نقد ماركسي لحلول يانيس فاروفاكيس حول -الإقطاعية التكنولوجية- الجزء الرابع
توما حميد
الحوار المتمدن
-
العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 16:48
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
مقدمة
رغم أن طروحات فاروفاكيس تحمل بعض الإشارات الناقدة الصحيحة حول تركيز السلطة في أيدي شركات تكنولوجية بعينها، وتحكمها بتدفق المعلومات وصياغة الوعي الاجتماعي، فإنها تظل رؤية مضللة وخطيرة في جوهرها، لأنها تبرئ الرأسمالية من ممارسات هذه الشركات، وتقدم تشخيصاً خاطئاً للواقع، وتطرح حلولاً، في أحسن الأحوال، حبيسة عالم التفكير الأمنيوي الأخلاقي، بدلاً من أن تشكل برنامجاً عملياً جاداً للتحرر.
إذ تتجلى لا تاريخية نظرية فاروفاكيس حول "الإقطاعية التكنولوجية" بشكل خاص عندما يتحدث عما يجب القيام به لمواجهة هذا الواقع، إذ يقدم حلولاً هي مزيج من العودة بالتاريخ إلى الوراء نحو الديمقراطية الاشتراكية، وبين الفوضوية، وبين التعاون بين الطبقات.
ويريد فاروفاكيس حل قضية معقدة وشائكة تمثل جوهر نظام الإنتاج الرأسمالي المعاصر دون الخوض في الصراع على السلطة. كما أن حلوله هي "حلول" يسارية على العموم، فهي غير مرتبطة بنضال الطبقة العاملة، وبذلك تتجاهل الأداة الوحيدة القادرة على تغيير هذا النظام: النضال الطبقي المنظم للطبقة العاملة.
العودة إلى "العصر الذهبي": وهم الديمقراطية الليبرالية
يدعو فاروفاكيس عملياً إلى العودة إلى "رأسمالية العصر الذهبي"، أي فترة الديمقراطية الليبرالية والاشتراكية الديمقراطية التي امتدت من الحرب العالمية الثانية إلى السبعينيات، حيث كان للدولة دور أكبر في الاقتصاد. وفي وقتنا الحاضر، يعني ذلك إمكانية تأميم وإدارة المنصات الرقمية من قبل الحكومة، أو إخضاعها لمراقبة شبيهة بشركات المرافق والخدمات العامة مثل الكهرباء والماء والمواصلات وغيرها.
يقدم فاروفاكيس مجموعة من المقترحات الإضافية تقوم بها الدولة لمواجهة هيمنة شركات التكنولوجيا: فرض ضريبة سحابية بنسبة 5% على التعاملات التي تتم عبر المنصات، وإنشاء هوية رقمية تصدرها الدولة حتى لا نحتاج إلى جوجل أو فيسبوك للتحقق من هويتنا على الإنترنت. إذ يقول: "إن امتلاك هوية رقمية صادرة عن الدولة سيساهم بشكل كبير في استعادة حقوق ملكية بياناتك أو منحك إياها، لأنك حاليًا لا تملكها".
إن النضال من أجل العودة إلى رأسمالية "العصر الذهبي" هو مسعى غير تاريخي. حتى النضال من أجل تأميم هذه الشركات هو محاولة لا تاريخية، إذ أن جوهر النظام الرأسمالي الأمريكي هو وجود شركات خاصة احتكارية وعملاقة تستفيد من الدولة الأمريكية وتخدم مصالح هذه الدولة في تمرير سياساتها على المستوى العالمي، لكنها لا تخضع لسلطتها. إن تأميم هذه الشركات يتطلب نسف هذا النموذج الرأسمالي من خلال فرض توازن قوة طبقية جديد.
إن محاولة العودة بالتاريخ إلى الوراء ليست مسألة جدية، فهي تتجاهل أن دولة الرفاه في تلك الفترة فرضت على البرجوازية، بسبب صعود خطر الثورة العمالية في الغرب بتاثير من ثورة اكتوبر والمنجزات التاريخية التي حققتها من خفض ساعات العمل الى ثمان ساعات يوميا والارتقاء بوضع المرأة وتوفير مستوى غير مسبوق من الخدمات الخ وبسبب النمو الاقتصادي الاستثنائي في الغرب بعد الحرب، وإعادة الإعمار مما مكن البرجوازية من تقديم بعض التنازلات للطبقة العاملة . هذه الظروف لم تعد قائمة، والأهم أنها كانت مجرد تسوية مؤقتة ضمن إطار الرأسمالية، احتاج واستطاع رأس المال تجاوزها تدريجياً كلما تعززت قوته وضعفت الحركة العمالية.
ان هذه الدعوة تعكس رؤية حنينية إلى الماضي، وتتجاهل حقيقة أن تناقضات "العصر الذهبي" نفسها هي التي أدت إلى رأسمالية اليوم.
البدائل المشاعية: بين الطوباوية والعملية
يدعو فاروفاكيس إلى الفوضوية أيضاً، أي إقامة اقتصاد قائم على التعاونيات والمشاعيات الرقمية. إذ يتحدث عن استحداث، إلى جانب البدائل الحكومية، بدائل مشاعية عن خدمات مثل إير بي آند بي وأوبر وأمازون وغيرها، وإقامة منصات سحابية منافسة ديمقراطية تحكمها الدولة أو المواطنون، تمنع احتكار السوق الرقمي من قبل مجموعة صغيرة من الكيانات. ويدعو إلى تحويل البيانات الرقمية إلى مشاعات، وإقامة نوع من التحكم التشاركي حيث يتحكم المواطنون في المنصات، واستعادة السيطرة على بياناتهم، ويكون للمستخدمين والعمال في هذه الشركات حصة فيها وقول في إدارتها.
هل يستطيع اليسار فعلاً منافسة الشركات العملاقة في مجالها، مع ما يتطلبه ذلك من استثمارات ضخمة وخبرات تقنية متطورة؟ إن الدعوة إلى إقامة بدائل مشاعية للتكنولوجيا الرقمية ليست أكثر عملية من الدعوة إلى إقامة بدائل مشاعية للسيارات التي تنتجها الشركات الرأسمالية، أو للطيران، أو للاتصالات، أو الوقود، أو الكهرباء، وغيرها، والتي تقوم باستغلال العامل واحتكار السوق وغيرها من الممارسات التي يفرضها عليها نمط الإنتاج الاقتصادي الرأسمالي. إن توفير خدمات بديلة، وفي الحقيقة تغيير نمط إدارة وعمل تلك البدائل، لن يتم إلا في سياق نضال أوسع يتمحور حول الصراع على السلطة، وليس كحلول معزولة في الميدان التكنولوجي على شكل مشاعيات. ولو افترضنا أن بإمكاننا إيجاد هذه البدائل، أي بدائل مشاعية، فإن الواقع أنها ستظل محكومة بمنطق السوق ومنافسة الشركات العملاقة ما لم يتم تغيير القواعد الأساسية للنظام الاقتصادي برمته من خلال خلق توازن قوى جديد بين الطبقات.
من جهة أخرى، من سيمتلك هذه المنصات، وكيف ستدار، وكيف ستديم نفسها، وكيف تتمكن من المنافسة؟ يقترح فاروفاكيس "تحكماً تشاركياً" حيث يتحكم المواطنون بالمنصات، لكنه لا يقدم آلية واضحة لذلك في ظل وجود دولة رأسمالية، وفي ظل وجود شركات تفوق ميزانياتها ميزانيات عشرات الدول. لذا، فإن هذه الطروحات تعيد إنتاج نمط فاشل ومألوف لدى اليسار الفكري الذي يبدع في الاستحسان الأخلاقي دون الاهتمام بالجدوى العملية لما يطرحه.
ليس بوسع الطبقة العاملة والشيوعيين واليسار بشكل عام إيجاد بدائل لمنصات شركات التكنولوجيا العملاقة وغيرها. إن التكنولوجيا الرقمية التي تحتكرها الشركات العملاقة، وكل التكنولوجيا التي اخترعت، هي إنجازات البشرية، ويجب النضال من أجل استخدامها في صالح البشرية وليس من أجل تراكم أرباح حفنة صغيرة من الرأسماليين. هذا النضال هو جزء من نضال الطبقة العاملة ضد كل النظام الرأسمالي، ويجب أن يكون نضالاً سياسياً في المقام الأول.
التحالف العجيب: العمال والزبائن والبرجوازية الصناعية
أغرب ما في طرح فاروفاكيس دعوته إلى تحالف بين عمال شركات التكنولوجيا والزبائن الذين يستخدمون المنصات لشراء المنتجات، والبرجوازية الصناعية التقليدية التي تستخدم المنصات لبيع المنتوجات، في مواجهة "العدو المشترك" المتمثل في "الرأسماليين السحابيين". هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الصراع الأساسي في المجتمع الرأسمالي هو صراع طبقي بين من يملكون وسائل الإنتاج ومن يبيعون قوة عملهم.
فالرأسمالي الصناعي الذي يبيع بضاعته عبر منصة أمازون ليس صديقاً للعمال، بل هو مستغل لهم تماماً مثلما تفعل شركات التكنولوجيا. الفرق الوحيد هو في طريقة الاستغلال وليس في جوهره. إن استغلال العمال في المصانع التقليدية لا يقل وحشية عن استغلال عمال المنصات الرقمية، بل إن كلا الشكلين ينتميان إلى نفس النظام الاقتصادي القائم على استخلاص فائض القيمة من العمل المنتج. لذا، فإن الدعوة إلى تحالف بين الطبقة العاملة والبرجوازية الصناعية والمنتجة هي دعوة إلى نبذ الصراع الطبقي الأساسي، والوقوف في صف جزء من البرجوازية ضد جزء آخر، وهذا سيؤدي الى الاضرار بالوعي الطبقي واخفاء ماهية العلاقة بين الطبقة العملة والطبقة الرجوازية وترسيح هوية شعبوية- لاطبقية .
إن درجة استغلال الطبقة العاملة التي تنتج كل البضائع والخدمات التي تباع عبر المنصات التكنولوجية، أو تلك التي تنتجها هذه المنصات، لن تتحسن من خلال تحسين حصة "الرأسمالي الصناعي" من فائض القيمة المنتجة. فهذه ليست مشكلة العامل. كما أن هذا لن يأتي من خلال التعاون مع أحد أقسام البرجوازية ضد القسم الآخر. إن تحسين ظروف عيش وعمل الطبقة سيأتي من خلال نضال الطبقة العاملة المنظم والواعي ضد كل الرأسمال.
غياب النضال على السلطة!
ككل الحلول الأخلاقية والفوضوية، لا تعير حلول فاروفاكيس أي أهمية للنضال على السلطة. هناك تقارب بل تلاحم بين شركات التقنية والحكومة في الأجهزة الأمنية والمجمعات العسكرية، إذ تستمد هذه الشركات قوتها من علاقتها الجوهرية والطويلة الأمد مع الدولة الأمريكية. لقد استفادت من عقود من البحث والتطوير التي قام بها القطاع العام.
ومن ثم، فإن معالجة هيمنتها لا تكون بالنضال ضد هذه الشركات بشكل منعزل، أو حتى فرض ضرائب وإصلاحات عليها، بل بنضال شامل ضد السلطة السياسية التي تحميها وتتغذى منها. الدولة ليست وسيطاً محايداً بين الفئات المختلفة، بل هي أداة لحماية مصالح الطبقة الحاكمة. لكن فاروفاكيس يغفل عن العلاقة العضوية بين هذه الشركات والدولة، خاصة الأمريكية منها.
إذا كان فرض تراجع على الرأسماليين والشركات العملاقة والحكومة التي تمثلهم من خلال نضال الطبقة العاملة الشفاف والواعي، والذي يفصل صفه عن الطبقة الحاكمة وأيديولوجياتها وعن الفوضوية على السلطة، أمراً صعباً، فإن تحقيق هذا الهدف من خلال تعاون بين العمال والزبائن والرأسماليين الصناعيين في الميدان التكنولوجي هو أمر مستحيل، لأن تحقيقه يتطلب على الأقل تنازلاً طوعياً عن السلطة من قبل الشركات المهيمنة..
النضال ضد "الرأسمالية غير الحقيقية"، تشويش الوعي الطبقي وإضعاف التنظيم
المشكلة الأعمق في أطروحة فاروفاكيس هي أنها تبرئ الرأسمالية وتحجب الطبيعة الرأسمالية الحقيقية للشركات العملاقة. فهو يصفها بأنها "طفيليات" تستخلص الريع، متناسياً أن هذه الإمبراطوريات الرقمية تقوم على استغلال عمل حقيقي ومنتج: من تعدين المواد الخام، إلى تصنيع الرقائق، إلى البنية التحتية للخوادم، إلى عمال المنصات واللوجستيات وعلماء البيانات. إنها رأسمالية بامتياز، تستغل العمل وتستخلص القيمة الفائضة، بل إنها تمثل ذروة الرأسمالية الاحتكارية.
يقول فاروفاكيس عملياً: ينبغي لنا عدم محاربة الرأسمالية، بل يجب محاربة هذه الرأسمالية "غير الحقيقية" ومحاربة حفنة من الأوليغارشيين العالميين. فالصراع لم يعد بشكل أساسي بين الطبقة العاملة والرأسمال، بل بين الرأسمال الكبير أو الاحتكاري والرأسمال الصغير، وبين الرأسمال الوطني والرأسمال الأجنبي، وبين الرأسمال الريعي والرأسمال المنتج.
لهذه النظريات تداعيات خطيرة على نضال الطبقة العاملة، فهي تخلق توهمًا بأن هذه المنصات والتكنولوجيا لا تعمل من أجل الربح، لذا فإن علاقة العامل والرأسمال ليست ضرورية للنظام، أو على الأقل أن هذا القطاع لا يحتاج إلى العمال من أجل أن ينتج أو يديم عمله بشكل يومي، فهم ينتزعون الريع من الآخرين، ويخضعون الرأسماليين الصناعيين. إن القول بأن الرأسمال التكنولوجي أو السحابي ينتزع ريعاً بشكل طفيلي يعني أن الطبقة العاملة التي تعمل لدى هذا القطاع هي غير منتجة تماماً، والعمل الذي تؤديه ليس منتجاً، وهذا يضر بوعي وهوية الطبقة وبجهود تنظيم هذه الطبقة. من المهم للطبقة العاملة ووحدتها وتنظيمها أن تعلم أن عملها يساهم في إنتاج القيمة. إن وجود نظرية تدعي أن عمل الطبقة العاملة ليس أساسياً لعمل رأسمال هذه الشركات يجعل تنظيم هذه الطبقة أصعب ويزرع التشويش واليأس.
من جهة أخرى، إذا كنا نعيش تحت النظام الإقطاعي، يتوجب علينا النضال من أجل الرأسمالية، وأن للرأسمالية جانباً تقدمياً. كما أن المشكلة ليست في الرأسمالية، بل في عدم وجود رأسمالية حقيقية ومنافسة كافية بين الرأسمال الصغير والرأسمال الكبير، والتعامل بشكل غير عادل مع الرأسمال الصغير.
حلول فاروفاكيس ليست حلول الطبقة العاملة!
حلول فاروفاكيس ليست نابعة من وجهة نظر العامل الذي يواجه الاستغلال الاقتصادي الذي هو سمة الأنظمة الطبقية ومن ضمنها النظام الرأسمالي بما فيه الاقتصاد الرقمي، بل نابعة من وجهة نظر برجوازي صغير صانع محتوى، والرأسمالي الذي ينتج البضاعة والخدمات، ومن التحدي الذي تشكله المنصات الرقمية للديمقراطية الليبرالية.
وهذه الطروحات تستند إلى الفرد، إذ ليس معلوماً أي طبقة أو حركة اجتماعية هي المقصودة بها، وهي غير مرتبطة بآلية محددة، أي نضال محدد لطبقة محددة، لذا تبقى طروحات أخلاقية أكثر من كونها حلولاً جدية. فهي تستند إلى بناء وعي جماهيري هائل وتعاون بين العامل والزبون والحكومة، وإلى حد ما تخلي الشركات السحابية عن سلطتها دون مقاومة. وهذا هو جوهر المشكلة: السلطة أياً كانت لا تسقط بمجرد انكشاف حقيقتها المعادية لطبيعة الإنسان، بل تزول من خلال نضال مضاد. وفي مجتمع طبقي مثل النظام الرأسمالي، هذا النضال يجب أن يكون نضالاً طبقيّاً للطبقة العاملة.
ليس لنضال الطبقة العاملة أي مكانة في رؤية فاروفاكيس، إذ يقول بأن "العمالية" والنضال العمالي لم يعد مجدياً، وأنه ينبغي مخاطبة المصالح الفردية لكل عامل، ويدعو إلى التنظيم من خلال نقابات المستهلكين.
النضال الطبقي الشامل مقابل النضال حول قضية محدودة
لا يرى فاروفاكيس النضال ضد شركات التكنولوجيا كجزء من نضال شامل ضد كل النظام الرأسمالي. ففاروفاكيس يتحدث هنا عن مشكلة أقل مركزية، وهي احتلال شركات محددة موقعاً احتكاريًا في الدعاية والتجارة الرقمية والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بالمقارنة مع الخطر الأكبر وهو الذكاء الاصطناعي والآلات التي يسيطر عليها الذكاء الاصطناعي والتي تسلب فرص العمل من العمال، مما يجعل دور العمل البشري أقل أهمية. وهناك العشرات من المشاكل الأخرى الكبيرة التي تواجه البشرية في هذا العصر، وأهمها التغير المناخي.
الحل ليس في نضال مجزأ ضد هذه الظاهرة أو تلك من ظواهر النظام الرأسمالي، بل من خلال النضال ضد النظام الرأسمالي الحاكم ككل، من خلال آلية محددة وهي تنظيم الطبقة العاملة. فشركات التكنولوجيا ليست سوى جزء من نظام رأسمالي متكامل يشمل الدولة والمؤسسات المالية والجهاز العسكري والأيديولوجيا السائدة. إن تقارب احتكارات التكنولوجيا الكبرى مع الحكومة في الأجهزة الأمنية والمجالات العسكرية يوضح بشكل جيد ضرورة النضال الشامل ضد السلطة السياسية، وليس النضال من أجل تغيير سلوك حفنة من شركات التكنولوجيا.
يطرح فاروفاكيس بعض الحلول الجانبية الأخرى، مثل التكامل بين المنصات، وهو أن يحق لصانع المحتوى الانتقال من منصة إلى أخرى بسهولة، بشرط أن يكون بمقدور متابعيه الاطلاع على المحتوى الذي ينتجه في المنصات الأخرى، إلى جانب فرض الضريبة وإصدار هوية رقمية للأفراد. إن طرح هذه المسائل كحلول جوهرية يشتت الانتباه عن القضايا الأساسية للطبقة العاملة.
خامساً: الخلط بين النضال الطبقي والقضايا القومية
يدعو فاروفاكيس عملياً إلى تحالف الطبقة العاملة مع البرجوازية المحلية ضد "الأوليغارشيين العالميين" وشركات التكنولوجيا. هذه رؤية قومية يسارية تتعارض مع الماركسية الأممية. فالطبقة العاملة في كل مكان تواجه نفس النظام الرأسمالي، بغض النظر عن جنسية الرأسماليين. إن تقسيم الرأسماليين إلى "وطنيين" و"عالميين" هو تكريس للأوهام القومية التي تضعف التضامن الطبقي الدولي.
والماركسية لا تعترف ببرجوازية "جيدة" وأخرى "سيئة"، بل تنظر إلى البرجوازية كطبقة موحدة مصالحها في استغلال العمل بغض النظر عن القطاع أو الدولة التي تنتمي إليها.
طرح حلول يسارية عمومية لا ترتبط بنضال طبقة عاملة محددة لا يجعلها أممية. إن الأممية لا تأتي من طرح أفكار عمومية غير مرتبطة بنضال الطبقة العاملة في مكان وزمان معين. هذه الطروحات اليسارية، رغم أنها تبدو راديكالية شكلاً، إلا أنها رجعية مضموناً. إن الأممية تأتي من فهم آليات عمل النظام الرأسمالي، ومركزية علاقة الطبقة العاملة والرأسمال في الإنتاج الرأسمالي، ومركزية النضال الطبقي ودور الطبقة العاملة في تغيير مجرى التاريخ. تأتي من فهم حقيقة أن تراكم الأرباح يتم من خلال تشديد استغلال العمل، وإبقاء الأجور أدنى من المعدل، واستخدام طرق إنتاجية استثنائية، واستغلال الطبقة العاملة في الدول التي تتمتع بمعدلات ربح أعلى.
نشر اليأس والتشاؤم
صحيح أن شركات التكنولوجيا تمثل تحدياً خاصاً، فهي تمتلك مليارات المستخدمين وتؤثر في تدفق المعلومات وتشكيل الخطاب العام. لكن تضخيم قدراتها أكثر مما هي عليه يخلق نوعاً من التشاؤم واليأس، ووهماً بأنها مصدر المشكلة، بينما هي مجرد أداة في نظام رأسمالي قمعي بطبيعته. حسب هذه النظريات، ليس للعامل إرادة، وليس للطبقة العاملة أي دور في صياغة ما يحدث في العالم، إذاً كل شيء يحدد من قبل الاحتكارات والدول.
إن ضعف الوعي الاشتراكي والتنظيم والنضالات العمالية ليس بالضرورة بسبب قوة تلك الشركات. إن الواقع يظهر أن الأفكار الماركسية والاشتراكية تشهد انتعاشاً، وأن المد التقدمي يرتفع في أمريكا التي هي مهد تلك الشركات. هذا دليل على أن قوة هذه الشركات ليست مطلقة، وأنه يمكن تسخير التكنولوجيا والمنصات نفسها من أجل التبليغ والتأثير وتنظيم النضالات.
من جهة أخرى، إن الرقابة والتضييق على حرية التعبير هي سمة متجذرة في النظام الرأسمالي، وهي ليست أمراً اخترعته شركات التكنولوجيا، بل هي تقوم بإدامته وإعادة إنتاجه بشكل جديد. إن النضال ضد الرقابة وقمع حرية التعبير هو جزء من نضال الطبقة العاملة. في الحقيقة، رغم كل الأساليب التي تتبعها شركات التكنولوجيا في التلاعب بالوعي الجماهيري وقمع الأصوات المعارضة، فإن فرصة الشيوعيين والعمال في التبليغ ليست أسوأ من أي عصر آخر من عمر الرأسمالية، بل في الكثير من الدول هي أفضل بالمقارنة حتى قبل ثلاثة عقود مثلاً إبان انهيار نظام ثنائي الأقطاب.
بالتأكيد على الشيوعيين الاطلاع على آخر ما يمكن للتكنولوجيا أن تقدمه، وخلق كادر متمكن في هذه المجالات، وهذه مسألة أكثر عملية من بدائل فاروفاكيس وغيره.
من جهة أخرى، يجب ألا ننسى أن وظيفة الشيوعيين الأساسية هي تنظيم الطبقة العاملة في مكان العمل والعيش والتواجد بينها، وليس الاعلام الا وسيلة لتحقيق هذا الغرض.
الخلاصة: لا بديل عن النضال الطبقي الشامل
في مقابل هذه الأوهام الإصلاحية، يظل الدرس الماركسي هو الأكثر فاعلية وواقعية: الطبقة العاملة وحدها، بتنظيمها ونضالها، هي القادرة على تغيير هذا النظام. إن النضال ضد الرأسمالية وشركاتها الرقمية يتطلب ما يلي.
نضالاً طبقياً:
يعي أن الصراع الأساسي هو بين من يملكون وسائل الإنتاج ومن لا يملكونها، وليس بين شرائح مختلفة من الرأسماليين. إن تنظيم عمال المصانع والمنصات الرقمية معاً، والدفاع المشترك عن حقوقهم وأجورهم، ورفع وعيهم الطبقي في مواجهة احتكار رأس المال، هو الأساس لأي تغيير حقيقي.
نضالاً أممياً:
نضالاً يتجاوز الحدود القومية ويدرك أن الطبقة العاملة في كل مكان تواجه نفس العدو.
نضالاً شاملاً:
لا يقتصر على قطاع معين أو قضية معزولة، بل يستهدف النظام الرأسمالي ككل. فالحل الحقيقي لمواجهة هيمنة شركات التكنولوجيا العملاقة، والرأسمالية الرقمية بشكل عام، يكمن في تنظيم الطبقة العاملة ونضالها الطبقي الشامل لانتزاع السلطة من أيدي الرأسماليين وإخضاع وسائل الإنتاج للسيطرة الاجتماعية.
نضالاً منظماً:
يعتمد على تنظيم عمالي قوي وواعٍ، وليس على تحالفات هشة مع البرجوازية أو على طروحات أخلاقية جذابة. فما تحتاجه الطبقة العاملة ليس حلولاً أخلاقية من مفكرين أكاديميين، بل وعياً طبقيًا قادراً على فهم طبيعة النظام الذي تعيش فيه، وتنظيماً يسمح لها بمواجهته. التكنولوجيا والمنصات الرقمية ليست سوى أدوات في هذا الصراع، ويمكن استخدامها في خدمة النضال الطبقي تماماً كما تستخدم في خدمة الرأسمالية.
إن أطروحة "الإقطاع التكنولوجي" ليست سوى إلهاء نظري يزيّن الواقع ولا يغيّره. حلول فاروفاكيس، رغم بلاغتها وجاذبيتها الأخلاقية، تبقى حبيسة الإصلاح الأخلاقي والعودة إلى الماضي. أما المستقبل، فهو ملك لنضال الطبقة العاملة التي تدرك أن تحررها من براثن المنصات الرقمية لن يتم إلا بتحررها من أغلال الرأسمالية كلها. في مجتمع طبقي، لا خلاص إلا بصراع طبقي شامل، وهذا هو الطريق الوحيد لتجاوز الرأسمالية في عصرها الرقمي كما في عصرها الصناعي.