أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - جوزيف ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية في الاتحاد السوفييتي















المزيد.....



القضايا الاقتصادية للاشتراكية في الاتحاد السوفييتي


جوزيف ستالين

الحوار المتمدن-العدد: 5772 - 2018 / 1 / 30 - 23:59
المحور: الارشيف الماركسي
    


        « 12 أيلول 1952 »
منشورات دار الفارابي
بيروت ـ 1954
 
إلى المشتركين في المناقشة الاقتصادية
 
ملاحظات حول المسائل الاقتصادية التي أثيرت
في مناقشة تشرين الثاني 1951
 
تلقيت جميع الوثائق المتعلقة بالمناقشة الاقتصادية التي جرت حول تقدير مشروع كتاب الاقتصاد السياسي، ومنها «مقترحات لتحسين مشروع كتاب الاقتصاد السياسي» و«مقترحات لإزالة الأخطاء وعدم الدقة» الموجودة في المشروع، كما تلقيت «بياناً» في المسائل التي كانت موضع جدال».
وحول هذه المواد جميعاً، وكذلك حول مشروع الكتاب، أرى لزاماً علي أن أبدي الملاحظات التالية:
 
1 ـ حول صفة القوانين الاقتصادية في النظام الاشتراكي
 
ينفي بعض الرفاق صفة الموضوعية في قوانين العلم، ولاسيما صفة الموضوعية في قوانين الاقتصاد السياسي في النظام الاشتراكي.
إنهم ينفون أن تكون قوانين الاقتصاد السياسي انعكاساً لانتظام حركة التطور التي تحدث بصورة مستقلة عن إرادة الناس. وهم يرون، نظراً للدور الخاص الذي يسنده التاريخ إلى الدولة السوفييتية، إن في وسع هذه الدولة، وقادتها، إبطال قوانين الاقتصاد السياسي القائمة، في وسعهم «تكوين» قوانين جديدة، و«خلق» قوانين جديدة.
هؤلاء الرفاق مخطئون خطأ جسيماً. فمن الجلي أنهم يخلطون بين قوانين العلم التي تعكس حركة التطور الموضوعية في الطبيعة أو في المجتمع، هذه الحركة التي تحدث بصورة مستقلة عن إرادة الناس، وبين القوانين التي تسنها الحكومات وتخلقها إرادة الناس وليس لها غير قوة حقوقية. و لكن لا يجوز أبداً الخلط بين هذه القوانين وتلك.
إن الماركسية تعتبر قوانين العلم ـ سواء منها قوانين الطبيعة أو قوانين الاقتصاد السياسي ـ انعكاساً لحركة التطور الموضوعية التي تحدث بصورة مستقلة عن إرادة الناس. وفي وسع الناس اكتشاف هذه القوانين، ومعرفتها، و دراستها، وأخذها بعين الاعتبار في أعمالهم، واستخدامها في مصلحة المجتمع، ولكن ليس في  وسعهم تعديلها أو إبطالها. ومن باب أولى، ليس في وسعهم تكوين أو خلق قوانين جديدة للعلم.
فهل يعني هذا، مثلاً، أن نتائج فعل قوانين الطبيعة، إن نتائج فعل قوى الطبيعة هي، بصورة عامة، مما لا يمكن دفعه، وأن فعل قوى الطبيعة المدمر يحدث دائماً وفي كل مكان بصورة عفوية لا مرد لها، ولا يخضع لفعل الناس؟ كلا، طبعاً. فإذا استثنينا سير الحركات الفلكية والجيولوجية وبعض الحركات الأخرى المماثلة التي يعجز الناس حقاً عن التأثير فيها، حتى ولو كانوا يعرفون قوانين تطورها، نجد أنهم، في كثير من الحالات، غير عاجزين قط من حيث إمكان التأثير في سير حركات الطبيعة. ففي جميع هذه الظروف، يستطيع الناس، بمعرفتهم قوانين الطبيعة، و بأخذها بعين الاعتبار، وبالاستفادة منها، وبتطبيقها ببراعة، وباستغلالها، أن يحدّوا من دائرة فعلها،  وأن يعطوا قوى الطبيعة المدمّرة اتجاهاً آخر، وأن يجعلوها تعمل في خدمة المجتمع.
لنأخذ مثالاً من بين أمثلة كثيرة. في الأزمة الغابرة، كان الناس يعتبرون فيضانات الأنهار الكبيرة، والطوفانات، ودمار المساكن والأراضي المزروعة، نكبة لا قدرة لهم على دفعها. ولكن، مع الزمن، ومع تقدم المعارف البشرية، حين تعلم الناس بناء السدود والمحطات المائية، وجدت الوسائل لتجنيب المجتمع الطوفانات التي كانت تبدو فيما مضى مما لا يمكن دفعه. وفوق ذلك، تعلم الناس لجم قوى الطبيعة المدمرة، وترويضها، إن جاز التعبير، وجعل قوة المياه في خدمة المجتمع واستثمارها لري الحقول، وللحصول على الطاقة الكهربائية.
فهل يعني هذا أنهم بذلك قد أبطلوا قوانين الطبيعة، قوانين العلم، وإنهم قلد خلقوا قوانين جديدة للطبيعة، قوانين جديدة للعلم؟ كلا، طبعاً. فالحقيقة هي أن جميع هذه التدابير الرامية إلى تلافي فعل قوى الماء المدمرة وإلى استثمارها في مصلحة المجتمع، إنما تتخذ من غير أن يلحق بقوانين العلم أدنى انتهاك أو تبديل أو إبطال، ومن غير أن تخلق قوانين جديدة للعم. بالعكس، إن جميع هذه التدابير تتخذ على أساس صحيح من قوانين الطبيعة وقوانين العلم، لأن أي انتهاك لقوانين الطبيعة، لأن أدنى مساس بهذه القوانين قد يؤدي إلى اختلال هذه التدابير، وإلى إخفاقها.
وما يقال عن قوانين الطبيعة يجب أن يقال عن قوانين التطور الاقتصادي، عن قوانين الاقتصاد السياسي ـ سواء فيما يتعلق بمرحلة الرأسمالية أو بمرحلة الاشتراكية. فهنا أيضاً، كما في علوم الطبيعة، تكون قوانين التطور الاقتصادي قوانين موضوعية تعكس حركة التطور الاقتصادي التي تجري بصورة مستقلة عن إرادة الناس. وفي الإمكان اكتشاف هذه القوانين، ومعرفتها، وفي الإمكان، بالاستناد إليها، استخدامها في مصلحة المجتمع، وإعطاء اتجاه آخر لفعل بعض هذه القوانين المدمر والحد من دائرة فعلها، وإفساح مجال حر للقوانين الأخرى التي تشق لنفسها الطريق، ولكن ليس في الإمكان هدم تلك القوانين أو خلق قوانين اقتصادية جديدة.
إن إحدى خصائص الاقتصاد السياسي هي أن قوانينه، خلافاً لقوانين الطبيعة، ليست قوانين طويلة الأمد، وأن مفعولها، أو مفعول معظمها على الأقل، يسري خلال مرحلة ما من مراحل التاريخ، وبعد ذلك تخلي هذه القوانين المكان لقوانين جديدة. ولكنها لا تهدم هدماً، بل تفقد قوتها نتيجة لظروف اقتصادية جديدة، وتغادر المسرح لكي تخلي المكان لقوانين جديدة لا تخلقها إرادة الناس، بل تنبثق على أسا ظروف اقتصادية جديدة.
ويستشهدون بكتاب انتي دوهرينغ لانجلز، وبصيغته القائلة بأن القضاء على الرأسمالية وجعل وسائل الإنتاج اجتماعية سيمكنان الناس من أن يمارسوا سلطتهم على وسائل الإنتاج، وأن يتحرروا من نير العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وأن يصبحوا «أسياد» حياتهم الاجتماعية. ويسمي انجلز هذه الحرية بـ«فهم الضرورة». فماذا يمكن أن يعني «فهم الضرورة»؟ معناه أن الناس، بعد أن يفهموا القوانين الموضوعية («الضرورة»)، يطبقونها بوعي تام، في مصلحة المجتمع. ولذلك يقول انجلز في هذا الصدد:
«إن قوانين نشاط الناس الاجتماعي، التي كانت تبدو لهم حتى ذاك القوت، كأنها قوانين طبيعية، غريبة عنهم، مسيطرة عليهم، يطبقها الناس بعدئذ بدراية تامة، وبالتالي يسيطرون عليها».
فصيغة انجلز، كما هو الظاهر، لا تنطوي قط على أي تأييد للذين يعتقدون أن من الممكن، في النظام الاشتراكي، إبطال القوانين الاقتصادية القائمة وخلق قوانين جديدة. إن هذه الصيغة، بالعكس، لا تطلب إبطال القوانين الاقتصادية، بل معرفتها وتطبيقها تطبيقاً صائباً.
يقولون إن القوانين الاقتصادية ذات صفة عفوية، وإن فعل هذه القوانين لا مرد له، وإن المجتمع عاجز أمامها. هذا خطأ. هذا معناه تأليه القوانين، هذا معناه الاستسلام إلى عبودية هذه القوانين. فلقد أقيم الدليل على أن المجتمع غير عاجز أمام القوانين، وأن في وسعه، عن طريق معرفة القوانين الاقتصادية وبالاستناد إليها، أن يحد من دائرة فعلها، وأن يستخدمها في مصلحة المجتمع وأن «يروضها»، مثلما يجري حيال قوى الطبيعة وقوانينها، كما يدل المثال الآنف الذكر عن فيضان الأنهار الكبرى.
ويستشهدون بالدور الخاص الذي يقوم به حكم السوفييت في بناء الاشتراكية، والذي يتيح لهذا الحكم هدم قوانين التطور الاقتصادية القائمة و«تكوين» قوانين جديدة. هذا خطأ أيضاً.
إن الدور الخاص للحكم السوفييتي يمكن تفسيره بأمرين اثنين: أولاً، لم يكن على الحكم السوفييتي أن يستبدل شكلاً من الاستثمار بشكل آخر، كما كانت الحال في الثورات القديمة، بل كان عليه أن يقضي على كل استثمار؛ ثانياً، نظراً لخلو البلاد من أية بذور جاهزة للاقتصاد الاشتراكي، كان عليه أن يخلق، إن صح التعبير، أشكالاً للاقتصاد جديدة، أشكالاً اشتراكية، فوق «أرض خلاء».
وحقاً إنها مهمة شاقة، ومعقدة، لا سابق لها. بيد أن الحكم السوفييتي قد أنجز هذه المهمة بشرف. وما كان ذلك قط لأنه قد أبطل، على ما يُزعم، القوانين الاقتصادية القائمة، و«كوّن» قوانين جديدة، بل كان ذلك فقط لأنه استند إلى القانون الاقتصادي، قانون التوافق الضروري بين علاقات الإنتاج وبين صفة القوى المنتجة. فقد كانت القوى المنتجة في بلادنا، ولاسيما في الصناعة، ذات صفة اجتماعية؛ بينما كان شكل الملكية خاصاًن رأسمالياً. وبالاعتماد على القانون الاقتصادي، قانون التوافق الضروري بين علاقات الإنتاج وبين صفة القوى المنتجة، جعل الحكم السوفييتي وسائل الإنتاج اجتماعية، جعلها ملكاً للشعب كله، فقضى بذلك على نظام الاستثمار وخلق أشكالاً للاقتصاد اشتراكية. ولولا هذا القانون، ولولا هذا القانون، ولولا الاستناد إليه، لما استطاع الحكم السوفييتي أن يؤدي مهمته.
إن القانون الاقتصادي، قانون التوافق الضروري بين علاقات الإنتاج وصفة القوى المنتجة، يشق لنفسه الطريق في البلدان الرأسمالية منذ وقت بعيد. وإذا كان لم يتم بعد فتح طريقه، ولم ينطلق على مداه، فذلك لأنه يلاقي أعنف مقاومة من قوى المجتمع الصائرة إلى الزوال. وهنا تواجهنا ميزة خاصة أخرى للقوانين الاقتصادية. فخلافاً لقوانين الطبيعة، حيث نرى أن اكتشاف وتطبيق قانون جديد يجريان بلا عائق تقريباً، نجد في الميدان الاقتصادي أن اكتشاف وتطبيق قانون جديد يمس مصالح قوى المجتمع الصائرة إلى الزوال يلاقيان من هذه القوى أعنف مقاومة. فلا بد إذن من قوة، قوة اجتماعية في وسعها التغلب على هذه المقاومة. وقد وجدت هذه القوة في بلادنا بشكل تحالف الطبقة العاملة والفلاحين الذي يؤلفون معاً أكثرية المجتمع العظمى. وهذه القوة لم توجد بعد في البلدان الأخرى، في البلدان الرأسمالية. ذلك ما يوضح السبب في أن الحكم السوفييتي قد استطاع تحطيم قوى المجتمع القديمة، وفي أن القانون الاقتصادي، قانون للتوافق الضروري بين علاقات الإنتاج وبين صفة القوى المنتجة قد طبق عندنا على هذا المدى من الاتساع.
ويقولون أن ضرورة تطور اقتصادنا الوطني تطوراً متناسقاً متناسباً تمكّن الحكم السوفييتي من إبطال القوانين الاقتصادية القائمة وخلق قوانين جديدة. هذا خطأ مطلق. فليس ينبغي الخلط بين برامجنا السنوية وبرامجنا للسنوات الخمس وبين القانون الاقتصادي الموضوعي لتطور الاقتصاد الوطني تطوراً متناسقاً قد انبثق كمقابل لقانون المزاحمة وفوضى الإنتاج في النظام الرأسمالي. لقد انبثق على أساس جعل وسائل الإنتاج اجتماعية، بعد أن فقد قانون المزاحمة وفوضى الإنتاج قوته. وقد أصبح ساري المفعول لأن الاقتصاد الاشتراكي لبلد ما لا يمكن أن يبنى إلا على أساس القانون الاقتصادي لتطور الاقتصاد الوطني تطوراً متناسقاً. وهذا معناه أن قانون تطور الاقتصاد الوطني تطوراً متناسقاً يعطي الهيئات التي تضع البرامج في بلدنا إمكانية برمجة الإنتاج الاجتماعي على أساس صحيح. ولكن لا ينبغي الخلط بين الإمكانية وبين الواقع. إنهما شيئان مختلفان. فلتحويل هذه الإمكانية إلى واقع، يجب درس هذا القانون الاقتصادي، وامتلاك ناصيته، يجب المران على تطبيقه بدراية تامة؛ يجب وضع برامج تعكس مقتضيات هذا القانون بصورة كاملة. ولا يمكن القول أن برامجنا السنوية وبرامج السنوات الخمس تعكس مقتضيات هذا القانون الاقتصادي بصورة كاملة.
ويقولون أن بعض القوانين الاقتصادية السارية المفعول في نظامنا الاشتراكي، بما فيها قانون القيمة، هي قوانين «محولة»، بل «محوّلة بصورة جذرية» على أساس الاقتصاد المبرمج. هذا خطأ أيضاً. فلا يمكن «تحويل» القوانين، ومن باب أولى، لا يمكن تحويلها «بصورة جذرية». فلو كان يمكن تحويلها، لأمكن أيضاً إبطالها عن طريق إبدالها بقوانين جديدة. إن فكرة «تحويل» القوانين هي من بقايا الصيغة الخاطئة حول «إبطال» و«تكوين» القوانين. وبالرغم من أن صيغة تحويل القوانين الاقتصادية رائجة عندنا منذ وقت بعيد، فينبغي لنا التخلي عنها، لكي نكون أكثر دقة. إن في الإمكان الحد من دائرة فعل هذه القوانين الاقتصادية أو تلك، وفي الإمكان تلافي فعلها المدمر، في حالات حدوثه طبعاً، ولكن لا يمكن «تحويلها» أو «إبطالها».
وإذن، فحين يجري الكلام عن «إخضاع» قوى الطبيعة أو القوى الاقتصادية، و«السيطرة» عليها، الخ، فلا يعني ذلك أبداً أن في الإمكان «إبطال» قوانين العلم أو «تكوينها» بالعكس، يراد بذلك فقط القول بأن في إمكان الناس اكتشاف القوانين، ومعرفتها واستيعابها، والمران على تطبيقها بدراية تامة، واستخدامها في مصلحة المجتمع، وبهذا الشكل يتغلبون عليها، ويخضعونها لسيطرتهم.
وهكذا، فإن قوانين الاقتصاد السياسي في النظام الاشتراكي هي قوانين موضوعية تعكس انتظام سير التطورات الجارية في الحياة الاقتصادية بصورة مستقلة عن إرادتنا. إن نفي هذه الفكرة يعني، في الجوهر، نفي العلم؛ ونفي العلم يعني نفي إمكانية كل تنبؤ، ـ فهو إذن يعني نفي إمكانية توجيه الحياة الاقتصادية.
قد يقال إن ما تقدم بيانه صحيح، ومعروف لدى الجميع، ولكن ليس فيه شيء جديد، وبالتالي فإن من ضياع الوقت تكرار حقائق معروفة لدى الجميع. أجل، ليس هناك حقاً شيء جديد، ولكن من الخطأ الظن بأن في تكرار بعض الحقائق المعروفة لدينا مضيعة للوقت. ذلك من الوفا من الملاكات الفتية الجديدة تأتي، كل عام، إلينا، نحن النواة الفائدة؛ إنهم يتلهفون لمساعدتنا، يتلهفون لإظهار كفاءاتهم، ولكنهم غير مثقفين تثقيفاً ماركسياً كافياً، إنهم يجهلون كثيراً من الحقائق المعروفة جيداً لدينا، ويضطرون إلى التيه في الظلمات. إنهم مأخوذون بمنجزات حكم السوفييت المدهشة، فنجاحات النظام السوفييتي النادرة المثال تسكرهم، فإذا هم يتخيلون أن الحكم السوفييتي «قادر على كل شيء» إن «لا شيء يعيقه»، وإن في وسعه إبطال قوانين العلم، وتكوين قوانين جديدة. فكيف العمل مع هؤلاء الرفاق؟ كيف السبيل إلى تثقيفهم بروح الماركسية ـ اللينينية؟ أعتقد أن الإمعان في تكرار الحقائق المسماة بالحقائق «المعروفة لدى الجميع»، وإن شرحها بأناة وصبر هو من خير الوسائل لتثقيف هؤلاء الرفاق بوجهة النظر الماركسية.
 
2 ـ حول الإنتاج البضاعي في النظام الاشتراكي
 
يذهب بعض الرفاق إلى أن الحزب قد حافظ خطأ على الإنتاج البضاعي بعدما استولى على الحكم وأمم وسائل الإنتاج في بلادنا. وهم يرون أنه كان على الحزب في ذلك الوقت أن يزيل الإنتاج البضاعي. وفي ذلك يستشهدون بإنجاز الذي يقول:
«مع تملك المجتمع لوسائل الإنتاج، يزال الإنتاج البضاعي، وتزال بالنتيجة سيطرة المنتوج». (راجع كتاب دوهرينغ).
إن هؤلاء الرفاق على خطأ جسيم.
فلنحلل صيغة انجلز. إن هذه الصيغة لا يمكن اعتبارها على درجة تامة من الوضوح والدقة، لأنها لا تبين ما إذا كان المقصود تملك المجتمع جميع وسائل الإنتاج أو قسماً منها فقط، أي أنها لا تبين ما إذا كانت جميع وسائل الإنتاج قد جعلت ملكاً للشعب أو قسم منها فقط، وإذن فإن صيغة انجلز هذه يمكن أن تفهم على وجهين.
وفي مقطع آخر من كتاب انتي دوهرينغ، يتكلم انجلز عن تملك «جميع وسائل الإنتاج»، عن تملك «وسائل الإنتاج بكليتها». ومعنى ذلك إذن أن انجلز لا يقصد في صيغته تأميم قسم من وسائل الإنتاج بل تأميم مجموع وسائل الإنتاج، أي جعل وسائل الإنتاج ملكاً للشعب لا في الصناعة فقط، بل في الزراعة أيضاً.
وينجم عن ذلك أن انجلز إنما يقصد الأقطار التي بلغت فيها الرأسمالية وتمركز الإنتاج درجة كافية من التطور، لا في الصناعة فقط بل في الزراعة أيضاً، بحيث يصبح ممكناً نزع ملكية جميع وسائل الإنتاج في البلاد وجعلها ملكاً للشعب. فانجلز يرى إذن أنه، إلى جانب جعل جميع وسائل الإنتاج اجتماعية في هذه الأقطار، من الملائم إزالة الإنتاج البضاعي. وهذا صحيح طبعاً.
في آخر القرن الماضي، في الحقبة التي صدر فيها كتاب انتي دوهرينغ، كانت انكلترا البلد الوحيد الذي بلغ فيه تطور الرأسمالية وتمركز الإنتاج سواءً في الصناعة أم في الزراعة، درجة يمكن معها، في حالة استيلاء البروليتاريا على الحكم، جعل جميع وسائل الإنتاج في البلاد ملكاً للشعب، وإزالة الإنتاج البضاعي.
وإني أضرب هنا صفحاً عن أهمية التجارة الخارجية لانكلترا مع ما لها من قسط هائل في الاقتصاد الوطني البريطاني. وأعتقد أنه فقط، بعد دراسة المسألة، يمكن البت نهائياً بمصير الإنتاج البضاعي في انكلترا غداة استيلاء البروليتاريا على الحكم وتأميم جميع وسائل الإنتاج.
ومع ذلك فإن مدى ما نشاهده في انكلترا من تطور الرأسمالية وتمركز الإنتاج الزراعي لم يبلغه أي بلد لا في نهاية القرن الماضي وحسب، بل اليوم أيضاً. أما في البلدان الأخرى، فرغم تطور الرأسمالية في الريف، لا يزال هناك طبقة كثيرة العدد إلى حد لا يستهان به من الملاكين المنتجين، الصغار والمتوسطين، الذين ينبغي تقرير مصيرهم في حالة وصول البروليتاريا إلى الحكم.
وهنا يبرز هذا السؤال: ماذا يجب أن تفعل البروليتاريا وحزبها، إذا كانت الشروط في هذه البلاد أو تلك، بما في ذلك بلادنا، ملائمة لاستيلاء البروليتاريا على الحكم ولقلب الرأسمالية، وحيث الرأسمالية في الصناعة قد مركزت وسائل الإنتاج إلى حد يمكن معه نزع ملكيتها وجعلها ملكاً للمجتمع، ولكن حيث الزراعة، رغم تقدم الرأسمالية، لا تزال مفتتة بين الملاكين المنتجين، الصغار والمتوسطين الكثير عددهم إلى حد أن إمكانية التفكير بنزع ملكية هؤلاء المنتجين غير واردة؟
على هذا السؤال لا تجيب صيغة انجلز. بيد أنها غير ملزمة بالإجابة عليه، مادامت قد نشأت عن سؤال آخر، هو معرفة ما يجب أن يكون مصير الإنتاج البضاعي، بعد جعل جميع وسائل الإنتاج اجتماعية.
وإذن فكيف العمل إذا كانت جميع وسائل الإنتاج لم تجعل اجتماعية، بل قسم منها فقط، وإذا كانت جميع الشروط الملائمة لاستيلاء البروليتاريا على الحكم متوفرة، ـ هل يجب أن تستولي البروليتاريا على الحكم، وهل يجب القضاء، بعد ذلك فوراً، على الإنتاج البضاعي؟
لا يمكن طبعاً أن يعد جواباً رأي بعض الماركسيين المزعومين الذين يرون أنه ينبغي، في هذه الأحوال، الامتناع عن الاستيلاء على الحكم، والانتظار حتى يتسع الوقت للرأسمالية لتخرب ملايين المنتجين الصغار والمتوسطين، وتحولهم إلى أجراء زراعيين، وتمركز وسائل الإنتاج في الزراعة، وأنه، بعد ذلك فقط، يمكن وضع مسألة استيلاء البروليتاريا على الحكم وجعل جميع وسائل الإنتاج اجتماعية. ومن المفهوم أن الماركسيين لا يمكنهم أن يقبلوا مثل هذا «الحل» إذا كانوا لا يريدون أن يلطخوا شرفهم بالخزي والعار.
كذلك لا يعتبر جواباً رأي الماركسيين المزعومين الآخرين الذي يظنون أنه ربما يجب الاستيلاء على الحكم واللجوء إلى نزع ملكية المنتجين الصغار والمتوسطين في الريف وجعل وسائل إنتاجهم اجتماعية. فالماركسيون لا يستطيعون أن يسيروا في هذه الطريق الخرقاء والمجرمة لأن هذه الطريق تحرم الثورة البروليتارية كل إمكانية للنصر، ونلقي بجماهير الفلاحين في معسكر أعداء البروليتاريا إلى أمد طويل.
وقد أجاب لينين على هذا السؤال في مؤلفاته عن «الضريبة العينية» وفي مؤلفه الشهير «البرنامج التعاوني».
ويمكن إيجاز جواب لينين بما يلي:
أ ـ عدم تفويت الظروف الملائمة للاستيلاء على الحكم؛ فعلى البروليتاريا أن تستولي على الحكم دون أن تنتظر حتى تكون الرأسمالية قد توصلت إلى خراب ملايين المنتجين الفرديين الصغار والمتوسطين.
ب ـ نزع ملكية وسائل الإنتاج في الصناعة وجعلها ملكاً للشعب.
ج ـ أما المنتجون الفرديون الصغار والمتوسطون فيجمعون بصورة تدريجية في تعاونيات إنتاجية، أي في مؤسسات زراعية ضخمة، هي الكولخوزات.
د ـ تطوير الصناعة، بجميع السائل، وإقامة الكولخوزات على أساس تكنيكي حديث، هو الأساس التكنيكي للإنتاج الكبير؛ وعدم نزع ملكية الكولخوزات، بل بالعكس، تزويدها، بشكل وافر، بأعلى طراز من التراكتورات وسائل الآلات.
هـ ـ لأجل تأمين التحالف الاقتصادي بين المدينة والأرياف، بين الصناعة والزراعة، يحافظ، إلى حين، على الإنتاج البضاعي (التبادل عن طريق البيع والشراء)، بوصفه الشكل الوحيد المقبول ـ لدى الفلاحين ـ للعلاقات الاقتصادية مع المدينة، وتطور التجارة السوفييتية على مداها، تجارة الدولة والتجارة التعاونية والكولخوزية على السواء، مع إزالة الرأسماليين، على أنواعهم، من ميدان التجارة.
إن تاريخ بنائنا الاشتراكي يدل على أن طريق التطور هذا، الذي رسمه لينين، قد ثبتت صحته تماماً.
ولا يمكن الشك في أن هذا الطريق هو الوحيد الممكن والمعقول لانتصار الاشتراكية في جميع الأقطار الرأسمالية التي فيها طبقة من المنتجين الصغار والمتوسطين، كثيرة العدد إلى حد ما.
يقولون أن الإنتاج البضاعي لا بد منه، مع ذلك، من أن يؤدي في جميع الظروف وسيؤدي حتماً إلى الرأسمالية. هذا غير صحيح. لا دائماً ولا في جميع الظروف! ولا يمكن اعتبار الإنتاج البضاعي والإنتاج الرأسمالي متماثلين. فهما شيئان مختلفان. إن الإنتاج الرأسمالي هو الشكل الأعلى للإنتاج البضاعي. ولا يؤدي الإنتاج البضاعي إلى الرأسمالية إلا إذا كانت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج موجودة؛ إلا إذا كانت قوة العمل تظهر في السوق كبضاعة يستطيع الرأسمالي أن يشتريها ويستغلها في عملية الإنتاج؛ إلا، بالتالي، إذا كان في البلاد نظام لاستثمار العمال الأجراء من قبل الرأسماليين. إن الإنتاج الرأسمالي يبدأ حيث تكون وسائل الإنتاج ممركزة بيد أفراد، ويكون العمال المحرومون من وسائل الإنتاج، مضطرين لبيع قوة عملهم كبضاعة. بدون ذلك، لا يوجد إنتاج رأسمالي.
وإذن، إذا كانت هذه الشروط التي تحول الإنتاج البضاعي إلى إنتاج رأسمالي غير متوفرة، وإذا كانت وسائل الإنتاج لم تبق ملكية خاصة، بل ملكية  اشتراكية، وإذا كان العمل المأجور لم يبق له وجود، وإذا كانت قوة العمل لم تبق بضاعة، وإذا كان نظام الاستثمار قد ألغي منذ زمن بعيد، فكيف يكون الحال إذن: هل يمكن أن نعتبر أن الإنتاج البضاعي سيؤدي، مع ذلك، إلى الرأسمالي؟ كلا طبعاً. والحال أن مجتمعنا هو، على وجه الدقة، مجتمع لم يبق فيه، منذ أمد طويل، وجود للملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ولا للعمل المأجور والاستثمار.
ولا يمكن اعتبار الإنتاج البضاعي شيئاً يكفي ذاته بذاته ومستقلاً عن البيئة الاقتصادية. فالإنتاج البضاعي أعرق في القدم من الإنتاج الرأسمالي. لقد كان موجوداً في ظل نظام الرق وكان يخدمه، ولكنه لم يؤد إلى الرأسمالية, وكان موجوداً في ظل الإقطاعية وكان يخدمها، دون أن يؤدي، مع ذلك، إلى الرأسمالية، وإن كان قد هيأ بعض الشروط للإنتاج الرأسمالي. وإن المرء ليتساءل: لماذا لا يمكن أن يخدم الإنتاج البضاعي أيضاً، مجتمعنا الاشتراكي، إلى حين، دون أن يؤدي إلى الرأسمالية، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الإنتاج البضاعي ليس له عندنا من الانتشار الشامل وغير المحدود مثلما له في الظروف الرأسمالية؛ وأن منحصر عندنا في نطاق شديد الصرامة، بفضل شروط اقتصادية حاسمة كالملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، وتصفية العمل المأجور ونظام الاستثمار؟
يقولون أنه، بعد ما استتبت الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج في بلادنا، وتمت تصفية العمل المأجور والاستثمار، لم يبق من مبرر لوجود الإنتاج البضاعي، فيجب بالتالي، إزالته.
وهذا أيضاً خطأ. ففي الوقت الحاضر، عندنا شكلان أساسيان للإنتاج الاشتراكي: الشكل التابع للدولة، أي للشعب بأسره، والشكل الكولخوزي الذي لا يمكن أن يدعى شكلاً عاماً للشعب بأسره. ففي مؤسسات الدولة، تشكل وسائل الإنتاج والأشياء المصنوعة ملكاً للشعب بأسره. وفي المؤسسات الكولخوزية، مع أن وسائل الإنتاج (الأرض، والآلات) هي ملك الدولة، إلا أن المنتجات الحاصلة ملك للكولخوزات المختلفة التي تقدم العمل كما تقدم البذار أيضاً؛ وعملياً تتصرف الكولخوزات بالأرض التي سلمت إليها إلى الأبد كتصرفها بملك لها، وإن كانت لا تستطيع بيعها أو شراءها أو تأجيرها أو رهنها.
فالدولة لا تستطيع إذن أن تتصرف إلا بإنتاج المؤسسات التابعة للدولة، إذ أن الكولخوزات تنتفع بإنتاجها إنتاج المالك بملكه. ولكن الكولخوزات لا تريد أن تتخلى عن منتجاتها إلا تحت شكل بضائع تبادل بها على البضائع التي تحتاج إليها. ولا ت قبل الكولخوزات اليوم بعلاقات اقتصادية مع المدينة غير العلاقات الجارية في المبادلات عن طريق بيع البضائع وشرائها. ولذلك، فالإنتاج البضاعي وتداول البضائع عندنا في الوقت الحاضر، ضرورة شبيهة بالتالي كانت منذ ثلاثين سنة، مثلاً، يوم كان لينين يعلن ضرورة تطوير تداول البضائع بجميع الوسائل.
أجل، حين يتكون، بدلاً من قطاعي الإنتاج الرئيسيين ـ الدولة والكولخوزات، قطاع واحد شامل متمتع بحق التصرف بجميع منتجات الاستهلاك في البلاد، فإن تداول البضائع، ومعه «اقتصاده النقدي»، سيزول وصفه عنصراً لا فائدة منه في الاقتصاد الوطني. ولكن من الآن إلى ذلك الحين، مادام قطاعا الإنتاج الرئيسيان باقيين، فسيظل الإنتاج البضاعي وتداول البضائع معمولاً بهما بوصفهما عنصراً ضرورياً ومفيداً جداً في نظام اقتصادنا الوطني. وكيف سيجري العمل لتكوين قطاع واحد شامل؟ أبمجرد امتصاص قطاع الدولة للقطاع الكوخوزي، وهو أمر بعيد الاحتمال (إذ يمكن اعتبار ذلك بمثابة نزع ملكية  الكولخوزات)، أم بإنشاء هيئة اقتصادية وطنية واحدة (فيها ممثلون لصناعة الدولة والكولخوزات)، يكون لها في أول الأمر حق إحصاء جميع منتجات الاستهلاك في البلاد، ثم مع الزمن، حق توزيع الإنتاج، تحت شكل تبادل المنتجات، مثلاً؟ إن هذا سؤال آخر يتطلب بحثاً على حدة.
إذن، إن إنتاجنا البضاعي ليس إنتاجاً بضاعياً عادياً، بل هو من نوع خاص؛ إنه إنتاج بضاعي بدون رأسماليين، يعنى، في الأساس، ببضائع عائدة إلى منتجين اشتراكيين متشاركين (الدولة، الكولخوزات، التعاونيات)، وينحصر نشاطه في نطاق سلع الاستهلاك الشخصي، ولا يستطيع بوجه من الوجوه، أن يتحول إلى اقتصاد رأسمالي، وعليه أن يساعد، مع «اقتصاده النقدي»، على تطوير وتثبيت الإنتاج الاشتراكي.
لذلك يخطئ بصورة مطلقة أولئك الرفاق الذين يقولون أنه، ما دام المجتمع الاشتراكي يحافظ على أشكال بضاعة في الإنتاج، فهناك مجال فيما يزعمون، لإعادة جميع المفهومات الاقتصادية التي تتصف بها الرأسمالية، أي: قوة العمل كبضاعة، والقيمة الزائدة، والرأسمال، وربح الرأسمال، والمعدل الوسطي للربح، الخ. إن هؤلاء الرفاق يخطلون بين الإنتاج البضاعي وبين الإنتاج الرأسمالي، ويعتقدون أنه، مادام هناك إنتاج بضاعي، فيجب أن يكون هناك أيضاً إنتاج رأسمالي. وهم لا يدركون أن إنتاجنا البضاعي يختلف اختلافاً أساسياً عن الإنتاج البضاعي في ظل الرأسمالية.
وفوق ذلك، أعتقد أنه ينبغي ترك بعض المفاهيم الأخرى، التي تقتبس من كتاب الرأسمال، حيث يعكف ماركس على تحليل الرأسمالية، والتي تلصق، بصورة مصطنعة، بعلاقاتنا الاشتراكية. وأعني، فيما أعنيه من هذه المفاهيم، ما يتناول العمل «الضروري»، والعمل «الزائد»، والمنتوج «الضروري»، والمنتوج «الزائد»، والزمن «الضروري»، والزمن «الزائد». فقد حلل ماركس الرأسمالية لكي يبين منشأ استثمار الطبقة العاملة، أي القيمة الزائدة، ولكي يزوّد الطبقة العاملة، المحرومة من وسائل الإنتاج، بسلاح روحي لقلب الرأسمالية. وبديهي أن ماركس يستعمل هنا مبادئ أولية (مفهومات) تنطبق انطباقاً تماماً على العلاقات الرأسمالية. ولكن يبدو أكثر من غريب أن تستخدم الآن هذه المفهومات، حين لم تعد الطبقة العاملة محرومة من السلطة ووسائل الإنتاج، بل باتت، بالعكس، تقبض بيدها على السلطة، وتملك وسائل الإنتاج . فالكلام عن قوة العمل كبضاعة، وعن عمل العمال «الأجور» ذو وقع بعيد عن المعقول في نظامنا: كأن الطبقة العاملة، التي تملك وسائل الإنتاج، تستأجر نفسها بنفسها، وتبيع لنفسها قوة عملها. وليس الكلام اليوم عن العمل «الضروري» والعمل «الزائد» بأقل غرابة: كأن عمل العمال المقدم للمجتمع، في ظروفنا، لأجل توسيع الإنتاج، وتطوير التعليم، والصحة العامة، وتنظيم الدفاع الوطني، الخ، ليس ضرورياً للطبقة العاملة، وهي في الحكم اليوم، كضرورة العمل المبذول لسد الحاجات الشخصية للعامل وعائلته.
وجدير بالذكر أن ماركس في كتابه انتقاد برنامج غوتا، الذي لا يحلل فيه الرأسمالية، بل يحلل، فيما يحلله، الطور الأول من المجتمع الشيوعي، يبين أن العمل الذي كرس للمجتمع لأجل توسيع الإنتاج، ولأجل التعليم والصحة العامة، والنفقات الإدارية، وتكوين الاحتياطيات، الخ، ضروري كالعمل الذي يبذل لأجل سد الحاجات الاستهلاكية للطبقة العاملة.
وأعتقد انه ينبغي للاقتصاديين عندنا أن يخلصوا من هذا النقص الذي يتجلى في المطابقة بين المفاهيم القديمة وبين الحالة الجديدة الراهنة في بلادنا الاشتراكية، وذلك بأن يستعيضوا عن المفاهيم القديمة بمفاهيم منطبقة على الوضع الجديد.
لقد استطعنا الإغضاء عن هذا النقص حيناً من الزمن. وقد آن لنا أن نتلافى هذا النقص.
 
3 ـ حول قانون القيمة في النظام الاشتراكي
 
يسألون أحياناً: هل قانون القيمة موجود عندنا، في ظل النظام الاشتراكي، وهل هو ساري المفعول؟
أجل، إنه موجود وساري المفعول. فحيث توجد بضائع وإنتاج بضاعي، يوجد قانون القيمة بالضرورة.
إن دائرة مفعول قانون القيمة تشمل، عندنا، قبل كل شيء، تداول البضائع، تبادل البضائع شراءً وبيعاً، وخصوصاً تبادل البضائع المعدة للاستعمال الشخصي. فهنا، في هذا الميدان، يحتفظ قانون القيمة بدور ضابط ضمن حدود م عينة طبعاً.
بيد أن مفعول قانون القيمة لا ينحصر في دائرة تداول البضائع. فهو يشمل الإنتاج أيضاً. صحيح أن قانون القيمة لا يلعب دوراً ضابطً في إنتاجنا الاشتراكي. على أن له، مع ذلك، تأثيراً في الإنتاج، و يجب بالضرورة أن يؤخذ هذا القانون بعين الاعتبار في توجيه الإنتاج. ذلك أن منتجات الاستهلاك الضرورية لسدّ نفقات قوة العمل خلال سير عملية الإنتاج، إنما تصنع وتنجز عندنا بوصفها بضائع خاضعة لمفعول قانون القيمة. وهنا، على وجه الدقة، يمارس قانون القيمة مفعوله على الإنتاج. و بالنظر إلى ذلك، فإن الاستقلال الذاتي المالي، والريعية، وتكاليف الإنتاج، والأسعار، الخ. لها اليوم، في مؤسساتنا الصناعية، أهمية ملحة. ولذلك لا تستطيع مؤسساتنا ولا ينبغي لها أن تتجاهل قانون القيمة.
هل هذا شيء حسن؟ إنه ليس بسيء. حقاًن إن هذا، في الظروف التي نحن فيها اليوم، غير سيء، نظراً لأنه يؤدي إلى تكوين قادة اقتصادنا بروح إدارة الإنتاج إدارة محكمة، وبروح الحرص على النظام. ليس هذا شيئاً سيئاً، ما دام قادة اقتصادنا يتعلمون، بهذه الصورة، تقدير قدرة الإنتاج، تقديرها بدقة وضبط، وأخذ شؤون الإنتاج الواقعية بعين الاعتبار بمثل هذه الدقة والضبط، بدلاً من أن يضيعوا وقتهم بكثرة الكلام حول «أرقام تخمينية» مأخوذة اعتباطاً. ليس هذا شيئاً سيئاً، ما دام قادة اقتصادنا يتعلمون، بهذه الصورة، أن يبحثوا عن الاحتياطات الكامنة، المستترة في أعماق الإنتاج، وأن يجدوها ويستثمروها بدلاً من أن يزدروها ويدوسوها بالأقدام. ليس هذا شيئاً سيئاً، ما دام قادة اقتصادنا يتعلمون، بهذه الصورة، تحسين طرق الإنتاج تحسيناً دائباً مستمراً، وتخفيض تكاليف الإنتاج، وتحقيق الاستقلال الذاتي المالي وتوخي ريعية المؤسسات. تلك مدرسة تطبيقية حسنة، تعجّل في نهوض ملاكاتنا العاملة في إدارة الاقتصاد لتجعل منهم قادة حقيقيين للإنتاج الاشتراكي في المرحلة الحالية من تطوره.
ليست المصيبة في أن قانون القيمة يسري مفعوله عندنا على الإنتاج، بل المصيبة هي أن قادة اقتصادنا  واختصاصيينا في البرمجة، ما عدا القليلين منهم، لا يعرفون مفعول قانون القيمة معرفة جيدة، ولا يدرسونه ولا يعرفون أن يقيموا له وزناً في حساباتهم.وهذا ما يفسر البلبلة التي ما تزال سائدة عندنا في سياسة الأسعار. إليكم مثالاً من كثير من الأمثلة. في سبيل مصلحة زراعة القطن، تقرر منذ مدة، ضبط النسبة بين أسعار القطن وأسعار الحبوب، وتعيين سعر الحبوب التي تباع لزراعي القطن تعييناً أدق، ورفع أسعار القطن الذي يسلم للدولة. و على هذا،تقدم قادة اقتصادنا واختصاصيونا في البرمجة باقتراح لم يكن شأنه إلا أن يثير استغراب أعضاء اللجنة المركزية للحزب، نظراً إلى أن هذا الاقتراح كان يقرر لطن الحبوب سعراً يكاد يساوي سعر طن القطن؛ وبالإضافة إلى ذلك، كان سعر طن الحبوب، في هذا الاقتراح مساوياً لسعر طن الخبز. ولما لاحظ أعضاء اللجنة المركزية أن سعر طن الخبز يجب أن يكون أعلى من سعر طن الحبوب، بسبب النفقات الإضافية الناشئة عن الطحن والخبز، وأن القطن، بصورة عامة، أغلى من الحبوب بكثير، تشهد على ذلك الأسعار العالمية للقطن والحبوب، إذ ذاك لم يستطع أصحاب الاقتراح أن يقولوا شيئاً مقنعاً. ولذلك اضطرت اللجنة المركزية أن تأخذ هذه القضية في يدها، فأنقصت سعر الحبوب ورفعت أسعار القطن. فماذا كان يحدث لو أصبحت لاقتراح هؤلاء الرفاق قوة القانون؟ لو تمّ ذلك، لأنزلنا الخراب بزارعي القطن، وبتنا ولا قطن عندنا:
وهل يعني هذا ك له أن قانون القيمة له عندنا من الإتساع مثلما له في النظام الرأسمالي،وأن هذا القانون عندنا ضابط للإنتاج؟ كلا، فالواقع أن مفعول قانون القيمة، في ظن نظامنا الاقتصادي، يسري ضمن نطاق ضيق ومحدود جداً. وقد قلنا آنفاً أن مفعول الإنتاج البضاعي، في نظامنا، يسري ضمن نطاق ضيق ومحدود. ويجب أن يقال الشيء نفسه عن مفعول قانون القيمة. فمن المؤكد أن عدم وجود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وجعل وسائل الإنتاج اجتماعية، في المدينة كما في الريف، لا يمكن إلا أن يحدّا من دائرة مفعول قانون القيمة ومن درجة تأثيره على الإنتاج.
وفي هذا الاتجاه نفسه، يؤثر في الاقتصاد الوطني قانون التطور المتناسق (المتناسب)، الذي حل محل قانون المزاحمة وفوضى الإنتاج.
وفي هذا الاتجاه نفسه، تؤثر برامجنا السنوية وبرامج السنوات الخمس، وبصورة عامة، كل سياستنا الاقتصادية التي تستند إلى مقتضيات قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني.
كل هذه الوقائع بمجموعها تجعل دائرة مفعول قانون القيمة عندنا محدودة جداً، وتجعل قانون القيمة غير قادر، في نظامنا، على القيام بدور ضابط في الإنتاج.
ذلك ما يفسر، من جهة أخرى، هذا الواقع «المدهش»، وهو أن قانون القيمة لا يؤدي عندنا إلى أزمات فيض الإنتاج، بالرغم من نهوض إنتاجنا الاشتراكي نهوضاً مستمراً هائل الانطلاق، في حين أن قانون القيمة نفسه، الذي له دائرة عمل واسعة، في النظام الرأسمالي، يؤدي إلى أزمات فيض الإنتاج بصورة دورية، بالرغم من ضعف معدلات نمو الإنتاج في البلدان الرأسمالية.
يقولون أن قانون القيمة هو قانون ثابت، إلزامي في جميع مراحل التطور التاريخي، وأن قانون القيمة، إذا فقد قوته كضابط لعلاقات التبادل في الطور الثاني من المجتمع الشيوعي، فإنه في هذه المرحلة من التطور، سيحتفظ بقوته كضابط للعلاقات بين مختلف فروع الإنتاج، كضابط لتوزيع العمل بين فروع الإنتاج.
إن هذا خطأ مطلق. فالقيمة، ومثلها قانون القيمة، مفهوم تاريخي، مرتبط بوجود الإنتاج البضاعي. فمع زوال الإنتاج البضاعي، ستزول القيمة أيضاً بأشكالها، وقانون القيمة.
إن كمية العمل التي تصرف على صنع المنتجات، في الطور الثاني من المجتمع الشيوعي، لن تقاس حينئذ بسبل ملتوية، بواسطة القيمة وأشكالها، كما هي الحال في الإنتاج البضاعي، بل ستقاس مباشرة وفوراً بكمية الوقت، بعدد السعات التي تصرف على صنع المنتجات. أما توزيع العمل بين فروع الإنتاج، فلن يتم ضبطه عن طريق قانون القيمة الذي يكون قد فقد قوته حينذاك، بل سيضبطه نمو حاجات المجتمع من المنتجات. ذلك سيكون مجتمعاً يضبط فيه الإنتاج عن طريق حاجات المجتمع،  وسيكون فيه لإحصاء حاجات المجتمع أهمية من الدرجة الأولى للهيئات التي تقوم بإعداد البرامج.
ومن الخطأ التام أيضاً التأكيد بأن قانون القيمة، في نظامنا الاقتصادي الحالي، خلال المرحلة الأولى من تطور المجتمع الشيوعي، يضبط، على ما يزعم، «نِسَب» توزيع العمل بين مختلف فروع الإنتاج.
فإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا تطوّر صناعتنا الخفيفة إلى أقصى حد، باعتبارها أكثر الصناعات ريعية، تفضيلاً لها على الصناعة الثقيلة التي هي، في الغالب، أقل ريعية، وأحياناً لا ريع لها البتة؟
وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا تغلق مؤسسات الصناعة الثقيلة عندنا، وهي الآن ليست ذات ريعية، وعمل العمال فيها لا يحدث «الأثر المطلوب»، ولماذا لا تفتح مؤسسات جديدة للصناعة الخفيفة، ذات الريعية المؤكدة، والتي يمكن ن يحدث فيها عمل العمال «أثراً أكبر»؟
وإذا كان هذا صحيحاً، فلماذا لا ينقل عندنا عمال المؤسسات القليلة الريع، مع كونها ضرورية جداً  للاقتصاد الوطني، إلى المؤسسات التي هي أكثر ريعية، وذلك وفقاً لقانون القيمة الذي يزعمون أنه يضبط «نسب» توزيع العمل بين فروع الإنتاج؟
من الواضح إننا إذا اتبعنا رأي هؤلاء الرفاق، فسيغدو لزاماً علينا التخلي عن تقديم إنتاج وسائل الإنتاج على إنتاج وسائل الاستهلاك، وماذا يعني التخلي عن تقديم إنتاج وسائل الإنتاج؟ إنه يعني جعل نهوض اقتصادنا الوطني باستمرار أمراً مستحيلاً، لأن من غير الممكن تأمين نهوض الاقتصاد الوطني باستمرار، بدون أن يؤمن، في الوقت نفسه، تقديم إنتاج وسائل الإنتاج.
إن هؤلاء الرفاق ينسون أن قانون القيمة لا يمكن أن يكون هو الضابط للإنتاج إلا في النظام الرأسمالي، في ظل وجود الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، في ظل وجود المزاحمة، وفوضى الإنتاج، وأزمات فيض الإنتاج. إنهم ينسون أن دائرة مفعول قانون القيمة محدودة عندنا بالملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج، وبفعل قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني، ـ فهي إذن محدودة أيضاً ببرامجنا السنوية وبرامج السنوات الخمس التي هي انعكاس تقريبي لمقتضيات هذا القانون.
من هنا يستنتج بعض الرفاق أن قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني وبرمجة الاقتصاد الوطني يلغيان مبدأ الريعية. وهذا خطأ تام. فالأمر على خلاف ذلك تماماً. فإذا نظرنا إلى الريعية، لا من وجهة نظر مختلف مؤسسات أو فروع الإنتاج، ولا خلال سنة واحدة فقط، بل من وجهة نظر مجموع الاقتصاد الوطني وخلال عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً مثلاً، وتلك هي الوسيلة الوحيدة لتناول المسألة بصورة صحيحة، فإن الريعية الوقتية والسريعة الزوال التي تعطيها مختلف مؤسسات أو فروع الإنتاج لا تستطيع الصمود أمام أية مقارنة مع الشكل الأعلى للريعية الوطيدة الثابتة التي تتوفر بفعل قانون التطور المتناسق للاقتصاد الوطني وببرمجة الاقتصاد الوطني، إذ يخلصنا ذلك من الأزمات الاقتصادية الدورية، التي تدمر الاقتصاد الوطني وتلحق بالمجتمع ضرراً مادياً بالغاً، كما يؤمن لنا ذلك اضطراد تقدم الاقتصاد الوطني بمعدلاته العالية.
وبالاختصار، ما من شك في أن قانون القيمة، في ظروف الإنتاج الاشتراكية التي نحن فيها الآن، لا يمكن أن يكون «ضابطاً للنسب» في توزيع العمل بين مختلف فروع الإنتاج.
 
4 ـ حول إزالة التضاد بين المدينة والريف،
      بين العمل الفكري والعمل اليدوي،
   وحول تصفية الفروق بينها جميعاً:
 
يتصل هذا العنوان بكثير من القضايا التي يختلف بعضها عن بعض اختلافاً جوهرياً. على أني أجمعها في فصل واحد، لا لأجل مزجها بعضها ببعض، بل على سبيل اختصار بحثي فقط.
إن قضية إزالة التضاد بين المدينة والريف، بين الصناعة والزراعة، قضية معروفة، آثارها ماركس وأنجلز منذ زمن بعيد. والأساس الاقتصادي لهذا التضاد، إنما هو استثمار المدينة للريف، ونزع ملكية جماهير الفلاحين، وخراب القسم الأكبر من أهل الريف، كل ذلك من جراء تطور الصناعة والتجارة، ومن جراء نظام التسليف في النظام الرأسمالي. لذلك يجب اعتبار التضاد بين المدينة والريف، في ظل الرأسمالية، على أن تضاد في المصالح. وعلى هذا الأساس، نشأ هذا الموقع العدائي الذي يقف الريف إزاء المدينة، وبصورة عامة، إزاء «أهل المدن».
ومن المؤكد أنه، مع إلغاء الرأسمالية ونظام الاستثمار، ومع تقوية النظام الاشتراكي في لبلادنا، كان لا بدّ أن يزول التضاد بين المدينة والريف، بين الصناعة والزراعة. وهذا ما جرى. فإن المساعدة الفعلية التي أسديت إلى فلاحينا من قبل المدين الاشتراكية، من قبل طبقتنا العملة، للقضاء على كبار الملاكين العقاريين والكولاك، قد وطدت الأساس لقيام تحالف الطبقة العاملة والفلاحين، كما أن إمداد الفلاحين وكولخوزاتهم إمداداً مستمراً، منتظماً، بأعلى طراز من التراكتورات والآلات، قد أدى إلى تحويل تحالف الطبقة العاملة والفلاحين إلى صداقة بين الفريقين. لا شك في أن العمال والفلاحين الكولخوزيين يؤلفون، مع ذلك، طبقتين تخالف إحداهما عن الأخرى، بنتيجة وضع كل منهما. على أن هذا الاختلاف لا يضعف صداقتهما بوجه من الوجه. بالعكس، إن مصالحهما تقوم على أساس  واحد، أساس توطيد النظام الاشتراكي وانتصار الشيوعية. فليس من العجيب إذن أن لا يبقى أي أثر للحذر القديم من جانب الريف نحو المدينة، ومن باب أولى، لكره الريف للمدينة.
كل ذلك معناه أن نظامنا الاشتراكي الحاضر قد قضى نهائياً على التربة المؤاتية للتضاد بين المدينة والريف، بين الصناعة والزراعة.
بيد أن ذلك لا يعني طبعاً أن إزالة التضاد بين المدينة والريف يجب أن تؤدي إلى «زوال المدن الكبرى» (راجع كتاب انتي دوهرينغ لانجلز). فالمدن الكبرى لن تزول، وليس ذلك وحسب، بل ستقوم أيضاً مدن جديدة ستكون مراكز لثقافة فكرية عظيمة، ولن تكون هذه المدن مراكز للصناعة الكبيرة وحسب، بل ستكون مراكز لتحويل المنتجات الزراعية، ولتطوير جميع فروع الصناعة الغذائية تطويراً واسعاً. وهذا ما سيساهم في ازدهار البلاد الثقافي ويؤدي إلى جعل شروط الحياة في المدن والأرياف في مستوى واحد.
كذلك هي الحال فيما يتعلق بإزالة التضاد بين العمل الفكري والعمل اليدوي. وهذه أيضاً قضية معروفة، وقد وضعها ماركس وأنجلز منذ زمن بعيد. إن الأساس الاقتصادي للتضاد بين العمل الفكري والعمل اليدوي هو استثمار الشغيلة اليدويين من قبل ممثلي العمل الفكري. فالجميع يعرفون الهوة التي كانت قائمة، في النظام الرأسمالي، بين الشغيلة اليدويين في المؤسسات وبين هيئة الإدارة. ومن المعلوم أن هذه الهوة قد أفسحت المجال لنشوء موقف عدائي في صفوف العمال نحو المدير، ورئيس العمال، والمهندس، وسائر ممثلي الشغيلة الفنيين، الذين كان العمال يعتبرونهم أعداء لهم. ومن الواضح أنه، مع إلغاء الرأسمالية ونظام الاستثمار، كان لا بد أن يزول تضاد المصالح بين العمل اليدوي والعمل الفكري. وقد زال فعلاً في نظامنا الاشتراكي الحالي. فالشغيلة اليدويين وهيئة الإدارة ليسوا اليوم أعداء، بل رفاق أصدقاء، أعضاء تعاونية واحدة من المنتجين، يهمهم، بشكل حيوي، تقدم الإنتاج وتحسينه. ومن الضغائن القديمة لم يبق أي أثر.
إن قضية زوال الفروق بين المدينة (الصناعة) وبين الريف (الزراعة)، بين العمل اليدوي والعمل الفكري، ترتدي اليوم طابعاً آخر تماماً. وهذه المسألة لم تضعها مؤلفات الماركسية الكلاسيكية. فهي قضية جديدة يضعها النشاط العملي في بنائنا الاشتراكي.
ترى، أليست هذه القضية من نسج الخيال، وهل لها، بالنسبة إلينا، أهمية عملية أن نظرية؟ كلا، لا يمكن القول أن هذه القضية هي من نسج الخيال، بالعكس، إنها قضية هامة إلى أعلى درجة بالنسبة إلينا.
فإذا نظرنا مثلاً إلى الفرق بين الزراعة والصناعة، نجد أن هذا الفرق في بلادنا لا يعود فقط إلى اختلاف شروط العمل في الزراعة عن شروط العمل في الصناعة، بل يعود، قبل كل شيء، وبصورة رئيسية، إلى أن وسائل الإنتاج والأشياء المنتوجة في صناعتنا هي ملك للشعب، في حين أن الملكية في الزراعة ليست ملكية لكل الشعب، بل ملكية جماعة، ملكية الكولخوز. وهذا الأمر يؤدي، كما سبق القول، إلى بقاء تداول البضائع، ولا يمكن أن يكون الإنتاج البضاعي مع جميع النتائج التي تنجم عنه، ألا يزول هذا الفرق بين الصناعة والزراعة. ولذلك لا يمكن النكران أن زوال هذا الفرق الجوهري بين الزراعة والصناعة، يجب أن يكون في درجة أولى من الأهمية بالنسبة إلينا.
وهكذا يجب أن يقال عن إزالة الفرق الجوهري بين العمل الفكري والعمل اليدوي. فهذه المسألة أيضاً ذات أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة إلينا. قبل أن تتسع المباراة الاشتراكية الجماهيرية، كانت صناعتنا تتطور بخطى متثاقلة، حتى لقد كان عدد من الرفاق يقولون بوجوب السير على معدلات أكثر بطئاً في التطور الصناعي. ويعود تفسير ذلك، بصورة خاصة، إلى أن مستوى العمال الثقافي والتكنيكي كان شديد الانخفاض، ومتأخراً شوطاً بعيداً عن مستوى الشغيلة الفنيين. على أن الأمور تبدلت تبدلاً جذرياً بعدما اتخذت المباراة الاشتراكية عندنا صفة جماهيرية. فمنذ ذاك، حققت الصناعة تقدماً سريعاً. ولماذا اتخذت المباراة الاشتراكية صفة جماهيرية؟ لأنه كان بين العمال جماعات من الرفاق الذين لم يقتصروا على استيعاب حد أدنى من المعارف التكنيكية، بل ذهبوا إلى مدى أبعد، وبلغوا مستوى الشغيلة الفنيين؛ لقد أخذوا يصححون أعمال الفنيين والمهندسين ويحطمون المعدلات القائمة على أنها معدلات بالية، ويدخلون معدلات جديدة أكثر حداثة، الخ. وماذا كان حدث لو أن أكثرية العمال، بدلاً من بعض الفئات منهم، قد رفعت مستواها الثقافي والتكنيكي إلى مستوى المهندسين والفنيين؟ لو حدث ذلك، لارتفعت صناعتنا إلى مستوى لا يمكن أن تبلغه صناعة البلدان الأخرى. فليجب ألا ننكر إذن إن إزالة الفرق الجوهري بين العمل الفكري والعمل اليدوي، عن طريق رفع المستوى الثقافي والتكنيكي للعمال إلى مستوى الشغيلة الفنيين، لا يمكن إلا أن تكون لها أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة إلينا.
ويذهب بعض الرفاق إلى أن الفرق الجوهري بين الصناعة والزراعة، بين العمل اليدوي والعمل الفكري، لن يزول وحده، مع الزمن، بل ستزول أيضاً جميع الفروق بينها. هذا خطأ. فإن إزالة الفرق الجوهري بين الصناعة والزراعة لا يمكن أن تؤدي إلى إزالة جميع الفروق بينهما، بل سيبقى، بكل تأكيد، بعض الفرق بينهما، مهما يكن ضئيلاً، وذلك بسبب شروط العمل المختلفة في الصناعة والزراعة. حتى في الصناعة، إذا أخذنا بعين الاعتبار شتى فروعها، ليست شروط العمل واحدة في كل مكان: فشروط عمل عمال الفحم، مثلاً، تختلف عن شروط عمل العمال في صنع آلي للأحذية، وشروط عمل عمال مناجم المعادن تختلف عن شروط عمل العمال الذين يشتغلون في صناعة الآلات. فإذا كان هذا صحيحاً، فإن بعض الفرق سيبقى، بالأحرى، بين الصناعة والزراعة.
وهكذا يجب القول أيضاً عن الفرق بين العمل الفكري والعمل اليدوي. إن الفرق الجوهري بينهما، فيما يتعلق بالمستوى الثقافي والتكنيكي، سيزول بكل تأكيد. ولكن سيبقى بينهما، مع ذلك، فرق ما، مهما يكن ضئيلاً، وذلك، على الأقل، لأن شروط عمل هيئة الإدارة في المؤسسات ليست شبيهة تماماً بشروط عمل العمال.
لعل الرفاق الذين يؤكدون عكس ذلك، يستندون إلى صيغة واردة في بعض خطب لي، يدور الكلام فيها حول إزالة الرفق بين الصناعة والزراعة، بين العمل الفكري والعمل اليدوي، دونما تعيين أن المقصود هو إزالة الفرق الجوهري، وليس جميع الفروق. على هذه الصورة قد فهم الرفاق صيغتي، مفترضين أنها تعني إزالة جميع الفروق. ذلك أن الصيغة كانت غير دقيقة، وغير كافية. فيجب طرحها جانباً وإبدالها بأخرى تؤكد إزالة الفروق الجوهرية، وبقاء فروق غير جوهرية بين الصناعة والزراعة، بين العمل الفكري والعمل اليدوي.
 
5 ـ حول تفكك السوق العالمية الوحيدة
وتفاقم أزمة النظام الرأسمالي العالمي
 
إن أهم نتيجة اقتصادية للحرب العالمية الثانية، ولعواقبها على الاقتصاد، كانت تفكك السوق العالمية الوحيدة الشاملة. وهذا ما أدى تفاقم جديد في أزمة النظام الرأسمالي العالمي العامة.
ولقد تولدت الحرب العالمية الثانية نفسها من هذه الأزمة ـ وكانت كل من الكتلتين الرأسماليتين اللتين ينهش بعضهما بعضاً أثناء الحرب تأمل في أن ت تمكن من قهر خصمها وبسط سيطرتها على العالم. وبهذه الوسيلة، كانتا تسعيان إلى إيجاد مخرج من الأزمة. فإن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تأمل أن تتغلب على أخطر مزاحميها، ألمانيا واليابان، وأن تستولي على الأسواق الأجنبية، وعلى المصادر العالمية للمواد الأولية، وأن تبسط سيطرتها على العالم.
على أن الحرب لم تحقق آمال الولايات المتحدة. صحيح أن ألمانيا واليابان قد وضعتا خارج المعركة، بوصفهما مزاحمتين للدول الرأسمالية الرئيسية الثلاث: الولايات المتحدة وانكلترا وفرنسا. ولكن شهدنا، من جهة أخرى، إن الصين وبلدان الديمقراطية الشعبية في أوروبا قد انفصلت عن النظام الرأسمالي، وشكلت مع الاتحاد السوفييتي معسكراً اشتراكياً واحداً جباراً، مجابهاً لمعسكر الرأسمالية. وكانت النتيجة الاقتصادية لوجود المعسكرين المتجابهين أن السوق الوحيدة، العالمية، قد تفككت، الأمر الذي أدى الآن إلى وود سوقين عالميتين متقابلتين، تجابه إحداهما الأخرى أيضاَ.
ولنلاحظ أن الولايات المتحدة، وانكلترا مع فرنسا، قد ساهمت، هي نفسها، بصورة مستقلة عن إرادتها طبعاًن في تكوين وتوطيد السوق العالمية الجديدة المقابلة. فقد ضربت هذه الدول الحصار الاقتصادي على الاتحاد السوفييتي والصين وبلدان الديمقراطية الشعبية في أوربا، التي لم تشترك في نظام «مشروع مارشال»، ظانّة أنها تستطيع بذلك خنقها. وفي الواقع، إن السوق العالمية الجديدة لم تخنق، بل توطدت.
على أن الشيء الأساسي هنا لا يعود إلى الحصار الاقتصادي، بل إلى أن هذه البلدان قد تشاركت اقتصادياً فيما بينها، بعد الحرب، ونظمت التعاون والتعاضد الاقتصاديين. وتدل تجربة هذا التعاون على أن أي بند رأسمالي ما كان بوسعه أن يسدي لبلدان الديمقراطية الشعبية مساعدة ناجعة وتكنيكية رفيعة كالمساعدة التي تتلقاها من الاتحاد السوفييتي. ولا يقتصر الأمر في هذه المساعدة على أنها زهيدة الكلفة ومن الدرجة الأولى من الناحية التكتيكية. بل المسألة، قبل كل شيء، هي أن هذا التعاون يقوم على أساس الرغبة الصادقة في التعاضد وفي توخي نهوض اقتصادي عام. والنتيجة هي: إننا نسجل معدلاً رفيعاً في تطور صناعة هذه البلدان. ويمكن القول، عن ثقة ويقين، أن هذه البلدان، مع هذا المعدل في تطور الصناعة، لن تكون بحاجة، عما قريب، إلى استيراد بضائع من الأقطار الرأسمالية، بل ستشعر هي نفسها بضرورة بيع الفائض من إنتاجها للخارج.
ولكن ينتج عن ذلك أن نطاق استخدام قوى البلدان الرأسمالية الرئيسية (الولايات المتحدة، انكلترا، فرنسا) في الموارد العالمية لن يتسع، بل سيضيق؛ وأن الشروط، فيما يتعلق بأسواق التصريف العالمية، ستزداد سوءاً بالنسبة لهذه البلدان، كما أن معدل تشغيل مؤسساتها سيزداد هبوطاً. هذا، على وجه الدقة، ما يعنيه تفاقم الأزمة العامة للنظام الرأسمالي العالمي من جراء تفكك السوق العالمية.
وهذا ما يدركه الرأسماليون أنفسهم، إذ من الصعب، أن لا يشعروا بخسارة أسواق كأسواق الاتحاد السوفييتي والصين. فتراهم يسعون إلى مداواة هذه المصاعب عن طريق «مشروع مارشال»، وعن طريق الحرب في كوريا، والركض وراء التسلح، وإشاعة العسكرية في الصناعة. على أن ذلك كله ليس إلا كمحاولة الغريق الذي يتمسك بحبال العرمض.
وأمام هذه الوضع، تواجه الاقتصاديين قضيتان، هما:
أ ـ هل يمكن التأكيد بأن فكرة ستالين المعروفة، التي صيغت قبل الحرب العالمية الثانية، حول استقرار الأسواق النسبي، في مرحلة الأزمة العامة للرأسمالية، لا تزال سارية المفعول؟
ب ـ هل يمكن التأكيد بأن الفكرة المعروفة التي صاغها لينين في ربيع 1916، لاتزال سارية المفعول، وهي الفكرة القائلة بأن «الرأسمالية بمجموعها تتطور بسرعة أكبر من السابق بما لا يقاس» رغم تعفنها؟
أعتقد أن ليس في الإمكان تأكيد ذلك. فنظراً للظروف الجديدة الناجمة عن الحرب العالمية الثانية، يجب اعتبار الفكرتين قد فات أوانهما.
 
6 ـ حول حتمية الحروب بين البلدان الرأسمالية
 
يؤكد بعض الرفاق أنه، نظراً للظروف الدولية الجديدة التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد الحروب محتومة بين البلدان الرأسمالية. وهم يرون أن التناقضات بين معسكر الاشتراكية ومعسكر الرأسمالية أقوى من التناقضات بين البلدان الرأسمالية؛ وأن الولايات المتحدة الأمريكية قد أخضعت لسلطانها البلدان الرأسمالية الأخرى إلى درجة تكفي لمنع هذه البلدان من محاربة بعضها البعض وإضعاف بعضها البعض؛ وأن رجال الرأسمالية البعيدي النظر قد تعلموا ما فيه الكفاية من الحربين العالميتين اللتين أحلقتا أذى جدياً بمجموع العالم الرأسمالي، بحيث لن يسمحوا لأنفسهم بجر البلدان الرأسمالية من جديد إلى حرب فيما بينها، وأنه، بسبب ذلك، لم تبق الحروب حتمية بين البلدان الرأسمالية.
إن هؤلاء الرفاق مخطئون. فهم يبصرون الظاهرات الخارجية البداية على أديم الأشياء، ولكنهم لا يرون القوى العميقة التي ليست أقل تأثيراً في تعيين مجرى الحوادث، وإن تكن تعمل مؤقتاً بصورة غير منظورة.
ففي الظاهر يسود «الصفاء» في كل مكان: إن الولايات المتحدة الأمريكية قد جعلت أوربا الغربية واليابان وسائر البلدان الرأسمالية تعيش بالتقتير؛ فألمانيا (الغربية)، وانكلترا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، التي وقعت جميعاً بين براثن الولايات المتحدة الأمريكية، تنفذ أوامرها بانصياع. ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن هذا «الصفاء» يمكن أن يبقى إلى الأبد؛ وأن هذه البلدان ستتحمل سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية ونيرها إلى ما لا نهاية له؛ وإنها لن تحاول الانعتاق من الأسر الأمريكي لكي تسير في طريق الاستقلال.
لننظر باء ذي بدء إلى انكلترا وفرنسا. فمن المؤكد أنهما بلدان استعماريان. ومن المؤكد أن للمواد الأولية الرخيصة وللأسواق المضمونة أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة على هذين البلدين. فهل يمكن أن يعتقد إنسان أنهما ستتحملان الوضع الحاضر إلى مالا نهاية له، بينما الأمريكيون، تحت ستار «مساعدة» يقدمونها باسم «مشروع مارشال»، يتغلغلون في نظام انكلترا وفرنسا الاقتصادي، هذا النظام الذي يريدون أن يجعلوا منه ذيلاً تابعاً للاقتصاد الأمريكي؛ وبينما الرأسمال الأمريكي يستولي على المواد الأولية والأسواق في المستعمرات الانكلوفرنسية، فيهيء بذلك كارثة لأرباح الرأسماليين الانكلوفرنسيين الفاحشة؟ أليس الأصح أن يقال أن انكلترا الرأسمالية، ومن بعدها فرنسا الرأسمالية، ستكونان مضطرتين، في آخر الأمر، إلى التخلص من ربقة الولايات المتحدة، وإلى الدخول في نزاع معها لكي تضمنا لنفسيهما وضعاً مستقلاً، وبالطبع، أرباحاً فاحشة؟
ولننتقل إلى البلدين المغلوبين الرئيسيين، إلى ألمانيا (الغربية) واليابان. إن هذين البلدين يعيشان الآن في وضع يرثى له تحت نعال الاستعمار الأمريكي. فصناعتهما وزراعتهما، وتجارتها، وسياستهما الخارجية والداخلية وكل حياتهما مكبلة بسلاسل «نظام» الاحتلال الأمريكي. ومع ذلك، فقد كان هذان البلدان، حتى الأمس القريب، دولتين استعماريتين كبيرتين تزعزعان أركان سيطرة انكلترا والولايات المتحدة وفرنسا في أوربا وآسيا. إن الاعتقاد بأن هذين بالبلدين لن يحاولا الوقوف على قدميهما،  وتحطيم «نظام» الولايات المتحدة، والسير في طريق الاستقلال، هو اعتقاد بالمعجزات.
ويقال أن التناقضات بين الرأسمالية والاشتراكية أقوى من التناقضات القائمة بين البلدان الرأسمالية. وهذا صحيح نظرياً، بلا شك. وليس اليوم قط، بل كان صحيحاً أيضاً قبل الحرب العالمية الثانية. وهذا ما كان يفهمه قادة البلدان الرأسمالية، إلى درجة ما.ورغم ذلك، فالحرب العالمية الثانية لم تبدأ بالحرب ضد الاتحاد السوفييتي، بل بحرب بين البلدان الرأسمالية. ولماذا؟ أولاً، لأن الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، بلد الاشتراكية، أشد خطراً على الرأسمالية من الحرب بين البلدان الرأسمالية. فإذا كانت الحرب بين بلدان رأسمالية تضع فقط مسألة سيطرة هذه البلدان الرأسمالية على تلك، فالحرب ضد الاتحاد السوفييتي لا بد أن تضع حتماً مسألة وجود الرأسمالية بالذات. وثانياً، لأن الرأسماليين، وإن كانوا يثيرون على سبيل «الدعابة»، كثيراً من الضجيج حول عدوانية الاتحاد السوفييتي، فهم أنفسهم لا يعتقدون بهذه العدوانية، لأنه يأخذون سياسة الاتحاد السوفييتي السلمية بعين الاعتبار، ويعرفون أن الاتحاد السوفييتي لن يهاجم البلدان الرأسمالية من نفسه
غداة الحرب العالمية الأولى، كان الناس يظنون أيضاً أن ألمانيا قد وضعت نهائياً خارج المعركة، كما هي اليوم حال اليابان وألمانيا في رأي بعض الرفاق. وفي ذلك الزمن أيضاً، كان يقال ويذاع في الصحافة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد جعلت أوربا تعيش بالتقتير، وأن ألمانيا لن تقوم له قائمة؛ وأنه ينبغي بعد الآن أن لا تقوم حروب بين البلدان الرأسمالية. ولكن، رغم ذلك، وقفت ألمانيا على رجليها كدولة كبرى، بعد مضي خمسة عشر أو عشرين عاماً على هزيمتها؛ لقد أفلتت من أسرها وسارت في طريق الاستقلال. والشيء الذي له مغزاه أن انكلترا والولايات المتحدة الأمريكية نفسها قد ساعدتا ألمانيا على النهوض اقتصادياً، وعلى استعادة طاقتها الاقتصادية والعسكرية. ولا ريب أن الولايات المتحدة وانكلترا، في مساعدتهما ألمانيا على النهوض اقتصادياً، كانتا تقصدان توجيه ألمانيا، بعد نهوضها، ضد الاتحاد السوفييتي، كانتا تقصدان استخدمها ضد بلد الاشتراكية. غير أن ألمانيا قد وجهت قواها، في البدء، ضد الكتلة الانكليزية ـ الفرنسية ـ الأمريكية. ولما أعلنت ألمانيا الهتلرية الحرب على الاتحاد السوفييتي، لم تنضم الكتلة الانكليزية ـ الفرنسية ـ الأمريكية إلى ألمانيا الهتلرية، بل اضطرت، بالعكس، إلى التحالف مع الاتحاد السوفييتي ضد ألمانيا الهتلرية.
وبالتالي، تبين أن تطاحن البلدان الرأسمالية على امتلاك الأسواق،  ورغبتها في إغراق مزاحميها، أقوى عملياً من الناقضات بين المعسكر الرأسمالي ومعسكر الاشتراكية.
ويتساءل المرء: أين الضمانة على أن ألمانيا واليابان لن تنهضا ولن تحاولا الانعتاق من النير الأمريكي، لكي تباشرا حياتهما المستقلة؟ أني أعتقد أن هذه الضمانة لا وجود لها.
فينتج من ذلك إذن، أن حتمية الحروب بين البلدان الرأسمالية لا تزال قائمة.
ويقال أنه يجب اعتبار فكرة لينين القائلة بأن الاستعمار يولد الحروب حتماً، إنها فكرة بالية، إذ قد ظهرت اليوم قوى شعبية جبارة تدافع عن السلم ضد حرب عالمية جديدة. وهذا خطأ.
إن الحركة الحالية في سبيل السلم تستهدف إنهاض الجماهير الشعبية إلى النضال في سبيل المحافظة على السلم، وفي سبيل منع وقوع حرب عالمية جديدة. وبالنتيجة، فهي لا ترمي إلى قلب الرأسمالية وإقامة الاشتراكية، ـ إنها تقتصر على أهداف ديمقراطية للنضال في سبيل المحافظة على السلم. ومن هذه الناحية، تختلف الحركة الحالية للمحافظة على السلم، عن الحركة التي قامت في زمن الحرب العالمية الأولى، لأجل تحويل الحرب الاستعمارية إلى حرب أهلية، لأن تلك الحركة كانت تذهب إلى مدى أبعد، وترمي إلى أهداف اشتراكية.
وقد يحدث، إذا ساعدت الظروف، أن تتطور الحركة، هنا وهناك، نحو النضال في سبيل الاشتراكية، ولكن تلك لن تبقى الحركة الحالية في سبيل السلم، بل ستكون حركة لقلب الرأسمالية.
والأرجح أن الحركة الحالية في سبيل السلم، بوصفها حركة هدفها المحافظة على السلم، ستساهم، في حال النجاح، في منع وقوع حرب معينة، في تأجيلها مؤقتاً، في المحافظة مؤقتاً على سلم معين، في حمل الحكومة النازعة إلى الحرب على الاستقالة وإبدالها بحكومة أخرى مستعدة للمحافظة مؤقتاً على السلم. وذلك شيء حسن طبعاً. بل حسن جداً. على أن ذلك لا يكفي لإزالة حتمية وقوع الحروب، بصورة عامة بين البلدان الرأسمالية. ذلك لا يكفي، لأنه، على الرغم من جميع هذه النجاحات لحركة السلم، لايزال الاستعمار قائماً، لا يزال ذا بأس. وبالنتيجة، لا تزال حتمية الحروب قائمة أيضاً.
لأجل إزالة حتمية الحروب، ينبغي القضاء على الاستعمار.
 
 
 
 
 
7 ـ حول القانونين الاقتصاديين الأساسيين
 للرأسمالية الحالية وللاشتراكية
 
من المعلوم أن مسألة القانونين الاقتصاديين الأساسيين للرأسمالية وللاشتراكية قد أثيرت مراراً كثيرة خلال المناقشات. وقد أبديت آراء مختلفة بهذا الصدد، حتى لقد ذهب بعضها إلى أقصى مدى الخيال. صحيح أن رد الفعل الذي أبداه معظم المشتركين في المناقشة كان ضعيفاً، وأنه لم يتخذ أي قرار بهذا الصدد. إلا أن أحداً من المشتركين في المناقشة لم ينف وجود هذين القانونين.
هل يوجد قانون اقتصادي أساسي للرأسمالية؟ نعم، يوجد. ما هو هذا القانون، ما هي ميزاته الخاصة؟ إن قانون الرأسمالية الاقتصادي الأساسي هو القانون الذي لا يحدد ناحية خاصة من نواحي تطور الإنتاج الرأسمالي، أو عملية خاصة من عمليات تطور هذا الإنتاج، بل يحدد جميع النواحي الرئيسية وجميع العمليات الرئيسية لهذا التطور؛ فهو يحدد إذاً جوهر الإنتاج الرأسمالي، يحدد طبيعة هذا الإنتاج.
أليس قانون القيمة هو القانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية؟ كلا. إن قانون القيمة هو، قبل كل شيء، قانون الإنتاج البضاعي. لقد كان موجوداً قبل الرأسمالية، ومايزال موجوداً هو والإنتاج البضاعي، بعد قلب الرأسمالي، في بلادنا، مثلاً. إلا أن دائرة عمل، في الحقيقة، محدودة. صحيح أن قانون القيمة الذي يشمل دائرة عمل واسعة في نطاق الرأسمالية، يلعب دوراً كبيراً، في تطور الإنتاج الرأسمالي، ولكنه لا يحدد لا جوهر الإنتاج الرأسمالي ولا أساس الربح الرأسمالي، حتى أنه لا يضع هذه المسائل على بساط البحث.
وإذاً، فلا يمكنه أن يكون قانون الرأسمالية الحالية الاقتصادي الأساسي.
لهذه الأسباب نفسها، لا يمكن لا لقانون المزاحمة وفوضى الإنتاج، ولا لقانون تطور الرأسمالية تطوراً متفاوتاً في مختلف البلدان، أن يكونا القانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية.
يقولون أن قانون المعدل الوسطي للربح هو القانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية الحالية. وهذا خطأ. فالرأسمالية الحالية، الرأسمالية الاحتكارية، لا يمكن أن تكتفي بمعد الربح الوسطي الذي يميل، فوق ذلك، إلى النقصان بنتيجة ارتفاع التركيب العضوي للرأسمال. إن الرأسمالية الاحتكارية الحالية لا تطلب الربح الوسطي بل الحد الأقصى من الربح الضروري للوصول إلى إعادة الإنتاج من جديد على نطاق أوسع، بقدر ما يمكن من الانتظام.
إن أكثر القوانين ملاءمة لمفهوم قانون الرأسمالية الاقتصادي الأساسي هو قانون القيمة الزائدة، قانون نشوء ونمو الربح الرأسمالية. وفي الحق، إن ذا القانون يحدد ميزات الإنتاج الرأسمالي الأساسية. ولكن قانون القيمة الزائدة هو قانون من نوع عام جداً، ولا يتناول قضايا المعدل الأقصى من الربح، الذي نعد ضمانته شرطاً لتطور الرأسمالية الاحتكارية. ولأجل سد هذا النقص، ينبغي جعل قانون القيمة الزائدة قانوناً ملموساً، وتطويره إلى أمام، بالانطباق على ظروف الرأسمالية الاحتكارية، على أن يؤخذ بعين الاعتبار أن الرأسمالية الاحتكارية، لا تبتغي أي ربح كان، بل تبتغي على وجه الدقة، الحد الأقصى من الربح. هذا هو القانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية الحالية.
إن الميزات الرئيسية لقانون الرأسمالية الحالية الاقتصادي الأساسي، ومقتضيات هذا القانون يمكن أن تصاغ، تقريباً على الصورة التالية: تأمين الحد الأقصى من الربح الرأسمالي عن طريق استثمار وخراب وإفقار القسم الأعظم من سكان بلد معين؛ وعن طريق استعباد وسلب شعوب البلدان الأخرى، بدأب وإمعان، ولا سيما شعوب البلدان المتأخرة، وأخيراً عن طريق إثارة الحروب وإشاعة العسكرية في الاقتصاد الوطني بغية تأمين الحد الأقصى من الأرباح.
يقولون أن الربح الوسطي يمكن، في كل حال، أن يكون في الظروف الحاضرة، كافياً وافياً لأجل التطور الرأسمالي. هذا خطأ. إن الربح الوسطي هو الحد الأدنى للريعية، وتحت هذا الحد، يصبح الإنتاج الرأسمالي غير ممكن. ولكن من السخف التفكير بأن كبار أرباب الأعمال في الرأسمالية الاحتكارية الحالية لا يطمعون إلا بتأمين ربح وسطي من وراء الاستيلاء على المستعمرات، واستبعاد الشعوب، وإثارة الحروب. كلا، فليس الربح الوسطي هو القوة المحركة للرأسمالية الاحتكارية، لا ولا الربح الزائد الذي لا يمثل، بصورة عامة، سوى بعض الزيادة على الربح الوسطي، وإنما هو، على وجه الدقة، الحد الأقصى من الربح. إن ضرورة تحقيق الحد الأقصى من الأرباح هي، على وجه الدقة، ما يدفع الرأسمالية الاحتكارية إلى مجازفات كاستعباد المستعمرات وسائر البلدان المتأخرة والإمعان في نهبها، وكتحويل بلدان مستقلة إلى بلدان تابعة، وتنظيم حروب جديدة هي بالنسبة لكبار أرباب الأعمال في الرأسمالية الحالية خير «صفقة» تمكنهم من ابتزاز الحد الأقصى من الأرباح، وأخيراً، بذل الجهود للاستيلاء على السيطرة الاقتصادية العالمية.
وفي جملة ما لقانون الرأسمالية الاقتصادي الأساسي من أهمية بعيدة المدى، ما يلي: إن هذا القانون، في تعريفه لجميع الظاهرات الهامة في تطور أسلوب الإنتاج الرأسمالي، كمراحل نهوضه وأزماته، انتصاراته وهزائمه، محاسنه وعيوبه، ـ أي كل عملية تطوره الحافل بالتناقض ـ إنما يفسح المجال لفهم هذه الظاهرات وتفسيرها.
وإليكم مثالاً «يثير الانتباه» بين أمثلة كثيرة.
إن الجميع يعرفون الوقائع المأخوذة من تاريخ الرأسمالية ونشاطها العملي، تلك الوقائع التي تدل على انطلاق التكتيك في ظل الرأسمالية انطلاقاً جارفاً، حين كان الرأسماليون يبدون كأنهم حملة لواء التكتيك التقدمي، كأنهم ثوريون في تطوير تكنيك الإنتاج. ولكن الجميع يعرفون أيضاً وقائع من نوع آخر تدل على أن تطور التكنيك يصاب بوقفات في النظام الرأسمالي، فيسلك الرأسماليون حينذاك سلوك أنسا رجعيين إزاء التقدم التكنيكي، وكثيراً ما يلجأون إلى العمل اليدوي.
فكيف يمكن تفسير هذا التناقض الصارخ؟ لا يمكن تفسير ذلك إلا بالقانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالي الحالية، أي ضرورة تحقيق الحق الأقصى من الأرباح. إن الرأسمالية تقف بجانب التكنيك الجديد عندما تستشف من ورائه أرباحاً أعظم. وهي ضد التكنيك الجديد وتميل للانتقال إلى العمل اليدوي، عندما لا تعود تستشف من وراء التكنيك الجديد أعلى الأرباح. هذا هو الأمر فيما يتعلق بالقانون الاقتصادي الأساسي للرأسمالية الحالية.
وهل يوجد قانون اقتصادي أساسي للاشتراكية؟
أجل، يوجد، فما هي الميزات الأساسية لهذا القانون، وما هي مقتضياته؟ إن الميزات الأساسية لقانون الاشتراكية الاقتصادي الأساسي ومقتضيات هذا القانون، يمكن أن تصاغ على الوجه التالي تقريباً: تأمين تلبية الحد الأقصى من حاجات كل المجتمع المادية والثقافية لنامية بغير انقطاع، وذلك عن طريق زيادة وإتقان الإنتاج الاشتراكي بصورة دائمة، على أساس تكنيك أرقى.
وبالتالي: بدلاً من تأمين الحد الأقصى من الأرباح، يؤمن الحد الأقصى من حاجات المجتمع المادية والثقافية؛ وبدلاً من أن يتطور الإنتاج تطوراً تتخلله فترات من التوقف ـ نهوض فأزمة، وأزمة فنهوض ـ ينمو الإنتاج بغير توقف، وبدلاً من فترات التوقف الدورية التي تعتري التقدم التكنيكي ويرافقها تدمير في قوى المجتمع المنتجة، يجري إتقان الإنتاج على أساس تكنيك أرقى.
يقولون أن قانون الاشتراكية الاقتصادي الأساسي هو قانون تطور الاقتصاد الوطني متناسقاً متناسباً. هذا خطأ إن تطور الاقتصاد الوطني المتناسق، وبالتالي برمجة الاقتصاد الوطني التي هي الانعكاس الصادق تقريباً لهذا القانون، لا يمكنهما أن يعطيا شيئاً بذاتهما، إذا كانت الأهداف التي من أجلها يجري التطوير المبرمج للاقتصاد الوطني، مجهولة، أو إذا كانت المهمة غير واضحة.
إن قانون تور الاقتصاد الوطني المتناسق لا يمكن أن يعطي النتيجة المبتغاة إلا في حالة وجود مهمة يجري باسمها هذا التطور. وهذه المهمة لا يمكن أن يعيّنها قانون تطور الاقتصاد الوطني المتناسق، ومن باب أولى، لا يمكن أن تعيّنها برمجة الاقتصاد الوطني. إن هذه المهمة يتضمنها قانون الاشتراكية اقتصادي الأساسي بشكل المقتضيات المعروفة آنفاً. ولذلك، لا يستطيع قانون تطور الاقتصاد الوطني المتناسق أن يمارس مفعوله التام إلا إذا استند هذا المفعول إلى قانون الاشتراكية الاقتصادي الأساسي.
أما فيما يتعلق ببرمجة الاقتصاد الوطني فإنها لا يمكن أن تؤدي على نتائج إيجابية إلا بمراعاة شرطيين اثنين:
أ ـ أن تعكس البرمجة بصورة صحيحة مقتضيات قانون تطور الاقتصاد الوطني المتناسق.
ب ـ أن تأخذ بعين الاعتبار، من جميع النواحي، مقتضيات قانون الاشتراكية الاقتصادي الأساسي.
 
8 ـ قضايا أخر
 
 
1 ـ مسألة إكراه غير الاقتصادي في النظام الإقطاعي.
مما لا شك فيه، أن الإكراه غير الاقتصادي قد سهم في توطيد سلطة الإقطاعيين الاقتصادية، دون أن يشكل، مع ذلك، أساس النظام الإقطاعي؛ فقد كانت الملكية الإقطاعية للأرض هي أساس ذلك النظام.
2 ـ مسألة الملكية الشخصية للعائلة الكولخوزية.
من الخطأ القول في مشروع الكتاب، أن «كل عائلة كولخوزية لها حق التمتع الشخصي ببقرة، وماشية صغيرة وطيور». فمن المعلوم أن البقرة، والماشية الصغيرة، والطيور، الخ، ليست، في الواقع، حاجة من حاجات المتع الشخصي للعائلة الكولخوزية، بل هي ملكية شخصية للعائلة الكولخوزية. لعل عبارة «تمتع شخصي» قد أخذت عن نموذج النظام الداخلي للتعاونية الزراعية. ولكن يوجد هنا خطأ. فإن دستور الاتحاد السوفييتي، الذي صيغ بعناية أكبر، يقول شيئاً آخر، وهو:
«لكل عائلة كولخوزية... الحق في أن تلك ملكاً خاصاً، في الأرض الملاصقة لبيتها، مورداً اقتصادياً إضافياً، ومنزلاً للسكن، وماشية للإنتاج، والطيور، والعتاد الزراعي الصغير».
هذا صحيح طبعاً.
وعدا ذلك، ينبغي القول بمزيد من التفصيل، إن كل كولخوزي يملك ملكاً خاصاً، من بقرة إلى عدد كذا من البقر، حسب الظروف المحلية، ويملك كذا من الأغنام، والماعز، والخنازير (كذلك أيضاً من... إلى، حسب الظروف المحلية) كما يملك عدداً غير محدود م الطيور (بط، أوز، دجاج، حبش).
إن لهذه التفاصيل أهمية كبرى بالنسبة لرفاقنا في الخارج، الذين يريدون أن يعرفوا بالضبط ماذا يبقى للعائلة الكولخوزية، بمعنى الكلمة الحقيقي، كملكية شخصية، بعد ما تم عندنا تحقيق الزراعة التعاونية.
3 ـ مسألة بدلات الإيجار الزراعية التي كان على الفلاحين أن يدفعوها للملاكين العقاريين، ومسألة النفقات التي كان يقتضيها شراء الأرض.
جاء في مشروع الكتاب أنه، بنتيجة تأميم الأرض، «تحرر الفلاحون من بدلات الإيجار التي كانوا يدفعونها للملاكين العقاريين ـ قرابة 500 مليون روبل في السنة» (ولنضف «ذهباً»). من الضروري التدقيق في هذا الرقم، لأن، فيما يبدو لي، لا يدل على بدل الإيجار الذي كان يدفع في كل روسيا، بل في معظم المقاطعات الروسية. ويجب أن لا يغيب عن البال أن بدلات الإيجار في بعض أطراف روسيا كان تدفع عيناً، وهذا الأمر كما هو ظاهر، يجب أن لا ننسى أن الفلاحين لم يتحرروا فقط من بدلات إيجار الأرض، بل تحرروا أيضاً من النفقات السنوية التي كان يضطرهم إليها شراء الأرض. فهل أخذ ذلك بعين الاعتبار في مشروع الكتاب؟ يبدو لي أن لا؛ مع أن ذلك يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار.
4 ـ قضية اندماج الاحتكارات مع جهاز الدولة.
إن كلمة «اندماج» غير ملائمة هنا، فهذه الكلمة تعبر بصورة سطحية وصفية عن تقارب الاحتكارات والدولة، ولكن دون أن تبرز المعنى الاقتصادي لهذا التقارب. فالقضية هي أ، هذا التقارب لا يجر إلى مجرد الاندماج فحسب، بل إلى خضوع جهاز الدولة للاحتكارات. فيجب إذاً نبذ كلمة «اندماج» واستبدالها بعبارة «خضوع جهاز الدولة للاحتكارات».
5 ـ حول استعمال الآلات في الاتحاد السوفييتي.
جاء في مشروع الكتاب أن «الآلات في الاتحاد السوفييتي تستعمل في جميع الحالات التي توفر فيها عملاً على المجتمع». ليس هذا أبداً ما ينبغي أن يقال. فأولاً، إن الآلات في الاتحاد السوفييتي لم توفر العمل على المجتمع. وثانياً، إن الآلات لا توفر العمل وحسب، بل تسهل، في الوقت نفسه، جهد الناس، الأمر الذي يؤدي، في ظروفنا، إلى إقبال العمال على استخدام الآلة في عملهم، بكل طيبة خاطر، خلافاً لما هي الحال في ظروف الرأسمالية.
فينبغي أن يقال أنه ما من مكان تستعمل فيه الآلات بطيبة خاطر، كما تستعمل في الاتحاد السوفييتي، لأنها توفر العمل على المجتمع، وتسهل جهد الإنسان. ونظراً إلى أن البطالة لا وجود لها في الاتحاد السوفييتي، فإن العمال يستعملون الآلات في الاقتصاد الوطني بكل طيبة خاطر.
6 ـ حول وضع الطبقة العاملة المادي في البلدان الرأسمالية.
حين يتكلم الناس عن وضع الطبقة العاملة المادي، يفكرون عادة بالعمال الذين يشتغلون، ولا يؤخذ بعين الاعتبار الوضع المادي لما يسمى بالجيش الاحتياطي من العاطلين عن العمل. فهل هي صحيحة هذه الطريقة في بحث وضع الطبقة العاملة المادي؟ أعتقد أنها غير صحيحة. إذا كان العاطلون عن العمل يشكلون جيشاً احتياطياً ليس لأفراده ما يعيشون منه غير بيع قوة عملهم، فهم حتماً جزء من الطبقة العاملة، وإذاً فإن وضعهم البائس لا يمكن إلا أن يؤثر على الوضع المادي للعمال الذين يشتغلون. فأعتقد إذاً أنه، عند تعريف وضع الطبقة العاملة المادي في الأقطار الرأسمالية، يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار أيضاً وضع الجيش الاحتياطي من المال العاطلين عن العمل.
7 ـ مسألة الدخل الوطني.
أعتقد أن من الضروري، إطلاقاً، أن يدخل في مشروع الكتاب فصل جديد عن الدخل الوطني.
8 ـ مسألة الفصل الخاص من الكتاب عن لينين وستالين خالقي اقتصاد الاشتراكية السياسي.
أعتقد أن الفصل المعنون «مذهب الاشتراكية الماركسي. قيام لينين وستالين بخلق الاقتصاد السياسي للاشتراكي»، يجب حذفه. فهو عديم الجدوى تماماً في هذا الكتاب، لأنه لا يأتي بشيء جديد، وليس فيه سوى تكرار هزيل لما جاء في الفصول السابقة بأكثر تفصيلاً.
أما فيما يتعلق بالمسائل الأخرى، فليس عندي ملاحظات تضاف إلى «اقتراحات» الرفاق أوستروفيتيانوف، لينتيف، شيبيلوف، غاتوفسكي، وغيرهم.
 
 
 
 
9 ـ الأهمية الدولية لكتاب
 ماركسي في الاقتصاد السياسي
 
 
أعتقد أن الرفاق لا يأخذون بعين الاعتبار، بصورة كافية، ما لكتاب ماركسي في الاقتصاد السياسي من أهمية بعيدة المدى. فهذا الكتاب ليس ضرورياً لشبيبتنا السوفييتية، فقط. بل هو ضروري خصوصاً للشيوعيين في جميع الأقطار، ولمن يميلون إليهم. إن رفاقنا في الخارج يريدون أن يعرفوا كيف فعلنا لخلع نير الرأسمالية، ولإعادة تنظيم اقتصاد البلاد بروح الاشتراكية، ولكسب صداقة الفلاحين، وكيف توصلنا إلى جعل بلادنا غنية وجبارة، بعدما كانت حتى الأمس القريب معوزة وضعيفة، إنهم يريدون أن يعرفوا ما هي الكولخوزات، ولماذا لا نزال نحتفظ بالإنتاج البضاعي، وبالعملة، وبالتجارة، الخ، رغم جعل وسائل الإنتاج اجتماعية في بلادنا. إنهم يريدون أن يعرفوا كل ذلك وغير ذلك من الأشياء الكثيرة، لا بمجرد الفضول أبداً، بل لكي يتعلموا منا، ويفيدون من تجاربنا في بلادهم. لذلك فصدور كتاب ماركسي، جيّد في الاقتصاد السياسي، ليست له أهمية سياسية داخلية فقط، بل أهمية عالمية كبرى أيضاً.
فيلزمنا إذاً كتاب يمكن أن يكون الكتاب الملازم للشبيبة الثورية لا في دخل البلاد وحسب، بل في ما وراء حدودها أيضاً. وينبغي أن لا يكون كبير الحجم كثيراً، وإلا فلن يكون في وسعه أن يصبح الكتاب الملازم، وسيكون من الصعب هضمه واستيعاب ما فيه. ولكنه يجب أن يتضمن جميع الأشياء الأساسية المتعلقة سواء بانتصار بلادنا أم باقتصاد الرأسمالية ونظام المستعمرات.
لقد اقترح بعض الرفاق، أثناء المناقشة، إضافة عدة فصول جديدة إلى الكتاب، المؤرخون ـ عن التاريخ، ورجال السياسة ـ عن السياسة، والفلاسفة ـ عن الفلسفة، والاقتصاديون ـ عن الاقتصاد. ولكن ذلك من شأنه أن يجعل الكتاب ذا حجم فائق الحد. وبالطبع؛ لا يجب ن نفعل ذلك. إن الكتاب يستخدم الأسلوب التاريخي لإيضاح قضايا الاقتصاد السياسي، على أن ذلك لا يعني أننا يجب أن نجعل من كتاب الاقتصاد السياسي كتاباً في تاريخ العلاقات الاقتصادية.
يلزمنا كتاب من 500 صفحة، وحدّه الأقصى 600، لا أكثر. وسيكون الكتاب الملازم في مادة الاقتصاد السياسي الماركسي، وهدية ممتازة للشيوعيين الشباب في جميع الأقطار.
وفضلاً عن ذلك، نظراً لمستوى التطور الماركسي غير الكافي في معظم الأحزاب الشيوعية في البلدان الأجنبية، فإن هذا الكتاب يمكن أن يكون جليل الفائدة أيضاً للملاكات الشيوعية التي تجاوزت سن الشباب، في هذه البلدان.
 
10 ـ وسائل تحسين مشروع
كتاب الاقتصاد السياسي
 
 
لقد سعى بعض الرفاق، أثناء المناقشة، باندفاع زائد، إلى «هدم» مشروع الكتاب. فقد نددوا بواضعي المشروع على الأخطاء والنواقص التي رقعوا فيها، وأكدوا أن المشروع لم ينجح، هذا غير منصف. فلا ريب أن في مشروع الكتاب أخطاء ونواقص، والأخطاء والنواقص توجد دائماً تقريباً في كل عمل هام. ومهما يكن، فإن الأكثرية الكبرى من المشتركين في المناقشة قد أقروا، مع ذلك، أن مشروع الكتاب يمكن أن يتخذ أساساً لكتاب المقبل، ولا يحتاج إلا إلى بعض التصحيحات وبعض الإضافات. وفي الحق، يكفي أن يقارب بين المشروع وبين كتاب الاقتصاد السياسي المتداولة، حتى يقرر نهائياً أن المشروع متفوق بشكل محسوس على الكتب الموجودة. وهذه مأثرة كبرى لواضعي هذا المشروع.
ولأجل تحسين المشروع، أعتقد أنه ينبغي تعيين لجنة غير كثيرة العدد، لا تضم فقط مؤلفي لكتاب وعدداً من أنصار الأكثرية الذين اشتركوا في المناقشة، بل تضم كذلك عدداً من خصوم الأكثرية الذين وجهوا الانتقاد العنيف إلى مشروع الكتاب.
ومن المستحسن ضم إحصائي مجرب إلى اللجنة، يدقق الأرقام ويدخل في المشروع إحصاءات جديدة، كما يستحسن أيضاً ضم حقوقي خبير لتدقيق نصوص الصيغ.
وينبغي أن يعفى أعضاء اللجنة مؤقتاً من كل عمل، مع تدارك أمرهم من الناحية المادية، تداركاً تاماً، ليستطيعوا الانصراف بكليتهم إلى هذا العمل.
وفوق ذلك، ينبغي تعيين لجنة تحرير، من ثلاثة أشخاص مثلاً، يعهد إليهم بوضع الكتاب في صيغته النهائية. وهو أمر ضروري أيضاً لأجل تحقيق وحدة الإنشاء التي يفتقر إليها مشروع الكتاب، مع الأسف.
إن مهلة تقديم الكتاب للجنة المركزية، جاهزاً تماماً: سنة. أول شباط سنة 1952.
ي.ستالين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
جواب إلى الرفيق
الكسندر إيليتش نوتكين
 
 
أيها الرفيق نوتكين،
لم أجبك في الحال، لأن لأني لا أرى أن الأسئلة التي وضعتها هي أسئلة مستعجلة. لاسيما وهناك أسئلة أخرى ذات صفة مستعجلة، وتستغرق الاهتمام طبعاً، وتصرفه عن رسالتك.
وها أني أجيب نقطة فنقطة.
النقطة الأولى:
ردت في «ملاحظاتي» الفكرة المعروفة القائلة بأن المجتمع ليس عاجزاً إزاء قوانين العلم، وأن الناس، عندما يعرفون القوانين الاقتصادية، يمكنهم أن يستخدموها لمصلحة المجتمع. وأنت تذهب إلى أن هذه الفكرة لا يمكن توسيعها لتشمل أشكال المجتمع الأخرى، وإنها لا تصح إلا على الاشتراكية والشيوعية، وإن الصفة العفوية لسير حركات التطور الاقتصادي في النظام الرأسمالي، مثلاً، لا تتيح للمجتمع أن يستخدم القوانين الاقتصادية لمصلحته.
هذا خطأ. ففي عهد الثورة البرجوازية، في فرنسا، مثلاً، استخدمت البرجوازية ضد الإقطاعية القانون المعروف، قانون التوافق الضروري بين علاقات الإنتاج وصفة القوى المنتجة، وقلبت علاقات الإنتاج الإقطاعية، وخلقت علاقات إنتاج جديدة، برجوازية، وطابقت بينها وبين صفة القوى المنتجة التي كانت قد تطورت في أحشاء النظام الإقطاعي. ولم تضع البرجوازية ذلك بفضل مواهبها الخاصة، بل لأنها كانت ذات مصلحة حيوية في  الأمر. وقد عارض الإقطاعيون ذلك، لا حمقاً وجهالة، بل لأنهم كانوا ذوي مصلحة حيوية في منع  تطبيق هذا القانون.
ومثل ذلك يجب أن يقال عن الثورة الاشتراكية في بلادنا. فالطبقة العاملة قد استخدمت قانون التوافق الضروري بين علاقات الإنتاج وبين صفحة القوى المنتجة، وقلبت علاقات الإنتاج البرجوازية وخلقت علاقات إنتاج جديدة، اشتراكية، وطابقت بينها وبين صفة القوى المنتجة. وقد استطاعت أن تفعل ذلك لا بفضل مواهبها الخاصة، بل لأنها كانت ذات مصلحة حيوية في الأمر. فالبرجوازية التي كانت قوة طليعية في فجر الثورة البرجوازية، وتحولت، بعد ذلك، إلى قوة معادية للثورة، قد قامت بجميع الوسائل تطبيق هذا القانون ـ لقد قاومت بسبب عدم التنظيم ولا لأن الصفة العفوية لسير التطور الاقتصادي كانت تدفعها إلى المقاومة، بل لأنها كانت، في الدرجة الأولى، ذات مصلحة حيوية في عدم تطبيق هذا القانون.
وبالتالي:
1 ـ إن استخدام سير حركات التطور الاقتصادي، والقوانين الاقتصادية لمصلحة المجتمع يجري، إلى حدّ ما، لا في النظام الاشتراكي والشيوعي فقط، بل في ظل الأنظمة الأخرى أيضاً.
2 ـ إن استخدام القوانين الاقتصادية في مجتمع طبقي أمر له دائماً، وفي كل مكان، بواعث طبقية، وحامل لواء استخدام القوانين الاقتصادية لمصلحة المجتمع، هو دائماً وفي كل مكان، الطبقة الطليعية، في حين أن الطبقات الصائرة إلى الزوال تعارض ذلك.
فالفرق، هنا، بين البروليتاريا، من جهة، وبين الطبقات الأخرى التي قامت قديماً، عبر التاريخ، بانقلابات في علاقات الإنتاج من جهة أخرى، هو أن مصالح طبقة البروليتاريا تمتزج بمصالح أكثرية المجتمع الكبرى، لأن ثورة البروليتاريا ليس معناها القضاء على هذا الشكل من استثمار أو ذاك، بل القضاء على كل استثمار، في حين أن ثورات الطبقات الأخرى التي كانت تقضي فقط على هذا الشكل من الاستثمار أو ذاك، لم تكن تذهب إلى أبعد من مصالحها الطبقية الضيقة التي كانت على تناقض مع مصالح أكثرية المجتمع.
وتتحدث «الملاحظات» عن البواعث الطبقية التي تؤدي إلى استخدام القوانين الاقتصادية لمصلحة المجتمع. فقد جاء فيها: «خلافاً لقوانين الطبيعة، حيث يجري اكتشاف وتطبيق قانون جديد، بدون عائق تقريباً، نجد في الميدان الاقتصادي أن اكتشاف وتطبيق قانون جديد ينال من مصالح قوى المجتمع الصائرة إلى الزوال يلاقيان أعنف مقاومة من هذه القوى». ولكنك لم تعر هذا المقطع أي انتباه.
النقطة الثانية:
وأنت تذهب إلى أن التوافق التام بين علاقات الإنتاج وبين صفة القوى المنتجة، لا يمكن تحقيقه إلا في ظل الاشتراكية والشيوعية، وإلى أن الأنظمة الأخرى لا يمكن أن يحقق في ظلها سوى توافق غير كامل.
هذا خطأ. ففي الزمن الذي تلا الثورة البرجوازية، لما حطمت البرجوازية علاقات الإنتاج الإقطاعية وأقامت علاقات إنتاج برجوازية، جاءت، بلا ريب، مراحل كانت فيها علاقات الإنتاج البرجوازية متوافقة تماماً مع صفة القوى المنتجة. ولولا ذلك، لما استطاعت الرأسمالية ن تتطور بمثل تلك السرعة بعد الثورة البرجوازية.
ثم إنه لا يمكن أخذ كلمتي «التوافق التام» بمعناهما المطلق. ولا يمكن تفسيرهما بمعنى أن علاقات الإنتاج، في النظام الاشتراكي لا تسجل أي تأخر عن نمو القوى المنتجة. إن القوى المنتجة هي أكثر قوى الإنتاج حركة، وأشدها ثورية. وهي، ولا ريب، تسبق علاقات الإنتاج في النظام الاشتراكي أيضاً. فعلاقات الإنتاج لا تتوافق مع صفة القوى المنتجة إلا بعد مضي ردح من الزمن.
وإذاً، كيف يجب فهم كلمتي «التوافق التام»؟ يجب فهمهما بمعنى أن الأمور، في النظام الاشتراكي، بصورة عامة، لا تقضي إلى نزاع بين علاقات الإنتاج و القوى المنتجة، وأن لدى المجتمع إمكان تأمين التوافق، في الوقت المناسب، بين علاقات الإنتاج المتأخرة وبين صفة القوى المنتجة. ولدى المجتمع الاشتراكي إمكان القيام بذلك، إذ ليس في داخله طبقات صائرة إلى الزوال يمكن أن تنظم المقاومة. ولا ريب أنه، ستوجد في النظام الاشتراكي أيضاً قوى جمود متأخرة، لا تفهم ضرورة تعديل علاقات الإنتاج، ولكن سيكون من السهل طبعاً التغلب عليها، دون دفع الأمور إلى درجة النزاع.
النقطة الثالثة:
يستدل من ملاحظاتك أنك تعتبر وسائل الإنتاج، وفي الدرجة الأولى، أدوات الإنتاج المصنوعة في مؤسساتنا المؤممة، على أنها بضاعة.
فهل يمكن اعتبار وسائل الإنتاج في النظام الاشتراكي، على أنها بضاعة؟ في رأيي إن ذلك لا يمكن بوجه من الوجوه.
إن البضاعة هي محصول الإنتاج، يباع لكل مشترٍ؛ وعند البيع يفقد صاحب البضاعة حقه في الملكية، في حين يصبح الشاري هو صاحب البضاعة؛ ويستطيع أن يبيعها وأن يرهنها، وأن يتركها للتلف. فهل ينطبق هذا التعريف على وسائل الإنتاج؟ من الواضح أنه ينطبق عليها. فأولاً، إن وسائل الإنتاج لا «تباع» لكل مشتر، إنها لا «تباع» حتى للكولخوزات؛ فهي توزع فقط من قبل الدولة بين مؤسساتها. وثانياً، إن صاحب وسائل الإنتاج، أي الدولة، حين يسلم هذه الوسائل إلى هذه المؤسسة و تلك لا يفقد أبداً حق ملكيتها، بل بالعكس، يحتفظ بهذا الحق تاماً غير منقوص. وثالثاً، إن مديري المؤسسات الذين تلقوا وسائل الإنتاج من الدولة، لا يصبحون، مالكين لها، بل، بالعكس، يصبحون وكلاء الدولة السوفييتية على استخدام وسائل الإنتاج، طبقاً للبرامج التي تحددها الدولة.
وهكذا نرى أن وسائل الإنتاج، في ظل نظامنا، لا يمكن بأية حال أن تصنف في صنف البضائع.
فلماذا يجري الكلام إذاً عن قيمة وسائل الإنتاج، وعن تكاليفها وعن سعر بيعها، الخ؟
ذلك لسببين:
أولاً، إن ذلك ضروري لأجل الحساب، لأجل تنظيم الحسابات، ومعرفة ما إذا كانت المؤسسة رابحة أم في عجز، ولأجل تدقيق المؤسسات ومراقبتها. ولكن ليست هذه سوى الجهة الشكلية من المسألة.
ثانياً، إن ذلك ضروري، لكي نستطيع، من أجل مصلحة التجارة الخارجية، أن نبيع وسائل الإنتاج للدول الأجنبية. وهنا، في ميدان التجارة الخارجية، وفي هذا الميدان فقط، تعد وسائل إنتاجنا بضاعة بالفعل، وتباع بالفعل (بدون قوسين).
وهكذا، ففي ميدان التجارة الخارجية، تحتفظ وسائل الإنتاج المصنوعة في مؤسساتنا بخصائص  البضاعة، سواء في الأساس أم في الشكل، في حين أن وسائل الإنتاج، في المبادلات الاقتصادية في داخل البلاد، تفقد خصائص البضائع، وتكف عن كونها بضائع، وتخرج من دائرة مفعول قانون القيمة، ولا تحتفظ من البضائع إلا بالمظهر الخارجي (الحسابات،الخ.) فكيف نفسر هذه الخاصة؟
ذلك ن التطور الاقتصادي، في ظروفنا الاشتراكية، لا يجري عن طريق انقلابات، بل عن طريق التعديلات التدريجية. إذ أن القديم لا يلغى إلغاء، بل تبدل طبيعته فيطابق الجديد، دون أن يحتفظ بشكله فقط؛ أما الجديد فإنه، من جهته، لا يمحو القديم محواً، بل يتبطنه، ويبدل طبيعته، ووظائفه، ولا يحطم شكله، بل يستخدمه، لتطوير الجديد. هكذا هو الحال لا فيما يتعلق بالبضائع فقط، بل فيما يتعلق أيضاً بالعملة في مبادلاتنا الاقتصادية، وكذلك هو الأمر فيما يتعلق بالبنوك التي، مع فقدها وظائفها القديمة واتخاذها وظائف جديدة، تحتفظ بشكلها القديم الذي يستخدمه النظام الاشتراكي.
فإذا واجهن المسألة من الناحية الشكلية، من ناحية حركة التطور التي تجري في ظواهر الحوادث، نصل إلى هذا الاستنتاج الخاطئ، وهو أن مفهومات الرأسمالية لا تزال، فيما يزعم، ذات قوة في اقتصادنا. ولكن إذا حللنا المسألة من الناحية الماركسية التي تميز تمييزاً دقيقاً بين محتوى حركة التطور الاقتصادي وبين شكلها، بين عمليات التطور العميقة وبين الظاهرات السطحية ـ لا يمكن أن نصل إلا إلى هذا الاستنتاج، الوحيد الصحيح: ذلك أنه قد بقي عندنا، بصورة رئيسية، الشكل والوجه الخارجي للمفهومات القديمة للرأسمالية، أما من حيث الجوهر، فهذه المفهومات قد تغيرت تغيراً جذرياً، وفقاً لضرورات تطور الاقتصاد الوطني، الاقتصاد الاشتراكي.
النقطة الرابعة:
وأنت تذهب إلى أن قانون القيمة يحدث تأثيراً ضابطاً فيما يتعلق بأسعار «وسائل الإنتاج» التي تنتجها الزراعة، وتسلم إلى الدولة بأشعار كلفتها. وبقولك هذا تعني «وسائل الإنتاج» كالمواد الأولية، كالقطن، مثلاً. وكان بوسعك أن تضيف الكتان والصوف وغير ذلك من المواد الأولية الزراعية.
وتنبغي الإشارة، قبل كل شيء، في هذه المناسبة، إلى أن الزراعة لا تنتج «وسائل الإنتاج» بل إحدى وسائل الإنتاج، وهي المواد الأولية. فلا ينبغي اللعب على كلمات «وسائل الإنتاج». وحين يتكلم الماركسيون عن إنتاج وسائل الإنتاج، يقصدون، قبل كل شيء، إنتاج أدوات الإنتاج، وهي ما يسميها ماركس «وسائل العمل الآلية، التي يمكن أن يدعى مجموعها بالهيكل العظمي والجهاز العضلي للإنتاج»، مما يشكل «العلاقات الفارقة المميزة لعصر معين من عصور الإنتاج الاجتماعي».
إن وضع قسم من وسائل الإنتاج (المواد الأولية) ووسائل الإنتاج بما فيها أدوات الإنتاج، على صعيد واحد، معناه ارتكاب خطيئة ضد الماركسية، لأن الماركسية تعتبر دور أدوات الإنتاج هو الدور الفاصل بالنسبة لجميع وسائل الإنتاج الأخرى. فكل يعلم أن المواد الأولية بذاتها لا تستطيع أن تنتج أدوات إنتاج، وإن كن بعض أنواع المواد الأولية ضرورياً لصنع أدوات الإنتاج، في أن أية مادة أولية لا يمكن إنتاجها بدون أدوات الإنتاج.
ولنتابع. هل التأثير الذي يمارسه قانون القيمة على سعر المواد الأولية المنتجة في الزراعة هو تأثير ضابط، كما تؤكد، أيها الرفيق نوتكين؟ لقد كان يكون تأثيراً ضابطاً لو كانت «حرية» حركة أسعار المواد الأولية الزراعية موجودة عندنا، لو كان قانون المزاحمة وفوضى الإنتاج ساري المفعول عندنا، لو لم يكن عندنا اقتصاد مبرمج، لو لم يكن إنتاج المواد الأولية منظماً على أساس برنامج. ولكن نظراً إلى أن جميع «أدوات الشرط» هذه لا وجود لها في نظام اقتصادنا الوطني، فتأثير قانون القيمة على أسعار المواد الأولية الزراعية لا يمكن، بوجه من الوجوه، أن يكون تأثيراً ضابطاً. فأولاً، إن أسعار المواد الأولية الزراعية عندنا، أسعار ثابتة ومقررة ببرنامج، وليست أسعاراً «حرة». وثانياً، إن حجم المواد الأولية الزراعية ليس مقرراً بصورة عفوية، ولا بفعل عناصر طارئة، بل ببرنامج، وثالثاً، إن أدوات الإنتاج الضرورية لإنتاج المواد الأولية الزراعية، ليست محصورة في أيدي أفراد، أو كتل من أفراد، بل في أيدي الدولة. فماذا يبقى، بعد هذا، من الدور الضابط الذي يلعبه قانون القيمة؟ إننا نرى أن قانون القيمة نفسه إنما يضبطه ما أشير إليه آنفاً من الوقائع الملازمة للإنتاج الاشتراكي.
وبالنتيجة، لا يمكن أن ننفي أن قانون القيمة يؤثر على تكوين أسعار المواد الأولية الزراعية،  وأنه عنصر من عناصر هذا التكوين. ومن باب أولى، لا يجب أن ننفي أن هذا التأثير ليس ولا يمكن أن يكون تأثيراً ضابطاً.
النقطة الخامسة:
عند الكلام عن ريعية الاقتصاد الوطني، الاقتصاد الاشتراكي، اعترضت في «ملاحظاتي» على بعض الرفاق الذين يذهبون على أن اقتصادنا الوطني المبرمج يقتل، على زعمهم، نفس مبدأ الريعية في الاقتصاد، لأنه لا يمنح المؤسسات ذات الريع أفضلية بينة، ويقبل إلى جانبها مؤسسات ليست بذات ريع. لقد جاء في «ملاحظاتي» أن ريعية مختلف مؤسسات وفروع الإنتاج، لا يمكن، بشكل من الأشكال، أن تقاس بالريعية العالية التي يعطينا إياها الإنتاج الاشتراكي الذي يقينا أزمات فيض الإنتاج ويكفل لنا زيادة في الإنتاج لا انقطاع لها.
ولكن يخطئ من يستنتج من ذلك أن ريعية مختلف مؤسسات وفروع الإنتاج ليست لها قيمة خاصة، ولا تستحق الاهتمام الجدي. طبعاً، هذا غير صحيح. إن ريعية مختلف مؤسسات وفروع الإنتاج ذات أهمية كبرى لتطور إنتاجنا. ويجب أن نؤخذ بعين الاعتبار عند وضع برامج البناء، كما عند وضع برامج الإنتاج. إنها ألف ياء نشاطنا الاقتصادي في مرحلة التطور الحالي.
النقطة السادسة:
ليس يدري المرء على التمام كيف ينبغي له أن يفهم ما تقوله بصدد الرأسمالية: «الإنتاج الموسع تحت مظهر مشوه بصورة محسوسة». إن هذه الإنتاجات، التي تسميها، فوق ذلك إنتاجات موسعة، لا وجود لها في عالم الواقع.
من الواضح أنه، بعدما انشطرت السوق العالمية، وبعدما أخذت تتقلص دائرة استخدام قوى الأقطار الرأسمالية الرئيسية (الولايات المتحدة، انكلترا، فرنسا) في الموارد العالمية، لا بد، مع ذلك، أن تستمر الصفة الدورية لتطور الرأسمالية ـ نمو الإنتاج وانخفاضه. على أن نمو الإنتاج في هذه الأقطار سيجري على أساس ضيق لأن حجم الإنتاج سيتناقص في هذه الأقطار.
النقطة السابعة:
إن الأزمة العامة للنظام الرأسمالي العالمي قد بلدت في حقبة الحرب العالمية الأولى، ولاسيما من جراء انفصال الاتحاد السوفييتي عن النظام الرأسمالي. فكانت المرحلة الأولى من الأزمة العامة. وفي حقبة الحرب العالمية الثانية، تطورت مرحلة ثانية من الأزمة العامة، خصوصاً بعدما انفصلت بلدان الديمقراطية الشعبية في أوروبا وآسيا عن النظام الرأسمالي. فالأزمة الأولى، في زمن الحرب العالمية الأولى، والأزمة الثانية، في زمن الحرب العالمية الثانية، لا يجب اعتبارهما أزمتين مستقلتين الواحدة عن الأخرى، ومتمايزتين ومنفصلتين الواحدة عن الأخرى، بل يجب اعتبارهما مرحلتين من مراحل تطور الأزمة العامة للنظام الرأسمالي العالمي.
وهل هذه الأزمة العامة للرأسمالية العالمية، أزمة سياسية فقط، أم اقتصادية فقط. لا هذه ولا تلك. إنها أزمة عامة، أي أزمة كلية للنظام الرأسمالي العالمي، تشمل الاقتصاد والسياسة على السواء.
ومن المفهوم أن أساس هذه الأزمة هو، من جهة، تفسخ النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي تفسخاً مطرد السرعة على الدوام، ومن جهة أخرى، تعاظم القوة الاقتصادية للبلدان التي انفصلت عن الرأسمالية: الاتحاد السوفييتي، والصين، وسائر بلدان الديمقراطية الشعبية.
21 نيسان 1952
ي.ستالين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
حول أخطاء الرفيق ل.ياروشينكو
 
 
إن الرفيق ياروشينكو قد وجّه مؤخراً إلى أعضاء المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي (البلشفي) في الاتحاد السوفييتي رسالة مؤرخة في 20 آذار من هذه السنة، تتناول عدداً من القضايا الاقتصادية التي عولجت، في تشرين الثاني، في المناقشة المعروفة. ويشكو صاحب هذه الرسالة من أن الوثائق الرئيسية التي تلخص المناقشة وكذلك «ملاحظات» الرفيق ستالين «لا تقيم أي وزن لوجهة نظر» الرفيق ياروشينكو. وبالإضافة إلى ذلك، يقترح الرفيق ياروشينكو، في رسالته، أن يؤذن له بأن يكتب كتاباً في «الاقتصاد السياسي للاشتراكية» خلال سنة أو ثمانية عشر شهراً، وأن يضم إليه لهذا الغرض، مساعدان إثنان.
وأعتقد أن من الواجب النظر، من حيث الأساس، في شكايات الرفيق ياروشينكو كما في اقتراحه.
ولنبدأ بالشكايات.
فما هي «وجهة نظر» الرفيق ياروشينكو التي لم يقم لها أي وزن في الوثائق المتقدم ذكرها؟
 
ـ 1 ـ
خطأ الريق ل.ياروشينكو الرئيسي
 
إذا أردنا أن نصف بكلمتين وجهة نظر الرفيق ياروشينكو، فيجب القول أنها ليست ماركسية، وأنها، بالتالي، على خطأ عميق.
إن خطأ الرفيق ياروشينكو الرئيسي هو أنه يبتعد عن الماركسية فيما يتعلق بدور القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج في تطور المجتمع، وأنه يبلغ، إلى أقصى حد، في تقدير دور القوى المنتجة، ويقلل إلى أقصى حد، من تقدير دور علاقات الإنتاج، حتى ينتهي إلى القول بأن علاقات الإنتاج في ظل الاشتراكية هي جزء من القوى المنتجة.
ويوافق الرفيق ياروشينكو على التسليم بأن علاقات الإنتاج تلعب بعض الدور عند وجود «تناقضات طبقية تناحرية» باعتبار أن علاقات الإنتاج، في هذه الظروف، «تعاكس تطور القوى المنتجة»، ولكن هذا الدور، يحوّله الرفيق ياروشينكو إلى دور سلبي، إلى دور عنصر يعرقل تطور القوى المنتجة، ويشل هذا التطور. فعلاقات الإنتاج، في نظر الرفيق ياروشينكو، ليست لها وظائف إيجابية.
أما في النظام الاشتراكي الذي زالت منه «التناقضات الطبقية التناحرية» وعلاقات الإنتاج فيه «لم تعد تعاكس تطور القوى المنتجة»، فإن الرفيق ياروشينكو يرى أن علاقات الإنتاج ليس لها هنا أي دور مستقل، مهما كان؛ فعلاقات الإنتاج تكف عن أن تكون عنصراً هاماً من عناصر التطور، وتتلاشى في القوى المنتجة، كما يتلاشى الجزء في الكل. يقول الرفيق ياروشينكو «إن علاقات الإنتاج بين الناس في النظام الاشتراكي هي جزء من تنظيم القوى المنتجة، بوصفها وسيلة لهذا التنظيم، بوصفها عنصراً منه». (راجع رسالة الرفيق ياروشينكو إلى المكتب السياسي للجنة المركزية).
فما هي إذن، في هذه الحال، المهمة الرئيسية لاقتصاد الاشتراكية السياسي؟ يجيب الرفيق يارشينكو: «إن القضية الرئيسية لاقتصاد الاشتراكية السياسي ليست إذاً دراسة علاقات الإنتاج بين الناس في المجتمع الاشتراكي، بل وضع وتطوير نظرية علمية لتنظيم القوى المنتجة في الإنتاج الاجتماعي، نظرية لبرمجة تطور الاقتصاد الوطني» (راجع خطاب الرفيق ياروشينكو في اجتماع المناقشة الواسع).
هذا، في الأساس، هو السبب في أن الرفيق ياروشينكو لا يهتم بقضايا اقتصادية في النظام الاشتراكية، كوجود أشكال مختلفة للملكية في اقتصادنا، وكتداول البضائع، وقانون القيمة، الخ، لأنه يرى أنها قضايا ثانوية، ليس من شأنها أن تثير سوى مجادلات كلامية جامدة. فهو يعلن بصريح العبارة أن «المجادلات حول هذه أو تلك من مفهومات اقتصاد الاشتراكية السياسي ـ كالقيمة، والبضاعة، والعملة، والتسليف، الخ، ـ هذه المجادلات التي ترتدي عندنا في الغالب طابعاً كلامياً جامداً، يستعاض عنها، في اقتصاده السياسي للاشتراكية «باعتبارات سليمة حول تنظيم عقلي للقوى المنتجة في الإنتاج الاجتماعي، وحول صوغ مبادئ علمية ستكون أساس هذا التنظيم». (راجع خطاب ياروشينكو في فرع اجتماع المناقشة الواسع).
هاكم إذاً اقتصاداً سياسياً بدون قضايا اقتصادية.
إن الرفيق ياروشينكو يعتقد أنه يكفي أن يكون هناك «تنظيم عقلي للقوى المنتجة» لكي يتم الانتقال من الاشتراكية على الشيوعية بدون صعوبات كبيرة. إنه يرى أن ذلك يكفي تماماً للانتقال إلى الشيوعية. فيعلن بصريح العبارة أن «النضال في النظام الاشتراكي، لأجل بناء المجتمع الشيوعي، يقتصر، بصورة أساسية، على النضال في سبيل تنظيم القوى المنتجة تنظيماً سديداً، واستخدامها في الإنتاج الاجتماعي استخداماً عقلياًَ» (راجع الخطاب في اجتماع المناقشة الواسع). إن الرفيق ياروشينكو يعلن بلهجة الظفر أن «الشيوعية هي أعلى شكل لتنظيم القوى المنتجة في الإنتاج الاجتماعي تنظيماً علمياً».
وهكذا، فالنظام الشيوعي ليس في الجوهر سوى «تنظيم عقلي للقوى المنتجة».
من كل ذلك يستنتج الرفيق ياروشينكو أنه لا يمكن أن يوجد اقتصاد سياسي مشترك لجميع الأنظمة الاجتماعية؛ وأنه يجب أن يوجد اقتصادان سياسيان: أحدهما للأنظمة الاجتماعية السابقة للاشتراكية، وهدفه درس علاقات الإنتاج بين الناس؛ والآخر للنظام الاشتراكي، وهدفه لا ينبغي أن يكون درس علاقات الإنتاج، أي العلاقات الاقتصادية، بل درس قضايا التنظيم العقلي للقوى المنتجة.
تلك هي وجهة نظر الرفيق ياروشينكو.
فماذا يمكن أن يقال في وجهة النظر هذه؟
من الخطأ، أولاً، القول بأن دور علاقات الإنتاج في تاريخ المجتمع يقتصر على كونه عائقاً يشكل تطور القوى المنتجة. فحين يقول الماركسيون أن علاقات الإنتاج تلعب دور عائق، لا يقصدون جميع علاقات الإنتاج ، بل علاقات الإنتاج القديمة فقط، التي لم تعد تتوافق مع نمو القوى المنتجة، وبالتالي، تعرقل تطورها. ولكن هناك، ما عدا علاقات الإنتاج القديمة، علاقات إنتاج جديدة، كما هو معلوم، تحل محل القديمة، فهل يمكن القول أن دور علاقات الإنتاج الجديدة يقتصر على دور عائق للقوى المنتجة؟ كلا، لا يمكن. فعلاقات الإنتاج الجديدة هي، بالعكس، القوى الرئيسية والحاسمة التي تقرر، بمعنى الكلمة الحقيقي، تطور القوى المنتجة المستمر، بل تطورها القوي أيضاً، وبدون علاقات الإنتاج الجديدة، يقضى على القوى المنتجة بالجمود، كما هي الحال الآن في البلدان الرأسمالية.
ما من أحد يستطيع أن ينكر التطور المدهش الذي عرفته القوى المنتجة في صناعتنا السوفييتية أثناء برامج السنوات الخمس. ولكن هذا التطور ما كان ليحدث، لو أننا، في أكتوبر 1917، لم نبدل علاقات الإنتاج القديمة، الرأسمالية، بعلاقات إنتاج جديدة، اشتراكية. فلولا هذا الانقلاب في علاقات الإنتاج، لولا هذا الانقلاب في العلاقات الاقتصادية في بلادنا، لكانت القوى المنتجة عندنا في حالة من الجمود كحالتها في البلدان الرأسمالية في الوقت الحاضر.
وما من أحد يستطيع أن ينكر التطور المدهش الذي عرفته القوى المنتجة في زراعتنا منذ 20 إلى 25 سنة. ولكن هذا التطور ما كان ليحدث، لو أننا، في مرحلة 1930، لم نبدل علاقات الإنتاج القديمة، الرأسمالية، بعلاقات جديدة، تعاونية، في الأرياف. فلولا هذا الانقلاب في الإنتاج، لكانت القوى المنتجة في زراعتنا في حالة من الجمود كحالتها اليوم في البلدان الرأسمالية.
وفي الحق، إن علاقات الإنتاج الجديدة لا تستطيع أن تبقى ولا تبقى جديدة إلى الأبد؛ فهي تشيخ، وتصبح على تناقض مع تطور القوى المنتجة اللاحق، وتفقد شيئاً فشيئاً دورها كمحرك رئيسي للقوى المنتجة وتصبح عائقاً لها. وعندئذ تظهر، مكان علاقات البالية هذه، علاقات إنتاج جديدة تلعب دور المحرك الرئيسي لتطور القوى المنتجة اللاحق.
إن هذه الميزة لتطور علاقات الإنتاج، التي تنتقل من دور عائق للقوى المنتجة إلى دور محرك رئيسي يدفع هذه القوى إلى الأمام، ثم من دور محرك رئيسي إلى دور عائق للقوى المنتجة، تؤلف أحد العناصر الأساسية للديالكتيكية المادية الماركسية. ذلك ما يعرفه اليوم جميع الماركسيين المبتدئين. وذلك، فيما يبدو، ما يجهله الرفيق ياروشينكو.
ثم أنه من الخطأ القول أن الدور المستقل لعلاقات الإنتاج، أي العلاقات الاقتصادية، يزول في النظام الاشتراكي، وإن علاقات الإنتاج تتلاشى في القوى المنتجة، وأن الإنتاج الاجتماعي، في النظام الاشتراكي، يقتصر على تنظيم القوى المنتجة. إن الماركسية تعتبر الإنتاج الاجتماعي كلاً واحداً ذات مظهرين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر: قوى المجتمع المنتجة (العلاقات بين المجتمع وقوى الطبيعة التي يناضل المجتمع ضدها لكي يؤمن لنفسه الخيرات المادية الضرورية له) وعلاقات الإنتاج (علاقات الناس فيما بينهم في سير عملية الإنتاج). إنهما مظهران مختلفان من مظاهر الإنتاج الاجتماعي، وإن كانا مرتبطين فيما بينهما ارتباطاً وثيق العرى. وبما أهما يؤلفان مظهرين مختلفين للإنتاج الاجتماعي، فهما يستطيعان أن يمارسا تأثيراً متبادلاً. فالتأكيد بأن أحد هذين المظهرين يمكن أن يتلاشى في الآخر ويصبح جزءاً منه لا يتجزأ، معناه ارتكاب أفدح خطيئة ضد الماركسية.
يقول ماركس:
«في الإنتاج، لا يؤثر الناس في الطبيعة فقط، بل يؤثر بعضهم في بعض أيضاً. فهم لا يستطيعون الإنتاج إلا بالتعاون فيما بينهم، على شكل م عين، وبتبادل نشاطهم. ولأجل أن ينتجوا، يدخلون بعضهم مع بعض في صالات وعلاقات معينة، ولا يتم تأثيرهم في الطبيعة، أي لا يتم الإنتاج، إلا في حدود هذه الصلات والعلاقات الاجتماعية». (ك.ماركس، العمل بالأجرة  والرأسمال ومعه الأجور والأسعار والأرباح).
ينتج عن ذلك أن للإنتاج الاجتماعي مظهرين مرتبطين الواحد بالآخر ارتباطاً لا تنفصم عراه، لكنهما، رغم ذلك، يعبران عن مفهومين لعلاقات مختلفة: علاقات الناس بالطبيعة (القوى المنتجة) وعلاقات الناس فيما بينهم في سير عملية الإنتاج (علاقات الإنتاج).
إن وجود هذين المظهرين معاً في الإنتاج يعطيناً وحده الإنتاج الاجتماعي، سواء في النظام الاشتراكي، أم في غيره من الأنظمة الاجتماعية.
ويبدو أن الرفيق ياروشينكو ليس موافقاً مع ماركس تماماً. وهو يرى أن فكرة ماركس هذه غير قابلة التطبيق في النظام الاشتراكي. ولهذا السبب تماماً، يجعل مهمة اقتصاد الاشتراكية السياسي مقصورة على التنظيم العقلي للقوى المنتجة، ضارباً عرض الحائط بعلاقات الإنتاج، أي بالعلاقات الاقتصادية، وعازلاً هذه العلاقات عن القوى المنتجة.
والنتيجة هي أن الرفيق ياروشينكو يقترح علينا، بدلاً من اقتصاد سياسي ماركسي، شيئاً آخر من نوع «العلم العام للتنظيم» لبوغدانوف.
وهكذا، نرى أن الرفيق ياروشينكو الذي يمضي من هذه الفكرة الصحيحة القائلة بأن القوى المنتجة هي أشد قوى الإنتاج حركة وأكثرها ثورية، يعود فيدفع بهذه الفكرة إلى المحال، وينتهي إلى إنكار دور علاقات الإنتاج، دور العلاقات الاقتصادية، في النظام الاشتراكي؛ وبدلاً من إنتاج اجتماعي بمعنى الكلمة التام، يقترح علينا تكنولوجية إنتاج هزيلة وحيدة الجانب، أي شيئاً من نوع «تكنيك التنظيم الاجتماعي» لبوخارين.
يقول ماركس:
«إن الناس، أثناء الإنتاج الاجتماعي لمعيشتهم، (أي أثناء إنتاج الخيرات المادية الضرورية لحياتهم ـ ي.ستالين)، يدخلون في علاقات معينة، ضرورية، مستقلة عن إرادتهم، علاقات إنتاج تتوافق مع درجة معينة من تطور قواهم المنتجة المادية. ومجموع علاقات الإنتاج هذه يؤلف البنيان الاقتصادي للمجتمع، والأساس الملموس الذي يقوم عليه بناء فوقي حقوقي وسياسي، والذي تتوافق معه أشكال معينة من الوعي الاجتماعي» (راجع كتاب مساهمة في انتقاد الاقتصاد السياسي، المقدمة).
وبكلمة أخرى، إن كل نظام اجتماعي، بما في ذلك المجتمع الاشتراكي، له أساسه الاقتصادي، المؤلف من مجموع علاقات الإنتاج بين الناس. وهنا يطرح السؤال التالي: ما هو الأساس الاقتصادي للنظام الاشتراكي، في نظر الرفيق ياروشينكو؟ إن الرفيق ياروشينكو، كما هو معرفو، قد صفّى علاقات الإنتاج في ظل الاشتراكية، من حيث هي ميدان مستقل تقريباً، وأدخل القليل الذي تبقّى منها في تنظم القوى المنتجة. ويتساءل المرء: ترى هل للنظام اشتراكي أساسه الاقتصادي؟ من البديهي أن، نظراً لزوال علاقات الإنتاج، في ظل الاشتراكية، بوصفها قوة مستقلة إلى حد ما، فإن النظام الاشتراكي يظل بدون أساس اقتصادي خاص به.
فهاكم إذاً نظاماً اشتراكياً ليس له أساسه الاقتصادي. أليس ذلك أمراًَ مضحكاً؟...
وهل يمكن أن يوجد نظام اجتماعي ليس له أساسه الاقتصادي؟ إن الرفيق ياروشينكو يرى، فيما يبدو، أن ذلك ممكن. أما الماركسية، من جهتها، فإنها ترى أن مثل هذه الأنظمة الاجتماعية لا وجود لها.
ومن الخطأ، أخيراً، القول إن الشيوعية هي التنظيم العقلي للقوى المنتجة؛ وأن النظام الشيوعي يقتصر، بصورة أساسية، على التنظيم العقلي للقوى المنتجة؛ وأنه يكفي القيام بتنظيم القوى المنتجة بصورة عقلية، للانتقال إلى الشيوعية بدون صعوبات كبيرة. يوجد في أدبنا، تعريف آخر للشيوعية، صيغة أخرى للشيوعية هي صيغة لينين القائلة: «الشيوعية هي حكم السوفييت مضافة إليه كهربة البلاد كلها». ويبدو أن صيغة لينين لا تروق الرفيق ياروشينكو، وهو يستبدل بها صيغة من عندياته: «الشيوعية هي الشكل الأعلى لتنظيم القوى المنتجة في الإنتاج الاجتماعي تنظيماً علمياًً».
فأولاً، أن أحداً لا يعلم، على الضبط، ما هو هذا «الشكل الأعلى للتنظيم العلمي»، أو التنظيم «العقلي» للقوى المنتجة، الذي ينادي به الرفيق ياروشينكو، ولا ما هو محتواه الملموس. فالرفيق ياروشينكو يكرر عشرات المرات هذه الصيغة الخرافية في خطاباته في الاجتماع الواسع، وفي اجتماعات فروع المناقشة، وفي رسالته إلى أعضاء المكتب السياسي، ولكنه لا يقول، في أي مكان، كلمة واحدة محاولاً بها أن يوضح كيف ينبغي أن يفهم على التمام، هذا «التنظيم العقلي» للقوى المنتجة، الذي ينحصر فيه النظام الشيوعي في جوهره.
وثانياً، إذا كان ينبغي الاختيار بين الصيغتين، فليست صيغة لينين هي التي يجب نبذها، وهي الوحيدة الصحيحة، بل صيغة الرفيق ياروشينكو المزعومة، غير المنطقية، وغير الماركسية، بشكل بارز، تلك الصيغة المستعارة من تراسنة بوغدانوف، من «العلم العام للتنظيم».
ويعتقد الرفيق ياروشينكو أنه يكفي الوصول إلى تنظيم القوى المنتجة تنظيماً عقلياً لكي يتم الحصول على وفرة المنتجات، والانتقال إلى الشيوعية، الانتقال من الصيغة القائلة: «لكل حسب عمله» إلى الصيغة القائلة: «لكل حسب حاجاته». إن هذا خطأ فادح يدل على عدم فهم كلي لقوانين تطور الاشتراكية الاقتصادي.
فالرفيق ياروشينكو يتخيل ظروف الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية بشكل شديد البساطة، إلى درجة صبيانية. والرفيق ياروشينكو لا يفهم أنه لا يمكن لا الحصول على وفرة في المنتجات من شأنها أن تسد جميع حاجات المجتمع، ولا الانتقال إلى صيغة «لكل حسب حاجاته»، مع الإبقاء على ظاهرات اقتصادية كالملكية الجماعية، الكولخوزية، وكتداول البضائع، الخ. والرفيق ياروشينكو لا يفهم أن المجتمع، قبل الانتقال إلى صيغة: «لكل حسب حاجاته»، يحب أن يعيد تربية نفسه اقتصادياً وثقافياً بالمرور عبر سلسلة من المراحل، سيبح العمل، خلالها، الحاجة الحيوية الأولى، في نظر المجتمع، في حين لم يكن سوى وسيلة لتأمين وجود المجتمع، وتصبح الملكية الاجتماعية الأساس الثابت المستقر الذي يمس لوجود المجتمع.
لأجل تهيئة الانتقال إلى الشيوعية، انتقالاً واقعياً، لا بمجرد الكلام، يجب أن يتم، على الأقل، تحقيق ثلاثة شروط أساسية، مسبقة.
1 ـ ينبغي، أولاً، أن يؤمن، بشكل متين، لا «تنظيم عقلي» خرافي للقوى المنتجة، بل النهوض المستمر في كل الإنتاج الاجتماعي، مع إعطاء الأفضلية لإنتاج وسائل الإنتاج. إن إعطاء الأفضلية لتطوير إنتاج وسائل لإنتاج ليس ضرورياً فقط لأن هذا الإنتاج يجب أن يجهز بالعتاد مؤسساته ومؤسسات جميع الفروع الأخرى، بل هو ضروري أيضاً لأن من المستحيل إطلاقاً بدونه تحقيق تجديد الإنتاج على شكل موسع.
2 ـ وينبغي، ثانياً، أن ترفع الملكية الكولخوزية إلى مستوى الملكية الوطنية، وذلك على مراحل متعاقبة، تحقق بشكل يعود بالنفع على الكولخوزات، وبالنتيجة على المجتمع كله، وأن يستعاض، على مراحل متعاقبة أيضاً، عن تداول البضائع بنظام تبادل المنتجات، لكي يتسنى لنشاط السلطة المركزية أو أية هيئة اقتصادية مركزية أخرى في المجتمع أن تحيط بمجمل الإنتاج الاجتماعي، لمصلحة المجتمع.
ويخطئ الرفيق ياروشينكو في تأكيده أن النظام الاشتراكي، ليس فيه أن تناقض بين علاقات الإنتاج وقوى المجتمع وقوى المجتمع المنتجة. لا ريب أن علاقات الإنتاج عندنا متوافقة في المرحلة الحاضرة توافقاً تاماً مع نمو القوى المنتجة، وهي تدفعها إلى أمام بخطى الجبابرة. ولكن من الخطأ الإخلاد للاطمئنان. والاعتقاد أنه لي هناك أي تناقض بين قوانا المنتجة وعلاقات الإنتاج عندنا. توجد تناقضات وستوجد بكل تأكيد، ما دام تطور علاقات الإنتاج يتأخر وسيتأخر عن تطور القوى المنتجة. وإذا طبقت الهيئات القائدة سياسة صحيحة، فإن هذه التناقضات لا يمكن أن تنقل إلى تناحر، ولن تفضي إلى نزاع بين علاقات الإنتاج وقوى المجتمع المنتجة. أما إذا انتهجنا سياسة خاطئة كالتي يوصي بها الرفيق ياروشينكو، فستجري الأمور على غير ذلك. وسيكون النزاع حينئذ أمراً لا مناص منه، ويمكن أن تصبح علاقات الإنتاج عندنا عائقاً جدياً لتطور القوى المنتجة اللاحق.
ولذلك، على المنظمات القائدة أن تلاحظ في الوقت اللازم التناقضات التي تنضج، وأن تتخذ في الحين الملائم التدابير للتغلب عليها بتكييف علاقات الإنتاج وفقاً لنمو القوى المنتجة. وهذا يتعلق، قبل كل شيء، بظاهرات اقتصادية كالملكية الجماعية، الكولخوزية، وكتداول البضائع. لا ريب أننا، في الوقت الحاضر، نستخدم هذه الظاهرات بنجاح لأجل تطوير الاقتصاد الاشتراكي، وهي تؤدي لمجتمعنا خدمات لا مراء فيها. ولا مشاحة في أنها ستؤدي أيضاً مثل هذه الخدمات في المستقبل المباشر. ولكن من التعامي الذي لا يغتفر أن لا نرى، إلى جانب ذلك، أن هذه الظاهرات قد أخذت، منذ الآن، تعيق تطور قوانا المنتجة القوي، بإعاقة الدولة عن برمجة الاقتصاد الوطني بكامله، ولاسيما الزراعة. وما من شك في أننا كلما سرنا قدماً، زادت هذه الظاهرات إعاقة لنمو القوى المنتجة في بلادنا. والمسألة إذا هي مسألة تصفية هذه التناقضات بتحويل الملكية الكولخوزية تدريجياً إلى ملكية وطنية، وبالاستعاضة، على مراحل تدريجية أيضاً، عن تداول البضائع بتبادل المنتجات.
3 ـ وينبغي، ثالثاً، تأمين تقدم ثقافي للمجتمع يتيح لجميع أعضائه تطوير مؤهلاتهم الجسدية والفكرية وتطويراً متناسقاً، لكي يستطيعوا أن يتلقوا تعليماً كافياً ويصبحوا ذوي أثر فعال في التطور الاجتماعي؛ ولكي يستطيعوا أن يختاروا، بحرية، مهنة لهم، دون أن يكونوا مسمّرين طيلة حياتهم، بمهنة معينة، بسبب تقسيم العمل الراهن.
وماذا ينبغي لأجل ذلك؟
ومن الخطأ الاعتقاد بأن مثل هذا التقدم الثقافي الهام لأعضاء المجتمع ممكن بدون تعديلات جدية في الوضع الحالي للعمل. لأجل هذه الغاية، ينبغي، قبل كل شيء، تخفيض يوم العمل إلى ست ساعات، على الأقل، ثم إلى خمس ساعات. هذا ضروري لكي يكون لدى أعضاء المجتمع المتسع الضروري من الوقت لتلقي تعليم كامل. ولأجل هذه الغاية، ينبغي، من ثمّ، إدخال التعليم البوليتكنيكي الإلزامي، الذي لا غنى عنه، لكي يستطيع أعضاء المجتمع أن يختاروا بحرية مهنة لهم، ولا يكونوا مسمّرين طول العمر، بمهنة معينة. ولأجل هذه الغاية، ينبغي أيضاً تحسين شروط السكن تحسيناً جذرياً، وزيادة الأجرة الحقيقية للعمال والمستخدمين إلى الضعفين، كحد أدنى، إن لم يكن أكثر، وذلك برفع الأجرة النقدية مباشرة، من جهة، وبالاستمرار خصوصاً على تخفيض أسعار سلع الاستهلاك الواسع تخفيضاً منتظماً، من جهة أخرى.
تلك هي الشروط الأساسية لتهيئة الانتقال إلى الشيوعية.
فبعدما تتحقق كل هذه الشروط المسبقة، مأخوذة بمجموعها، عندئذ فقط يمكن الأمل في أن يصبح العمل، في نظر أعضاء المجتمع، «الحاجة الحيوية الأولى» (ماركس) بعدما كان سخرة، وفي أن يصبح «العمل مسرة بدلاً من أن يكون عبئاً» (انجلز)، وفي أن تصبح الملكية الاجتماعية، في نظر أعضاء المجتمع، الأساس الثابت المستقر الذي لا يُمس لوجود المجتمع.
بعدما تتحقق كل هذه الشروط المسبقة مأخوذة بمجموعها، عندئذ فقط، يصبح في الإمكان الانتقال من الصيغة الاشتراكية: «من كل حسب كفاءاته، ولكن حسب عمله»، إلى «الصيغة الشيوعية: «من كل حسب كفاءاته، ولكل حسب حاجاته».
ذلك سيكون الانتقال الكامل من اقتصاد هو اقتصاد الاشتراكية، إلى اقتصاد آخر، أعلى، هو اقتصاد الشيوعية.
وهكذا نرى أن الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية ليس من البساطة كما يتصور الرفيق ياروشينكو.
فمحاولة جعل هذه المهمة المركبة، والمتعددة الجوانب والتي تطلب تغييرات اقتصادية غاية في العمق، مقصورة على «تنظيم عقلي للقوى المنتجة»، كما يفعل الرفيق ياروشينكو، معناها إحلال البوغدانوفية محل الماركسية.
 
 
 
 
 
ـ 2 ـ
أخطاء أخرى للرفيق ياروشينكو
 
1 ـ إن الرفيق ياروشينكو الذي يمضي من وجهة نظر خاطئة، يستخلص مها استنتاجات خاطئة حول صفة الاقتصاد السياسي وموضوعه.
فالرفيق ياروشينكو ينكر ضرورة وجود اقتصاد ياسي يصح على جميع الأنظمة الاجتماعية، وهو يخلص إلى ذلك من القول بأن لكل نظام اجتماعي قوانينه الاقتصادية النوعية. ولكنه على خطأ تم، وهو هنا على خلاف مع ماركسيين مثل أنجلز ومثل لينين.
فإن انجلز يقول أن الاقتصاد السياسي هو «علم الظروف والأشكال التي فيها أنتجت مختلف المجتمعات البشرية وتبادلت، و التي فيها، بالتالي، جرى توزيع المنتجات، كل مرة» (انتي دوهرنغ).ينتج من ذلك أن الاقتصاد السياسي يدرس قوانين التطور الاقتصادي لا لنظام اجتماعي خاص، بل للأنظمة الاجتماعية المختلفة.
وكان لينين، كما هو معلوم، يشاطر انجلز نظرته هذه مشاطرة تامة. فقد قال في ملاحظاته الانتقادية بصدد كتاب بوخارين اقتصاد المرحلة الانتقالية أن بوخارين مخطئ بجعله دائرة الاقتصاد السياسي مقتصرة على الإنتاج البضاعي، وفي الدرجة الأولى، على الإنتاج الرأسمالي، وقد أشار لينين إلى أن بوخارين هنا يرجع «خطوة إلى وراء بالنسبة لانجلز».
وعلى هذه النظرة ينطبق تماماً تعريف الاقتصاد السياسي الوارد في مروع كتاب الاقتصاد السياسي، الذي جاء فيه أن الاقتصاد السياسي هو العلم الذي يدرس «قوانين الإنتاج الاجتماعي وتوزيع الخيرات المادية في مختلف درجات تطور المجتمع البشري».
وهذا مفهوم. فإن مختلف الأنظمة الاجتماعية، في تطورها الاقتصادي، لا تخضع فقط لقوانينها الاقتصادية النوعية بل تخضع أيضاً للقوانين الاقتصادية المشتركة بين جميع الأنظمة، مثال ذلك خضوعها لقوانين كقانون وحدة القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج في إنتاج اجتماعي بعينه، وكقانون العلاقات بين القوى المنتجة وبين علاقات الإنتاج في سير تطور جميع الأنظمة الاجتماعية. وبالتالي، إن الأنظمة الاجتماعية ليست فقط منفصلة الواحد عن الآخر، بقوانينها النوعية، بل هي مرتبطة أيضاً الواحد بالآخر عن طريق القوانين الاقتصادية المشتركة بينها جميعاً.
لقد كان انجلز على حق تماماً في قوله:
«لأجل الوصول بهذا الانتقال للاقتصاد البرجوازية إلى النهاية، لم يكن يكفي أن يعرف المرء الشكل الرأسمالي للإنتاج والتبادل والتوزيع. فالأشكال التي سبقته أو التي لا تزال قائمة إلى جانبه في بلدان أقل تطوراً، كان ينبغي أن تدرس أيضاً في خطوطها الأساسية على الأقل،  وأن تستخدم كنقاط للمقارنة (انتي دوهرنغ).
ومن البديهي أن الرفيق ياروشينكو، هنا، في هذه المسألة، يردد صدى أقوال بوخارين.
ولنتابع. يؤكد الرفيق ياروشينكو أن «مفهومات الاقتصاد السياسي: القيمة، البضائع، العملة، التسليف،الخ، يستعاض عنها»، في كتابه «الاقتصاد السياسي للاشتراكية»، «باعتبارات سليمة حول تنظيم عقلي للقوى المنتجة في الإنتاج الاجتماعي»؛ وإن هذا الاقتصاد السياسي، بالتالي، ليس موضوعه علاقات الإنتاج في الاشتراكية، بل «صوغ وتطوير نظرية علمية لتنظيم القوى المنتجة، نظرية لبرمجة الاقتصاد الوطني، الخ»؛ وإن علاقات الإنتاج، في النظام الاشتراكي، تفقد كل أهمية خاصة بها، وتتلاشى في القوى المنتجة فتصبح منها جزءاً لا يتجزأ.
ويجب القول أنه لم يسبق لأي «ماركسي» ضال أن روّج عندنا مثل هذا الهذر. وفي الحق، أي معنى لاقتصاد سياسي للاشتراكية بدون قضايا اقتصادية، بدون قضايا إنتاج؟ وهل يمكن أن يوجد اقتصاد سياسي من هذا النوع؟ وماذا يعني، في الاقتصاد السياسي للاشتراكية، إحلال قضايا تنظيم القوى المنتجة محل القضايا الاقتصادية؟ معنى ذلك إلغاء الاقتصاد السياسي للاشتراكية. وهذا ما يفعله الرفيق ياروشينكو: إنه يلغي الاقتصاد السياسي للاشتراكية. وبالتالي، ينضم إلى بوخارين في جميع النقاط. فقد كان بوخارين يقول أنه، بعد محو الرأسمالية، يجب أن يمحى الاقتصاد السياسي. والرفيق ياروشينكو لا يقول ذلك، بل يفعله، حين يصفّي اقتصاد الاشتراكية السياسي. صحيح أنه يتظاهر بأنه ليس متفقاً تماماً مع بوخارين، ولكن ليس ذلك إلا مكراًَ، ومكراً رخيصاً. ففي الواقع، إنه يفعل ما كان يبشر به بوخارين، وما قاومه لينين. إن الرفيق ياروشينكو يجر نفسه جراً على آثار بوخارين.
ولنتابع. إن الرفيق ياروشينكو يقصر قضايا الاقتصاد السياسي  للاشتراكية على قضايا التنظيم العقلي للقوى المنتجة، قضايا برمجة الاقتصاد الوطني، الخ ولكنه يخطئ خطأ فادحاً. فقضايا التنظيم العقلي للقوى المنتجة، وبرمجة الاقتصاد الوطني، الخ، ليست هدف الاقتصاد السياسي، بل هي هدف السياسة الاقتصادية للهيئات القائدة. وهما ميدانان مختلفان لا ينبغي الخلط بينهما. وقد خلط الرفيق ياروشينكو هذين الشيئين المختلفين، وها هو في موقف حرج! إن الاقتصاد السياسي يدرس قوانين تطور علاقات الإنتاج بين الناس. والسياسة الاقتصادية نستخلص النتائج العملية من ذلك، وتضعها في شكل ملموس، وتستوحيها في نشاطها اليومي. فتلبيك الاقتصاد السياسي بقضايا السياسة الاقتصادية، معناه قتل الاقتصاد السياسي بوصفه علماً.
إن موضوع الاقتصاد السياسي هو علاقات الإنتاج، العلاقات الاقتصادية بين الناس. وهي تشمل: أ ـ الأشكال التي تتخذها ملكية وسائل الإنتاج؛ ب ـ وضع مختلف الجماعات الاجتماعية في الإنتاج، وعلاقاتها المتبادلة، أو حسب تعبير ماركس «تبادل النشاط فيما بينها»، هذا الوضع وهذه العلاقات الناشئة عن أشكال ملكية وسائل الإنتاج؛ ج ـ أشكال توزيع المنتجات، المتعلقة تعلقاً تاماً بأشكال ملكية وسائل الإنتاج. كل ذلك بمجموعه هو موضوع الاقتصاد السياسي.
إن كلمة «تبادل»التي ورد في تعريف انجلز لم ترد في هذا التعريف. ذلك، لأن كثيرين يفهمون عادة بكلمة «تبادل»تبادل البضائع، الذي ليس من صفات جميع الأنظمة الاجتماعية. بل من صفات بعضها فقط، مما يؤدي أحياناً إلى وقوع التباس، وإن كان انجلز لا يقصد بكلمة «تبادل» تبادل البضائع فقط. بيد أنه، من الجلي، أن ما كان يقصده انجلز بكلمة «تبادل» قد تضمنه التعريف المتقدم ذكره، وهو جزء منه لا يتجزأ. وينتج من ذلك أن هذا التعريف للاقتصاد السياسي يتفق، بمحتواه، مع تعريف انجلز اتفاقاً تاماً.
2 ـ حين نتكلم عن القانون الاقتصادي الأساسي لهذا النظام الاجتماعي أو ذاك، يكون مضمراً، عادة، إن هذا النظام لا يمكن أن تكون له عدة قوانين اقتصادية أساسية، وأنه لا يمكن أن يكون له سوى قانون اقتصادي أساسي واحد، وذلك، على وجه الدقة، لأنه قانون أساسي. وإلا، فسيكون لدينا عدة قوانين اقتصادية أساسية لكل نظام اجتماعي، الأمر الذي يتناقض حتى مع فكرة القانون الأساسي. على أن الرفيق ياروشينكو عنده غير هذا الرأي. فهو يرى أن من الممكن أن يوجد لا قانون اقتصادي أساسي واحد للاشتراكية، بل عدة قوانين. وهذا أمر غير قابل التصديق، ولكنه واقع. ففي خطابه في اجتماع المناقشة الواسع، قال:
«إن حجم الاعتمادات المادية للإنتاج ولتجديد الإنتاج الاجتماعيين، والعلاقة القائمة بينهما يحددهما مقدار ومستقبل نمو قوة العمل التي يجتذب إلى الإنتاج الاجتماعي. هذا هو القانون الاقتصادي الأساسي للمجتمع الاشتراكي، القانون الذي يكيف تركيب الإنتاج وتجديد الإنتاج الاجتماعيين في النظام الاشتراكي».
هذا هو القانون الاقتصادي الأساسي الأول للاشتراكية.
وفي نفس هذا الخطاب، يعلن الرفيق ياروشينكو:
«إن الصلة القائمة بين الشعبتين رقم 1 ورقم 2 تكيّفها، في المجتمع الاشتراكي، الحاجة لإنتاج وسائل إنتاج، حسب النسب الضرورية لاجتذاب جميع السكان القادرين على العمل، إلى الإنتاج الاجتماعي. هذا هو قانون الاشتراكية الاقتصادي الأساسي، وهو في الوقت نفسه نص وارد في دستورنا ناجم عن حق المواطنين السوفييتيين في العمل».
وهذا، إن صح التعبير، هو القانون الاقتصادي الأساسي الثاني للاشتراكية.
وأخيراً، يعلن الرفيق ياروشينكو، في رسالته إلى أعضاء المكتب السياسي قائلاً:
«على هذا الأساس، يمكن، فيما يبدو لي، أن نصوغ الميزات والمقتضيات الأساسية لقانون الاشتراكية الاقتصادية الأساسي، على وجه التقريب، كما يلي: إنتاج نامٍ دائماً ومتكامل بغير انقطاع، للشروط المادية والثقافية لحياة المجتمع».
وهذا قانون اقتصادي أساسي ثالث للاشتراكية.
فهل جميع هذه القوانين هي قوانين اقتصادية أساسية للاشتراكية، أم واحد منها فقط، وأيّ هو؟ إن الرفيق ياروشينكو، لا يعطي أي جواب على هذا السؤال في رسالته الأخيرة إلى أعضاء المكتب السياسي. إن الرفيق ياروشينكو، عندما كان يصوغ قانون الاشتراكية الأساسي، في رسالته إلى أعضاء المكتب السياسي، قد «نسي» بلا ريب، إنه، في خطابه في اجتماع المناقشة العام، قبل ثلاثة أشهر، كان قد صاغ قوانين اقتصاديين أساسيين آخرين للاشتراكية، معتقداً، فيما يظهر، إن هذه العملية التي هي أكثر من مريبة، يمكن أن تمر غير منظورة. ولكن هذا الأمل لم يتحقق، كما نرى.
ولنفترض أن القانونين الاقتصاديين الأساسيين الأولين للاشتراكية، الذين صاغهما الرفيق ياروشينكو، لا غيان ولا مفعول لهما؛ وأن الرفيق ياروشينكو، يعتبر، بعد الآن، أن الصيغة الثالثة التي عرضها في رسالته إلى أعضاء المكتب السياسي، هي القانون الاقتصادي الأساسي للاشتراكية. فلننظر في رسالة الرفيق ياروشينكو.
يقول الرفيق ياروشينكو في رسالته هذه أنه لا يوافق على تعريف قانون الاشتراكية الاقتصادية الأساسي كما هو وارد في «ملاحظات» الرفيق ستالين. وهو يعلن:
«إن الشيء الرئيسي في هذا التعريف هو «تأمين تلبية...حاجات كل المجتمع إلى الحد الأقصى». فالإنتاج مبين هنا على أنه وسيلة لبلوغ هذا الهدف الرئيسي أي: سد الحاجات. وهذا التعريف يفسح المجال للاعتقاد بأن قانون الاشتراكية الاقتصادي الأساسي الذي تصوغه ليس أساسه إعطاء الأفضلية للإنتاج، بل للاستهلاك». من الواضح أن الرفيق ياروشينكو لم يفهم شيئاً من أساس القضية، وأنه لا يرى أن كلامه عن إعطاء الأفضلية للاستهلاك أو للإنتاج لا مجال له البتة هنا. فحين يجري الكلام عن تقديم هذه أو تلك من عمليات التطور الاجتماعي على عملية تطور أخرى، يكون مضراً، عادة، أن هاتين العمليتين هما من طبيعة واحدة تقريباً. فيمكن ويجب الكلام عن تقديم إنتاج وسائل الإنتاج على إنتاج وسائل الاستهلاك، لأن الأمر متعلق بالإنتاج في الحالين، وبالتالي، بأشياء من طبيعة واحدة إلى حد ما. ولكن لا يمكن الكلام، ومن الخطأ الكلام عن تقديم الاستهلاك على الإنتاج، أو عن تقديم الإنتاج على الاستهلاك، لأن الإنتاج والاستهلاك هما ميدانان متمايزان بصورة مطلقة، وهما، وإن كانا مرتبطين أحدهما بالآخر، متمايزان، مع ذلك. ولا شك أن الرفيق ياروشينكو لا يفهم أن المسألة ليست، هنا، مسألة تقديم الاستهلاك أو الإنتاج، بل مسألة الهدف الذي يضعه المجتمع أمام الإنتاج الاجتماعي، مسألة المهمة التي يجعل المجتمع الإنتاج خاضعاً لها، في النظام الاشتراكي، مثلاً. فالرفيق ياروشينكو يخرج إذاً، مرة أخرى، خروجاً تاماً عن الموضوع، حين يقول أن «أساس حياة المجتمع الاشتراكي، ككل مجتمع آخر، هو الإنتاج». وينسى الرفيق ياروشينكو أن الناس ينتجون لا لأجل الإنتاج، بل لأجل سد حاجاتهم. وهو ينسى أن الإنتاج، إذا انفصل عن سد حاجات المجتمع فإنه يذبل ويموت.
وهل يمكن الكلام، بصورة عامة، عن الهدف الذي يرمي إليه الإنتاج الرأسمالي أو الاشتراكي، وعن المهمات التي يخضع لها الإنتاج الرأسمالي أو الاشتراكي؟ أعتقد أن ذلك ممكن وواجب.
يقول ماركس:
«إن الهدف المباشر للإنتاج الرأسمالي ليس إنتاج البضائع، بل القيمة الزائدة، أو الربح بشكله المتطور، ليس إنتاج المنتوج، بل إنتاج المنتوج الزائد. فالعمل نفسه، من هذه الناحية، ليس مثمراً إلا بمقدار ما يخلق للرأسمال من الربح، أو المنتوج الزائد. فإذا لم يخلق العامل ذلك فعمله غير مثمر. إن كمية العمل المثمر المستخدم لا تهم الرأسمال إذاً، إلا بمقدار ما بفضلها، ـ أو بالاتصال بها، ـ ينمو مقدار العمل الزائد؛ فضروري، بهذا المقدار، ما دعوناه بوقت العمل الضروري. وإذا لم يعط العمل هذه النتيجة، فإنه نافل ويجب أن يوقف.
«إن هدف الإنتاج الرأسمالي هو دائماً خلق الحد الأقصى من القيمة الزائدة، أو الحد الأقصى من المنتوج الزائد بأدنى حد من الرأسمال المقدم؛ فإذا لم يتم بلوغ هذه النتيجة عن طريق إجهاد العمال، فإن الرأسمال يتجه إلى إنتاج هذا المنتوج بأدنى حد ممكن من النفقات، إلى الاقتصاد بقوة العمل والمصاريف...
«وفي هذا المفهوم، يبدو العمال أنفسهم، كما هم في الإنتاج الرأسمالي: مجرد وسائل إنتاج، وليسوا هدفاً بذاته، ولا هم هدف الإنتاج» (راجع «نظرية القيمة الزائدة»، المجلد الثاني، القسم الثاني).
إن كلمات ماركس هذه عظيمة الشأن لا لأنها تحدد  فقط بإيجاز وبطريقة صحيحة هدف الإنتاج الرأسمالي، بل لأنها تبين أيضاً الهدف الأساسي، المهمة الأساسية التي يجب أن توضع أمام الإنتاج الاشتراكي.
وإذاً، إن هدف الإنتاج الرأسمالي هو الربح. أما الاستهلاك، فهو ليس ضرورياً للرأسمالية إلا بمقدار ما يضمن الربح. وفي ما عدا ذلك، فإن مسألة الاستهلاك لا تهم الرأسمالية. إن الرأسمالية لاتبالي بالإنسان وحاجاته.
فما هو إذاً هدف الإنتاج الاشتراكي، ما هي المهمة الرئيسية التي يجب أن يكون الإنتاج الاجتماعي في النظام الاشتراكي، خاضعاً لتنفيذها؟
إن هدف الإنتاج الاشتراكي ليس الربح، بل الإنسان وحاجاته، أي تلبية حاجاته المادية والثقافية. فهدف الإنتاج الاشتراكي، كما جاء في «ملاحظات» الرفيق ستالين، هو أن «تؤمّن، إلى الحد الأقصى، تلبية حاجات كل المجتمع المادية والثقافية النامية بغير انقطاع».
إن الرفيق ياروشينكو يظن أن المسألة هنا هي مسألة «تقديم» الاستهلاك على الإنتاج. وهذا بالطبع، ضرب من عدم التفكير. وفي الواقع ليست المسألة هنا مسألة تقديم الاستهلاك، بل إخضاع الإنتاج الاشتراكي لهدفه الأساسي، وهو تأمين الحد الأقصى من تلبية حاجات كل المجتمع المادية والثقافية النامية بغير انقطاع.
إذاً، إن تأمين تلبية الحد الأقصى من حاجات كل المجتمع المادية والثقافية النامية بغير انقطاع، ذلك هو هدف الإنتاج الاشتراكي؛ وإنماء وإتقان الإنتاج الاشتراكي باستمرار، على أساس تكنيك أرقى، تلك هي الوسيلة لبلوغ هذا الهدف.
هذا هو قانون الاشتراكية الاقتصادي الأساسي.
إن الرفيق ياروشينكو الذي يريد أن يحافظ على «تقديم» الإنتاج على الاستهلاك يؤكد أن «قانون الاشتراكية الأساسي» هو «إنماء وإتقان إنتاج الحاجات المادية والثقافية للمجتمع، إنماء واتقاناً مستمرين». وهذا خطأ محض. إن الرفق ياروشينكو يشوه بفظاظة ويفسد الصيغة المعروضة في «ملاحظات» الرفيق ستالين. فعند ياروشينكو، بعدما كان الإنتاج وسيلة أصبح هو الهدف، ولم يبق ذكر لتأمين تلبية الحد الأقصى من حاجات المجتمع المادية والثقافية النامية بغير انقطاع. وأصبحت المسألة مسألة إنماء الإنتاج لأجل إنماء الإنتاج، وأصبح الإنتاج هدفاً بذاته، وقد غاب الإنسان وحاجاته عن بال الرفيق ياروشينكو.
لذلك ليس عجيباً أن تغيب في «مفهوم» الرفيق ياروشينكو آخر آثار الماركسية، كما غاب الإنسان بوصفه هدف الإنتاج الاشتراكي.
وبالنتيجة، إن ما نجده عند الرفيق ياروشينكو، ليس «تقديم» الإنتاج على الاستهلاك، بل شيئاً ما، يشبه «تقديم» العقلية البرجوازية على العقلية الماركسية.
3 ـ وهناك مسألة توضع بشكل خاص: مسألة نظرية ماركس حول تجديد الإنتاج. يؤكد الرفيق ياروشينكو أن نظرية ماركس حول تجديد الإنتاج غير قابلة التطبيق إلا فيما يتعلق بتجديد الإنتاج الرأسمالي، وإنها لا تتضمن شيئاً يصح على الأنظمة الاجتماعية الأخرى، بما فيها النظام الاجتماعي الاشتراكي. فهو يقول: «إن من ينقل إلى الإنتاج الاجتماعي الاشتراكي مخطط تجديد الإنتاج، الذي وضعه ماركس للاقتصاد الرأسمالي، إنما يكوّن مفهوماً جامداً لمذهب ماركس، ويضع نفسه في تناقض مع جوهر هذا المذهب» (راجع خطاب الرفيق ياروشينكو في اجتماع المناقشة الواسع).
ثم يؤكد «أن مخطط ماركس لتجديد الإنتاج لا يطابق قوانين المجتمع الاشتراكي الاقتصادية ولا يمكن أن يتخذ أساساً لدراسة تجديد الإنتاج الاشتراكي» (المصدر ذاته).
ويتكلم الرفيق ياروشينكو عن نظرية ماركس حول التجديد البسيط للإنتاج، هذه النظرية التي تقيم صلة محددة بين إنتاج و سائل الإنتاج (الشعبة 1) وبين إنتاج وسائل الاستهلاك (الشعبة 2)، فيقول:
«إن الصلة القائمة بين الشعبتين 1 و2 لا تكيّفها، في المجتمع الاشتراكي، صيغة ماركس P+V في الشعبة 1 ولا في الشعبة 2. فإن هذه العلاقة، علاقة التبعية المتبادلة في التطور بين الشعبتين 1 و2 يجب أن لا يكون لها مكان في ظروف الاشتراكية» (المصدر ذاته).
إنه يؤكد أن «النظرية التي صاغها ماركس عن الصلة القائمة بين الشعبتين 1 و2، هي غير مقبولة في ظروفنا الاشتراكية، لأن نظرية ماركس أساسها الاقتصاد الرأسمالي وقوانينه». (راجع رسالة الرفيق ياروشينكو إلى أعضاء المكتب السياسي).
على هذه الصورة، ينفذ الرفيق ياروشينكو حكم الإعدام بنظرية ماركس حول تجديد الإنتاج.
صحيح، إن النظرية التي صاغها ماركس حول تجديد الإنتاج، بعدما درس قوانين الإنتاج الرأسمالي، تعكس ميزات الإنتاج الرأسمالي النوعية، وترتدي، طبعاً، شكل علاقات القيمة، الخاصة بالإنتاج البضاعي الرأسمالي. وما كان يمكن أن يكون الأمر على غير ذلك. ولكن من ليس يرى في نظرية ماركس حول تجديد الإنتاج سوى هذا الشكل، ومن لا ينتبه إلى أساسها، وإلى محتواها الأساسي، الذي لا يصح فقط على النظام الاجتماعي الرأسمالي، لا يفهم شيئاً من هذه النظرية. فلو كان الرفيق ياروشينكو يفهم ولو شيئاً ما في الموضوع، لكان فهم أيضاً هذه الحقيقة الواضحة وهي أن مخططات ماركس حول تجديد الإنتاج الرأسمالي، بل تشمل أيضاً على عدد من الأفكار الأساسية المتعلقة بتجديد الإنتاج، والتي تظل صالحة لجميع الأنظمة الاجتماعية، بما في ذلك، خصوصاً، النظام الاجتماعي الاشتراكي. هناك أفكار أساسية في نظرية ماركس حول تجديد الإنتاج، كفكرة تقسيم الإنتاج الاجتماعي إلى إنتاج وسائل الإنتاج وإلى إنتاج وسائل الاستهلاك، وفكرة إعطاء الأفضلية لإنتاج وسائل الإنتاج عند تجديد الإنتاج على شكل موسع، وفكرة الصلة القائمة بين الشعبتين 1 و2، وفكرة المنتوج الصافي باعتباره المصدر الوحيد للتراكم، وفكرة تكوين اعتمادات اجتماعية ودور هذه الاعتمادات، وفكرة التراكم باعتبارها المصدر الوحيد لتجديد الإنتاج على شكل موسع، ـ كل هذه الأفكار الأساسية في نظرية ماركس عن إعادة الإنتاج لا تصح على النظام الرأسمالي فقط، ولا يستطيع أي مجتمع اشتراكي أن يتحاشى تطبيقها في برمجة الاقتصاد الوطني. وهناك أمر ذو مغزى: إن الرفيق ياروشينكو الذي ينظر من علٍ إلى «مخططات تجديد الإنتاج» التي وضعها ماكس، مضطر هو نفسه أن يلجأ إليها كل حين، عندما يعالج قضايا تجديد الإنتاج الاشتراكي.
ولكن ماذا كان رأي لينين وماذا كان رأي ماركس في ذلك؟
كل يعرف ملاحظات لينين الانتقادية على كتاب بوخارين اقتصاد مرحلة الانتقال. ففي هذه الملاحظات، وافق لينين، كما هو معروف، على أن الصيغة التي أعطاها ماركس عن الصلة القائمة بين الشعبتين 1 و2، والتي يشن الحرب عليها الرفيق ياروشينكو، لا تزال تصح على اشتراكية وعلى «الشيوعية الخالصة»، أي على الطور الثاني من الشيوعية.
أما ماركس، فمن المعلوم أنه ما كان يحب أن يلتهي عن دراسة قوانين الإنتاج الرأسمالي، ولم يهتم في كتابه الرأسمال بمعرفة ما إذا كانت مخططاته عن تجديد الإنتاج ستكون قابلة للتطبيق على الاشتراكية أم لا. ومع ذلك، ففي الفصل العشرين، من المجلد الثاني من الرأسمال، في باب «الرأسمال الثابت في الشعبة1»، حيث يعالج تبادل منتجات الشعبة 1 في داخل هذه الشعبة، يشير ماركس، بصورة عابرة، إن جاز القول، إلى أن تبادل المنتجات في هذه الشعبة سيجري في النظام الاشتراكي بنفس الشكل الثابت الذي يجري به في نظام الإنتاج الرأسمالي. يقول ماركس:
«لو كان الإنتاج اجتماعياً، بدلاً من أن يكون رأسمالياً، لكانت منتجات الشعبة 1، توزع من جديد هي الأخرى كوسائل إنتاج في  فروع الإنتاج التابعة لهذه الشعبة، بغية تجديد الإنتاج: فيبقى قسم بصورة مباشرة في دائرة الإنتاج التي ولد فيها كمنتوج، وينتقل قسم آخر إلى فروع إنتاج أخرى. وهكذا تكون هناك إذاً حركة مستمرة ذهاباً وإياباً. (راجع ماركس، الرأسمال).
ينتج من ذلك أن ماركس ما كان يعتقد قط أن نظريته عن تجديد الإنتاج لا تصح إلا على الإنتاج الرأسمالي، رغم أنه كان منشغلاً، في ذاك الوقت، بدراسة قوانين الإنتاج الرأسمالي، بل نرى بالعكس أنه كان يرى أن نظريته عن تجديد الإنتاج تصح أيضاً على الإنتاج الاشتراكي.
ولنلاحظ أن ماركس، عندما يحلل، في انتقاد برنامج غواتا، اقتصاد الاشتراكية، ومرحلة الانتقال إلى الشيوعية، يستند إلى الأفكار الأساسية في نظريته عن تجديد الإنتاج، هذه الأفكار التي يعتبرها، بصورة بينة، إلزامية للنظام الشيوعي.
ولنلاحظ أيضاً أن أنجلز، في كتابه انتي دوهرنغ، حين ينتقد «النظام الاشتراكي» المزعوم لدوهرنغ، ويعرّف اقتصاد النظام الاشتراكي، يستند، هو أيضاً، إلى الأفكار الأساسية في نظرية ماركس حول تجديد الإنتاج، الأفكار التي يعتبرها إلزامية للنظام الشيوعي.
تلك هي الوقائع.
وهكذا يتبين أن الرفيق ياروشينكو هنا أيضاً، في مسألة تجديد الإنتاج، رغم لهجته المستهترة إزاء «مخططات» ماركس، قد هوى بقاربه على الرمال.
4 ـ إن الرفيق ياروشينكو يختم رسالته إلى أعضاء المكتب السياسي مقترحاً تكليفه بوضع كتاب «الاقتصاد السياسي للاشتراكية» فيقول:
«على أساس ما عرضته في الجلسة الواسعة، وفي اجتماع اللجنة الفرعية، وفي هذه الرسالة، من تعريف موضوع هذا العلم، أعني علم الاقتصاد السياسي للاشتراكية، وعلى أساس تطبق الأسلوب الديالكتيكي الماركسي، أستطيع، في سنة واحدة أو ثمانية عشر شهراً، على الأكثر، وبمعونة مساعدين اثنين، أن أصوغ الحلول النظرية للقضايا الأساسية في الاقتصاد السياسي  للاشتراكية، وأن أبسط النظرية الماركسية اللينينية الستالينية في الاقتصاد السياسي للاشتراكية، النظرية التي ستجعل من هذا العلم سلاحاً فعالاً في نضال الشعب في سبيل الشيوعية».
يجب الاعتراف حقاً بأن الرفيق ياروشينكو لا يعاني إفراطاً في التواضع. وأكثر من ذلك، يمكن القول، على حد تعبير بعض الأدباء: «بل الأمر على العكس تماماً».
لقد سبق أن قلنا أن الرفيق ياروشينكو يخلط بين الاقتصاد السياسي للاشتراكية، وبين السياسة الاقتصادية للهيئات القائدة. فإن ما يعتبره موضوع الاقتصاد السياسي للاشتراكية ـ التنظيم العقلي للقوى المنتجة، برمجة الاقتصاد الوطني، تكوين اعتمادات اجتماعية، الخ، ـ ليس مما يعني الاقتصاد السياسي للاشتراكية، بل السياسة الاقتصادية للهيئات القائدة.
ولا حاجة بي إلى القول أن الأخطاء الفادحة التي ارتكبها الرفيق ياروشينكو و«وجهة نظره» غير الماركسية ليست مما يشجع على تكليفه بمثل هذه المهمة.
والخلاصة:
1 ـ إن شكاوى الرفيق ياروشينكو ضد المشرفين على المناقشة لا معنى لها، لأن المشرفين على المناقشة، وهم من الماركسيين، لم يكن بوسعهم أن يقيموا وزناً، في الوثائق التي تلخص المناقشة، لـ«وجهة نظر» الرفيق ياروشينكو غير الماركسية؛
2 ـ إن طلب الرفيق ياروشينكو بأن يكلف بكتابة اقتصاد سياسي للاشتراكية لا يمكن أخذه بعين الجد، ولو لسبب واحد هو أن رائحة خليستاكوف([1]) تفوح منه ملء الأنوف.
22 أيار 1952
ي.ستالين
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
جواب إلى الرفيقين
أ.ف.سانينا وف.ج.فنجر
 
 
تلقيت رسالتيكما. ويبدو واضحاً أن صاحبي هاتين الرسالتين يدرسان قضايا بلادنا الاقتصادية دراسة عميقة وجدية. فهاتان الرسالتان تنطويان على عدد لا بأس به من الصيغ الصحيحة والأفكار التي تسترعي الانتباه. على أن فيهما أيضاً بعض أخطاء نظرية فادحة. وأريد في جوابي أن أتوقف، على الخصوص، عند هذه الأخطاء.
 
حول صفة القوانين الاقتصادية للاشتراكية
 
يؤكد الرفيقان سانينا وفنجر أنه «فقط بفضل النشاط الواعي الذي يقوم به الناس السوفييتيون، العاملون في الإنتاج المادي، تظهر القوانين الاقتصادية  للاشتراكية». إن هذه الفكرة خاطئة إطلاقاً.
هل قوانين التطور الاقتصادي موجودة بصورة موضوعية، بمعزل عنا، وبصورة مستقلة عن إرادة الناس ووعيهم؟ إن الماركسية تجيب على هذا السؤال بالإيجاب. فالماركسية ترى أن قوانين الاقتصاد السياسي للاشتراكية هي الانعكاس، في أذهان الناس، للقوانين الموضوعية الموجودة بمعزل عنا. ولكن صيغة الرفيقين سانينا وفنجر تعطي جواباً سلبياً على هذا السؤال. وذلك معناه أن هذين الرفيقين يقفان على صعيد نظرية خاطئة تزعم أن قوانين التطور الاقتصادي في النظام الاشتراكي «تُخلق» و«تُحول» على يد هيئات المجتمع القائدة. وبكلمة أخرى، إنها ينصرفان عن الماركسية ويسيران في طريق مثالية ذاتية.
لا ريب أن الناس يستطيعون أن يكتشفوا هذه القوانين الموضوعية، وأن يعرفوها، ويستطيعون بالاستناد إليها، أن يستخدموها لمصلحة المجتمع. ولكنهم لا يستطيعون لا «خلقها» ولا «تحويلها».
فلنسلم لحظة أننا وقفنا على صعيد النظرية الخاطئة التي تنفي وجود قوانين موضوعية في الحياة الاقتصادية في النظام الاشتراكي، وتعلن إمكان «خلق» و«تحويل» القوانين الاقتصادية. فماذا كان يمكن أن ينتج عن ذلك؟ كان ينتج من ذلك أننا كنا غرقنا في الفوضى والاحتمالات، وأصبحنا عبيد هذه الاحتمالات، ولما بقي لدينا إمكان فهم فوضى الاحتمالات هذه، بل لما بقي لدينا حتى مجرد إمكان تمييزها.
كان ينتج من ذلك أننا. كنا ألغينا الاقتصاد السياسي بوصفه علماً، لأن العلم لا يمكن أن يوجد ولا أن يتطور بدون الاعتراف بالقوانين الموضوعية، وبدون درسها. وإذا ألغي العلم، فلا يبقى لدينا إمكان التنبؤ بسير الحوادث في حياة البلاد الاقتصادية، أي أنه لا يبقى لدينا إمكان تنظيم القيادة الاقتصادية، حتى في أبسط أشكالها.
وفي آخر الأمر، كنا وجدنا أنفسنا خاضعين لتحكم مغامرون «اقتصاديين» مستعدين لـ «القضاء» على قوانين التطور الاقتصادي و«خلق» قوانين جدية، دون أن يفهموا القوانين الموضوعية، أو يقيموا لها وزناً.
أن الجميع يعرفون الصيغة الكلاسيكية للموقف الماركسي في هذه المسألة، وقد جاء انجلز بهذه الصيغة في كتاب «أنتي دوهرنغ»: «أن القوى النشيطة في المجتمع تتصرف تماماً كقوى الطبيعة فهي قوى عمياء، هوجاء، مدمرة، ما دمنا لا نعرفها ولا نحسب لها الحساب. أما متى عرفناها، وفهمنا نشاطها، واتجاها وتأثيراتها، فحينئذ لا يتوقف إلا علينا أن نخضعها أكثر فأكثر لإرادتنا، وأن نبلغ بفضلها أهدافنا. وهذا يصح، بصرة خاصة، على القوى المنتجة الجبارة الحاضرة. فما دمنا نرفض بعناد أن نفهم طبيعتها، وصفتها،ـ وهذا الفهم يناهضه أسلوب الإنتاج الرأسمالي والمدافعون عنهـ فإن هذه القوى تعمل بالرغم منا، وضدنا، وتسيطر علينا، كما بينا بالتفصيل. أما حين تفهم طبيعتها، فأنها يمكن أن تتحول، في أيدي المنتجين المتعاونين، من سيد مستبد إلى خادم طائع. هنا هو الفرق بين قوة الكهرباء المدمرة في برق العاصفة، وبين الكهرباء المروضة في التلغراف والقوس الكهربائي، والفرق بين الحريق وبين النار حين تجعل في خدمة الإنسان.
وإذا عالجنا بالطريقة نفسها القوى المنتجة الحالية، بعد ما عرفنا طبيعتها أحيراً، فإن فوضى الإنتاج الاجتماعية يحل محلها تنظيم للإنتاج مبرمج اجتماعياً، وفقاً لحاجات المجموع، كما لحاجات كل فرد.
وهكذا فإن طريقة التملك الرأسمالية التي يستعبد فيها المنتوج المنتج أولاً، ثم التملك نفسه، يستعاض عنها بطريقة تملك المنتوج المبنية على طبيعة وسائل الإنتاج الحديثة نفسها: من جهة، تملك اجتماعي مباشر كوسيلة للمحافظة على الإنتاج ولتطويره، ومن جهة أخرى، تملك فردي مباشر كوسيلة للعيش والتمتع».
 
2_ حول التدابير الواجب اتخاذها لرفع الملكية
الكولجوزية إلى مستوى ملكية العشب بأسره
 
ما هي التدابير الضرورية لرفع الملكية الكولخوزية التي ليست، طبعاً، ملكية لكل العشب، إلى مستوى ملكية للشعب بأسره (إلى ملكية «وطنية»)؟
يطن بعض الرفاق إنه ينبغي، بكل بساطة، تأميم الملكية الكولخوزية، إعلانها ملكاً للعشب بأسره، كلما فعلنا، في حينه، بالملكية الرأسمالية. إن هذا الاقتراح خاطئ تماماً ولا يمكن القبول به على الإطلاق. فالملكية الكولخوزية ملكية اشتراكية، ولا يمكننا بوجه من الوجوه، أن نعاملها معاملة الملكية الرأسمالية. وإذا كانت الملكية الكولخوزية ليست ملكياً لكل العشب، فلا ينجم عن ذلك أنها ليست ملكية اشتراكية.
ويفترض هؤلاء الرفاق أن تسليم الدولة بالذات ملكية أفراد وجماعات من الأفراد هو الشكل الأوحد للتأميم أو هو، في كل حال، أحسن شكل للتأميم. هذا خطأ. أن تسليم الملكية إلى الدولة بالذات، ليس، في الحقيقة، الشكل الأوحد للتأميم، ولا حتى أحسن شكل للتأميم، بل هو الشكل الأولي للتأميم، كما يقول انجلز بحق في كتاب أنتي دوهرنغ. فبديهي أنه، ما دامت الدولة قائمة، فإن تسليم الملكية إلى الدولة بالذات، هو الشكل الأولي للتأميم، وأيسر الأشكال فهماً. ولكن الدولة لن تبقى إلى الأبد. فمع اتساع دائرة نشاط الاشتراكية في معظم أقطار العالم، ستبدأ الدولة بالفناء، وبديهي، وبالتالي، أن قصية تسليم الدولة بالذات أملاك الأفراد والجماعات لن توضع أبداً بعد ذلك. فالدولة ستزول، ولكن المجتمع سيبقىـ، وإذاً، أن ورثت الملكية الوطنية لن يكون الدولة التي تكون قد زالت، بل المجتمع نفسه، بشخص هيئته الاقتصادية القيادية، المركزية.
فماذا يجب أن نفعل، في هذه الحالة، لرفع الملكية الكولجوزية إلى مستوى ملكية للشعب بأسره؟
يقترح الرفيقان سانينا وفنجر، كتدبير أساسي، أن تباع للكولخوزات بيعاً باتاً أدوات الإنتاج الرئيسية الممركزة في محطات الآلات والتراكتورات، وأن تعفى الدولة، بهذه الطريقة، من قيامها بتوظيفات الرساميل في الزراعة، وإن تحمل الكولخوزات على الاضطلاع بمسؤولية العناية بمحطات الآلات والتراكتورات وتطويرها. إنهما يقولان:
«من الخطأ الاعتقاد أن التوظيفات المالية التي تضعها الكولخوزات يجب أن تخصص، بصورة رئيسية، لحاجات الريف الكولجوزي الثقافية، في حين ينبغي على الدولة أن تقدم، كالسابق، المبلغ الأساسي من التوظيفات لأجل حاجات الإنتاج الزراعي. أليس الأصح إعفاء الدولة من هذه الأعباء، مادامت الكولخوزات قادرة تماماً على الاضطلاع بها؟ وسيكون في البلاد ما يكفي من المؤسسات التي تستطيع الدولة أن توظف فيها مواردها، في سبيل خلق وفرة من حاجات الاستهلاك»
ويقدم صاحباً الاقتراح كثيراً من الحجج لدعم اقتراحهما أولاً. يعود صاحبا الاقتراح إلى قول ستالين أن وسائل الإنتاج لا تباع حتى للكولخوزات، فيبديان شكهما بفكرة ستالين هذه ويعلنان أن الدولة تبيع للكولخوزات، مع ذلك، وسائل الإنتاج، كالأدوات الصغيرة: مناجل الحصاد والمناجل الصغيرة، والمحركات الصغيرة، إلخ. وهما يعتبران أنه إذا كانت الدولة تبيع وسائل الإنتاج الأخرى، كالآلات في محطات الآلات والتراكتورات.
أن هذه الحجة واهية. صحيح أن الدولة تبيع للكولخوزات الأدوات الصغيرة، كما يقضي النظام الداخلي للتعاونية الزراعية والدستور. ولكن هل يمكن أن نضع، على صعيد واحد، الأدوات الصغيرة ووسائل الإنتاج الزراعي الأساسية كالآلات في محطات الآلات والتراكتورات، أو الأرض التي هي أيضاً، أحدى وسائل الإنتاج الأساسية في الزراعة؟ من الواضح أن لا. ذلك غير ممكن، لأن التجهيزات الصغيرة لا تقرر، في شيء، مصير الإنتاج الكولخوزي، في حين أن وسائل الإنتاج كالآلات في محطات الآلات والتراكتورات، والأرض، تقرير مصير الزراعة تقريراً ناماً، في ظروفنا الحالية.
ومن اليسير أن يفهم المرء أن ستلين حين يقول أو وسائل الإنتاج لا تباع الكولخوزات، لا يفكر بالأدوات الصغيرة، بل بوسائل الإنتاج الزراعي الأساسية: آلات محطات الآلات والتراكتورات، والأرض. فصاحبا الرسالتين يلعبان على كلمات «وسائل الإنتاج»، ويخلطان بين شيئين مختلفين، دون أن يشعرا أنهما يتورطان في موقف حرج.
ثانياً- ويعود الرفيقان سانينا وفنجر، بعد ذلك، إلى أنه بدء الحركة الكولخوزية الجماهيرية، في نهاية 1929 ومستهل 1930، كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (البلشفي) في الاتحاد السوفياتي، هي نفسها مؤيدة لجعل محطات الآلات والتراكتورات ملكاً للكولخوزات، على أن تسدد الكولخوزات قيمة المحطات في مهلة ثلاثة أعوام. وهما يعتبران أنه، وإن تكن هذه المبادرة قد فشلت في ذلك الزمن، «بسبب فقر» الكولخوزات، فيمكن الآن، وقد أصبحت الكولخوزات غنية، الرجوع إلى تلك السياسة، إلى بيع محطات الآلات والتراكتورات للكولخوزات.
وهذه الحجة أيضاً لا تقوم على أساس. أن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (البلشفي) في الاتحاد السوفياتي كانت قد اتخذت، فعلاً، في مستهل سنة 1930، قراراً حول بيع محطات الآلات والتراكتورات للكولخزات. وقد اتخذ هذا القرار بناء على اقتراح فرقة صدامية من الكولخوزيين، على سبيل التجربة، على سبيل الاختبار، لكي تعود، بعد فترة وجيزة، إلى هذه القضية وتدرسها مجدداً. وقد بين أول امتحان صفة القرار المخالفة للصواب، وبعد بضعة أشهر ، أي آخر 1930، أبطل هذا القرار.
أن توسع الحركة الكولخوزية وتطور بناء الكولخوزات قد اقنعا الكولخوزيين والشغيلة القيادتين على السواء، نهائياً، أن مركزة آلات الإنتاج الزراعي في يدي الدولة، في محطات الآلات والتراكتورات، هي الوسيلة الوحيد لتأمين معدلات رفيعة في نمو الإنتاج في الكولخوزات.
وأنه ليسرنا جميعاً أن نرى نمو الإنتاج الزراعي المدهش في بلادنا، نمو أنتاج الحبوب، والقطن، والكتان، والشمندر، إلخ. فأين هو ينبوع هذا النمو؟ أنه في التكنيك الحديث، في الآلات العديدة المتقنة التي تخدم جميع هذه الفروع الإنتاجية. وليست المسالة فقط مسألة تكنيك بصورة عامة، بل هي أن التكنيك لا يستطيع أن يبقى جامداً في مكانه،فيجب أن يتحسن على الدوام؛ أن التكنيك العتيق يجب أن يوضع خارج الخدمة، وأن يستعاض عنه بتكنيك حديث، سيخلي المكان، بدوره، لتكنيك أحدث. وإلا، فسيكون تقدم زراعتنا الاشتراكية غير معقول، وغير معقول الحصول على الغلال الكبيرة، ووفرة المنتجات الزراعية. ولكن ماذا يعني أخراج مئات الآلوف من التراكتورات ذات العجلات من الاستعمال، وإحلال تراكتورات ذات غلالات محلها، وماذا يعني أبدال عشرات الآلاف من الحاصدات الدراسات القديمة العهد الصناعية؟ ذلك يعني بذل نفقات تعد بالمليارات، ولا يمكن استرجاعها إلا بعد ستة أو ثمانية أعوام. فهل تستطيع كولخوزاتنا، حتى وإن تكن كولخوزات صاحبة ملايين، أن تضطلع بهذه النفقات؟ كلا، أنها لا تستطيع ذلك ، لأنها ليس في وسعها أن تنفق مليارات لن يمكن استرجاعها إلا بعد ستة أعوام أو ثمانية. فهذه النفقات لا يمكن أن يضطلع بها غير الدولة، لأنها هي فقط تستطيع أن تتحمل الخسائر التي يجرها أخراج الآلات العتيقة من الاستعمال، وإبدالها بآلات جديدة، هي فقط تستطيع أن تتحمل هذه الخسائر طيلة ستة أعوام أو ثمانية، وأن تنتظر انتهاء هذا الأجل لاسترجاع نفقاتها.
وماذا يعني، بعد هذا كله، المطالبة ببيع محطات الآلات والتراكتورات للكولخوزات بيعاً باتاً؟ هذا يعني تحميل الكولخوزات خسائر هائلة، وخرابها، ووضع تعميم الآلة في الزراعة موضع الخطر، وإبطاء الإنتاج الكولخوزي.
ومن هنا يستنتج: أن الرفيقين سانينا وفنجر، باقتراحهما بيع محطات الآلات والتراكتورات للكولخوزات، يقومان بخطوة إلى الوراء، ويحاولان إدارة عجلة التاريخ بشكل معكوس.
ولنفترض لحظة لأننا قبلنا اقتراح الرفيقين سانينا وفنجر، وبدأنا نبيع للكولخوزات بيعاً باتاً أدوات الإنتاج الرئيسية، أعني محطات الآلات والتراكتورات. فماذا يمكن أن ينتج عن ذلك؟ ينتج عن ذلك، أولاً، أن الكولجوزات ستصبح صاحبة أدوات الإنتاج الرئيسية، أي أنها ستجد نفسها في وضع استثنائي، لا تعرف مثله أيه مؤسسة في بلادنا، لأن المؤسسات المؤممة نفسها، كما هو معلوم، ليست صاحبة أدوات الإنتاج، عندنا. فكيف يمكن تبرير هذا الوضع الاستثنائي للكولخوزات، وبأي اعتبار من اعتبارات التقدم، والسير إلى الأمام؟ هل يمكن القول أن هذا الوضع سيساهم في رفع الملكية الكولخوزية إلى مستوى ملكية وطنية، وإنه سيعجل انتقال مجتمعنا من الاشتراكية إلى الشيوعية؟ أليس الأصح أن يقال أن هذا الوضع لا يمكن إلا أن يبعد الملكية الكولخوزية عن الملكية الوطنية، وسيؤدي إلى أبعادنا عن الشيوعية، بدلاً من تقريبنا إليها؟
وسينتج عن ذلك، ثانياً، اتساع دائرة مفعول تداول البضائع الذي سيجر إلى مداره مقداراً هائلاً من أدوات الإنتاج الزراعي. فما رأي الرفيقين سانينا وفنجر في ذلك؟ هل يمكن أن يساهم توسيع تداول البضائع في تقدم سيرنا نحو الشيوعية؟ أليس الأصح القول بأنه لا يمكن إلا أن يؤدي إلى إعاقة تقدمنا نحو الشيوعية؟
إن خطأ الرفيقين سانينا وفنجر الرئيسي هو أنهما لا يدكان دور تداول البضائع وأهميته في النظام الاشتراكي؛ أنهما لا يدركان أن تداول البضائع متناف مع هدف الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. فهما يعتقدان، بدون ريب، أن من الممكن، حتى في ظل نظام تداول البضائع، الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية، وأن تداول البضائع، بالتالي، لا يمكن أن يكون عائقاً. أن هذا خطأ جسيم، أساسه عدم فهم الماركسية. أن أنجلز، في انتقاده «المشاعية الاقتصادية» لدوهرنغ، التي تعمل في ظروف تداول البضائع، قد تبين، بصورة مقنعة، في كتابه انتي دوهرنغ، أن وجود تداول البضائع لابد أن يؤدي حتماً بـ «المشاعيات الاقتصادية» لدوهرنغ إلى بعث الرأسمالية. ولعل الرفيقين سانينا وفنجر ليسا من هذا الرأي. ذلك شأنهما. أما نحن الماركسيين، فأننا نستند إلى الفكرة الماركسية المعروفة جيداً والقائلة أن الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية والمبدأ الشيوعي في توزيع المنتجات حسب الحاجات، ينافيان كل تبادل في البضائع، وبالتالي، ينافيان تحويل المنتجات إلى بضائع، وفي نفس الوقت، تحويلها إلى قيمة.
هذا فيما يتعلق باقتراح الرفيقين سانينا وفنجر وبحججهما. فماذا يجب إذاً أن نفعل أخيراً لرفع الملكية الكولخوزية إلى مستوى ملكية العشب بأسره؟
أن الكولخوز هو مؤسسة من نوع خاص. فهو يشتغل في الأرض التي لن تبق، منذ أمد طويل، ملكية كولخوزية، يل للشعب بأسره. وبالتالي أن الكولخوز لا يملك ا{ض التي يزرعها ملكاً خاصاً.
ولنتابع. والكولخوز يعمل واسطة أدوات إنتاج أساسية ليست ملكية كولخوزية بل للشعب بأسره. وبالتالي لا يملك الكولخوز ملكاً خاصاً أدوات الإنتاج الرئيسية.
ثم أن الكولخوز مؤسسة تعاونية، فهو يستخدم عمل أعضائه ويوزع المداخيل بين أعضائه حسب أيام العمل التي تقدمها كل عضو؛ وفوق ذلك، يملك الكولخوز احتياطياً من البذار يجدد كل سنة، ويستعمل في الإنتاج.
ويسألون: ماذا يملك الكولجوز إذا مالكاً خاصاً، وأين هي الملكية الكولخوزية التي تستطيع أن يتصرف بها بكل حرية، كما يشاء؟ أن هذه الملكية هي إنتاج الكولخوز، هي ثمرة الإنتاج الكولخوزي: القمح، اللحم، الزبدة، الخضر، القطن، الشمندر، الكتان، إلخ، ماعدا المباني واستثمارات الكولخوزيين الشخصية، الواقعة في الأرض الملاصقة لبيوتهم. والقضية هي أن قسماً عظيماً من هذا الإنتاج، أي ما يفيض من الإنتاج الكولخوزي، يصل إلى السوق، ويندمج، بهذه الصورة، في نظام تداول البضائع. وهذا ما يمنع، في الوقت الحاضر، من رفع الملكية الكولخوزية إلى مستوى ملكية وطنية. فمن هذه الناحية إذاً، جب تنشيط العمل لرفع الملكية الكولخوزية إلى مستوى ملكية الشعب بأسره.
لأجل رفع الملكية الكولخوزية إلى مستوى ملكية الشعب بأسره، ينبغي أن يزال فائض الإنتاج الكولخوزي من تداول البضائع، وأن يدمج في نظام تبادل المنتجات بين صناعة الدولة والكولخوزات. هنا هو الشيء الرئيسي.
ليس لدينا، حتى الآن، نظام متطور لتبادل المنتجات، ولكن توجد بذور لهذا التبادل بشكل «دفع الثمن بالبضائع» مقابل المنتجات الزراعية. ومن المعلوم أن إنتاج الكولخوزات التي تزرع القطن، والكتان، والشمندر، إلخ، «يدفع ثمنه بالبضائع» منذ زمن بعيد؛ وفي الحقيقة أن هذا لايجري إلا بصورة جزئية، لا بصورة كلية، ولكن ذلك يجر في كل حال. ولنلاحظ، بالمناسبة، أن عبارة «دفع الثمن بالبضائع» غير موفقة، فيجب أبدالها بعبارة «تبادل المنتجات». ومهمتنا هي أن ننظم في جميع فروع الزراعة، هذه البذور لتبادل المنتجات، وأن تطورها لنجعل منها نظاماً واسعاً للتبادل، بحيث لا تتلقى الكولخوزات نقوداً وحسب لقاء إنتاجها، بل تتلقى خصوصاً السلع التي هي بحاجة إليها. وسيتطلب هذا النظام زيادة الإنتاج الذي تسلمه المدينة إلى القرية زيادة كبرى؛ فيجب إدخال هذا النظام إذاً من عير تسرع كثير، تبعاً لتكدس السلع التي تنتجها المدينة. ولكن يجب إدخاله بنظام، ومن غير تردد، بتضييق دائرة تداول البضائع، شياً فشيئاً، وبتوسيع دائرة تبادل المنتجات.
إن هذا النظام بتضييقه دائرة تداول البضائع، سيساعد على الانتقال من الاشتراكية إلى الشيوعية. فوق ذلك سيجعل في الإمكان إدخال الملكية الكولخوزية الأساسية، الإنتاج الكولخوزي، في نظام البرمجة الوطنية بمجموعه.
وهذه ستكون الوسيلة الفعلية الحاسمة لرفع الملكية الكولخوزية إلى مستوى ملكية الشعب بأسره، في ظروفنا الحاضرة.
وهل هذه النظام جزيل النفع للفلاحين الكولخوزيين؟ أنه كذلك بلا مراء. إنه جزيل النفع لأن جماهير الفلاحين الكولخوزيين سيتلقون من الدولة منتجات بكميات أوفر كثيراً وأرخص سعراً مما في نظام تداول البضائع. والجميع يعرفون أن الكولخوزات إلى أبرمت عقوداً مع الحكومة على تبادل المنتجات، («دفع الثمن بالبضائع») تجني فوائد أك بما لا يقاس مما تجنيه الكولخوزات التي لم تبرم مثل هذه العقود. فإذا وسعنا نظام تبادل المنتجات حتى يشمل جميع كولخوزات البلاد، فإن جميع فلاحي بلادنا سيجنون هذه الفوائد.
28 أيلول 1952
            ي.ستالين


([1] ) ـ خليستاكوف أحد الأشخاص الرئيسيين في مسرحية غوغول: «المفتش» وهو مثال الدعي المغرور.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تعريف اللينينية
- مسأله الثورة (( الدائمة))
- حول الماركسية في علم اللغة
- أسس اللينينية
- ثورة أكتوبر وتكتيك الشيوعيين الروس
- في سبيل تكوين بلشفي
- خطاب إلى الرفيق D-ov
- خطاب إلى الرفيق مولتوف
- كراس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية - ترجمة :حسقيل ...


المزيد.....




- تيسير خالد : يدعو للتكافل وإلى الرقابة الصارمة لضمان عدم رفع ...
- ثروة المليارديرات تزيد بأكثر 60% رغم أزمة كورونا
- مدرس من أقصى اليسار يتصدر انتخابات بيرو الرئاسية
- شاهد: الشرطة الأمريكية تفرق بالقوة متظاهرين غاضبين من قتلها ...
- جريدة الغد الاشتراكي العدد 18
- -البوليساريو- ترد على مقتل قيادي عسكري بـ-قصفات- وهمية في ال ...
- فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض ...
- فيديو: الشيوعيون يحيون الذكرى 60 لرحلة يوري غاغارين إلى الفض ...
- أفيون الشعب (11)
- رئيس حزب ارادة جيل وعضو مجلس الشيوخ وامين عام تحالف الاحزاب ...


المزيد.....

- الثورة والثورة المضادة - تشيرنيشيفسكى ، لينين ، تروتسكى / سعيد العليمى
- كرّاس لتتفتح الأزهار، بقلم لوُ تنغ يي، مع ثمانية ملاحق (وثيق ... / الصوت الشيوعي
- المفاهيم النظرية والسياسية وانعكاس امزجة الثورة المضادة فى ص ... / فلاديمير لينين
- رأس المال: الفصل الثالث عشر (64) 9) التشريع المصنعي (المواد ... / كارل ماركس
- بالعربية لأول مرة مراسلات ماركس – فيرا زاسوليج / ثامر الصفار
- انتفاضة أكتوبر و”الشرعية” السوفيتية / ليون تروتسكي
- المؤلف السوفياتي الجامع للإقتصاد السياسي، الجزء الرابع (الاش ... / الصوت الشيوعي
- رأس المال: الفصل الثالث عشر (56) الصراع بين العامل والآلة / كارل ماركس
- لتحريض السياسي و”وجهة النظر الطبقية” / فلاديمير لينين
- رأس المال: الفصل الثالث عشر – (51) الآلات والصناعة الكبرى / كارل ماركس


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - جوزيف ستالين - القضايا الاقتصادية للاشتراكية في الاتحاد السوفييتي