أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد ساحلي - الحذاء















المزيد.....

الحذاء


خالد ساحلي

الحوار المتمدن-العدد: 1999 - 2007 / 8 / 6 - 11:09
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة
صار يملك ميزانا واحدا يضع الجميع في كفته ، كان يجب عليه أن يتحرك و يفكر بإيجاب ، ، كاد الوهن و التشاؤم يقضي على حياته و يثبط عزيمته، الإنسان يحتاج أحيانا لدافع يمحي به ما تعلّق بذاكرته من مبادئ و سجايا ، ليصير إنسانا عاديا يؤمن بالشائع فيحيا حياة المنهزمين ففي ذلك راحة لنفسه فلا يخسرها، العالم لا يأبه له و الناس من حوله كذلك لا يأبهون له حتى و لو احترق كشمعة لأجل ما يشغلهم ، الحقوق ضائعة أقل ما يقولونه " من خوّله حمل إنشغالاتنا " قد سمع هذا كذا مرة ، أتراه إن جنّ أو أقتيد للسجن أو ضاعت حياته بين الأرصفة أو بطلقة نارية أكان سيُلتفت إليه ؟ أيمدون له أكفهم لينتشلوه ؟ وجد دافعا آخر في أسئلته ، حرّكت فيه شكه ليترك الاستثناء ، هذا الاستثناء الذي جعله وحيدا ، قال في نفسه " لو كانت الشعوب صادقة مع نفسها لرفع الله عن كاهلها الغبن " العاديون يرون السلامة فيما هو موجود يتقبلون بيقين و إيمان ما صنع لهم ، راضون بأقدار صنعها لهم غيرهم ، أقتنع أخيرا أن يكون كالأوراق المتساقطة في الجدول السائرة مع تيار الماء ، كان يجب عليه أن يحتال لنفسه إحتيالا حضاريا شريفا ، يجب عليه البحث عن مصدر الرزق ، تجول في الأسواق، الملاحظة سلاحه لعله يأخذ الحرفة ليصير تاجرا ، ذلك ما كان يبغي ، أختار لنفسه تجارة الأحذية المستعملة القادمة من فرنسا و ألمانيا ، حَدِقَ في مفاوضة السعر ، صارت معرفته واسعة في أنواع الماركات الشهيرة و العريقة ، يمكنه إخبارك بمقاس قدمك بمجرد رؤيته ،أكتسب مهارة فائقة في تبيان نوع الحذاء المبتغى من صاحبه ، اللون ، القالب ، الشكل، كل ذلك بمجرد النظر في هيئة ووجه الزبون ، يدل الزبون على ما يريد دون التفوه ببت شفة ، الشاري يدفع السعر دون مفاوضة ، يعرض أحيانا كثيرة على الزبون نمودجا معينا فيقبله كأنه عليم بذوقه ، بدأ يكسب الزبائن يوما بعد يوم ، يفتش عن الأحذية في رحلة بحث في الأسواق ، ينتقيها فردة فردة ، يجمع ما أتيح له جمعه ، كل على حسب الطلب ، كانت الأحذية تدل على شخصيات أصحابها من ثمة صار بسيكاتر psycatre يعرف كل عينات المجتمع و شرائحه ، الأحذية تدل على منتعلييها راح يدوّن ملاحظاته تلك في كناش صغير " الجند و العسكر يميلون للأحذية الجلدية القاسية المخاطة الجوانب محكمة الإتقان نعله الخارجي مانع الإنزلاق مدبب، أما المسؤل صاحب الأبهة يحب الحذاء (الممحاة )لا كاعب له ، واطي قاعدي ، بدون رباط ، أما أصحاب النفوذ فأحذيتهم تكون ذات عاقب مرتفع بلا رباط لونها يكون في الغالب أسود ، الحذاء ذو الأذن الجلدية حيث تستطيع الأيدي نعله بسهولة دون أن يظطر صاحبه للإنحناء ، كذلك لا يسبب له إزعاجا في نزعه ، هناك صنف آخر يحب الحذاء الخفيف المكوّن من جلد الخنزير مقاوم لآثار الرطوبة كما الحرارة ، هناك صنف منهم يعشق الجزمة النصفية ،أما التجار جزارون و بقالون و بائعوا الدجاج و السمك فهم مولوعون بالأحذية الثقيلة الجلدية التي تصل لنصف الركبة برباط غليظ لطبيعة عملهم القاسي في الأسواق الممتلئة بالوحل والطين و الحجارة ، أما اللصوص أحذيتهم رياضية نوع الشبّاك filet بالكاد تزن المائة غرام ، هناك الزبائن الذين يجد صعوبة في التعامل معهم و هم الباحثين عن أحذية السباق لأن ذوقهم متقلب و لا يثبتون على موديل واحد " صار يهتدي لحذاء الزبون دون أن يطلبه ، برع في حرفته إلى حد جعل الحذاء بطاقة هوية لصاحبه، الأحذية المستعملة يجدها أحيانا متآكلة في مأخرتهاأحيانا متلوفة الجوانب بذلك يعرف صاحبها الأروبي أكان يضلع أم به كسر له عاهة جسدية أم معافى، يعرف طوله من قصره ، أكان منتعله شيخا أم شابا ، سمينا أم نحيفا ، صار يحدد ماهية عمل أصحابها ودون رؤيتهم ، دون أن تكون له فكرة عن البلد الوافدة منه ، يعلم أن الحذاء يحاكي صاحبه، بل الحذاء سره ، فالحذاء المدبب مثلا راح يكتب " تنتعله الشخصية المنغلقة على نفسها ، الحذاء مربع الأمام ينتعله الواقعون تحت تأثير التأطير المسجونين في حدود أفكارهم ، أما الدائري للمعلـّـقة شخصياتهم بشخصية أخرى مصيرهم مربوط بغيرهم ، هم السائرون في فلك غيرهم ، فهم يتبعون الدائري كأنهم يوافقون دورة الزمن دون تحدي ، يعترفون أن الحياة دول ، لا صراخ ، أما الشبشب فله أصحابه و لا تعليق " كان يلمح نفس الوجوه التي قصدها في السابق صارت هي من تقصده ، أضحى هو من يقدم الخدمة لغيره ، كان يصعد إليهم صاروا ينزلون إليه ، لم يكن يعلم ان الحذاء سر صاحبه ، تهون حياة الإنسان فيه… إرتباطه بالنعال صار أكثر من إرتباطه بالبشر ، كلما عرض سلعته في السوق راح يحملّق في الأحذية يفحص أمر أصحابها ، الأروبيون يحافظون على أحذيتهم ، يحترمونها ، من ثمة يبعثوا بها لنا على أساس نفايات لكن نأكل نحن بها الخبز ، مفروضة علينا التبعية حتى لأحذيتهم ، نريد أن نقيم حضارة مزدهرة كحضارتهم ، يدوّن في الكناش " تأكدت أن الأروبي يحترم حذائه فيقوم على تنظيفه و تلميعه وكذا إهتمام حتى برباطه ونعله الداخلي، نحن بلغ بنا جهلنا أن نبصق عليه حين تقلبيه في الوجه إعتقادا منا بالفأل السيء.. " كان يعرف مسبقا الذين سيأتونه للسوق ، المهارة في نصب الفخاخ واجبة ، الأحذية الجميلة دائما تجلب الصيد الثمين و غالبا ما يكون(……) أحيانا يجد الفرصة ليعبر عن إستهجان قديم في سخرية حداثية موضوعها الشخص و الحذاء ، كان وحيدا لأنه فعل اللائق و لم يسمح لضميره أو لشعوره الأخلاقي أن يمنعه من فعل ذلك أو يعيقه على فعل ما هو لازم لينقد نفسه من هلاك وشيك ، كان سيقع في حفرة لا منجّي منها غير الله كان سيحدث ذلك لو تباطئ أكثر ، لكن إرادة الله أنجته، حمد الله على أن أعطاه عينين ينظر بهما للأرجل الواقفة في غابة السيقان ، ليهتدي بين الأقدام الراكظة و الماشية و المراوحة لميولات أصحابها ، يقرأ شخصياتهم في إستبدادهم و عبوديتهم ، في تعسفهم و ظلمهم ، ضحك كثيرا لمّا تذكر الأيام التي بحث فيها عن عمل وعن مسافات جريه من مكتب إلى آخر ، من رئيس مصلحة إلى رئيس البلدية إلى رئيس دائرة ، إلى مدير عام شركات ، كم مزّق في تلك الأيام من حذاء جريا وراء سراب الوعود لقاتلي الأحلام ، الذين وعدوا الإنسان بكرامة العيش وحماية عزة النفس ، إبتسم إبتسامة خفيفة و هو يدوّن على الكناش " علمت أن الذين يضعون الناس تحت نعالهم هم في الغالب لا يعقلون و لو تفقهوا في مآل الدنيا وأعطوا حقوق الناس لكان خير لهم ، تحميهم نعالهم من أن يقذفوا بنعال غيرهم أو يسحقوا تحتها و يوم موتهم لا يختال فوق رفاتهم فيرحموا يوم تذل عزتهم"

خالد ساحلي






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المسمار ( المتقادم في الزمن )


المزيد.....




- إلغاء تصوير فيلم ويل سميث الجديد -التحرر- في جورجيا بسبب قوا ...
- أرقام قياسية لمشاهدات برومو برنامج رامز جلال والكشف عن موعد ...
- الإنجليزية كلغة مشتركة في سويسرا.. فائدة إضافية أم ظاهرة إشك ...
- العثماني: الوضعية مقلقة وقرار الإغلاق صعيب وأنا حاس بكم
- الفن يزيح الغبار عن أصحاب المعاناة.. الفنان المغربي نعمان لح ...
- الطمأنينة الوجودية في -رحلة اتراكسيا- للكاتب سليمان الباهلي ...
- الجزائر والعقدة المغربية المزمنة
- شاهد: باريس وآخر ابتكارات كورونا.. -ابقوا في منازلكم وحفلات ...
- العلماء يترجمون بنية شبكة العنكبوت إلى موسيقى -مرعبة-
- مجلس الحكومة يتدارس يوم الخميس مشروع مرسوم يتعلق بتنظيم الصن ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد ساحلي - الحذاء