أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - محمد حسن خليل - مستقبل الثورة: قراءة فى ميزان القوى الراهن















المزيد.....



مستقبل الثورة: قراءة فى ميزان القوى الراهن


محمد حسن خليل

الحوار المتمدن-العدد: 3336 - 2011 / 4 / 14 - 01:46
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية
    


بعد مرور سبعة أسابيع على بداية الثورة تبدو هناك حاجة ملحة لتحديد التكتيك الملائم فى تلك اللحظة. والتكتيك بالطبع ينبنى على قراءة ميزان القوى الراهن، ولكن يبدو أن مقدمة حول الثورة سوف تكون ضرورية لاستكمال النقاش.
الثورة
الثورة فى الأساس فعل جماهيرى واسع، حركة جماهيرية تصمم على تحطيم النظام القديم، وتتجترح فى سبيل ذلك البطولات، وتضحى بالدم والشهداء فى سبيل ذلك الهدف. وإذا كان الثوريون يعملون دائما من أجل الثورة بالدعاية والتحريض حول أفكارهم فإن أيا من كان لا يستطيع أن يحدد موعد الثورة. ولعل أبلغ دليل على هذا هو أن الشباب الذى نظم مظاهرات يوم الثلاثاء 25 يناير ودعا لها على الفيسبوك حدد شعاراتها فى "تغيير حرية عدالة اجتماعية" أو خبز حرية كرامة إنسانية" مع وضع بنود عديدة تحت كل منهم تشمل حدا أدنى للأجور وإلغاء حالة الطوارئ وحرية الأحزاب والإضراب وغيرها، ولكن الشباب حذر بشدة من رفع آية شعارات ضد مبارك أو مع إسقاط النظام. ولم يكن هذا بالطبع حبا فى مبارك أو عدم ثورية من الشباب، بل كان موقفا صائبا، إذ كان المقصود هو توسيع نطاق الحركة الاحتجاجية لتشمل مناطق كثيرة داخل العاصمة ومدنا عديدة داخل الجمهورية حول تلك المطالب، وكانت نية الداعين عدم وضع حاجز مرتفع أمام الجمهور المحتج مثل تعلية سقف المطالب لتشمل تغيير النظام. إلا أن الواقع قد تجاوز هذا عندما رفعت المظاهرات جميعا من أول صدام مع الأمن شعار "يسقط يسقط حسنى مبارك" وشعار الثورة التونسية "الشعب يريد إسقاط النظام". لقد تحقق هدف توسيع نطاق النضال بشدة إذ انطلقت المظاهرات من خمسة أماكن فى القاهرة، كما انطلقت أيضا فى ثمانى مدن مختلفة (كل هذ فى اليوم الأول فقط، 25 يناير، ثم اتسع النطاق أكثر فأكثر مع استمرار الثورة). ولكن تحقق أيضا ارتفاع سقف المطالب إلى المطالبة بإسقاط النظام بسبب لا يعود إلى تخطيط المنظمين ولكن إلى مستوى السخط الجماهيرى المتراكم، إلى المزاج الجماهيرى الثورى، إلى السيكولوجيا الاجتماعية لجمهور معبأ من تفاقم الاستغلال والاستبداد والفساد، ويحمل سمات كل النضالات التى تفضح الفساد والاستغلال والاستبداد خلال السنوات الأخيرة. لم يكن خطأ أحد عدم التنبؤ باللحظة التى يصل فيها مخزون الغضب إلى الكتلة الحرجة الضرورية للثورة، ولكن النضج تمثل فى سرعة إدراك تلك اللحظة الثورية وتبنى مطالبها الجذرية فى الإطاحة بالنظام.
إن استمرارية الحركة رغم القمع الشديد، واتساعها جغرافيا وفئويا لتشمل معظم الشعب، وارتفاع سقف المطالب للإطاحة بالنظام كله، والاستعداد الهائل للتضحية بالأرواح وتقديم مئات الشهداء وآلاف الجرحى، إن كل ذلك هو ما حدد ملامح تلك الحركة فى أنها ثورة على نظام مبارك وليس مجرد انتفاضة جماهيرية قد تنتزع أو لا تنتزع بعض المكاسب. وتنبع الأهمية الشديدة فى تحديد ما سبق من أن أى تحليل لميزان القوى فى اللحظة الراهنة لابد وأن يعطى مكانا بارزا لطرفى التناقض الرئيسيين: الشعب الثائر من ناحية، و الثورة المضادة التى يقودها النظام القديم من ناحية أخرى.
ورغم إقرار الجميع بأن تصاعد الاحتجاجات الجماهيرية فى السنوات الأخيرة هو ما شكل المقدمة الضرورية للثورة فإن على الساحة تقديرات متعددة لتاريخ البداية لتلك الاحتجاجات الجماهيرية، بدءا بمظاهرات التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 وانتهاء بإضراب المحلة فى عام 2008. واعتقد أن التاريخ الأقرب لتلك الموجة المتصاعدة التى انتهت بالثورة قد بدأت منذ أواخر عام 2003 كنتيجة مباشرة لتغير مطبخ صنع القرارات السياسية فى مصر الذى وقع فى المؤتمر الثامن للحزب الوطنى فى سبتمبر 2002 (والذى عرف فيما بعد بالمؤتمر السنوى الأول عندما صار منذ ذلك التاريخ يعقد سنويا). فى ذلك المؤتمر تم تنحية أو إضعاف نفوذ من عرفوا بالحرس القديم (يوسف والى، صفوت الشريف، الشاذلى) وبرزت مجموعة صنع القرار الجديدة الممثلة فى جمال مبارك الذى تبوأ منصب أمين لجنة السياسات وأمين مساعد الحزب، ولجنة السياسات بقيادة رجالة وأقربهم يوسف بطرس غالى وأحمد عز أمين التنظيم الجديد فى الحزب ورشيد محمد رشيد وغيرهم. وكانت باكورة أعمالهم قرار تعويم الجنية المصرى مع تخفيض قيمته أمام الدولار حوالى 60%. وأدى هذا إلى رفع أسعار الواردات بنفس النسبة، وتدل دراسات الحزب الوطنى نفسه أن تلك نسبة السكان الواقعين تحت خط الفقر فى مصر قد زادت بنسبة 7% خلال الأشهر العشرة التالية لذلك القرار. كما أسرعت اللجنة منذ تأسيسها بمعدلات خصخصة الهيكل الإنتاجى (القطاع العام)، ثم انتقلت لخصخصة الخدمات ببيع بنك الإسكندرية (2006) و تحويل الهيئة العامة لمياه الشرب والصرف الصحى إلى شركة قابضة (2004) ثم انتقلوا إلى خصخصة التعليم والصحة. وبالطبع لم يكن الفرق بين مطبخ صنع القرارات الجديد والقديم هو وطنية الأول وعدم وطنية الأخير، لكنه كان تحديدا أنه بينما كانت الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسسات التمويل الدولية (البنك الدولى وصندوق النقد الدولى وهيئة المعونة الأمريكية) يضغطون من أجل تخفيض قيمة الجنية الذى تم تثبيت سعره منذ عام 1992 وزيادة معدلات الخصخصة فقد كان موقف الحرس القديم هو ضرورة التوفيق بين ماسموه ضرورات الإصلاح الاقتصادى (لبرلة الاقتصاد أو خصخصته) وبين مقومات الاستقرار الاجتماعى. ويقولون أن هذا هو درس انتفاضة يناير 1977 عندما أدت الزيادة المفاجئة فى الأسعار إلى اضطرابات سياسية جماهيرية واسعة.
لقد استحقت مصر الرسمية وقتها احتفاء وتهليل كل منظمات التمويل الدولية على المضى قدما فى طريق "الإصلاح الاقتصادى" بحيث اعتبرها كل من البنك الدولى وصندوق النقد الدولى نموذجا يحتذى فى الإصلاح الاقتصادى والدولة الأولى عالميا، والدولة الأولى أفريقيا فى سنوات مختلفة من تلك الفترة. لكن نتيجة كل ذلك كانت غلاء متزايدا فاقم المشاكل المعيشية للشعب مما انعكس على تزايد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية. ومما له دلالة وثيقة بكل هذا هو أن مظاهرات شهر ديسمبر عام 2003 قد شهدت لأول مرة شعارات تطول رأس النظام، فارتفعت شعارات "يامبارك ياجبان يا عميل الأمريكان" و"ياجمال قل لأبوك كل الشعب بيكرهوك".
ومن العلامات الفارقة أن من نجح فى التقاط تلك اللحظة الساخنة وتطويرها هو الحركة المصرية من أجل التغيير المعروفة بحركة كفاية التى أعلنت عن تأسيسها فى مظاهرتها الصامتة الأولى فى ديسمبر عام 2004 وهدفها "لا للتمديد لا للتوريث". وتصاعدت الحركات الفئوية والاحتجاجية والديمقراطية بمعدلات متسارعة حتى صارت الإضرابات العمالية فى أعوام 2009 و2010 نمطا للحياة السياسية اليومية، وحتى أضحى رصيف مجلس الشعب موقعا دائما للحركة الاحتجاجية لمختلف الفئات. وانتشرت التنظيمات المناضلة من أجل مختلف المطالب وبين كل الفئات فشهدنا مولد أول نقابة مستقلة لموظفى الضرائب العقارية، وحركة معلمون بلا نقابة من أجل كادر لأجور المعلمين، واتحاد أصحاب المعاشات ونضالاته والقضايا التى رفعها من أجل مطالبهم الفئوية، وحركة أطباء بلا حقوق المطالبة بكادر للأطباء وتحسين الخدمات الطبية، ولجنة الدفاع عن الحق فى الصحة التى تقف ضد خصخصة التأمين الصحى وغيرها وغيرها. كما شهدنا حركة مراكز حقوق الإنسان ضد التعذيب، وشهدنا الحركة الجماهيرية ضد قتل خالد سعيد، وتفجر السخط ضد تزوير انتخابات مجلسى الشعب والشورى، والهجوم على قسم الساحل وإحراق عربات الشرطة فيه وعند نقطة مدخل طريق القاهرة الزراعى احتجاجا على قيام اثنين من أمناء الشرطة بقتل أحد السائقين. وكان كل هذا هو المقدمة الضرورية التى تنبئ بمستوى السخط والوعى الذى تفجر فى ثورة الخامس والعشرين من يناير.
الثورة المضادة
وإذا أردنا أن نفهم الثورة المضادة التى نواجهها الآن حق الفهم فلابد وأن ندرس أبرز تجلياتها فى الكفاح ضد الثورة قبل الإطاحة بمبارك، أى دورها يوم جمعة الغضب 28 يناير وأربعاء موقعة الجمل 2 فبراير. فالثورة المضادة لها فكرها، وقادتها، ومؤسساتها، وأسلوبها، وتمويلها، وآلياتها، وأى خطأ فى حساب مقدار قوتها –سواء قبل الإطاحة بمبارك أو بعده- سوف تكون له عواقب وخيمة فى سياق المعركة الدائرة الآن على قدم وساق بين طرفى التناقض الرئيسيين.
وفكر وأدبيات الثورة المضادة، مثلها مثل كل فكر الطبقات السائدة، مستورد بالكامل، حيث إن أبرز من درسه وقننه هو المخابرات المركزية الأمريكية. وقد بلوروا نظريا خطط التعامل مع وضع جماهيرى ثورى من طول خبرتهم فى التعامل مع تلك الأوضاع بدءا من ثورة مصدق ضد شاة إيران وحتى خبرات التعامل مع ثورات أمريكا اللاتينية. وبالطبع درس وزراء الداخلية العرب تلك الخطط وتدارسوها سويا فقد كان أنجح مثال على تعاون الأنظمة العربية المشترك هو المؤتمرات الدورية لوزراء الداخلية العرب والتى حضرتها مصر حتى فى سنوات مقاطعتها بسبب كامب دافيد. والدليل على هذا التماثل بين خطة الثورة المضادة فى تونس ومصر. وتعتمد تلك الخطط على مواجهة الثورة بالتفريغ الأمنى، وترويع المواطنين بواسطة الشرطة، أو الشرطة بملابس مدنية، أو الأجهزة السرية التابعة للشرطة، مع إطلاق يد عصابات المجرمين ورواد الجريمة المنظمة، والبلطجية من كل الأنواع، وإثارة المعارك الجانبية والفتن والقلاقل بين فئات الشعب المختلفة. والمثال الملموس فى مصر هو انسحاب الشرطة فى مساء الجمعة الثامن والعشرين من يناير، وتآمر الشرطة لحرق العديد من الأقسام (غير الأقسام التى حرقها المتظاهرون) وإطلاق سراح البلطجية المحتجزين بالأقسام، وفتح السجون وإجبار المساجين على الخروج وحضهم على ترويع الآمنين ونشر الرعب، وتنفيذ خطة التفريغ الأمنى بعدم الاستجابة لآية استغاثة مع دفع عملاء للاتصال بالإعلام ونشر الشائعات للمبالغة حتى فى مستوى أحداث المشاكل الأمنية المثارة. ويضاف لكل هذا دور الإعلام فى تشويه الثورة والتشكيك فى أهدافها وقادتها وحجمها ومستقبلها. إلا أن كل ما سبق ليس سوى التمهيد، فلابد من التخطيط لمعركة حاسمة للقضاء على الثورة، وهو ما تحدد له يوم الأربعاء 2 فبراير بعد التمهيد له بإثارة الارتباك فى صفوف الشعب نتيجة لخطاب مبارك الذى يعد بالإصلاح وبالتالى فلا داعى لاستمرار الثورة. وفى الحقيقة إن دراسة تفاصيل الإعداد لموقعة الجمل لا تكتسب فقط أهمية من زاوية التأريخ للثورة، فالأغلبية الساحقة لتلك الآليات مازالت فاعلة ومستخدمة حتى الآن. ومن أهم تلك الآليات الدور القيادى لرموز وقيادات الحزب الوطنى فى مجلس الشعب. فإذا كان الحزب الوطنى فاشلا كحزب له فكره المستقل يمثل بوتقة لصياغة فكر الطبقة التى يعبر عنها، فهو ناجح جدا لتجمع للمنتفعين أصحاب المصلحة المباشرة فى التربح من الدولة وفى التخطيط لاستهداف أعداء النظام. ولجميع أعضاء مجلس الشعب المزمنين من الحزب الوطنى علاقة مؤسسية منتظمة لشلل ومجموعات البلطجية فى دوائرهم: فالمنافع متبادلة: فهم يوفرون آليات تزوير الانتخابات، وجمهور الهتيفة فى مظاهرات التأييد، ومهاجمة سرادقات الخصوم أحيانا وإفشال دعايتهم الانتخابية. ويحصلون فى مقابل ذلك على تسهيلات أمنية من الشرطة، وحماية من بعض المخالفات الخفيفة، ومساندة من جهاز الدولة. وفى يوم واقعة الجمل لم يدرك الكثيرون سوى أنها محاولة لضرب المحتجين، لكنها كانت معركة يقصد بها الإجهاز على الثورة. لقد تم التخطيط لها فيما سمى اجتماع فندق سوفيتل ليلتها بين كبار رجال الحزب الوطنى: صفوت الشريف وأمثاله مع متابعة فتحى سرور لهم تليفونيا. وكان قادة أركان التنفيذ فى كل دائرة هم من أشرفوا على تسيير الفيلق الخاص بهم: فقد ركب بلطجية الزيتون (دائرة زكريا عزمى) من محطة متروالأنفاق مجانا لكى يقف المترو وتفتح لهم محطة التحرير المغلقة لكى ينزلوا منها ويخرجوا وسط الاعتصام الذى أمن المعتصمون مداخله، ونفس الشيئ من محطة السيدة زينب (دائرة فتحى سرور)، ومن دائرة دار السلام، وغيرها. أما دائرة الهرم فأمرها معروف، فقد نقل النائبان عنها الخيول والجمال بسيارات النقل إلى جامع مصطفى محمود حيث بدأت من عنده مسيرة القوات الراكبة للدواب إلى ميدان التحرير. واستمرت المعركة لمدة ما يقرب من 24 ساعة بالذات وقد اشتدت ليلا مع ضخ أعداد ضخمة من رجال الشرطة بملابس مدنية وروافد من مختلف أنواع البلطجية مع توريد الذخيرة (أشولة محملة بكسر الرخام من شق الثعبان حيث يمتلك أحد أعضاء مجلس الشعب ورشا للرخام الذى يؤدى لإصابات وجروح بليغة)، ومع درجة من معرفة الجيش تسمح بأن يقف مترو الأنفاق فى محطة التحرير التى لم يقف بها منذ بدء الاعتصام وبأن تسمح الدبابات بدخول الخيول والجمال، وبأن يبقى الجيش لفترة طويلة على حياد مصطنع بين شباب المعتصمين والبلطجية. وشارك اتحاد العمال، ومن خلال مقره ومن خلال علاقاته الوثيقة بالبلطجية، فى تأجير مجموعات البلطجية والترتيب للموقعة من خلال الدور القيادى لكل من حسين مجاور رئيس اتحاد العمال وعائشة عبد الهادى وزيرة القوى العاملة. كما شارك كبار رجال أعمال الحزب الوطنى بالتمويل دفاعا عن مصالحهم وتربحهم السابق من جهاز الدولة، والذين يخشون من نظام جديد يحاسبهم على ما سرقوه ويمنع المزيد من التربح. وبرزت أسماء أبو العينين وفريد خميس وكامل بينهم. وأشرف أمن الدولة على كل تلك المؤامرات ولعب دوره المرسوم فيها بما فيها الإمداد برجال الأمن السريين المدربين على القتال ضد الجمهور.
وإذا كنا نعدد أشكال الثورة المضادة وعيننا على الوضع الراهن فمن الواضح أن كل تلك الأشكال لم تفقد فعاليتها ومازال كل القادة يعملون بنفس الأسلوب، لم يتغير سوى ما فرض عند حل جهاز أمن الدولة. لقد قيل أن كل عضو مجلس شعب قد طلب منه أن يرتب تحت إمرته خمسة آلاف من البلطجية بدفع مقدمات (قيل أنها من 50 إلى مائة جنية يوميا لكل بلطجى غير خمسة آلاف لكل زعيم مجموعة، قد تبلغ خمسين أو مائة) لكى يكونوا جاهزين للدفع بهم فى اللحظات الصفرية سواء فى مظاهرة تأييد عند جامع مصطفى محمود أو فى معركة ضد اعتصام فى التحرير أو غيره.
ولا يكتمل الحديث إلا بذكر أحد أنجع أساليب الثورة المضادة: إثارة الفتنة بين صفوف الشعب. لقد بدأ هذا قبل سقوط مبارك وبعد بداية خطة التفريغ الأمنى فى أعقاب جمعة الغضب 28 يناير. وبدأ تحديدا فى الإسكندرية والهرم عن طريق إثارة السلفيين بحجة أن المتظاهرين ينوون تغيير المادة الثانية من الدستور وإقصاء الشريعة الإسلامية عن أسس التشريع، وهذا قبل أن يطرح أحد الموضوع، مما دفعهم للتظاهر دفاعا عن "الإسلام". وشمل هذا أحداث كنيسة الصول فى أطفيح، وقيام البلطجية بترويع الأقباط فى قرى مختلفة بدمنهور والصعيد. وهنا لابد من وقفة للحديث عن تلك القوة الجديدة على الساحة السياسية ألا وهى السلفيين. السلفيون لهم جماعات متعددة مثل الدعوة والتبليغ، وأنصار السنة المحمدية، والجمعية الشرعية وغيرهم. وهم يعدون بالملايين. وهم يعلنون أنهم لا علاقة لهم بالسياسة، وهم على علاقة وثيقة بالأمن حيث يسمح لهم الأمن بأنواع من الأنشطة الجماهيرية مثل توزيع الزكاة ورعاية فقراء وأنشطة خيرية متنوعة لا يوافق على أى منها للإخوان المسلمين نظرا لإدراكه لأهدافهم السياسية من ورائها. ولكن الأمن يعدهم احتياطيا استراتيجيا يمكن تجنيده عند استثارتهم بتهديد مزعوم للدين وشرع الله: حينئذ ينطلقون فى أعمال عنف ضد "الكفار"! وما ارتكبوه مؤخرا فى أثناء الاستفتاء على تعديل مواد بالدستور وفى غيره لم يكن أول مشاركة لهم، وإن كان الأبرز أثناء تلك الموجة من الثورة المضادة.
المجلس العسكرى
إذا كان شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" هو أفضل شعار يوضح هدف الثورة الرئيسى بإسقاط نظام فاسد مستبد ظالم وبناء نظام ديمقراطى على أنقاضه، فإن هذا الشعار يوضح أيضا الدور الحاسم لأهمية بناء مؤسسات جديدة على أنقاض مؤسسات النظام القديم. والجيش ومجلسه العسكرى ليس طبعا من مؤسسات الثورة أو النظام الجديد! ولذلك تظهر فيه كل عيوب النظام القديم على صورة علاقات غير ديمقراطية داخله ووجود أشكال التربح والفساد "الشرعى" عبر التمايز الشديد فى المرتبات والامتيازات، وكذلك غير الشرعى من التربح من المناصب، فضلا عن الإضرار بالطابع العسكرى للجيش من خلال دخوله مجال الاستثمار وتكوين وشراء الشركات على نطاق واسع. إلا أن المأثرة الضخمة للجيش هى تحديدا رفضه المشاركة فى ذبح الثورة! لقد كان قانون الثورات حتى نهاية القرن التاسع عشر هو أن الطبقة السائدة تحمى نفسها من الثورة باستخدام البوليس، وأساسا الجيش، وكان انتصار الثورة يتحقق فقط عندما يؤدى صمود الثوار وبسالتهم إلى تفكك الجيش وانقسامه وانضمام أقسام منه للثورة. وفى عصرنا الحديث حيث جيوش بلادنا والبلاد المماثلة التى تربت على عقيدة وطنية هدفها حماية الوطن من الأعداء وليست جيوشا استعمارية أوروبية تربت على الظلم والقهر أصبح بالإمكان أن يسلك الجيش مسلكا مختلفا. ونرى فى الأمثلة القريبة المحيطة بنا رفض الجيش فى مصر وتونس الامتثال للأوامر بقمع الثورة، بينما نرى الأمثلة المعاكسة التى استخدم فيها النظام الجيش فى معركته الأخيرة ضد الثوار فى إيران 1979 وفى ليبيا حاليا.
وبرز طابع المجلس العسكرى كمؤسسة محافظة مباشرة بعد الإطاحة بمبارك، رغم قوله أنه يتبنى أهداف الثورة، بأنه عمليا ما مؤداه أنه لا يرى ضرورة لتحقيق أى من الأهداف الأخرى حتى حل مجلسى الشعب والشورى حيث أعلن فى 12 فبراير أنه فقط سوف يقتصر على إسقاط الأعضاء الذين تصدر أحكام بإبطال عضويتهم. إلا أن المجلس قام بتحقيق هذا الهدف الثانى للثورة، حل مجلسى الشعب والشورى، فى اليوم التالى (الأحد 12 فبراير). وبالمثل رفض المجلس العسكرى تحقيق الهدف الثالث بإقالة وزارة أحمد شفيق التى حلفت اليمين أمام حسنى مبارك حتى تصاعد الضغط ووصل إلى التهديد بجمعة مليونية تنتهى باعتصام فى ميدان التحرير فاستبق المجلس المليونية بيوم واحد وأعلن يوم الخميس 3 مارس إقالة وزارة شفيق.
أما المطلب الرابع للثورة، حل جهاز مباحث أمن الدولة فقد استغرق أربعة أسابيع وأحداث جسيمة حتى تحقق: فقد دأبت قوى الثورة منذ اليوم الأول لنجاحها من التحذير من الثورة المضادة بينما أنكر المجلس العسكرى تماما حتى وجودها! وفى الممارسة الفعلية اتضحت خطورة الثورة المضادة عندما استمر وزير الداخلية فى وزارة أحمد شفيق، محمود وجدي، فى تكتيك التفريغ الأمنى الذى اتبعه سلفه حبيب العادلى ورفض نزول الشرطة رغم تدهور الحالة الأمنية. وترددت أنباء عن محاولة انقلاب بقيادة قائد الحرس الجمهورى لإعادة النظام القديم. ساعتها فقط أعلن رئيس الوزراء والمجلس العسكرى عن وجود ثورة مضادة، وعن نزول الشرطة للشارع فورا، وعن حل جهاز مباحث أمن الدولة ووضع مقراته تحت سيطرة الجيش مؤقتا.
إلا أن أهم السمات المحافظة لقيادة المجلس العسكرى للبلاد هى خطته السريعة لما يسمى بعودة الجيش إلى مهامه بعد استعادة النظام عن طريق عمل تعديلات دستورية خلال عشرة أيام، وإقرارها فورا عن طريق استفتاء شعبى، ثم عمل انتخابات مجلسى شعب وشورى جديدين خلال شهرين (تم مدهم إلى ستة أشهر حتى سبتمبر القادم) وانتخاب مائة من بين أعضائهم للعمل كجمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا، وانتخاب رئيس للجمهورية قالوا أخيرا أنه لن يتم إلا بعد إقرار الدستور الجديد. إن الإسراع الشديد بالخطة على هذا النحو لا يمكن أن تكون له من نتيجة سوى سيادة القوى المحافظة الجاهزة على مجلس الشعب الجديد وبروز طابعها فى الدستور الجديد، وحرمان القوى الثورية الجديدة من الحصول على التمثيل اللائق لحداثة عهدها خصوصا ولم يتم بعد تقنين الحريات الديمقراطية الضرورية لبروز وازدهار تلك القوى الجديدة من حرية أحزاب حقيقية وحقوق التعبير والتنظيم. وأهم تلك القوى المحافظة المستفيدة من تكتيك الإسراع باستعادة النظام بأسرع ما يمكن هى فلول الحزب الوطنى كقيادات تقليدية وذات عصبيات ونفوذ فى دوائرها، وكذلك الإخوان المسلمين.
ويهمنا هنا أن نبرز منطق الأمر الواقع الذى ينتصر حتى على خطط المحافظين: فقد تجمعت القوى المحافظة فى الاستفتاء على الدستور للتصويت بنعم، ونجحت فى حشد الشعب وراءها بالابتزاز بالاستقرار، وبالخطر على الإسلام من خلال المادة الثانية فى الدستور، وبخطر الفراغ الدستورى وأهمية عودة البلد للحالة الطبيعية بسرعة. وصوتت كل قوى التغيير الثورى بلا بناء على رفض ترقيع الدستور وإعطاء شرعية لبقية مواده التى تعطى لرئيس الجمهورية سلطات ملك، وأهمية العمل على تحقيق مطلب الثورة فى دستور جديد يمثل نظاما جديدا لمجتمع جديد بعد الثورة. ورغم أن الإجابة بنعم حظيت بأغلبية ثلاثة أرباع المصوتين تقريبا، إلا أن التصويت بلا هو الذى نجح! فقد وجد المجلس العسكرى نفسة فى مأزق دستورى بعد التصويت الذى أقر الدستور بعد التعديل حيث يصبح وضع المجلس غير دستورى والمفروض أن يرأس البلد رئيس المحكمة الدستورية العليا! وتصحيحا لهذا الخطأ لم يجد المجلس العسكرى غضاضة فى أنه رغم لجوئه للشعب فى تعديل 9 مواد إلا أنه ألغى دستورا كاملا من أكثر من مائتى مادة وأقر دستورا جديدا مؤقتا دون استفتاء!
وفى سياق محاولة المجلس العسكرى لاستعادة الاستقرار بأسرع وقت أخذ فى تصعيد إجراءات "الانضباط" حيث أقر قوانين منع الاعتصام والتظاهر وقانون البلطجة الذى أعلن فى الصحف أنه سوف يطبقه على من يخترقون حظر التجول أو الانضباط بمحاكمتهم أمام محاكم عسكرية لا تقبل الاستئناف وتعطى أحكاما مشددة بالحبس (وهو مالم يجرؤ مبارك نفسه على إعلانه!). وتبع هذا بالفعل بتطبيقه على طلاب جامعة أخذوا أحكاما بالسجن باعتبارهم بلطجية، كما قامت الشرطة العسكرية فى غير حالة أبرزها عند فض اعتصام ميدان التحرير بالقوة بتعذيب المعتقلين وانتهاك المعتقلات.
إن التعامل مع المجلس العسكرى لا يمكن أن يكون بالصمت على تلك الانتهاكات ولا بالقبول بهذا التكتيك الذى يجهض الثورة. ولكن ليس البديل التعامل مع المجلس العسكرى كعدو –ليس فقط لدوره فى إنجاح الثورة بدون ضريبة كالتى تدفع الآن فى ليبيا، ولكن أيضا لأن الشعارات لابد وأن تضع فى حسابها وزن الشارع وموقفه. والاستمرار فى موقف الضغط من أجل تحقيق مطالب الثورة ورفض أشكال الاستبداد وتقييد الحرية، مع نقد –وليس تخوين أو إسقاط- المجلس العسكرى هو العلاقة المعقدة المطلوبة، بالطبع مع الحرص على بناء قاعدة ذلك الضغط جماهيريا وتوسيعها باستمرار، والمثال الناجح على ذلك هو مظاهرات مليونية جمعة إنقاذ الثورة فى أول إبريل الحالى.
الإخوان المسلمون
يشكل الموقف من الإخوان المسلمين ركنا هاما فى التكتيك الخاص بالمرحلة الراهنة. ولا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن الإخوان المسلمين هم جزء من طبقة الرأسمالية الكبيرة، وأنهم بعد أن انضموا فى البداية لشعارات حركة كفاية التى جبهت كل المعارضة الحزبية معها عام 2004-2005 تحت شعار لا للتمديد لا للتوريث نجح نظام مبارك المأزوم وقتها فى تفكيك جبهة المعارضة وكسب الإخوان لعدم معارضة التمديد له، بل ولعدم المعارضة لترشيح ابنه لو أراد فى مقابل صفقة تضمنت منحهم 88 عضوا فى مجلس شعب 2005-2010. ولا يجب الخلط بين نفوذ الإخوان فى الشارع وبين ما حصلوا عليه من مقاعد والذى لم يحصلوا عليه انتزاعا من النظام بل بموافقته فى إطار الصفقة. ولعل أحد أطرف الأدلة على هذا هو رد مهدى عاكف وقتها فى مؤتمر صحفى على أحد الصحفيين عندما سأله كيف نجح فى الانتخابات فى دائرة فاراسكور عضوان أحدهما عن الحزب الوطنى ب26 ألف صوت والثانى عن الإخوان بعشرة آلاف صوت، بينما تدل كل نتائج المراقبين المحايدين أن كل من صوتوا لم يصلوا إلى مائة صوت، فأجاب مرشد الإخوان "الملائكة صوتوا لنا"؟! وقد اعترف الإخوان أنفسهم بالصفقة فيما بعد فى إطار نقد ذاتى أثناء الانتخابات التالية عام 2010. ولكن التحالف بين الإخوان والحزب الوطنى انهار بعد شهور قلائل بسبب العرض العسكرى فى جامعة الأزهر، والذى غاب مغزاه عن الكثيرين. لقد استهدف الإخوان من هذا العرض، وفى ميزان القوى الجديد الذى بالغوا من تقديره حينما حصلوا على كل تلك المقاعد فى مجلس الشعب، استهدفوا انتزاع العلنية وشرعية الأمر الواقع لتشكيلاتهم شبه العسكرية وحريتهم فى استعراض لفنون القتال فى الجامعة. ولكن النظام الذى عانى من اغتيال رئيسه السابق ما كان ليسمح بمثل هذا فأظهر لهم الجانب الآخر من الصورة: بداية بملاحقات أمنية عنيفة واعتقالات لزعماء الإخوان ومحاكمات وأحكام طويلة بالسجن أمام محاكم عسكرية ومصادرة لأموال وشركات خاصة بهم، وتضييق فى كل المجالات. ومن المثير للدهشة كيف استجاب الإخوان لكل ذلك، فقد ظلوا لأكثر من ثلاث سنوات يحاولون خطب ود النظام من أجل استعادة جو الصفقة ثانية مع النظام. إلا أن إصرار النظام على رفض تلك المحاولات واستمرار الاضطهاد والملاحقات الأمنية والاعتقالات دفع الإخوان فى النهاية إلى انتهاج تكتيك التجبيه مع المعارضة والانفتاح الواسع عليها والمشاركة معها فى كل الأنشطة ضد النظام. حدث هذا قبل ما يقرب من عام من انتخابات مجلس الشعب عام 2010.
وهكذا أتت ثورة 25 يناير فى مناخ تحالف الإخوان مع المعارضة. ورفض الإخوان المشاركة فى مظاهرات يوم 25 يناير، ثم فوجئوا بضخامتها وتأثيرها والأثر السلبى لعدم مشاركتهم. ثم قرروا المشاركة فى مظاهرة جمعة الغضب يوم 28 يناير ولكن بشعارات لا تصل إلى إسقاط النظام، بل ورفضه ممثلوهم فى المظاهرات. ولكنهم أدركوا بنهاية ذلك اليوم أنهم أمام ثورة كاملة سقف مطالبها هو الإطاحة بالنظام ولديها الفرصة الفعلية لتحقيقه فشاركوا فيها مشاركة كاملة. حقا إنهم قبيل انتصار الثورة بقليل انفردوا بالتكتيك اليمينى الموافق على بدء الحوار مع عمر سليمان نائب الرئيس وبالتالى قبلوا أوليا بتخفيض سقف المطالب عن جميع القوى الأخرى المشاركة فى الثورة التى طالبت برحيل مبارك ونائبه ووزارته الأخيرة، إلا أن كل ذلك فشل فى كسر تضامن الثورة، واستمر الإخوان فى الإعلان عن تمسكهم بمطالب الثورة كما استمروا فى الاشتراك بدور قيادى فى اعتصام التحرير. وانتهت تلك المرحلة بتحقيق مطلب الثورة المباشر وسقط الرئيس ونائبه. ومنذ تحقيق الهدف المباشر الأول للثورة والإخوان يلعبون تكتيكهم الخاص على الوجهين: فهم يعلنون عدم انفصالهم عن المعارضة، بينما يواصلون التنسيق مع المجلس العسكرى ويناصرونه فى تكتيك الإسراع "بإعادة الاستقرار" فهم قوة جاهزة ومستفيدة من ذلك فضلا عن أنهم بحكم انتمائهم الطبقى ليسوا مستفيدين من جوانب العدالة الاجتماعية فى التجربة الديمقراطية بتحقيق حد أدنى آدمى للأجور وتحقيق أسس ديمقراطية حقيقية. وهكذا تضامنوا مع المجلس العسكرى فى التصويت بنعم على الاستفتاء ضد إجماع المعارضة، بل وشاركوا فى عدد من المناسبات غير القليلة مع السلفيين فى قمع رموز الداعين للتصويت بلا، مع استخدام الدين لتبشير المصوتين بلا بأنهم من حزب النار!
والموقف من الإخوان لابد وأن يكون موقفا مركبا، بقدر ما من التماثل مع الموقف من المجلس العسكرى، فمع الإقرار بطبيعتهم الطبقية وما تمليه من حدود لحركتهم فإن انتقاد سلوكياتهم المنحازة لتحجيم الثورة والضغط المتواصل سوف تكون له نتائج إيجابية ليس أقلها أن تلك الفترة قد شهدت انقساما عميقا بينهم بتأسيس حزب منهم ضد توجهاتهم اليمينية واتجاه شباب الإخوان للانفصال عنهم. وقد أوضح نجاح مظاهرة يوم جمعة إنقاذ الثورة رغم رفض الإخوان المشاركة فيها حدود حجمهم الحقيقى، مما دفع ممثلهم لاستباق القول بأنهم متواجدون فى الجمعة التالية لتحقيق باقى أهداف الثورة باعتبارهم من المشاركين فيها منذ البداية والمتبنين لأهدافها!
المستقبل
عند النظر إلى المستقبل لابد وأن نرى فى القلب أهداف الثورة التى لم تتحقق بعد. وأهداف الثورة تشمل الهدم والبناء، هدم النظام القديم وبناء النظام الجديد. وهدم النظام القديم لم يتحقق فيه عناصر هامة تتعلق بحل الحزب الوطنى ومحاكمة قادة ورموز الفساد مثل رئيس الجمهورية وأسرته وطاقم الحزب الوطنى القيادى والمشترك فى التربح من فساد الفترة السابقة (سرور وعزمى والشريف وغيرهم). كذلك لم يتحقق حل المحليات وحل اتحاد العمال وغيره من أجهزة الثورة المضادة. أما جانب البناء فلم يتحقق فيه شيى باستثناء عزل بعض القيادات الفاسدة مع بقاء الكثير منها!
إن إبراز المطالب الحاكمة للثورة فى الفترة الراهنة يحتل أهمية شديدة، وعلى رأس تلك المطالب هيكل جديد للأجور يحقق حدا أدنى آدميا للأجور، وحدا أقصى لا يزيد عن 15 أو 20 ضعفا للحد الأدنى، وتقليص الأجور المتغيرة إلى مالا يزيد عن 20% من الأجور مع وقف الامتيازات العينية المبالغ فيها لمناصب الإدارة العليا من سيارات وخلافه. كما وأن زيادة الموارد من أجل تحقيق تلك المطالب لابد وأن تتضمن إقرار قانون الضريبة التصاعدية على الدخل.
كما أن أهم المطالب العاجلة هى تحقيق حريات التعبير من حق الاجتماع والتظاهر السلمى وحرية إصدار الصحف والمطبوعات. أما حق التنظيم فيجب أن يلقى عناية خاصة: فحرية التنظيم الحزبى والنقابى المهنى والعمالى والأهلى (الجمعيات) فيجب أن تتحقق بإقرار التأسيس بالإخطار وليس بالإذن المسبق (وبالقطع ليس مثل قانون الأحزاب الجديد الذى يدعى أنه بالإخطار بينما هو فى الحقيقة بالإذن المسبق مع تيسير بعض شروط الإقرار وتعسير بعضها الآخر مثل شرط الخمسة آلاف عضو مع نشر اسمائهم جميعا فى جريدتين يوميتين بما يساوى مليون جنية!!). ولا يجب أن نقتصر على المطالبة بحق التنظيم، بل يجب أولا ممارسته بالتواصل المتواصل مع الجماهير وثانيا انتزاعه فى الواقع مع استمرار النضال من أجل تقنينه بقوانين أو بمراسيم بقوانين.
أما بالنسبة لمستقبل النظام السياسى فلابد من المطالبة بعدم وضع العربة أمام الحصان فى مسألة الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتعديل الدستور: فإن مطالبة الثورة بإسقاط النظام القديم وإنشاء نظام جديد فإنه يعنى دستورا جديدا قبل أى انتخابات فما الدستور سوى النظام الأساسى للمجتمع، وأى انتخابات تصبح عديمة المعنى حينما لا تملك دستورا يحدد تفصيليا ما هى حقوق الشعب وحرياته، ودور الرئيس وهل هو مجرد دور شرفى فى دولة برلمانية أم إنه هو رأس السلطة التنفيذية فى دولة رئاسية، كما لا تملك معنى إلا بعد أن يحدد الدستور هل نريد سلطة تشريعية من مجلس واحد أم من مجلسين (وهى حاليا أقرب لواحد ونصف حيث مجلس الشورى يمارس بعض السلطات التشريعية ولكنه لا يرقى لمجلس تشريعى كامل!). فالمطلب الأساسى هو تأجيل انتخابات مجلس الشعب وانتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا يتم على أساسه انتخابات لمجس شعب ورئيس جمهورية ذوى صلاحيات متفق عليها سلفا، مع إعطاء الوقت والفرصة والمجال لتبلور قوى الثورة وقوى التغيير الجديدة وليس الإسراع بتولى القوى القديمة الجاهزة لمقاليد الأمور حتى تستقر فى يد فلول الحزب الوطنى والقيادات التقليدية والإخوان المسلمين!
إن الركيزة الأساسية التى يجب الارتكاز عليها هى رصيد المزاج الثورى للجماهير التى ترفض أن تعود للظلم والاستعباد كما فى السابق شرط استمرار التواصل معها وتعميق ذلك التواصل وتنظيمها من أجل تحقيق أهدافها.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,238,642,558





- 17 ألف زلزال بأسبوع واحد ومخاوف من -انفجار بركاني- في آيسلند ...
- مقتل 3 صحفيات بالرصاص في أفغانستان.. وداعش يتبنى العملية
- منازل إيطاليا مهجورة للبيع مقابل دولار..ما رأي الملاك الأصلي ...
- البورميون يعودون إلى الشوارع وسط أجواء من الخوف بعد يوم دموي ...
- وزير سعودي عن تيران وصنافير: محمد بن سلمان قام بأمور غير طبي ...
- الكرملين تعليق على التطورات في دونباس: الأهم هو منع تجدد الح ...
- -رويترز-: الثلاثية الأوروبية تتخلى عن خطة لتوبيخ إيران ضمن ا ...
- نموذج من صاروخ سبيس إكس الفضائي ينفجر على الأرض بعد دقائق من ...
- نموذج من صاروخ سبيس إكس الفضائي ينفجر على الأرض بعد دقائق من ...
- النزاهة تضبط عقود اجهزة طبية مخالفة للضوابط


المزيد.....

- واقع الصحافة الملتزمة، و مصير الإعلام الجاد ... !!! / محمد الحنفي
- احداث نوفمبر محرم 1979 في السعودية / منشورات الحزب الشيوعي في السعودية
- محنة اليسار البحريني / حميد خنجي
- شيئ من تاريخ الحركة الشيوعية واليسارية في البحرين والخليج ال ... / فاضل الحليبي
- الاسلاميين في اليمن ... براغماتية سياسية وجمود ايدولوجي ..؟ / فؤاد الصلاحي
- مراجعات في أزمة اليسار في البحرين / كمال الذيب
- اليسار الجديد وثورات الربيع العربي ..مقاربة منهجية..؟ / فؤاد الصلاحي
- الشباب البحريني وأفق المشاركة السياسية / خليل بوهزّاع
- إعادة بناء منظومة الفضيلة في المجتمع السعودي(1) / حمزه القزاز
- أنصار الله من هم ,,وماهي أهدافه وعقيدتهم / محمد النعماني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية - محمد حسن خليل - مستقبل الثورة: قراءة فى ميزان القوى الراهن