرية القرن الثاني والعشرون، وقد أكملت البشرية أشواط رشدها، وتخلص عالم الأكثرية المسلمة من وهم المقدسات.


5. العلمانية تمثّل فصل الدين عن الدولة. والسؤال: أنّه بعد التجارب المرّة، التي مارسها الدين السياسي طيلة قرون، ألا تشكّل رؤيتكم قطيعة أبدية للاستبداد المقيت بفعل أدلجة الدين؟

بالضبط هذا الذي نتطلع إليه، حتى لو طالت رحلة التغيير الشاقة. وهذا لا يعني إقصاء الدين عن الحياة، ولكن التحول إلى جعل الموقف من الرؤى الميتافيزيقية - إثباتا أو نفيا - شأنا شخصيا محضا، فإيمان الفرد بإسلامه، بمسيحيته، بكاثوليكيته أو پروتستانيته، أو بأرثوذكسيته أو أرمنيته، بيهوديته، ببوذيته، بمندائيته، بإيزيديته، إيمانه بتشيعه أو بتسننه، إيمانه بإلهيته اللادينية، أو بماديته وإلحاده، أو بلاأدريته الإلهية، أو لاأدريته الدينية، أواللاموقف من كل ما ذكر وغيره، كل ذلك يبقى شأنا شخصيا. نعم الدين مارس دوره المؤثر في معظم مفاصل الحياة الاجتماعية، وذلك ليس لقرون بل لألوف السنين، ولم ينجح على الأعم الأغلب في صياغة الإنسان الإلهي، لأن الإلهي حسب عقيدتي - وهذا شأني الشخصي ولا تجيز لي العلمانية التي أؤمن بها إقحامه هو الآخر في الشأن السياسي - أقول الإنسان الإلهي، ليس فقط الديني، فالمعيار هنا ليس بمقدار من هو الديني أو اللاديني، ولا الإلهي أو اللاإلهي (الملحد)، بل كل من هؤلاء يمكن أن يجسد الإنسان الإلهي بمقدار ما يصوغ الإنسان من نفسه الإنسان الإنساني. نعم من جهة أنا أدعو إلى القطيعة مع كل ما يكون عاملا من عوامل بعث الانغلاق والخرافة والتعصب والكراهة والاحتراب، فمن غير هذه القطيعة يبقى السلام مهددا، وتبقى الحرية مثلومة، وتبقى العدالة غائبة، وتبقى كرامة الإنسان مخدوشة. ولكن مسيرة إحداث هذه القطيعة طويلة كما بينت، مع هذا فإننا نطلقها اليوم، فلعل الأجيال الجديدة تقطف بعض ثمارها. الاستبداد بالمفهوم الإيماني الواسع - لا الديني الضيق -، يمثل الاستبداد وفق هذا المفهوم نفسه خدشا كبيرا لفلسفة أو لاهوت التوحيد، لأن الاستبداد ندية لله، وكفر بأعظم نعم الله على الإنسان، ألا هي حريته، تلك الحرية التي أنعتها بالحرية المسؤولة، لأنها مسؤولة عن ألا تتجاوز على حرية الآخرين، ومسؤولة عن تقييد نفسها بقيدي الإنسانية والعقلانية لا غير، أو بتعبير آخر بقيدي الضمير والعقل.