لسنا أوصياء على الذاكرة الوطنية:عن نداء العيد الوطني


عصام الخفاجي
الحوار المتمدن - العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 09:29
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق     

لسنا أوصياء على الذاكرة الوطنية:
عن نداء العيد الوطني

أتعاطف تماما مع النداء الذي أطلقه جمع من الناشطين العراقيين يعبّرون فيه عن خشيتهم من أن إلغاء الإحتفال بذكرى 14 تموز 1958 كعيد وطني يمثّل حلقة في مسلسل الإنقضاض على الدولة المدنية.
لكنني لم أضف توقيعي عليه.
سينتبه القارئ الذكي إلى أنني لم أطلق توصيفا على الحدث.
وقد ينصرف الذهن إلى أنني من عشّاق "الزمن الملكي الجميل" الذي أسقطه "العسكر".
اشتغلت على التاريخ الإجتماعي- الإقتصادي للمشرق وبعض أجزاء أوربا.
من بين آلاف الدروس التي تعلّمت (وآمل أنني نقلتها لطلبتي) درسين:
الدرس الأول : كان الفلاح في بلدين فقط في الشرق الأوسط يعيش في ظل ظروف قانونية واقتصادية واجتماعية تشابه ظروف عيش الأقنان في ظل الإقطاع في أوربا: العراق ومصر (الخبيرة الراحلة الكبيرة دورين وارنر). نحن نتحدث عن مجتمع غالبية قوته العاملة تعمل في الزراعة.
14 تموز 1958 حرّرت الأقنان من عبوديتهم للشيوخ وملاّك الأرض من خلال قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 في نهاية أيلول (سبتمبر) 1958.
الدرس الثاني: لا يتوصّف حدث، ثورة أو إنقلابا، انطلاقا ممن قام به أو كيفية حدوثه بل من عمق التغييرات التي يحدثها في الكيان الإجتماعي- الإقتصادي- السياسي لبلد ما وكيفية تجاوب الجمهرة الواسعة من المواطنين معه.
14 تموز لم تكن تغييرا في طاقم الحكم مثل انقلاب بكر صدقي في ظل حكم الملك غازي أو حتى انقلاب رشيد عالي الكيلاني عام 1941.
14 تموز أزاحت كبار ملاك الأرض عن السلطة السياسية والإقتصادية وجاءت بطبقات اجتماعية جديدة إلى واجهة الحياة السياسية والثقافية فضلا عن تحريرها للفلاحين.
من حق المرء أن يؤيد ما حدث أو أن يكرهه. حتى اليوم.
ثمة أنصار للملكية في فرنسا يرون قيام الجمهورية يوم عزاء لأسباب ليست كلها مدعاة للسخرية.
إذن، لمَ لا أوقّع على بيان يدعو إلى اعتبار ذكرى 14 تموز 1958 عيدا وطنيا؟
العيد الوطني هو يوم يحسّ به المواطن ولا يتم فرضه عليه.
عشت في بلدان عدّة.
رأيت الأمريكي يرى الرابع من تمّوز عيدا له، رأيت الهولندي يرى عيد الملك عيدا له وأعرف من متابعات عدة أن الروسي والبلغاري والتشيكي و... كانوا يرون في "أعياد" ثوراتهم مناسبات عليهم الإحتفال بها.
العيد الوطني العراقي يجب أن يكون مدخلا لنقاش بين الفاعلين في الحياة العراقية.
تقرير اليوم الوطني العراقي لا يجب أن يصدر عن بيان، بل عن استفتاء شعبي يتم فيه طرح خيارات عدة أمام الجمهور. أشير على سبيل المثال إلى ذكرى ثورة 14 تموز، ذكرى تنصيب فيصل الأول ملكا على العراق، ذكرى دخول العراق بلدا مستقلا في عصبة الأمم 1930.
ما مغزى هذه الدعوة؟
هي تمهيد للتفكير في سؤال أكبر:
أهناك ما يجمع بيننا؟ أهناك يوم، ذكرى، حدث تتشارك فيه أغلبية من العرب والكرد والتركمان والكلدو-آشوريين والصابئة والآيزيديين فرحا أو حزنا؟
هذا السؤال، على سذاجته، هو المدخل لسؤال الهوية: أما زال بالإمكان إنقاذ فكرة الأمة العراقية متعددة الأقوام؟
من دون هذا، قد يرضخ مجلس النواب ويعلن 14 تموز يوم عطلة مثل عشرات أيام العطل الرسمية لذكرى مولد ووفاة وأربعينيات الائمة! وهذا، أيها الناشطون ما ينخر جسم الدولة، حين تتحول ذكرى ولادة أو وفاة إمام لطائفة ما إلى عزاء أو حفل وطني على الجميع المشاركة به.