أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي عبد محسن - قناع الموت














المزيد.....

قناع الموت


حمودي عبد محسن

الحوار المتمدن-العدد: 2927 - 2010 / 2 / 25 - 16:15
المحور: الادب والفن
    



كان الوقت ظهرا ، وقد هدني تعب مرهق عندما حانت ساعة الظهيرة القائظة ، ظهيرة صيف الحر . بغتة جفلت غاضبا في مكاني ، وأنا في طريق عودتي إلى البيت من وادي السلام الذي يمتلأ بالقبور ، وتحيطه رمال الصحراء في مدينتي النجف . خمدت فوق الأرض منغلقا مثل صنم مجهول ، إذ سقطت حمامة من الفضاء من شدة القيظ ، وتهشمت في بركة دماء ، فزادتني الصدمة برنين سقوطها ، واحتضارها الذي لم يدم لحظات برعب شديد . كنت أنظر إليها بعينين محتقنتين بالدم ، وأردد مع نفسي :هذا فأل سيء . لم أعد أطيق الصمود ، فمشيت بخطوات واسعة سريعة ، مطلقا تنهيدة عميقة ، مرتبكا في غموض غريب ، رافعا رأسي إلى الشمس التي تلفح ظهري ، وأكرر : الموت لا يتركني أبدا . لقد طالت لحظات الطريق واستغرقت طويلا ، مختلفة عن الزمن العادي ، والعرق يتصبب من جسدي ، إلى أن وصلت البيت في محلة الحويش ، والزمن يمضي جاريا مستمرا ، لا أعرف ماذا يخفي لي ، فقلت بصوت خافت : دعه يمر ما زلت وصلت بيتي . كانت تلك لحظات عظيمة معقدة . دفعت الباب ، ودخلت إلى الحوش مستغرقا في فكير قلق ، وجفناي ثقيلتان ، ولساني لم يستطع أن يصوغ الكلمات ، وكذلك شعرت بخدي حارتين ، وأنا أمضي في أفكاري إلى إرث الحمام في مرقد الإمام علي التي تعودت أن أطعمها بحبات برغل ، وأطيل النظر إلى رفرفتها ، وأسمع هديلها فقلت مع رفرفة جفوني : أنا أحبها . اعتقدت أنني لم أقل شيئا ، وإنما شفتاي صاغتا الكلمات ، فقد تشابكت عوالم متشعبة في ذهني : الموت ، الجسد ، الدم .
نزلت إلى سرداب السن الذي ضرب وجهي هواء منعش بارد ، واندسيت في الفراش ، ورحت أغط في نوم عميق بقيلولة النهار دون أن أفسح المجال لعقلي كي يطيف بحريته مع الظلال العصور القديمة التي ورثت لنا الموت والسجون والحروب التي شاهدتها الدماء النازفة على أرض الرافدين ، إلا أن الدهشة أرعبتني ، فكان واقفا عند قدمي شاهرا حسامه ، أنه مخلوق يختلف عن الآخرين بظهره المقوس ، وتجاعيد وجهه الكئيبة ، ولونه ليس لون الحياة ، فهو ليس ميتا ، وليس حيا، أنه هو الذي رأيته سابقا ، لقد تغير كثيرا ، حيث أصبح وجهه قديم جدا ، وقاسيا جدا ، لم ينظر إلي في بادئ الأمر ، بل كانت نظراته تحدق في الفراغ كأنها تريد أن تبتلع الظلام ، شعرت برعب حضوره ، وخفت أن يقطع عنقي ، ويعود إلى كرسي الحكم ، ويشيع مجازر القتل والحروب والاستبداد ، فلم يكن وجهه ذالك الفريد ، وجهه نموذج لظل آخر وظل الظل في آلام الشرور التي طحنت بالعراقيين ، يبدو أنه يريد الانتقام ، أصابني شعور بالهلع ، ولم أقو على الصراخ ، والتحرك ، فجمدت في فراشي وتسمرت قدماي بالأرض ، ولفني شحوب أعوام مضت ، وأنا أسمع تنهداته التي لا حصر لها ، تنهدات الانتقام الأكثر وحشية ، لابد أنه يخفي شيئا مرعبا ، التزمت الصمت في هلع رهيب ، وقد انتابني الرعب عندما فكرت بمحاولة الهروب ، يا للغرابة ! سمعت بلسانه الغريب الذي لا يشبه أي لسان ، ومن فمه الذي يتفوه بالكلمات :
- أعطني قناع الموت .
لم ارتد أي قناع ، لطالما أفزعتني الأقنعة ، فوجهي حقيقي ، ويبدو حزينا ، وروحي لم تفارق جسدي مثله ، فأجبت بصوت واطئ :
- لا أملك أي قناع .
لم أكن أريد أن أستيقظ أو أتنور بالشمس الآتية من شباك في أعلى سقف السرداب ، ولم أحاول أن أنجو من الخوف ، بل أردت أن أتأمل ، وأشك بأنني في ذاتي نير ليس مثل الذين يرتدون الأقنعة ، وأنني آمن في السرداب ، أتنازع مع هذا الوجود ، وأحاول أن أصعد إلى أعلى بثوب منامي الأبيض ، هذا ملهمي ، إلا أن الطوفان قد حدث ، طوفان الرمال في الشمس اللاهبة ، التي غطت المدن والأرياف ، واختفت الأقنعة ، لم لا... كل شيء غريب يمكن أن يحدث في لمحات بصر .
حمودي عبد محسن
25 . 02 . 2010



#حمودي_عبد_محسن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وقد مضت الأعوام
- الحداثة في رواية الأرسي
- من أقواس المتاهة
- الحداثة في رواية المقهى والجدل


المزيد.....




- رسام الكاريكاتير اليمني كمال شرف: جئنا إلى طهران للمشاركة في ...
- تقرير: تدهور مفاجئ في صحة الفنان فضل شاكر وأنباء عن إخلاء سب ...
- صبا مبارك على رأس القائمة.. نقابة الفنانين الأردنيين تطرد 21 ...
- إسرائيل تدمر الحياة الثقافية والفكرية في لبنان
- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمودي عبد محسن - قناع الموت