أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن الفجح - هستيريا الفتوى














المزيد.....

هستيريا الفتوى


حسن الفجح

الحوار المتمدن-العدد: 3183 - 2010 / 11 / 12 - 22:32
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هستيريا الفتوى ليس مرضا نفسانيا يستلزم منا تحليله و اكتشاف علاجه، لأننا أولا لسنا أخصائيين في المجال، و ثانيا لأنه فعلا ليس مرضا، بقدر ما هو وصف لظاهرة قديمة حديثة انتشرت في الأونة الأخيرة على نطاق واسع و بشكل غريب في وطننا العربي. حتى باتت محط استغراب الكثيرين، من بينهم نحن بالطبع.
فما الداعي الى الاستغراب في هذه النقطة بالذات؟
لا شيء على الاطلاق، فالطلب المتزايد على الفتاوي هو سر نجاح الفتوى كحرفة تكسب رزقها من عرق الجبين كالرزق الحلال. أنا هتا لا أنوي محاسبة الميزانية الخاصة للمفتي، لكنني أود أن ألفت انتباهكم الى أن طلب الفتوى بشكل مبالغ فيه يمثل أزمة حقيقية تثير الاستغراب فعلا، و هي أزمة عقل بالدرجة الأولى. فالعقل الاسلامي _ ان جاز هذا التعبير _ هو مزيج متداخل من مجموعة كبيرة جدا من الثقافات منذ عصر مصر الفرعونية و الى اليوم. فهو يجمع ما بين امكانية صعود الانسان الى القمر، و بين "حقيقة" أن الأرض مسطحة و أنها مركز الكون.ان مواطننا المسكين يذرع برأسه العجيب جميع العصور و يعبئه بما طاب له من "الحقائق" المفزعة دون أن يحس بفجاعة التناقض. ان عقله مزيج من الدين و الأسطورة و الخرافة، يعيشون جنبا الى جنب في جو من التسامح المثالي دون أن يحدث ذلك شيئا يثير القلق.
هذا يحدث في وطننا العربي و تحدث معه أشياء أخرى أكثر غرابة و طرافة. فمواطننا العربي ذاك لا بد من أن يشم رائحة الدين في كل شيء يقدم عليه، و المفتي لا بد أن ينوه بعمله و يشجعه على ذلك. لأن المفتي نفسه لا بد و أن يقحم الاسلام في كل شيء. أعني في كل شيء يخطر ببالك.
أنا هنا لست ضد الافتاء _ ما دام مجرد رأي خاص بشخص معين قد يصيب أو يخطئ، كما يمكن أن يكون ذا سند شرعي أو بدونه _ لكنني لا أوافق لا اقحام الاسلام في كل شيء بشكل تعسفي. فالاسلام لم يأتي ليحشر أنفه في الحسابات الضيقة لحياة الناس. لكن المفتي جاء بالضبط ليؤدي هذه المهمة المضنية. فهو ينام معك في السرير، و يتناول معك افطار الصباح و يرافقك الى الحمام، و الى أي مكان آخر تود الذهاب اليه. انه يشاركك تفاصيل حياتك كلها.
أنا لا أهاجم "رجال الدين" و لا أنوي فعل ذلك، لكن الاسلام كما ترى ليس حرفة، و لأن الله لم يوص "رجال الدين" بالوصاية على الدين و لم يأمرهم بترك باقي الحرف و اتخاذ دين الله كحرفة، كما كان يفعل رجال الدين في اليهودية و المسيحية. لا..لا.... لم يأمرهم قط، لكنهم في الواقع لم يكونوا ينقلوا عن الاسلام بل كانوا أوفياء لتعاليم التوراة. ففكرة "رجال الدين" ذاتها لم يأتي بها الاسلام بل جاء ليحرر الدين منها بالذات لأنها من مخلفات ثقافة اليهود المزورة في التوراة.
فالاسلام قد ترك للناس مساحة واسعة للتحرك بحرية وفق مستجدات و متغيرات التقدم البشري، لكي يستوفي شرط صلاحيته لكل زمان و مكان. فالقاعدة الأساسية في الاسلام هي دائرة المباح التي تنطوي على الحرية الانسانية التي تعد، في نظرنا، أصلا ثابتا من أصول الدين. لكن "رجال الدين" لابد من أن يناصبوننا العداء. فالمفتي، رغم ضيقه الخفي مما قلناه، لن يكثرت كثيرا لكلامنا و سيواصل لعبته المضحكة، و سيطل عليك بزيه "الشرعي" _ الذي لا نعرف مصدرا لشرعية زيه ما عدا كتب الاصحاح في التوراة _ ليطاردك بفتاويه في كل مكان يجوبه خيالك.
فمشكلة الفتوى مثيرة الى هذا الحد. لكن أصل المشكلة، بلا شك، هو مواطننا المسكين الذي يريد أن يتنفس التقوى و الورع في جزئيات حياته اليومية كلها. مانحا بذلك لمفتينا بابا واسعا لاقحام الاسلام في مساحات ضيقة لا يطيقها. كان ذلك خطأ مواطننا المميت الذي أسقطه على لباسه لينال نوعا من الشرعية الدينية و يصبح فريضة بمقتضى الشرع و جزءا من العقيدة. و هذه المشكلة تخص الرجال و النساء على السواء، و ذلك بمعونة الفقهاء بالطبع الذين تفننوا، كعادتهم، بفتاويهم حول اللباس، مبتكرين ترسانة ضخمة من الكلمات التي تملك وقع القنابل في الآذان، من قبيل "اللباس الشرعي" الخاص بالرجل و "الحجاب" الخاص بالمرأة. فالرجل الذي يخضع لمقاييس "اللباس الشرعي" ينال رضى الفقهاء و يعد مؤمنا تقيا، و المرأة المحجبة تحصل مباشرة على رتبة "سيدة مصون" بحذف التاء من باب اظهار الفصاحة. لكن يبدو أن فقهاءنا قد أخطأوا الطريق في نقطتين مميتتين:
الأولى: هي أن العفة لا تحصل بموجب شكل اللباس، بل بالايمان بكرامة الانسان و حريته و قداسته.
الثانية: أن مسألة "اللباس الشرعي" أو "الحجاب" لا تستمد شرعيتها من الدين بل من التاريخ، لكن الفقيه بلا شك سيجد لها شرعية دينية ليرضي غروره على الأقل.
فالافتاء في اللباس من باب الحفاظ على السنة، ليس منهاج الرسول عليه السلام، رغم ما يقوله الفقهاء تحت يافطة "لباس الرسول". فالرسول نفسه لم يكن حرا في اختيار لباسه، بل فرضته عليه ظروفه الجغرافية و التاريخية.
فهستيريا الفتوى ليست ظاهرة قائمة الذات. بل هي نتيجة منطقية لظاهرة أخرى أكثر استفحالا، هي الطلب الهستيري للفتوى الذي يريد منه أصحابه تنفس الدين في كل جزئيات حياتهم الدقيقة.
فمواطننا المسكين مريض بداء التقوى الى هذا الحد. فلا تتركوه يذهب بعيدا....



#حسن_الفجح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلام في الحب
- المئذنة مجرد بئر مقلوبة
- الإسلام شفويا
- مجرد أسئلة
- هل خانوك؟


المزيد.....




- باك نجاد: قائدنا العظيم كان قائدًا حكيمًا، ولم يلتف حوله الم ...
- المدعي العام في طهران: أبرز التهم الموجهة إلى بهلوي هي الإفس ...
- شئون الحرمين تواصل رفع جاهزية المسجد الحرام لاستقبال المعتمر ...
- إيران تبدأ مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق خامنئي اليوم
- جبلي: العالم يتابع مراسم التشييع... والجمهورية الإسلامية أكث ...
- مباشر: بدء مراسم تشييع المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي رسم ...
- اللواء يحيى رحيم صفوي: إيران وكيان الاحتلال يخوضان حرب وجود ...
- بدء مراسم وداع قائد الثورة الإسلامية الشهيد السيد علي الخامن ...
- الكنيست يقر تمهيدياً مشروع قانون لتقييد رفع الأذان في القدس ...
- ميدفيديف: روسيا عازمة على توسيع تعاونها مع الجمهورية الإسلام ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسن الفجح - هستيريا الفتوى