أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أشرف صالح - اللوذعي الألمعي .. بهاء الدين قراقوش















المزيد.....

اللوذعي الألمعي .. بهاء الدين قراقوش


أشرف صالح

الحوار المتمدن-العدد: 2654 - 2009 / 5 / 22 - 10:04
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


قراقوش يُعرف لدى غالبية الناس مقترنا بالأحكام العجيبة والتي تصوره ظالما تارة وغبيا تارة أخرى، وهي أحكام ‏بتناقلها الناس ويزيد عليها البعض نوادر وطرائف حتى أصبح البعض حين يرى تصرفا ظالماً أو غريباً يطلق عليه حكم ‏قراقوش.‏

إن كثيرين سيفاجئون عندما يعلمون أن قراقوش (أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي الملقب بهاء الدين) بطل من ‏أبطال زمن صلاح الدين الأيوبي والدولة الأيوبية في مصر(567 - 648 هـ / 1171 - 1250 م)، فهو رومي ‏الأصل، امتلكه أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي وحرره من العبودية، ثم جعله - لكفاءته وذكائه - أحد ‏ضباط جيشه واختار لنفسه اسم بهاء الدين الأسدي (نسبة لسيده أسد الدين) الذي اصطحبه معه إلى مصر. وبعد وفاة ‏أسد الدين انتقل لخدمة ابن أخيه صلاح الدين الأيوبي، واستبدلت كنيته «الأسدي» بـ«الناصري» نسبة للناصر صلاح ‏الدين.‏

قراقوش شخصية فذة امتازت بالجد والعمل والإبداع في هندسة القلاع التي ما زال بعضها ينتصب شامخاً كقلعة صلاح ‏الدين الأيوبي في جبل المقطم، كما قام بتحصين دمياط، وبنى قلعة سيناء قرب عين صدر، وقلعة فرعون في خليج ‏العقبة، كما انشأ الأبراج العالية لمراقبة تحركات جيوش الفرنجة أعداء دولة صلاح الدين زمن الحروب الصليبية في ‏القرن السادس الهجري. وإضافة إلى هذه الأعمال العسكرية فإنه بنى قناطر الجيزة وهو مشروع زراعي عظيم.‏

كما انتدبه صلاح الدين بعد تحرير عكا لتحصين أسوارها، فلم يكن يثق في أحد لتنفيذ هذه المهمة غير قراقوش، فقد ‏ذكر العماد الأصفهاني في كتابه "الفتح القدسي" أن صلاح الدين قال: "ما أرى لكفاية الأمر المهم، وكف الخطب الملم، ‏غير الشهم الماضي السهم، والمضيء الفهم، الهمام .. النقاب المجرب، المهذب اللوذعي.. الألمعي، الراجح الرأي، ‏الناجح السعي، الكافي، الكافل بتذليل الجوامح، وتعديل الجوانح، وهو الثبت الذي لا يتزلزل.. ولا يتحلحل، بهاء الدين ‏قراقوش، الذي يكفل جأشه بما لا تكفل به الجيوش". ‏

وقد كتب قراقوش إلى صلاح الدين يخبره أنه لم يبق عنده من الأقوات ما يكفيه فلما وصل الكتاب إلى صلاح الدين ‏أخفاه لئلا يعلم الفرنجة بالأمر فيهاجموا المدينة ويحاصروها، "ثم جهز صلاح الدين ثلاثة مراكب من بيروت بزي الإفرنج ‏بعدما حلقوا مثلهم وشدوا الزنانير واصطحبوا شيئاً من الخنازير، فلما مروا على مراكب الإفرنج اعتقدوهم منهم ولم ‏يعترضوا سبيلهم" (وفق رواية ابن كثير في البداية والنهاية). وقد استمر قراقوش بالبناء، حتى استطاع الفرنج السيطرة ‏على عكا في 17 جمادى الآخرة سنة 587هـ فأخذ أسيراً مع الأسرى، حتى فداه صلاح الدين بعشرة آلاف دينار وقيل ‏بستين ألف دينار، كما ذكر ابن تغري بردي، وقد فرح بفك أسره فرحاً عظيماً.‏
‏ ‏
لقد استمر قراقوش في خدمة الملك العزيز عثمان بعد وفاة والده السلطان صلاح الدين، وقد جعله العزيز نائباً عنه في ‏مصر وجعله أتابكا (نائبا) لابنه محمد حين أوصى له بولاية العهد من بعده، كما أوكل إليه العزيز مهمات أخرى حيث ‏كان يتولى حفظ أموال الزكاة ويتولى النظر في المظالم. وبعد وفاة الملك العزيز أصبح قراقوش وصيا على ابنه الملك ‏المنصور محمد الذي كان عمره تسع سنين حتى عزل قراقوش من الأتابكية (الوصاية)، إلا أن قراقوش بقي على ‏أهميته حتى وفاته بالقاهرة في مستهل رجب سنة 597 هـ بعد أن خدم صلاح الدين وابنيه أكثر من ثلاثة وثلاثين ‏عاماً، وكان آخر عمل قام به تجديد بناء جامع قيدان خارج القاهرة في محرم من نفس العام.‏

أما كلمة قراقوش بفتح القاف والراء فهي تركية ومعناها النسر الأسود (قوش: نسر، قرا: أسود). وسيرة هذا القائد ‏الأيوبي قراقوش، الذي كان عبداً ثم حراً محارباً ومهندساً وقائداً في صمود عكا ووصياً على حكم مصر (أولاد صلاح ‏الدين)، سيرة غنية تتسم بالوفاء ونكران الذات والبعد عن الأنانية وكثرة الانجازات، وربما جرت عليه التشنيع من قبل ‏حساده وأعدائه الذين شنعوا عليه، فهو لم يبطش أو يتسلط أو يظلم أو يتجبر على أحد من المصريين أو غيرهم من ‏المسلمين. ذكر ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان أن الناس ينسبون إليه أحكاما عجيبة في ولايته، وقد كتب الأسعد ‏ابن مَمّاتي‏ (توفي 606هـ) ناظر الديوان في عهد صلاح الدين كتاباً باللغة الدارجة المصرية بعنوان "الفاشوش في ‏أحكام قراقوش" وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه، والظاهر أنها موضوعة، فقد كان صلاح الدين معتمدا عليه في أحوال ‏مملكته ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه. وقد انتهى إلى القول:"وكان له حقوق كثيرة على السلطان، وعلى ‏الإسلام والمسلمين". ‏

الواقع أن؛ بهاء الدين قراقوش شخص شبه مغمور لا يعرف سيرته إلا من يبحث في سيرة صلاح الدين الأيوبي ‏وأعماله حيث يرى بصمات واضحة لقراقوش في تلك الأعمال، إلا أنه تعرض لتشويه جعله ينتقل من قائمة المحاربين ‏والمهتمين بالعمارة إلى قائمة الحمقى والمغفلين وأحيانا الطغاة. فقد شاءت الأقدار أن تسلط عليه لسان "ابن مَمّاتي‏" ‏الذي صنف له كتاب "الفاشوش في حكم قراقوش" حيث وظف بعض الطرف الهجائية للنيل من شخصية قراقوش. ومن ‏يرجع إلى هذا الكتاب يجد أن السخرية تشيع فيه من أول كلمة حتى آخر كلمة، ويبدو أن ابن مَمّاتي‏ كان يحب أن يثير ‏روح الفكاهة عند صلاح الدين من جهة، ويوضح له من جهة أخرى خصال الأمير بهاء الدين قراقوش بطريقة ساخرة، ‏حتى يعمل على إراحة الرعية منه.‏

ويرى البعض؛ أن حكايات الفاشوش في أحكام قراقوش صيغت بأسلوب عامي ركيك أراد فيه ابن مماتي محاكاة العامة ‏ليضمن لحكاياته الرواج والانتشار، وأنّ الناس لو محصوها في هذا الوقت لأدركوا أنّها لا يمكن أن تصدر عن رجل ‏سوي فكيف برجل كان له دور مهم وبارز في الدفاع عن البلاد الإسلامية في وقت عصيب. ومن أهم الملحوظات على ‏هذه الحكايات هو وجود تشابه كبير بين بعض الحكايات المنسوبة لقراقوش وبين ما يتداوله الناس من حكايات تنسب ‏إلى جحا، كما أن بعض الحكايات تناقض مع ما اتفق عليه المؤرِّخون عن قراقوش، فمنها حكاية تتحدث عن ابن ‏لقراقوش مع أنّ المؤرِّخين مجمعون على أنّه خصي. ‏

لم يكن ابن مَمّاتي‏ يدري حينما صنف كتابه أنه سوف يلحق الأذى بقراقوش حياً وميتاً، فقد امتد أثر هذه الحكايات ‏الطريفة حتى زماننا هذا، وساعد على ذلك عدد من الكتب على نفس الشاكلة، فيقال أن جلال الدين ‏السيوطي (توفي911هـ) اطلع على كتابات ابن مَمّاتي‏ وألف كتاباً على شاكلته، وأعطاه العنوان نفسه، ثم جاء مؤلف ‏مجهول لم يذكر التاريخ لنا‎ ‎اسمه، فصنف كتاباً سماه:"الطراز المنقوش في أحكام قراقوش". إلا أنه على الرغم من ‏قسوة التهم التي تعرض لها قراقوش، والتي جاءت في صورة هزلية إلا أنها كانت سبباً في شهرته وتداول اسمه بين ‏الناس، مما دفع بالكثير من الباحثين والمؤرخين إلى البحث في سيرته ونفي ما يُنسب إليه من أحكام مغلوطة.‏

والخلاصة؛ كان الحنق والغيرة والحسد تملأ قلب الأسعد ابن مَمّاتي‏، وكان قراقوش في الوقت ذاته حاكماً قاسي القلب، ‏أميناً على أموال الدولة، مخلصاً للدولة الأيوبية، وربما سعى إلى تحديد صلاحيات خصمه اللدود ابن مَمّاتي -والذي كان ‏يتولى ديوان الجيش وديوان المال- فكان ما كان. ويدل على صحة هذا الاستنتاج قــول ابن مَمّاتي في مقدمة كتابه ‏‏"الفافوش في أحكام قراقوش": " ... إنني لما رأيت عقل قراقوش محزمة فاشوش، قد أتلف الأمة، والله يكشف عنهم ‏الغمة، لا يقتدي بعالم، ولا يعرف المظلوم من الظالم .. صنعت هذا الكتاب لصلاح الدين عسى أن يريح منه المسلمين".‏

وصدق ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب حيث قال ضمن وفيات سنة 597هـ:"قراقوش الأمير الكبير وقد ‏وضعوا عليه خرافات لا تصح، ولولا وثوق صلاح الدين بعقله لما سلم إليه عكا وغيرها".‏






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرجل الذي هزم أوروبا : نابليون بونابرت (1769-1821)‏


المزيد.....




- مصر.. مصرع 5 أشخاص وإصابة 8 آخرين سقطوا في بئر للصرف الصحي
- دونالد ترامب: إغلاق تحقيق في محاولة الرئيس السابق -شراء صمت- ...
- الأزمة الدبلوماسية بين المغرب وألمانيا...قطيعة أم بحث عن حل؟ ...
- أردوغان يؤكد بدء مسار جديد مع مصر ويشدد على روابط الشعبين
- الهلال الأحمر: إصابة 178 فلسطينيا إثر اقتحام القوات الإسرائي ...
- المجلس الرئاسي الليبي ينفي اقتحام مقره في العاصمة طرابلس
- خالد مشعل: أجرينا اتصالات دولية مكثفة لوقف ما يحدث في القدس ...
- ليبيا.. مسلحون يقتحمون مقر المجلس الرئاسي في طرابلس (فيديو) ...
- رئيسة تنزانيا تغير سياسة سلفها المثيرة للجدل وترتدي الكمامة ...
- يوميات رمضان من دمشق مع المطربة ليندا بيطار


المزيد.....

- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر
- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه
- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - أشرف صالح - اللوذعي الألمعي .. بهاء الدين قراقوش