لماذا يبرّر المثقفون جرائم إيران؟عبد الله النفيسي أنموذجا
حميد زناز
الحوار المتمدن
-
العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 18:20
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ليس كل انحياز يُغتفر، خاصة حين يصدر عن مثقف يُفترض فيه أن يرى ما لا يراه الآخرون. فالمشكلة لا تبدأ عندما يخطئ المثقف، بل عندما يُصرّ على تحويل خطئه إلى موقف، وموقفه إلى خطاب يُسوَّق بوصفه وعيًا واستبصارًا.
في هذا الإطار، يبدو خطاب عبد الله النفيسي المتعاطف مع إيران أقرب إلى التبرير منه إلى التحليل. فبدل أن يُخضع هذا المشروع الإقليمي لنقد صارم، يُعاد تقديمه بلغة توحي بالحكمة، وكأن ما يحدث مجرد توازنات سياسية، لا وقائع دامية ومركّبة.
تكشف خلفية عبد الله النفيسي نفسها طبيعة الرجل: كان قوميًا في بداياته، ثم مرّ بالأفكار الإخوانية، تلاها مرحلة السلفية، واليوم أصبح داعمًا للملالي، مسانداً لإيران بشكل مواربي. هذه التحولات تكشف عن نهج متغيّر يضع الولاء الفكري والسياسي فوق الثوابت الأخلاقية، ويُسهل تبرير أي نفوذ خارجي طالما يخدم قناعاته الجديدة.
لكن أسلوبه في تقديم الخطاب يستحق الملاحظة. فهو يستخدم طريقة ذكية تجعل كلامه يبدو كأنه كشف لأول مرة عن حقائق لا يعرفها أحد، بينما ما يقوله في الواقع أمور بديهية ومعروفة. هذا التلاعب بالانطباع يمنح كلامه قوة وهمية، ويجعل الجمهور يعتقد أنه يسمع "إفصاحًا صريحًا لم يُسمع من قبل"، بينما في الحقيقة هو إعادة تأطير للأشياء المعروفة بطريقة تجعلها تبدو استثنائية.
خذ ما فعله الملالي من مناكر في العراق، سوريا، اليمن ولبنان…هي ليست مجرد ساحات تحليل نظري، بل أمثلة حيّة على امتدادات نفوذ معقّدة، تحمل كلفة سياسية وإنسانية واضحة. ومع ذلك، يُعاد اختزالها في خطاب يُغفل النتائج ويركّز على النوايا أو التبريرات الاستراتيجية.
لكن الصورة تصبح أكثر حدّة حين ننتقل إلى الخليج. فالهجمات على دول الخليج العربي، واستهداف منشآت حيوية ، ليست أحداثًا قابلة للتخفيف اللغوي بل وقائع صريحة تمسّ الأمن والسيادة.
ومع ذلك، لا يُواجه هذا النوع من الأحداث بإدانة صريحة، بل يُعاد توصيفه — كما أشار في مداخلاته على قناة الجزيرة — على أنه "أخطاء" أو "سوء تقدير". ويتكامل هذا المنطق حين تُعرض إيران كقوة "عصية على الولايات المتحدة، في خطاب يحمل ضمنيًا نوعًا من الإعجاب بقدرتها على التحدي، أكثر من كونه دعوة لمساءلة هذه القوة و أهدافها.
لكن ما يكشف ازدواجية هذا الخطاب بشكل أخطر، هو تجاهله التام لمعاناة الشعب الإيراني نفسه. فالمثقف الذي يبرّر النفوذ الإيراني في الخارج، لا يبدو مهتمًا بقمع الملالي للشعب الإيراني، ولا بالاعتقالات التعسفية، ولا بالإعدامات اليومية التي تُنفّذ بلا رحمة، ولا بانتهاكات حقوق النساء والفتيات الإيرانيات. لم يظهر أي تعاطف حقيقي مع هؤلاء، وكأن معاناة ملايين المواطنين الإيرانيين لا قيمة لها مقارنة بالإعجاب بالقوة السياسية لنظام الملالي و تضخيم قوته و التبشير المبطن بانتصاره.
كما أن الخطاب يتضمن كثيرًا من الادعاءات المغلوطة. فمثلًا يكرر عبد الله النفيسي فكرة مفادها أن سقوط النظام الإيراني سيؤدي إلى هيمنة إسرائيل على المنطقة، وكأن الملالي هم الحامون الحقيقيون للخليج. هذه الرؤية تبسّط الواقع بشكل مذهل وتتجاهل أن إيران نفسها هي التي دمرت لبنان عبر حزب الله، واليمن عبر الحوثيين، والعراق عبر ميليشياتها، وفرضت على الشعب السوري ديكتاتورًا همجيًا. وكل هذا بينما يتفاخر النظام الإيراني بأنه يحتل أربع عواصم عربية. النتيجة أن الخطاب يقدّم المعتدي كحامي، ويتجاهل المتضرر الحقيقي.
وهنا يكمن الانزلاق الأخطر: حين يُفتن المثقف بالقوة، فيُخفّف من أخطائها في الداخل والخارج، ويعيد تفسير أفعالها، بل ويمنحها، بشكل غير مباشر، شرعية رمزية. فالقوة، في هذا الخطاب، لا تُفكَّك، ولا تُساءل… بل تُلمَّع.
ما معنى أن تُقصف منشآت حيوية، وتُهدَّد ممرات دولية، بينما يُبرّر القمع الداخلي للشعب الإيراني ويُسوّق المعتدي كحامي للمنطقة؟
أليس في هذا تحويل النقاش من سؤال العدالة والمسؤولية إلى سؤال الإعجاب بالقوة؟
إن الفرق بين "الخطأ" و"الاعتداء"، وبين "القوة" و"القمع" ليس لغويًا فقط، فهو أخلاقي وسياسي بالدرجة الاولى. والمثقف الحقيقي لا يُخفّف وقع الحقيقة، ولا يُعيد تسمية الأشياء لتصبح أقل إزعاجًا، ولا يُقايض الأخلاق بالتحليل البارد. بل يقف في المسافة الأصعب: حيث لا انحياز إلا للوطن والحقيقة.
ما يلفت الانتباه أيضًا، أن حالة عبد الله النفيسي ليست منفردة. فهناك عدد ليس بالقليل من المثقفين العرب الذين يشاركونه نفس الفكرة: تعاطف متنوع مع جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي، وانحيازات واضحة للقوى التي يراها ممانعة أو مقاومة، بغضّ النظر عن كلفة هذه السياسات على شعوب المنطقة. هذا يظهر أن ما نراه ليس موقفًا شخصيًا غريبًا، بل جزء من ظاهرة أوسع داخل النخبة الفكرية العربية، حيث يتداخل الإعجاب بالقوة مع تراجع الالتزام بالمعايير الأخلاقية والمساءلة. ألم يساند أغلبهم حماس الإرهابية وشجعوها حتى خربت غزة و أهلها؟ واليوم هم مبتهجون بعدوان الملالي على بلدان الخليج التي كثيرا ما أحسنت إليهم و إلى بلدانهم؟
كما أن أسلوب السيد عبد الله النفيسي يوضح ميله الواضح إلى إرضاء الدهماء أكثر مما يركز على البحث عن الحقيقة. فهو غالبًا يختار الصياغة والخطاب الذي يثير الانتباه ويكسب التصفيق، بدل أن يواجه القضايا بحياد ومصداقية. هذا الميل لإرضاء الجمهور يعزز صورة المثقف المُلهم، لكنه في الحقيقة يخفي تراجعًا أخلاقيًا واضحًا في تعامله مع الوقائع.
إن نقد خطاب عبد الله النفيسي ليس خلافًا شخصيًا، بل مواجهة لنموذج فكري يُلبس القوة ثوب الحكمة، ويحوّل الوقائع إلى وجهات نظر، ويتجاهل الضحايا الأكثر ضعفًا: المواطنين الإيرانيين أنفسهم، والشعوب التي تتأثر بهذه السياسات في المنطقة.
ما يمكن أن يشفع للنفيسي ربما هو فقدانه للذاكرة، إذ بدا في مداخلته الأخيرة على قناة الجزيرة يخلط بين الشخصيات التي فارقت الحياة وتلك التي لا تزال على قيدها، كأن الزمن التبس عليه فجأة، أو أن أسماء الموتى تحولت في ذهنه إلى مجرد حروف بلا وزن، تُستعاد وتُنسى بلا ترتيب، كما لو أن التاريخ نفسه صار لعبة متقلبة في ذاكرته.
في زمنٍ تتراكم فيه الأزمات، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل ما نحتاجه هو مثقف يشرح لنا العالم… أم مثقف يبرّر اختلاله، يتفنن في إيهامنا بكشف الحقائق، ويتجاهل معاناة الشعوب؟