حسن خليل .. صداقة لم أكد أهنأ بها


حمدى عبد العزيز
الحوار المتمدن - العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 09:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

لم أكن أعرف المناضل والمثقف الجميل حسن خليل إلا من خلال موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك)، وكان ذلك منذ أكثر من عشر سنوات.
وأعترف أن هذا جهل عظيم مني حاسبت نفسي عليه كثيرًا يوم التقيته فعليًا وصارت بيننا صداقة وأخوة ، وربما كان ذلك من أسباب غصة كبيرة في القلب تتملكني الآن؛ فقد كان من الممكن أن يكون عمر صداقتنا أكثر من عشر سنوات ، وبنفس العمق الذي كانت عليه صداقة لم يشأ القدر لها أن تمتد لأكثر من سنتين.
أقول لنفسي: كان يجب أن أسعى للفوز بصداقة هذا الرجل قبل عشر سنوات على الأقل ..
قبلها كنت أتابع كتاباته السياسية الرفيعة المستوى ، ولم يمر وقت طويل على قراءة كتاباته إلا وقد ترسخت لدي قناعة أنني أمام إنسان يمتلك منهجية رصينة وقدرة معرفية هائلة ، وهكذا لم تكن تظهر له كتابة ما إلا وكنت حريصًا على متابعتها.
كنت أُبدي له آرائي على استحياء من خلال المداخلات ، ثم تزايدت وتيرة تعليقاتي ومداخلاتي ، في حين أنه كان يسعدني فقط أن أراه يضع علامة تفاعل على ما أكتب .
ثم حدث منذ عامين أن تعارفنا على الخاص ، فسألني:
(أين تقيم؟)
اكتشف كلانا أن أولنا يقيم على مسافة بضع عشرات من الأمتار من منزل الثاني ..
ولأنه الأكبر ، ولأنه كان يعيش وحيدًا ، فقد كانت أغلب لقاءاتنا في منزله بناء على طلبه ، صرنا اصدقاء وشكلت زياراتي له جزءًا من تمشيتي النهارية .
، والحق أقول : كنت أنا الرابح الدائم من هذه الصداقة ؛ فعند كل مسألة معقدة يُثار النقاش حولها كانت تلوح أمامي فرصة ذهبية للتعلم من زاده المعرفي غير المحدود ، ومع ذلك كان يدهشنى بتواضعه الشديد وبساطته وتلقائيته وهو المثقف الموسوعى الذى يمتلك ارفع صفات المفكر ، والمناضل صاحب التجربة النضالية التاريخية العريضة ..
كان يهاتفني قائلًا:
ها أعلّق على الشاي لغاية ما تيجي عشان نتناقش في الموضوع الفلاني ؟
أو أن أهاتفه أنا قائلًا:
معلّق على الشاي، أجيلك؟
فيرد:
مستنيك .
لم تنشأ أزمة أو يحدث حادث سياسي أو ظاهرة مجتمعية ، أو يكون هناك شأن مستجد من شؤون المجال السياسي والنضال ، إلا وكان بيننا لقاء نتداول فيه النقاش.
كنت أحس أنني فزت بكنز عالي القيمة ، فقد كان جزءًا من مصادر الإثراء الفكري والخبراتي لشخصى الفقير الى المزيد من العلم والتجربة ، ولهذا كانت خطوتي في اتجاه منزله كخطوات المريدين إلى أحد نساك العلم..
كنت لا أشعر بملل عندما ألتقيه ، رغم أنه كان يملأ المكان بعبق سجائره التي تتبدل بين أصابعه مشتعلة واحدة تلو الأخرى في سلسلة لا نهائية ، كما لو كانت في سباق تتابع مشتعل.
ولهذا كانت المنضدة التي تتوسط حجرته لا تخلو من علب دواء التوبلكس ، في الوقت الذي تكتظ فيه بعلب سجائره التي رصها بعناية كسلاح استراتيجى ،
. قال لي في أحدى جلساتنا :
- أنت لا تدخن ، وتكتفى بالشاي غير مُحلّى بالسكر على الإطلاق ، ولا تأكل الحلوى ولا الشيكولاتة التى تقدمها لك ، فماذا بقي لك من متع الدنيا؟
.. فكنت أرد مبتسماً :
جلستي معك ياعمنا متعة تستحق السعي .. ثم أنني بعد سن الستين تخليت عن أشياء كثيرة ، فيضحك قائلًا:
أنا في سني هذا لم يتبقَّ لي من متع الدنيا سوى التدخين.
كان ينفث الدخان وأعظم وأعمق الأفكار نبلًا وثورية في آنٍ واحد ..
أتذكر الجلسة الأخيرة وكانت قبل عيد الفطر بيومين ، خضنا فيها نقاشًا عميقًا حول العدوان (الأمريكو-ص/هي/وني) على إيران ، وحول إمكانات البرنامج النووي الإيراني وكونه ورقة هامة فى موازين القوى ، وهل صحيح تمتلك إيران القدرة على صنع قنبلة نووية أم لا؟
ولأن تخصصه كان هندسة نووية ، فقد خرجت من هذه الجلسة بمعارف هامة أنارت طريقي في معرفة أبعاد المسألة النووية الإيرانية..
يومها هتف وهو يودعنى على باب منزله قائلًا:
(إنت كده عيدت عليا وخلاص ومش هتيجي في العيد؟)
أخبرته أنني سأزوره بعد العيد بأسبوع ، وبمجرد أن أنتهي من المشاغل العائلية المترتبة على العيد ، ولكن الفقد المرير كان لي بالمرصاد
؛ وذهب الأستاذ ، وبقيت أنا دون أن يكون على جدول تمشيتي الصباحية المرور على بيت صديقي الذي لم اهنأ بفوزى بصداقته التى كانت قد بدأت منذ عامين ..