أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خليفة المنصوري - قراءة سوسيولوجية لواقع -الثورة- التونسية















المزيد.....

قراءة سوسيولوجية لواقع -الثورة- التونسية


خليفة المنصوري

الحوار المتمدن-العدد: 3328 - 2011 / 4 / 6 - 10:06
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


"إن الثورة ليست نزهة يمكن أن تنتهي في ليلة وضحاها.. لأنّ الطبقة الحاكمة بكل ما تملكه من نفوذ لا يمكن أن تختفي بالكامل بل يمكن أن تصمد وسط العاصفة حتى مع الكثير من الخسائر وتنظم صفوفها بشن الثورة المضادة".
توني كليـف، عصر الثورة المضادة
استمرّ الجدل كثيرا في توصيف ما حدث في تونس وما آلت إليه مجريات الأحداث بشكل متسارع، في البداية، يفوق أحيانا التوقع بما سيحدث. فمنذ أن اندلعت الشرارة الأولى للتحرّكات وما عقبها من احتجاجات صارخة على الأوضاع المترديّة الاقتصادية والاجتماعية في الجهات الأكثر حرمانا وتهميشا، تجاذب الشارع في تونس بين قوّتين رئيسيّتين كان لهما الدّور الأساسي في تحديد ملامح العمليّة السّياسية إلى حدّ الآن: قوّة للدّفع إلى الأمام لكتلة جماهيرية انطلقت من الأعماق المفقّرة واكتسحت المدن والأحياء الأكثر حرمانا من ثمار تنمية كثيرا ما تبجّح النظام القديم بأرقامها، بالاحتجاجات والاعتصامات دون تنظيم أو توجيه، وهي تدّعي في كثير من الأحيان أنّها لا تمثّل إلا نفسها، حتىّ أنّها شكّلت في لحظات ما إحراجا للجميع بما في ذلك قوى الثّورة. وقوّة للجذب إلى الوراء، إمّا بالقمع في بداية الأمر أو بالالتفاف على مطالب الجماهير بغية إجهاضها، استمرّت من داخل النّظام الذي تنازل عن رأسه لتمرّ العاصفة دون خسائر أكثر، أومن أطراف أثبتت التجربة تورّطها في مواقف مخزية. ولعلّ ما حدث من حراك فيما بعد ليس إلا تجاذبا بين هذين القوّتين. وبين هذه وتلك وقفت النخب السياسية والقوى التقدمية المشاركة في التحرّكات الشعبية والمساندة لها من خلال أطرها النقابية، تنتظر ما ستؤول إليه الأوضاع لتحديد المواقف وتجهيز نفسها للمعركة. وهي تدرك محدودية فعلها وتأثيرها في توجيه زخم الشارع وتوظيفه. حتىّ بات في نظر الكثيرين ولازال يردّد إلى اليوم أن الذي حصل لم يكن إلا فعلا عفويا لحراك شعبي عبّر عن احتقانه الاقتصادي والسياسي ضدّ سياسات التجويع والتفقير والتهميش وقمع الحريات.
وعندما أيقنت أيضا هذه القوى أن هناك فجوة سحيقة بينها وبين الاندفاع الجماهيري، وأنّ ما حدث كان في غياب قيادة ثورية وتنظيم سياسي يستوعب مطالب الشعب، حاولت أن تتعاطى مع الأحداث على اعتبار أن" الثورة لم تتّخذ طابعا طبقيا معينا" و"أنها من صنع جميع الطبقات والشرائح الاجتماعية" وأنها" كانت ثورة برجوازية صغيرة ديمقراطية استهدفت الديكتاتورية"..
تفاعل الإرادات الخفية
إنّ صراع الإرادات في تونس لم يكن بين قوى ثورية ملتحمة مع الجماهير تعمل على انجاز مهام الانتقال الديمقراطي الشعبي بعمقه الطبقي، وبين قوى الردّة بمختلف مواقعها، بل بين كتلة جماهيرية منتفضة على واقع الحيف الاجتماعي والاقتصادي وانتهاك الحريات الأساسية من جهة وبقايا النظام السابق المتجدّد في الخطاب والهيكلة وبنفاق ثوري يكرس الوهم بالتحول الفعلي في الممارسة السياسية إلى تثبيت دعائم النظام الديمقراطي الحقيقي.
ومثل هذا الخطاب يتماهى إلى حدّ بعيد مع ما روّج له الإعلام الفرنسي، ومن ورائه النظام السياسي الرّسمي، منذ بداية الانتفاضة تحت تسمية "ثورة الياسمين" أو التحوّل السّلمي نحو الديمقراطية والذي باركته واشتغلت على تكريسه، بأنّ الذي حصل في تونس لن يكون إلا أقصى حدود التحوّل الديمقراطي. لذلك بات تعامل الغرب مع ما حدث يكشف استبطانا لرؤيته الأرو- مركزية والتي كثيرا ما ظهرت في قضايا تتعلّق بمستعمراتها في ما وراء البحار، على اعتبار وأنها بلدان يكفيها التحوّل الديمقراطي حتىّ في مستوى الشّكل أو ما يسمّى "بديمقراطية الواجهة". لذلك ما فتئت تساند ولفترات طويلة حتىّ أعتى الديكتاتوريات في دكّ حصون الحريات والحقوق، بل ورصدت لهذه الأنظمة التمويلات الضخمة حتىّ وإن أنتجت، وهي تعي بذلك، قاعدة موسّعة من السّلفيين والأصوليين، رغم ما تبديه في الظاهر من خطاب يؤكد على محاربة الإرهاب. فالنّفاق الثوري للحكومة الانتقالية في تونس يتماهى إلى حدّ التطابق مع نفاق الغرب بعقليته الاستعمارية وترويجه للمفاهيم الديمقراطية الأوّلية أو الشّكلية على أنهّا الحد الأقصى أو "نهاية التاريخ" لبدان المستعمرات السابقة.
وهذه الرّؤية المستبطنة للإعلام الغربي كان لها الأثر الكبير في تجييش الإعلام المحلي ثمّ العربي لصنع الرّأي العام فيما بعد على أنّ "الثورة" التونسية لم تكن إلا شبابية وافتراضية صنعتها شبكات التّفاعل الاجتماعي، وهو ما جعل الكثير من الباحثين يتساءلون عن حقيقة الدّور الذي لعبته مواقع التّواصل الاجتماعي في تفعيل إرادة الشّعوب ضدّ الأنظمة الديكتاتورية. إن هذا التماهي بين الإرادتين من حيث الخلفية وصنع القرار، على أنّ الثورة شبابية ودون قيادة ثورية أو برنامج سياسي انتقالي واضح، أفرغ الثورة من كل محتوى طبقي وأخرج الكتلة الجماهيرية عن أي تأطير أو توجيه، حتىّ أنّه قد تزايد اللغو في فترة ما باتجاه "ألا أحد يملك شرعية الثورة" و"لا يمكن لأيّ حزب أن يركب ثورة الشباب"، وهو الخطاب الذي تبنته الحكومة الانتقالية الأولى والثانية. ولقد تعاملت سلطة النظام المتجدّد مع توجّه "الشّارع" بحكمة حين تنازلت بتبنّيها لشعارات الجماهير من قبيل "المجلس التأسيسي" و"حلّ التجمع" وابتكارها هي الأخرى لشعارات جديدة "كالأغلبية الصامتة" و"قيمة العمل في الدورة الاقتصادية" و"حب تونس"، حتى تلهيه عن مطالبه الحقيقية في التنمية العادلة بين الجهات وبين الفئات والتي خرج من أجلها في البداية. لقد حوّلت السّلطة انتفاضة الجماهير المظلومة والجهات المحرومة وما دفعته من شهداء، من عمقها الطبقي والقيام بمهام الانتقال الدّيمقراطي الشّعبي إلى صراع على تمثيل "الثورة" في مؤسسات منصّبة من قبيل "مجلس حماية الثورة" و"لجان الإصلاح السياسي" وحصر عملية الانتقال الديمقراطي في هذا البعد ليس إلا.
قوى الثورة وقوى الردّة
لقد وقع الترويج إلى أنّ انتفاضة الجماهير التونسية على الديكتاتورية، رغم خروجها من أعماق البلاد بفقرها وتهميشها لسنوات طوال، ليست إلا ثورة ما بعد الايديولوجيا أو هي ثورة تستهدف إعلاء منظومة من القيم السّياسية والاجتماعية لا يختلف حولها الجميع. ولم يكن بمقدور القوى السّياسية التقدمية التنبّه إلى مثل هذه المخاطر في بيانها التأسيسي لجبهة 14جانفي، حيث لم يخرج خطابها عن مطالب تبدو من الوهلة الأولى إصلاحات ليبرالية في مستوى أعلى السلطة من قبيل "إقامة مؤتمر وطني لحماية الثورة" و"حلّ مجلس النواب والمستشارين" و"الإعداد لانتخابات مجلس تأسيسي" و"صياغة دستور". الأمر الذي تنبهت له الحكومة الأخيرة ودفعت إليه ليبدو انتصارا لقوى الثورة على قوى النظام القديم، في إطار لعبة شدّ الحبل وتوجيه مسار الثورة.
ولعلّ غياب الأدبيات السّياسية للقوى التقدمية حول برنامج الانتقال الديمقراطي الفعلي جعلها تقفز على دورها التاريخي الذي كان لابدّ أن تلعبه وتتمايز به عن كل قوى الردّة والثورة المضادّة. فالتواجد في أرضية عمل مشتركة والتنسيق مع حركة النهضة في إطار المجلس الوطني لحماية الثورة على وهم أنّها قامت بجرّها إلى تبنّي ميثاق المبادئ الديمقراطية دون أن تبين حدود تحالفها المرحلي أو تباينها الخطي مع هذه القوّة، والتي لطالما اعتبرتها من قوى الردّة والرجعية وعدوا طبقيا لكل انتقال ديمقراطي، سيجعلها أكثر إحراجا فيما بعد عندما تدخل معركة الانتخابات، أو في أية لحظة عندما تكتشف انقضاض هذه القوة على عملها في الجهات أو في "المجالس المحلية لحماية الثورة"، مثلما حدث في المحليات التي استقالت فيها المجالس البلدية مؤخّرا. ورغم أنّ التناقض مع قوى الردّة يبدو معطى واقعيا، فإنّ عمل الجبهة لم يخرج عن مطاردته لأوهام قدرته على تفعيل مهام" المجلس الوطني لحماية الثورة" لتصدر الجبهة بيانها الجديد الذي تدعو فيه إلى ضرورة اجتماع هذا المجلس بتعلّة أن "إحداث الهيئة العليا لتحقيق الثورة والإصلاح السياسي لم يكن محلّ تشاور وتوافق بين القوى السياسية" وأن"تركيبتها ليست من مكونات المجلس الوطني لحماية الثورة".
فالتحالف في جبهة 14جانفي لم يدرك من جهة القوى الخفيّة والمعادية للثورة التي تحرّك المسار السياسي من داخل النظام القديم المتجدّد والاملاءات الخارجية لدوائر النفوذ المالي، ولم يتمايز من جهة أخرى ببرنامجه الانتقالي الذي كان لا بدّ أن يعبّر عن رؤية طبقية تخدم العدالة الاجتماعية الانتقالية ويصطفّ وراء مطالب الجماهير المنتفضة ضد الظلم والحيف وسياسة التجويع. لذلك كانت هذه القوى الخفية والمتربصة بالثورة موفقة إلى حدّ كبير في جرّ القوى التقدمية إلى منطقتها لتجعلها تتبنىّ إستراتجيتها في الإصلاح وإلهائها عن دورها الأساسي والتاريخي في الالتحام بمطالب الجماهير.
ومثل هذا السّلوك السّياسي الذي انتهجته الحكومة المؤقتة في توريط القوى الحقيقية للثورة واشتغالها على النّفاق الثوري الذي تمنّ به في خطابها من خلال ما تظهره من تبنيّ لمطالب الجماهير وتمثّلها للقيادة الثّوريّة التي بعهدتها مسؤوليّة الانتقال الديمقراطي، يراد به التغافل عن المطالب الحقيقية للجهات في التنمية العادلة والتشغيل والمشاركة في صنع القرار السياسي عن طريق تمثيلها الجادّ واستشارتها في صياغة سياسات البلاد، خاصة وأن الوضع التنموي في تونس وعلى مرّ عشريات ماضية كان مهترئا ومنذرا بالخطر رغم تضخيم الأرقام في الخطاب التنموي للدولة. وهي المغالطات التي كشفت عن حرمان وتفقير ممنهج في الجهات الداخلية وتردّ لأوضاع الحياة، وعن لاتكافؤ اجتماعي بين الجهات و بين الفئات والطبقات، وعن واقع تشغيلي هشّ يمسّ أكثر من60℅ من اليد العاملة النشيطة. إضافة إلى ضّعف في تكوين حملة الشّهادات العليا، يرتبط بواقع تعليميّ متردّ لا يعيد إلا إنتاج المجتمع بأزماته الهيكلية، وسلم اجتماعية ورّط فيها النظام المنظمة الشغيلة لتحييد القوى الضاغطة، وامتصاص توتّر الطبقة الوسطى التي يؤشّر وضعها على حراك تنازلي بحكم تدنّي المقدرة الشرائية والتداين المفرط وارتفاع الأسعار.
فالقضايا الرئيسية التي خرجت من أجلها الجماهير وقدّمت التّضحيات لتطيح بأعتى الديكتاتوريات كانت تجمع بين ما هو اجتماعي مباشر وما هو سياسي في الأفق، الأمر الذي لم يرتق إليه عمل القوى الديمقراطية، رغم أنها الطّرف المؤهل تاريخيّا وطبقيّا للقيام بمثل هكذا مهام.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- فيديو | 41 طلقة مدفعية في جميع أنحاء بريطانيا تكريماً للأمير ...
- سقوط 53 قتيلاً في معارك محتدمة قرب مدينة مأرب اليمنية
- فيديو | 41 طلقة مدفعية في جميع أنحاء بريطانيا تكريماً للأمير ...
- رئيس الجمهورية يصادق على أعضاء المحكمة الاتحادية (وثيقة)
- نائب: الحكومة الحالية وظيفتها إدامة الخراب وتجويع الشعب
- ملفات 4 دول على طاولة مباحثات الكاظمي وأبو الغيط
- مسؤول عراقي يكشف أسباب تأجيل زيارة رئيس الحكومة اللبنانية إل ...
- الكاظمي يؤكد للبارزاني ضرورة تعزيز التكامل الامني بين بغداد ...
- ألمانيا.. -شاريتيه- يدق ناقوس الخطر بشأن الموجة الثالثة
- الحكومة التونسية تتراجع عن قرار إغلاق الأسواق الأسبوعية


المزيد.....

- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني
- اطفال الفلوجة: اللغز الطبي في خضم الحرب على العراق / قصي الصافي
- صفقة ترامب وضم الاراضى الفلسطينية لاسرائيل / جمال ابو لاشين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خليفة المنصوري - قراءة سوسيولوجية لواقع -الثورة- التونسية